القرامطة

فرقة من الباطنية يجمعها مع الدولة الفاطمية جار مشترك هو الدعوة الاسماعيلية التي انطلقت من بلدة (سورية) حيث أقام قادتها الذين اختلفت المصادر حول هويتهم: هل هم أئمة من نسل علي بن أبي طالب؟ أم هم من نسل ميمون القداح الفارسي ادعوا النسب العلوي سداً شرعياً لامامتهم؟ أو أنهم قداحون نسباً وأئمة مستودعون للامام المستقر أو الناطق العلوي؟ مهما يكن من أمر فان العقيدة الأساسية التي جمعت الطرفين، فاطميين* وقراطمة، تقوم على أساس تجليات الألوهية عن طريق الفيض المتكرر وتتمثل بالعقل الكلي والنفس الكلية التي تجسدت للبشر عدة مرات بامام ناطق يكون له امام مستودع يتلقى الوحي منه ويخلفه بعد موته وينشر رسالته ويكشف معناها للسالكين. ويليه ستة أئمة من نوعه ليظهر ناطق جديد أو تجسيد جديد ينسخ شريعة من سبقه. وقد تم آخر تجسد في الناطق محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق بعد سلسلة الأئمة: الحسن فالحسين فعلي بن الحسين فمحمد بن علي فجعفر الصادق فابنه اسماعيل فمحمد بن اسماعيل الذي كان امامه المستودع عبد الله بن ميمون القداح. واعتبروا من ناحية أخرى أن تعاليم القرآن كلها ليست إلا صوراً للحض على طاعة الامام. ويجب للوصول إلى معناها الحقيقي تأويلها. ومن اتبع النص الحرفي لا يكون مؤمنا حقا بل جاهلاً وكافراً يؤمن على سبيل المثال بأن القيامة والحشر للأجساد بينما هو عودة الروح إلى مبدئها. وأبطل العارفون بالحقيقة على صعيد الطقوس الكثير من الفرائض كالصلوات الخمس والصيام والتعاليم التي تنهي عن أكل لحم بعض الحيوانات. وقد شهد الرحالة ناصر خسرو ذلك لدى قرامطة البحرين الذين يسمنون الكلاب ويبيعونها. ولكنهم لم يكونوا يشربون الخمر. أما على الصعيد التطبيقي فلم يكن الالتزام بمحور المذهب، وهو طاعة الامام، سارياً عندهم جميعاً، فبعض قادة قرامطة الشام أدعوا الامامة. وإذا قام قرامطة البحرين بطاعة الامام الذي ظهر في المغرب على رأس الدولة الفاطمية فإنهم لم يطيعوه لأمد طويل بل وثبوا عليه عند تضارب المصالح. ولم يكن لقواعد المذاهب الدينية الأساسية الرجحان بل للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة بكل جماعة قرمطية. والراجح من مجموع الروايات أن الشخصية التي هيمنت على الدعوة في بدء نشاطها هي شخصية عبد الله بن ميمون القداح الذي انطلق من مدينة عسكر مكرم ثم اختبأ أمداً في البصرة، وقام أخيراً إلى سلمية حيث نظم الدعوة التي تفرعت منها الحركة القرمطية بمسعى الحسين الأهوازي، فبدأت في جنوب العراق ومن هناك تفرعت إلى البحرين والشام. وفي الشام كان عيدان مساعد حمدان قرمط قد عين زكرويه بن مهروية داعيا في العراق الغربي، فبث هذا دعوته في جماعة من كلب* وتوصل إلى ضم الفخذ الكلبي المعروف ببني العليص بن ضمضم بن عمدي بن جناب ومواليهم فبايعوا في آخر 289هـ/أواخر 901م بناحية السماوة ابنه يحيى المكنى أبا القاسم ولقبوه الشيخ. وادعى يحيى الامامة وأن أباه داعية له وأن من معجزاته أن ناقته االتي يركبها مأمورة وإذا اتبعوها في سيرها ظفروا. وعندما قصدهم شبل الديلمي مولى الخليفة العباسي المعتضد هاجموه على حين غرة وقتلوه ثم أحرقوا مسجد الرصافة وعبروا الفرات إلى الأراضي الداخلة في قطاع الطولونيين التي يحكمها طغج بن جف المقيم بمدينة دمشق فخرج لمواجهتهم دون أهبة ظنا منه أنهم ليسوا سوى جماعة من البدو فهزم ولحق بقاعدته دمشق. ثم أرسل إليهم فتاه بشيراً فهزموه أيضاً. ونزلوا