الفرنجة

كان العالم العربي والإسلامي في نصف القرن الذي سبق الحروب الصليبية يعيش في حالة من الفوضى والتمزق والدمار لا نظير لها. وقد نشأت هذه الحالة مع مجيء السلجوقيين* وهجرة مجموعات الغز البداة إليه، فسهل على هؤلاء البداة احتلال بلاد الشام وتمزيقها وتهديمها. ففي القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي كانت أجزاء كبيرة من الحدود الشمالية لبلاد الشام وشمالها الغربي تحت الحكم البيزنطي بعد فترة الصراع الحمداني – البيزنطي في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. وأما الأجزاء الجنوبية من بلاد الشام مع سواحلها فقد كانت خاضعة لحكم الفاطميين في مصر. وقد حاول الفاطميون* منذ سيطرتهم إلى الشام جميعها ولكنهم لم يستطيعوا ذلك بسبب المواجهة البيزنطية في الشمال. ثم إن ضعف الدولة الفاطمية منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي أدى إلى تقلص نفوذهم في بلاد الشام، مما أفسح المجال لقيام بعض الإمارات المستقلة في الجنوب منها: دولة ابن أبي عقيل في صور، ودولة بني عمار في طرابلس. وذلك بالإضافة إلى العلاقات السيئة التي كانت بين الخلافتين الفاطمية الشيعية والعباسية السنية، والصراعات المذهبية التي استشرت في بلاد الشام. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة تفتيت البلاد وتمزيقها وضعفها فانعدمت روح الجهاد والبذل والعطاء لدى الناس وأصيب الجميع بحالة من الخور والخذلان لا حد لها. خرجت بلاد الشام من أيدي الفاطميين سنة 463هـ/1070م فاستولى عليها أمراء السلاجقة وأقطعوا أعوانهم. وقد عانى أهالي الشام الكثير من عسفهم وظلمهم. وهذا بالإضافة إلى أن الصراع على السلطة بلغ أشده بين الأمراء السلاجقة أنفسهم فوهنت قوتهم وخارت عزائمهم بسبب تلك الحروب الطاحنة. وكانت طلائع القوات الصليبية قد وصلت إلى البسفور في منتصف رجب 490هـ/ أواخر حزيران 1091م، أي بعد تولي أمير الجيوش الأفضل بن بندر الجمالي الوزارة في مصر بثلاث سنوات. ثم واصلت هذه القوات تقدمها عبر الأناضول فاحتلت نيقية (من أعمال استنابول) ومرعش وحصون الدروب ووصلت إلى البارة وجبل السماق (من أعمال حلب) وفامية وكفر طاب (بين المعرة وحلب) ونواحيها، وأخيراً اصطفت جموعها أمام أنطاكية وشددت عليها الحصار مدة تسعة أشهر فسقطت بأيديهم في أول رجب 491هـ/3 حزيران 1098م وأقاموا فيها إمارة صليبية. أما بيت المقدس الذي لم يزل بأيدي المسلمين منذ افتتحه عمر ابن الخطاب* سنة 16هـ فكان تحت حكم الأميرين سكمان وايلغازي ولدي الأمير أرتق بن أكسب. وقد آل إليهما بعد وفاته سنة 484هـ/1091م وبقيا يحكمانه حتى سنة 491هـ/1098م حين خرج الأفضل من مصر واستولى عليه وجعل الأمير افتخار الدولة والياً عليه، ثم عاد بقواته إلى مصر. وأثناء وجود الأفضل في القدس كانت جموع الفرنج في طريقها إلى الجنوب، فسقطت بأيديهم معرة النعمان وحصن الأكراد وانطرسوس وعرقة وبانياس. وسالمتهم كل من طرابلس وبيروت وصيدا وصور، ولم يظهروا الأذى لجموعها. وأخيراً وصلوا إلى الرملة* في منتصف رجب 492هـ/ أوائل حزيران 1099م ثم زحفوا نحو القدس*. وقد استمات أهالي المدينة وأهالي القرى المجاورة في الدفاع عن مدينتهم ولكنها لم تقو على المقاومة فسقطت بأيدي الافرنج يوم الجمعة 22 شعبان 492هـ/ 15 تموز 1099م. وقد استباحوا المدينة المقدسة وقتلوا كل السكان