القيادة العربية الموحدة

تعود فكرة تأسيس القيادة العامة العربية الموحدة إلى ما قبل حرب 1948* عندما قرر مجلس جامعة الدول العربية إرسال الجيوش العربية إلى فلسطين. ففي 30/4/1948 اجتمع رؤساء أركان الجيوش العربية في عمان وأعلنوا: “أن التغلب على القوات اليهودية يتطلب ما لا يقل عن ست فرق كاملة مع ستة أسراب من الطائرات المقاتلة والقاصفة … وأن هذه القوات يجب أن تكون خاضعة لقيادة عامة موحدة تسيطر عليها وتحركها وفق خطة معينة”. ولقد جرت حول موضوع “القيادة العامة الموحدة” مداولات كثيرة دون التوصل إلى حل مرض. وكانت جامعة الدول العربية قد عينت في 16/2/1948. اللواء الركن اسماعيل صفوة قائداً عاماً لجميع القوات المقاتلة في فلسطين، على أن يرجع في أعماله إلى لجنة مؤلفة من بعض السياسيين والعسكريين الذين يمثلون الدول العربية. ولكنه سرعان ما استقال من هذا المنصب للصعوبات التي جابهها في تصريف أمور القيادة. وعندما قررت الجامعة اشتراك الجيوش العربية النظامية في حرب فلسطين (رَ: حرب 1948) أصر الملك عبد الله على أن يتولى القيادة العامة لهذه الجيوش. ومع أن بعض الدول العربية عارضت ذلك فقد اضطرت في النهاية إلى تلبية طلب الملك عبدالله، على أن ينوب عنه في القادة الفعلية اللواء الركن نور الدين محمود قائد القوات العراقية. كان من أهم أسباب فشل العرب في حرب 1948 عجز القيادة العامة العربية عن السيطرة على الجيوش العربية التي اشتركت في تلك الحرب، فقد كان كل جيش يتلقى أوامره من قيادته الأصلية وغدت القيادة العامة اسماً بلا مسمى. شعرت الدول العربية بعد حرب فلسطين الأولى (1948) بوجوب التعاون العسكري بينها لمجابهة الخطر الصهيوني القائم بين ظهرانيها. ولذلك وقعت في 17/6/1950 “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي” التي اشتهرت بعدئذ بـ “ميثاق الضمان الجماعي”. وبموجب هذه المعاهدة والبروتوكولات الملحقة بها تألفت ثلاثة أجهزة لتحقيق التنسيق بين الجيوش العربية وقياداتها وتأمين التعاون العسكري بينها، وهي: 1) اللجنة العسكرية الدائمة: وتتألف من ممثلي هيئات أركان جيوش الدول العربية المتعاقدة، وواجبها إعداد الخطط العسكرية لمواجهة الأخطار التي تواجهها الدول العربية وتقديم المقترحات بشأن تنفيذها. 2) الهيئة الاستشارية العسكرية: وتتألف من رؤساء أركان الجيوش العربية، وواجها الإشراف على اللجنة العسكرية الدائمة وتوجيهها. مجلس الدفاع المشترك: ويضم وزراء الخارجية والدفاع العرب، ومهمته إصدار القرارات حول تنفيذ “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي” في جانبها العسكري، والمصادقة على مقترحات اللجنة العسكرية الدائمة والهيئة الاستشارية العسكرية وتوصياتها. تنص المعاهدة صراحة وبصورة تفصيلية على تشكيل القيادة العامة الموحدة التي هي الأداة الفعلية لقيادة الجيوش العربية، وتأمين التعاون العسكري بينها في السلم والحرب. غير أنه يستدل من البند الخامس من الملحق العسكري لهذه المعاهدة أن الدول العربية كانت قد اتجههت لإنشاء مثل هذه القيادة في زمن الحرب، وأنها اتفقت على أن “تكون هذه القيادة من حق الدولة التي تكون قواتها المشتركة في العمليات أكثر عدداً وعدة من قوات غيرها من الدول العربية” في حين أنه كان ينبغي وجود هذه القيادة زمن السلم ليتيسر لها الوقت اللازم لوضع الخطط الحربية والتعرف على القوات الموضوعة تحت قيادتها وتدريبها واعدادها للقيام بواجباتها المشتركة في الحرب. ظلت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي والأجهزة الثلاثة المنبثقة عنها حبراً على ورق طوال 14 عاماً إلى أن انعقد مؤتمر القمة الأول في القاهرة يوم 13/1/1964. ففي هذا المؤتمر قرر الملوك والرؤساء العرب إنشاء القيادة العربية الموحدة فكان ذلك حدثاً هاماً في تاريخ العرب الحديث وخطوة في طريق الوحدة العسكرية