على دمشق بين داريا والمزة وحاصروها مدة سبعة أشهر، ثم وصلت النجدات من مصر وقتل الشيخ القرمطي. فبايع أتباعه أخاه الحسين بن زكرويه وهو في العشرين من العمر. وأدعى هذا أنه المهدي المنظر. وعلى شاكلة أخيه زعم أن الشامة أو الحال الذي في وجهه آيته، وأن اسمه الحقيقي أحمد بن عبد الله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، أي أنه الامام المنظر. وخلع على أقربائه الذين وافوه أسماء تجعلهم في مصاف الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم. وبعد ذلك كرر الغارات على بلاد الشام، وكان مصيره آخر الأمر هزيمة أمام جيش عبلسي عند حماة (291هـ/903م) فتفوق أتباعه وأسر مع بعض أعوانه وقتلوا في بغداد. أنفذ زكرويه بعد ذلك رجلا آخر لقيادة القرامطة في الشام هو عبد الله بن سعيد، ويكتى ابن غانم، فسمى نفسه نصراً. وقد وصل إلى الشام في فترة كان حاكمها ابن كيغلغ في مصر للقضاء على ثائر هناك. ووجه القائد القرمطي ضربته إلى جنوب الشام عند خروجه عام 293هـ/905 -906م مبتدئاً بمدينتي بصرى وأذرعات، وطبق على أهلهما اثر انتصاره الحكم الذي يصيب الناكثين من قتل المقاتلة وسبي الذراري واستصفاء الأموال. وتوجه بعد ذلك إلى دمشق. وعندما خرج واليها لقتاله هزم وقتل. لكن المدينة صمدت أمام القرمطي فيمم وجهه شطر الجنوب مرة أخرى متجهاً إلى طبرية* قاعدة جند الأردن. وقد تعاظم جيشه بمن افتتن به من جند دمشق وما حولها. فخرج إليهم يوسف بن ابراهيم بن بغامردي عامل ابن كيغلغ على الأردن فكسروه، وقتلوه. وفي هذه الأثناء كان الخليفة قد أرسل القائد الحسين بن حمدان لطرد القرامطة من الشام فانسحبوا من طبرية عندما علموا بوجوده على مقربة منهم. ولما لاحقهم عبر البادية غوروا المياه وطموا الآبار خلفهم. ثم اصطدموا بأهل هيت على الفرات، وفاجأهم في آخر العام جيش عباسي فاعتال أحدهم قائده القرمطي كي يتقرب برأسه إلى الخليفة مما أوقع بأسهم بينهم فتفرقوا ولجأت جماعاتهم إلى القبائل العربية. يلاحظ من نشاط الفرع القرمطي في الشام أنه يكاد يكون حملات بدو على المناطق الحضرية تخرب وتقتل وتنهب. وهو أمر ينسجم مع الوضع الاجتماعي لمن اتبعوا الدعوة أكثر مما ينسجم مع المبادىء التي نادى بها حمدان قرمط وطبقتها قرامطة البحرين في بلدهم. كما يلاحظ الابتعاد أيضاً في قضية الامانة اذ ادعى أبناء زكرويه أنهم أئمة وأنهم من آل محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق. وبرغم ذلك يبقى خيط يصل بين المبادىء القرمطية الأولى وحركة قرامطة الشام ويظهر في توجيه زكرويه الدعوة إلى محيط فيه تفاوت رغم بداوته، إذ لم توجه الدعوة إلى قبائل أجيرة لدى التجار. ثم أتى ابنه الشيخ بعده ليعزف على وتر تفاوت أعمق ضمن بنية القبيلة التي تبعته وتنقسم إلى صرحاء وموال فحمل – كما يقول الطبري – “موالي بني العايص على صريحهم، فقتلوا جماعة منهم واستذلوهم”. بعد هذه النكبات التي حلت بقرامطة الشام خمد نشاطهم وخلت بلاد الشام من حركات لهم طوال ما يزيد على نصف قرن كاد قرامطة البحرين خلاله يصبحون سادة شرق الجزيرة العربية تشتري الحكومة المركزية كفهم عنها وعن طريق الحج بالمال. وتجاوز نفوذهم ذلك ليصل إلى أعالي دجلة والفرات وشمال العراق والشام حيث سعى الحمدانيون ليبذل أقصى ما يستطيعون من جهد لاسترضائهم. وفي الفترة نفسها أجبر قرامطة البحرين حكام الشام الاخشيديين على دفع الاتاوة لهم عندما قام الحسن الأعصم أحد زعمائهم بالهجوم