الموجودين فيها ولم يتركوا منهم إمرأة ولا طفلاً. ويذكر المؤرخ الفرنسي فوشيه دي شارتر الذي كان مرافقاً للحملة الأولى وأرخ لها يوماً بيوم أنه: “كانت القدم تغوص حتى الكاحل في دماء المسلمين”. ويعلق المؤرخ اللاتيني وليم الصوري على ذلك فيقول: “لم يكن بالإمكان التطلع إلى هذا العدد الهائل من القتلى دون أن تصاب بفزع شديد. فكل الأرض كانت ملطخة بدماء القتلى”. وأما المؤرخون المسلمون فيذكر ابن الأثير منهم أن الفرنج قتلوا في المسجد الأقصى* سبعين ألفاً من بينهم عشرة آلاف عالم وفقيه. حاول أمراء الشام الوقوف في وجه الخطر الداهم فاجتمعوا. ولكن الخلاف مافتىء أن دب في صفوفهم لانعدام الثقة بينهم فتفرقوا. وأما المستعلي الخليفة الفاطمي فأرسل إلى السلطان السلجوقي بركيا روق يطلب منه نجدة أهل الشام. ولكن ظروف السلاجقة لم تساعدهم على التصدي للفرنج بسبب الصراع بين أمرائهم وحروبهم المتواصلة، مما أدى إلى إنهاك قواتهم. وأما الخلافة الفاطمية في القاهرة فإن وزيرها الأفضل شاهنشاه تواطأ مع الفرنج وأرسل إليهم السفارات في أنطاكية. وعندما كانوا حول طرابلس هنأهم على هذا النجاح وطلب منهم اقتسام بلاد الشام بينهم وبينه، فالأجزاء الشمالية لهم وله الأجزاء الجنوبية. ولذا خرج من مصر وانتزع القدس من صاحبها ثم عاد إلى مصر مطمئنا إلى أن الفرنج لن يتعرضوا لأملاكه. ولكن الفرنج، وقد رأوا الحالة المزرية التي عليها بلاد الشام، نقضوا الاتفاق وساروا إلى القدس هدفهم الأول واحتلوها وسفكوا دماء سكانها. وبعد احتلال القدس أقام الثلاثين فيها مملكة القدس اللاتينية* (492 -583هـ/1099 – 1187م) وانتخبوا الأمير غود فري دي بويون على رأسها. ولكنه لم يطلق على نفسه اسم ملك بل لقب “حامي المدينة المقدسة”. ثم أن عدداً كبيراً من أمراء الحملة الصليبية الأولى عادوا إلى بلادهم بعد سنة من احتلال القدس، ولم يبق في الساحل الشامي وفي فلسطين سوى عدد قليل من الجنود بلغوا ثلاثمائة فارس وألفين من المشاة. وعلى الرغم من ذلك لم يقم مسلمو الشرق بمحاولة زحزحتهم عن أماكنهم. فقد كان بامكان الأفضل وزير الدولة الفاطمية التي كانت أكبر دولة في الشرق العربي انتزاع أملاك الصليبيين، أو على الأقل إحراجهم وضعضعة مركزهم في فلسطين. ولكنه لم يفعل (رَ: الفاطميون). وعندما طلبت منه أرسوف* النجدة أرسل في شهر ربيع الأول 493هـ/ شباط 1100م قوة صغيرة لا تتجاوز الثلاثمائة رجل لحمايتها، ولكن هذه القوة لم تقو على الصمود، مما اضطر أهالي المدينة إلى تسليمها للفرنج. ومما يزيد الأمر دهشة أن القوات الفرنجة القليلة العدد تمكنت من فرض سيطرتها على أجزاء كبيرة من فلسطين فاستولت على قيسارية* سنة 493هـ/ 1100م وهزمت المصريين في عسقلان. ثم عمد غود فري إلى تعمير ثغر يافا* وتحصينها فمكنه ذلك من قطع اتصال الساحل الفلسطيني بمصر، وأخذت السفن الأوروبية ترد إلى يافا، وتحولت التجارة إليها، وأصبحت بندر بيت المقدس على البحر المتوسط. وبعد وفاة غود فري سنة 493هـ/1100م تولى السلطة في القدس أخوه بغدوين الأول، وتم تتويجه ملكا على مملكة القدس في صفر 494هـ/ كانون الأول 1100م. وبذا تكونت في فلسطين مملكة لاتينية علمانية وإن كان لرجال الدين نفوذ مشهود فيها. وعمد بغدوين الأول الى زيادة أملاك الفرنج في فلسطين وخارجها. ففي شوال سنة 494هـ/ آب 1100م سقطت مدينة حيفا* بأيديهم بعد أن قامت حاميتها