العربية (رَ: القمة العربية، مؤتمرات). وقد اتفق الملوك والرؤساء العرب في مؤتمر القمة الأول على أن يكون الفريق الأول الركن علي علي عامر رئيس أركان الجيش المصري السابق قائداً عاماً للقيادة العربية الموحدة. وقد شرع الفريق علي علي عامر يؤلف قيادته فور انتهاء مؤتمر القمة، فأجرى اتصالات فورية مع وزارات الدفاع في الدول العربية لارسال الضباط الذين يمثلونها. وجاء هؤلاء الضباط إلى القاهرة دون تأخير فعقدت القيادة العامة الموحدة اجتماعها الأول في 4/3/1964. وقد اشترك في هذا الاجتماع نحو مائة من كبار الضباط الذين يمثلون الدول العربية الثلاث عشرة (الأعضاء في الجامعة العربية آنذاك). لم تحدد الدول العربية وجامعتها الواجبات التفصيلية للقيادة العامة الموحدة. إلا انه يمكن تلخيص هذه الواجبات في السلم والحرب بما يلي: أ- في السلم: 1) وضع الخطط الحربية لمجابهة أعداء الأمة العربية وفي مقدمتهم (إسرائيل) . وتتناول هذه الخطط استخدام القوات العربية الموضوعة تحت امرة القيادة العامة الموحدة للدفاع عن البلاد العربية ضد أي اعتداء يقع عليها واسترداد أراضيها المغتصبة واسترجاع حقوقها الثابتة وتحقيق أهدافها القومية. 2) العمل على توحيد الجيوش العربية من جميع الوجوه. ويتناول ذلك: (1) توحيد المصطلحات العسكرية لهذه الجيوش. (2) توحيد أسليبها العسكرية كأساليب القيادة وأعمالها والتعبئة والقتال والصيانة والتموين والمواصلات الخ. (3) توحيد تنظيم القوات المسلحة العربية. (4) توحيد التدريب العسكري في الجيوش العربية، ويتناول ذلك توحيد مناهج الدراسة في المدارس والكليات العسكرية العربية وتأسيس مدارس وكليات عسكرية مشتركة وغير ذلك من شؤون التدريب. (5) توحيد الأسلحة والمعدات العسكرية في القوات العربية المسلحة وإنشاء معامل مشتركة للأسلحة والعتاد والمعدات العسكرية في الدول العربية. (6) توحيد الأنظمة والقوانين العسكرية في الجيوش العربية. (7) توحيد الأزياء العسكرية في الجيوش العربية. 3) العمل على إعداد القوات العربية المسلحة الموضوعة تحت إمرة القيادة العامة الموحدة لتأدية واجباتها في الحرب ورفع مستوى كفايتها العسكرية لتصبح قادرة على القيام بمهامها الحربية على أحسن وجه. 4) إنماء القوات المسلحة العربية وتطويرها. 5) إنشاء شبكة مواصلات بين القيادة الموحدة والقوات الموضوعة تحت إمرتها. 6) جمع المعلومات العسكرية عن أعداء الأمة العربية وساحات الحرب التي ستقاتل فيها القوات العربية المسلحة، وتأمين التعاون بين الجيوش العربية في مجال الاستخبارات العسكرية. ب- في الحرب: 1) تنفيذ الخطط العسكرية التي كانت القيادة قد أعدتها في السلم. 2) تنسيق حركات الجيوش العربية وتأمين التعاون بين قواتها البرية والجوية والبحرية. 3) العمل على حشد أكثر ما يمكن من الإمكانات العسكرية للدول العربية في ميادين القتال. ويجب أن يتم ذلك سواء أكان العرب في حالة دفاع أم في حالة هجوم. 4) العمل على تنسيق القضايا الإدارية والمواصلات الداخلية للجيوش العربية. 5) استخدام القوة العربية المناسبة والسلاح العربي المنسب والقائد العربي المناسب في المكان والزمان المناسبين للمعركة. لم تعلن الانجازات التي قامت بها القيادة العامة الموحدة في حينها بسبب طابع السرية الذي اتسمت به. وتمكن بعضهم يؤكد أن انجازات هذه القيادة كانت كثيرة ويلخصها منذ ولادتها عام 1964 حتى حرب 1967* بما يلي: 1) دراسة التنظيم التفصيلي لأجهزة القيادة وتحديد واجباتها في ضوء توصيات الملوك والرؤساء العرب في مؤتمر القمة الأول. وقد أتمت القيادة هذه الدراسة وعرضت مقترحاتها على مجلس الدفاع المشترك فصادق عليها. 2) إنشاء الجهاز الكامل للقيادة ممثلة فيه الجيوش العربية يصبح قادراً على القيام بواجباته في السلم والحرب. 3) تحديد قوات الدول العربية الموضوعة تحت إمرة القيادة العامة الموحدة. 