على الشام عامي 353هـ/964م و357هـ/967-968م. وقد غلب في الهجمة الثانية على دمشق ولى عليها وشاحا السلمي نائباً عنه، ثم توجه إلى الرملة* حيث كان أمير الشام الأخشيدي الحسن بن عبد الله بن طغج بن جف قد نقل مقره من دمشق استعداداً للدفاع عن الشام في وجه الفاطميين. فأقام الحسن الأعصم بمواجهة ثلاثين يوماً وما دخلها بتوسط فقيهها المالكي أبي بكر محمد بن علي النابلسي. ويذكر القاضي عباس أن أبا بكر انما فعل ذلك رغبة “في مداراته على بلده لئلا يستبيحه فأدخله الرملة ولم يحالفه أهل البلد ووقوا كثيرا من شره”. ولكن يبدو أن هذا الفقيه المالكي كان متأثراً بالصراع الطويل بين الفاطميين والمالكية في المغرب فتحالف مع القرامطة عليهم. بعد عودة القرامطة الى بلادهم اكتسح الفاطميون بلاد الشام حتى دمشق فعاد القرامطة إلى الشام لأن السيطرة الفاطمية هناك تعني حرمانهم من الاتاوة التي كان يدفعها الأخشيديون لهم. ولقي القرامطة عند سيرهم إلى الشام عوناً من أطراف متعددة عل رأسها الحكومة المركزية التي يسيطر عليها البويهيون في بغداد. فسار الأعصم نحو دمشق حيث قتل جعفر بن فلاح القائد الفاطمي، ونزل على المزة في 6 ذي القعدة سنة 360هـ/31 آب 971م ثم غادرها إلى الرملة بعدما ترك بدمشق ظالم بن موهوب العقيلي والياً. وكان في الرملة سعادة بن حيان نائبا لجعفر بن فلاح بدمشق. وقد غادرها إلى يافا* عندما علم باقتراب القرامطة وتحصن بقلعتها فدخل الحسن الأعصم القرمطي الأعصم القرمطي الرملة وقتل من عثر عليه فيها من المغاربة واستحلف فيها أبا محمد عبد الله بن عبيد الله الحسني، كما عين جماعة لحصار يافا يقودهم أبو المنجا عبد الله بن علي بن منجا القرمطي. وعبر فلسطين إلى مصر حيث نزل في عين شمس على أبواب القاهرة في 20 صفر سنة 361هـ/12 كانون الأول 971م. وبعد عشرة أيام احتدم القتال مدة ثلاثة أيام انتهت بتفسخ جيشه وقيام بني طيىء* وعقيل المرافقين له بنهب عسكره فانهزم عن طريق شمال البحر الأحمر إلى بلدة الأحساء. ثم عاد في 7 رمضان يحارب الفاطميين مستخدما قواته بحرية إضافة إلى القوات البرية. وكانت مجموعاته تتسلل في نواحي الشام ومصر حتى الصعيد فتجبي الأموال وتنشر الذعر حيثما حلت. وبعد انقصاء أمد تهيأ الفاطميون والقرامطة لمعركة فاصلة جرت أمام القاهرة في رجب سنة 363هـ/نيسان 974م وانهزم القرمطي حتى أذرعات الشام ومنها غادر إلى بلدة الأحساء. وقام رجال الفاطميين في الشام بالقضاء على ما تبقى للقرامطة من نفوذ واستردوا دمشق في 10 رمضان سنة 363هـ/ 4 حزيران 974م، وقبضوا على كثيرين من بينهم شيخ الرملة أبو بكر النابلسي وحملوهم إلى القاهرة حيث نكلوا بهم. بعد سنتين تقريباً عاد القرامطة مرة أخرى إلى الشام بدعوة من القائد التركي أفتكين الذي كان ينازع الفاطميين السيطرة على دمشق وفلسطين. فقد كاتب أفتكين قرامطة البحرين فوافاه منهم اسحاق وكسرى وجعفر من أبناء أبي سعيد الجنابي عام 365هـ/975 -976م. ووجههم مع بعض أتباعه نحو فلسطين كي يكونوا سداً بينه وبين الفاطميين فيتفرغ للعمل في جهات أخرى من الأردن وغرب دمشق. وقد سار هؤلاء القرامطة نحو الرملة فهرب منهم وإليها أبو محمد ابراهيم بن جعفر ولجأ إلى يافا فلاحقوه وضربوا الحصار على المدينة دون جدوى حتى مل كل من الطرفين الحرب وصار يحدث بعضهم بعضاً. ورد الخليفة الفاطمي العزيز على ذلك بإرسال حملة كبيرة إلى فلسطين يقودها جوهر الصقلي فتجمع المتحالفون في مكان واحد لمواجهة إذ انسحب