المصرية بالدفاع عنها مدة طويلة. وكانت حيفا ثغراً تجارياً هاماً ومركزاً مزدهراً للصناعات البحرية. حاولت الدولة الفاطمية بزعامة وزيرها الأفضل شاهنشاه بن بندر الجمالي الأرمني الوقوف في وجه المد الفرنجي في الساحل الفلسطيني، ولكن هذا لم يوفق رغم الحملات الكثيرة التي أرسلها ووصفها المؤرخون بأنها حملات استعراضية. فقد كان عليه الوقوف في وجههم حال قدومهم إلى الشام لا التعاون معهم وتسهيل مهمتهم في احتلال بيت المقدس والساحل الشامي كله. ثم ان بغدوين الأول سار بقواته إلى عكا*وهاجمها براً وبحراً وقاتل وإليها من قبل الأفضل زهر الدولة الجيوشي. وعندما شعر الوالي بالعجز طلب الأمان، ولكن بغدوين رفض ودخل المدينة عنوة في شهر رمضان 497هـ/ 26 أيار 1104م فأعمل فيها النهب والقتل والذبح. وأكمل الفرنج احتلالهم لمدن الشام بغدوين الأول مع صنجيل صاحب أنطاكية من حصار طرابلس براً وبحراً. وسلمت المدينة في 11 ذي الحجة 502هـ/ 12 تموز 1109م بعد حصار دام سبعة أعوام، ولم تستطع أساطيل الأفضل نجدتها. وبعد سقوط طرابلس سقطت بقية المدن الساحلية، فسقطت بيروت في شهر شوال 503هـ/ أيار 1110م، وسلمت صيدا في جمادي الآخرة 504هـ/ كانون الأول 1110مولم يبق في الساحل سوى مدينتي صور وعسقلان. وقد علق غروسيه أحد مؤرخي الحروب الصليبية على هذا النجاح الهائل الذي لقيه الفرنج في فلسطين والشام فقال: “كان من حظ ملوك بيت المقدس أنهم لم يواجهوا من جهة الغرب (مصر) إلا قوادا خاملين لم يستطيعوا الاستفادة من الظروف الممتازة التي كانت تمنحهم إياها مصر باعتبارها أكبر وأغنى دولة إسلامية في الشرق العربي”. عمل الفرنج في فلسطين على التوسع خارج المناطق التي احتلوها، وكانت منطقة جنوب شرقي الأردن وجهة نظرهم لأنها أصبحت بعد احتلال فلسطين همزة الوصل والربط بين أجزاء العالم العربي والإسلامي إضافة إلى خصب أراضيها وتحكمها بطرق القوافل التجارية بين الشام ومصر والجنوب العربي، ثم للوصول إلى البحر الأحمر وتحويل جزء من تجارته إلى مملكة اللاتين في القدس. كما أن هذه المنطقة تقع  على التخوم الشمالية لبلاد الحجاز وتهدد أقدس مقدسات المسلمين في مكة والمدينة. اندفع بغدوين الأول سنة 509هـ/ 1115م بقواته نحو جنوب الأردن، واستقر به المقام في الشوبك حيث أعاد بناء قلعتها ووسمها بمونتريال ثم شحنها بالرجال والعتاد وعاد إلى القدس. وفي السنة التالية (510هـ/ 1116م) وصلت قواته إلى البحر الأحمر فاحتل أيلة (العقبة) وبني فيها قلعتين الأول بحرية في جزيرة فرعون والأخرى برية وشحنهما بالرجال والعتاد وبذا أصبح للفرنج وجود في البحر الأحمر وحولوا جزءاً من تجارته إلى مملكة اللاتين في القدس. ولما كانت مملكة اللاتين جسماً غريباً حل في قلب الوطن العربي فقد رفضه العرب والمسلمون. ولكي يحمي الفرنج أنفسهم من جيرانهم المسلمين أقاموا خطاً دفاعياً حول ممتلكاتهم في فلسطين يتمثل في الكثير من القلاع والحصون في الشمال والشرق عبر منطقة شرقي الأردن وفي الجنوب حول عسقلان آخر المعاقل الفاطمية في فلسطين. ثم أكملوا احتلال الساحل بالاستيلاء على صور سنة 518هـ/ 1124م، وبذا أصبح الساحل الفلسطيني ما عدا عسقلان بأيديهم. ثم ان الملك فولك الأنجوي أكمل توسع الافرنج في شرقي الأردن فاحتل الكرك وأعاد بناء قلعتها سنة 537هـ/ 1142م ونقل إليها مركز البارونية. وكانت مملكة الفرنج في القدس