4) تأمين شبكة المواصلات بين مقرها والقوات العربية التي وضعت تحت قيادتها. 5) دراسة مسارح العمليات المحيطة (بإسرائيل) وإعداد الخطط التي من شأنها أن تساعد على التعاون بين الجيوش العربية في الحرب. 6) تنسيق عمليات الاستطلاع اللازمة لإعداد خطط التحشد العسكري والحركات العسكرية. وقد أوقفت القيادة العامة الموحدة ممثليها من الضباط إلى مسارح العمليات المتاخمة (لإسرائيل) وإلى الجيوش العربية للقيام بهذا الواجب الحيوي. 7) دراسة الأعمال والإجراءات التي تقوم بها الأجهزة الفنية للجامعة العربية لتحويل مياه نهر الأردن وإعداد الخطط لحماية هذه الأعمال والإجراءات. 8) متابعة تنفيذ قرارات مؤتمر القمة حول توفير الأموال اللازمة لدعم الجيوش العربية وإتمام تشكيلات المقترحة والاشراف على تشكيل الوحدات الجديدة بما في ذلك جيش التحرير الفلسطيني* وإعدادها. 9) إعداد وتقدير وقف عسكري “وضعت على  هديه الخطط اللازمة لتنفيذ القوات مهامها والواجبات التي كلفت بها في مؤتمرات القمة. 10) دراسة خطط الجيوش العربية والتنسيق بينها لتأمين التعاون العسكري العربي. 11) تأمين الاتصال الشخصي بين ضباط جيوش الدول العربية في المناورات والمؤتمرات العسكرية والدورات التدريبية والزيارات المتبادلة. 13) توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية خلال عام 1965، لكن الجيوش العربية لم تلتزم اجمالاً بالمصطلحات التي أقرتها القيادة. 14) إصدار توجيهات وتعليمات تدريبية للقوات التي بأمرتها. وهذه الانجازات تستحق التقدير، ولا سيما إذا أخذ في الاعتبار أن هذه القيادة عملت خلال مدة قصيرة لا تزيد على سنة ونصف (بين منتصف عام 1964 ونهاية عام 1966). على الرغم من أن مؤتمر القمة الثالث المنعقد في أيلول 1965 في الدار البيضاء قرار دعم القيادة العربية الموحدة، فإن الذي حدث بعد المؤتمر المذكور كان على العكس من ذلك. فقد واجهت هذه القيادة كثيراً من العراقيل والعقبات من بعض الدول العربية فضعفت شيئاً فشيئاً بسبب الإهمال والتجاهل وأصبحت مجمدة قبل حرب حزيران 1967. وفي ضوء سياسة المحاور التي سادت الوطن العربي خلال الستينات اتجهت الدول العربية المتاخمة (لإسرائيل) إلى عقد اتفاقيات عسكرية ثنائية، الأمر الذي أدى أيضاً إلى إضعاف القيادة العامة وضمور نشاطها. فقد عقدت مصر اتفاقية عسكرية ثنائية مع سورية في أيار 1967، ثم عقدت اتفاقية عسكرية ثنائية مع الأردن في 30/5/1967. وقد انضم العراق إلى الاتفاقية الثانية وأرسل قواته بموجبها إلى الأردن ومصر خلال حرب حزيران 1967. على أن هذه الاتفاقيات العسكرية الثابتة جاءت متأخرة واقتصرت على أربع دول عربية فقط. ولذلك فإن فائدتها في الحرب كانت قليلة ومحدودة في حين أنه لو اعتمدت الدول العربية على قيادة عامة موحدة جاهزة قبل الحرب بوقت كان ليسر لها ذلك سبيل السيطرة على جيوشها واستخدامها في حري حزيران 1967 وفق الخطط التي كانت قد أعدتها. أما بعد حرب 1967 فقد أحيل الفريق الأول الركن علي علي عامر قائد القيادة العامة الموحدة على التقاعد ولم تفكر الدول العربية في تعيين قائد جديد مكانه. كما لم تفكر هذه الدول أو جامعتها في إحياء القيادة العامة الموحدة وإعادة بنائها على أسس قوية وثابتة، الأمر الذي أدى بالنتيجة إلى نسيانها مع أن احياءها ضرورة قومية ملحة.   المراجع:   محمود شيت خطاب: دراسات في الوحدة العسكرية العربية، القاهرة 1969. حسن مصطفى: التعاون العسكري العربي، بيروت 1964. صالح صائب الجبوري: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، بيروت 1970. صالح مهدي عماش: الوحدة عسكرياً، بيروت 1967. عارف العارف: النكبة، ج1 وج2، بيروت 1956. سيد نوفل: العمل العربي المشترك، القاهرة 1968.   القيادة المشتركة اللبنانية الفلسطينية: رَ: الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية في لبنان (جبهة -)