القرامطة من الرملة وانسحب أفتكين من جوار عكا* التي كان يحاصرها وتمركز الجميع في طبرية. وهناك انسحب القرامطة إلى بلادهم باستثناء جعفر، كما رأى أفتكين أنه لا قبل له بمواجهة جوهر فارند نحو دمشق بعدما سحب الغلال من حوران والبثنية ليخرم المهاجمين منها. من ناحية أخرى تابع جوهر تقدمه عبر فلسطين ونزل دمشق في 21 ذي القعدة سنة 365هـ/22 تموز 976م. وبعد قتال دام قرابة شهرين كاتب أفتكين الحسن الأعصم القرمطي وفورد جوابه إلى عمه جعفر بأنه قادم، ويبدأ جيش جوهر يقاسي قلة المؤن والبرد والثلج حول دمشق. فلما بلغه ما يدير له انسحب إلى طبرية. ولكن الحسن الأعصم القرمطي توجه إليها مباشرة من البرية ولحق به أفتكين. وانسحب جوهر مرة أخرى إلى الرملة حيث تحصن بالزيتون المحيط بها ولكنه ترك المجال أمام خصومه فسيحاً فتحكموا بموقع استراتيجي كان كل من يملك الرملة في السابق يحرص على التمسك به، وهو نهر أبي فطرس الواقع شمال المدينة وعليه تعتمد المدينة في التزود بالماء لأن الصهاريج داخلها لا تكفي. وعندما حاول جوهر اجلاء أعدائه عن الموقع تحارب الطرفان مدة ثلاثة أيام هزم جوهر بعدها ودخل الحليفان الرملة حيث توفي الحسن الأعصم في 23 رجب 316هـ/18 آذار 977م. استمرت الحرب في فلسطين بين الطرفين سبعة عشر شهراً تابع خلالها جوهر انسحابه إلى عسقلان حيث حاصره التحالفان وقلت لديه الأقوات خاصة في الشتاء عندما تعذر ايصالها إليه بحراً. فجرت مفاوضات أسفرت عن تسليم عسقلان مع الحفاظ على حياة الجند الفاطميين وقائدهم بشروط مذلة اذ قبل جوهر دفع الفدية والخروج من عسقلان من باب علق عليه سيف أفتكين ورمح القرمطي، وذلك آخر سنة 367هـ/أواسط977م. لم يلبث الحلف بين القرامطة وأفتكين أن تداعي سواء بعد هذا الاتفاق مباشرة أو بعد معركة أخرى قادها العزيز الفاطمي وجرت بجوار الرملة في 22 محرم سنة 368هـ/30 آب سنة 978م وأسر فيها أفتكين وهرب القرمطي. ولجأ العزيز إلى الاتفاق مع القرامطة وتقديم 30.000 دينار سنوياً لهم مقابل الكف عن الإغارة على الشام. ودفع لهم اتاوة سنة مقدماً. وربما انقطعت غاراتهم بعد ذلك لا بسبب الاتاوة فحسب بل لما حل بدولتهم في البحرين من ضعف.   المراجع:   ابن تغري بردى: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1348-1375هـ. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت 1966. ناصر خسرو: سفر نامة (مترجم)، القاهرة 1945. ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، القاهرة 1936. ابن خلكان: وفيات الأعيان، بيروت 1968. الدواداري: الدرة المضية في أخبار الدولة الفاطمية، القاهرة 1960. ثابت بن سنان: تاريخ أخبار القرامطة، بيروت 1971. الطبري: تاريخ الرسل والملوك، القاهرة 1969. ابن عساكر: تهذيب ابن عساكر، دمشق 1329-1333هـ. القاضي عياض: ترتيب المدارك، بيروت. ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، بيروت 1908. محمد بن شاكر الكتبي: فوات الوفيات والذيل عليها، بيروت 1973-1974. المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت 1966- المقزيزي: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، القاهرة 1967، 1971. يحيى بن سعيد: تاريخ يحيى بن سعيد، باريس 1932. De Goeje: Memoire sur les Carmathes, Leide 1886. De Sacy : Expose de la religion des Druzes, Paris 1838. Lewis, B .: Origins of Ismailism,Cambridge   القراؤون: رَ: يهود البلاد العربية