تشتمل على أربع بارونيات هي: بارونية صيدا وبارونية الجليل وبارونية يافا وبارونية شرقي الأردن (الكرك) وهي أهمها. وقد طبق الفرنج في فلسطين النظم الاقطاعية التي خبروها وعاشوها في أوروبا، فالملك هو رأس الهرم الاقطاعي في مملكة بيت المقدس يليه أربعة من كبار الأمراء الذين يتولون بارونياتها الأربع. وكان في كل بارونية إدارة مستقلة كانت أشبه بمملكة مصغرة. ثم هناك الأمراء الأقل رتبة الذين يحكمون عادة بقية المدن الفلسطينية، وكل أمير من هؤلاء يعترف بالتبعية لسيده الاقطاعي ويقدم له الخدمة العسكرية حسب القواعد والنظم الاقطاعية. ولم يكن لهذه الخدمة وقتت محدد ولا مشروط بعدد الفرسان الذين يقدمهم المقطع بسبب الظروف غير المستقرة للفرنج وحروبهم المستمرة مع المسلمين المجاورين. ومهما تعددت سلطات الملك فقد كانت مقيدة. فكثير من المسائل لم يكن ينظر أو يبت فيها سوى المحكمة العليا، وهي هيئة فضائية لم تلبث أن اتسعت اختصاصاتها وصلاحياتها فأصبحت تمثل هيئة تشريعية. وكان لا بد من مواقفها على أي قانون أو تشريع جديد في المملكة. وكان من اختصاصها أيضاً فض المنازعات والخلافات بين البلاد في المملكة. ومن حقها توجيه سياستها العامة. وكان هناك أيضاً كثير من المحاكم الأخرى ذات الاختصاصات المختلفة والمتفرقة. وقد امتازت حياة الفرنج في فلسطين نشاط اقتصادي جيد فتمكنوا من امتلاك الكثير من المدن في الساحل والأراضي الخصبة التي عمل فيها فلاحون وطنيون. وصدر الفرنج من فلسطين الزيت والزيتون والحمضيات إلى الغرب الأوروبي. وأما قصب السكر الذي ازدهرت صناعته في غور الأردن والساحل والكرك والشوبك فقد صدروره إلى أوروبا، بل نقلوا زراعته إلى الغرب الأوروبي. وكذلك صدر الفرنج من فلسطين الأقمشة والملابس الحريرية والزجاج* والبسط والسجاد بالإضافة إلى المنتوجات الشرقية القادمة من الهند والصين إلى دمشق ثم إلى عكا وبيت المقدس ويافا. وحتى الفرنج من جراء ذلك الأموال والأرباح الطائلة. وقد منحت مملكة بيت المقدس الامتيازات التجارية للمدن الايطالية التجارية: جنوة والبندقية وبيزا وفلورنسا، فامتلك هؤلاء أحياء خاصة بهم في عكا وصور وبيروت وصيدا ويافا، وأقاموا الفنادق والبنوك الخاصة بهم لتسهيل مهماتهم التجارية. حتى انه كان في بيت المقدس فرع لإحدى الشركات التجارية الفلورنسية الكبيرة بالإضافة إلى أن مملكة القدس كانت تفرض الضرائب على القوافل التجارية المارة عبر بارونية الكرك، وقد جنت من جراء ذلك الكثير من الأموال. ولم يكن هناك انسجام بين طبقات الفرنج المختلفة في فلسطين مما أدى إلى انعدام التآلف بين طبقاتهم وكان عاملاً مهما في اخفاقهم في بلاد الشام. فهناك الطبقة الارستقراطية الحاكمة من النبلاء والفرسان، وهؤلاء هم الأوروبيون، وكانوا قلة بلغوا ألف فارس في مملكة القدس على أكثر تقدير. ثم هناك طبقة المحاربين الفرنج، وهؤلاء ليسوا من بلاد الغرب بل من المحاربين المشاة، وقد استقروا في فلسطين وتزوجوا من المسيحيات الوطنيات الشرقيات فنتج من هذا التزاوج نشوء طبقة جديدة من آباء غريبين وأمهات شرقيات أرمنيات أو سريانيات وحلت هذه الطبقة المولدة مع الوقت مكان الطبقة السابقة وقامت بدورها في خدمة الوجود الصليبي في فلسطين. ثم هناك طبقة المسيحيين الشرقيين من أرمن وموارنة وسريانيات وحلت هذه الطبقة المولدة مع الوقت سكان الطبقة السابقة وقامت بدورها في خدمة الوجود الصليبي في فلسطين. ثم هناك طبقة المسيحيين الشرقيين من أرمن وموارنة وسريان ويعاقبه وقبط. وهؤلاء الشرقيون كانوا محتقرين في المجتمع الفرنجي، وعلى عاتقهم كانت تقع مهمة القيام بالمهن الحقيرة التي كان الغربيون يأنفون من مزاولتها. فالشرقيون لم يكونوا طبقة حاكمة لا في بيت المقدس ولا في الامارات الصليبية الأخرى في الشام عامة. وأما التجار الايطاليون فقد كانوا طبقة مستقلة مقامهم في المدن الهامة كعكا ويافا وحيفا وقيسارية وأرسوف وبيت المقدس، وكانت لهم فنادقهم وأحياؤهم الخاصة. أما المسلمون سكان البلاد الأصلاء فقد سكنوا في المدن والبلاد التي احتلها الفرنج،ولكن قسماً من سكان فلسطين هجرها إلى المناطق المجاورة كشرقي الأردن، ودمشق، وأنفوا من التعاون مع الصليبيين. ولذا تعطلت الزراعة في أكثر المدن الساحلية الفلسطينية. وقد عمل هؤلاء على محاربة الوجود الفرنجي وقدموا خدمات المسلمين المهاجمين. وهم كما يقول وليم الصوري “القرويون المستوطنون”. فقد انضم هؤلاء إلى كتائب المسلمين في بلاد الشام وساعدوهم كأدلاء لهم عندما يدخلون فلسطين. ويضيف وليم الصوري قائلاً: “إنهم علموا عدونا كيف يدمرنا لأنهم يملكون معلومات كافية عن حالتنا”. ثم هناك أخيراً طبقة الأفنان والعبيد الذين كانوا يباعون كالمواشي ويعاملهم الاقطاعيون الفرنج في فلسطين أسوأ معاملة. وكان من استراتيجية الفرنجة في فلسطين التوسع على حساب الديار المصرية لأن الدولة الفاطمية كانت في طور الاحتقار. وبلغت هذه السياسة مداها في عهد الملك أموري الذي طلب العون من الدولة البيزنطية لإرسال حملة إلى مصر واحتلالها. ولكن نور الدين محمود بن زنكي* لم يمكنه من ذلك وأرسل إلى مصر أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي*. وبعد محاولات تمكن شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي*. وبعد محاولات تمكن شيركوه من ابعاد الخطر الفرنجي عن مصر وأصبح وزيراً للخليفة العاضد. ولكنه ما لبث أن توفي بعد شهرين وخمسة أيام من توليه الوزارة فتسلم القيادة صلاح الدين الأيوبي الذي تمكن بكياسته وشجاعته من القضاء على كل المؤامرات الداخلية والخارجية، ومن تثبيت أركان دولته في مصر واسقاط الخلافة الفاطمية في أول محرم 567هـ/10 أيلول 1171م. وكان صلاح الدين قد احتل في سنة 566هـ/1170م أيلة(العقبة) وأنهى الوجود الفرنجي في البحر الأحمر فأصبح الطريق ميسراً للجيوش والقوافل التجارية عبر منطقة جنوب شرقي الأردن الطريق الوحيد الذي يربط مصر بالشام والعراق والجنوب العربي. وكان التوسع الكبير للفرنج في فلسطين وبلاد الشام قد بلغ أوجه عند منتصف القرن الخامس الهجري ثم بدأ يخبو رويداً رويداً بظهور عماد الدين زنكي، ثم نور الدين محمود، وبعدهما صلاح الدين الأيوبي. ففي هذه الفترة بدأت الصحوة العربية الإسلامية بتحرير الرها سنة 539هـ/1144م. وتبدل الموقف لصالح العرب والمسلمين ومال ميزان القوى في فلسطين والشام عامة إلى جانبهم. وبدأ الزنكيون والنوريون يمهدون لوحدة العالم العربي والإسلامي التي فيها النصر الأكيد لهم. وكانت الاستراتيجية التي ركز عليها الفرنج في فلسطين وبلاد الشام هي إبقاء الفرقة والنزاع بين صفوف العرب والمسلمين لأن في ذلك حياتهم وبقاءهم. أدرك صلاح الدين بعد معركة تل الصالحية قرب الرملة سنة 573هـ/1177م أن لا نصر له على الفرنج إلا من خلال جبهة بلاد الشام فنقل قواته إلى دمشق وبدأ نشاطه منها لأن الجبهة الشامية أقرب إلى قلب فلسطين وخطوط امداداته فيها قصيرة، بالإضافة إلى وفرة الرجال والعتاد فيها وبدأ يضيق الخناق على بارونية الكرك، ثم عمل على توحيد الجبهة الإسلامية فجمع الجيوش المصرية والشامية والعراقية وسار بها إلى فلسطين فكان له في معركة حطين*(583هـ/1187م) وحرر بيت المقدس والساحل الفلسطيني فسقطت مملكة اللاتين في القدس. وبذا تقلص الوجود الفرنجي في فلسطين. لكن أوروبا سارعت إلى إرسال الحملة الصليبية الثالثة التي دعا إليها البابا أوربان الثالث وبعده البابا غريغوري الثامن. وقد تألفت هذه الحملة من ثلاث مجموعات رئيسة على رأس كل منها ملك من ملوك أوروبا. وكانت المجموعة الأولى من ألمانيا بقيادة الامبراطور فريدريك برباروسا. وقد سلكت الطرق البرية ولذلك اصطدمت بالامبراطورية البيزنطية. وكانت المجموعة الثانية من فرنسا بقيادة الملك فيليب أغسطس، والمجموعة الثالثة من انكلترا بقيادة ريشارد قلب الأسد. وقدم الفرنسيون والانكليز بحراً مباشرة إلى عكا بعدما ثم التغلب على المشكلات المالية والسياسية. وتمكنت هذه الحملة التي انطلقت بعد قرابة قرن من انطلاق الحملة الأولى من احتلال عكا سنة 587هـ/1191م وإعادة حكم اللاتين إلى فلسطين مكونة المملكة الصليبية الساحلية في عكا*. وبعد مفاوضات طويلة عقد صلح الرملة* في 20 شعبان 588هـ/9 أيلول 1992م وكان من ضمن ما قضى به بقاء القدس للمسلمين شرط السماح للمسيحيين بالزيارة والحج، واحتفاظ الصليبيين بالساحل من يافا إلى عكا (رَ: الرملة، صلح). وبعد ستة أشهر من عقد صلح الرملة توفي صلاح الدين عن سن بلغت سبعاً وخمسين عاماً (رَ: يوسف بن أيوب). وقد أغضب صلح الرملة الباسوية التي دعت إلى حملة رابعة. وتجمع عدد كبير من المتطوعين تقرر حملهم على السفن التابعة للبندقية. ولكن الحملة لم تصل إلى فلسطين بل اتجهت نحو القسطنطينية ضمن ملابسات معقدة وأقامت فيها حكماً لاتينياً لمدة طويلة. استفاد الفرنج في عكا من الصراعات والنزاعات الأيوبية فوسعوا رقعة أملاكهم في فلسطين (رَ: العصر الأيوبي)، حتى انهم خرجوا من عكا بالحملة الصليبية الخامسة بقيادة ملك عكا يوحنا برين إلى دمياط بالديار المصرية سنة 615هـ/1218م. وعندما شعر الكامل محمد بن محمد بن أيوب* بخطورة الموقف فاوضهم على الصلح وعرض عليهم القدس ومعظم الفتوح الصلاحية. ولكنهم رفضوا ذلك وطالبوا بمنطقة جنوب شرقي الأردن (الكرك والشوبك) التي رفض الأيوبيون التفريط بها لأنها صلاة الوصل بين شقي الدولة في دمشق والقاهرة. وكان بامكان الفرنج زيادة رقعة أملاكهم في فلسطين وإعادة القدس إليهم لو قبلوا هذه العروض المغرية. وأخيراً تمكن الأيوبيون مجتمعين من حشد قواتهم في مصر وطردوا الفرنج فعادوا خاسرين إلى عكا. أدى الخلاف الذي نشب بين الكامل محمد والمعظم عيسى بن أحمد بن أيوب* إلى استنجاد الكامل محمد بفريدريك الثاني امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة وتسلميه القدس إن هو ساعده على أخيه المعظم عيسى. وفعلاً قدم فريدريك في الحملة الصليبية السادسة. ولكي يحقق الكامل محمد أطماعه في الاستيلاء على دمشق وبلاد الشام ويخضع خصومه فيها سلمته بيت المقدس دون حرب في ربيع الأول 626هـ/شباط 1229م، مما أشار نقمة المسلمين فلم يغفروا له تلك الفعلة الشنيعة ونعته المؤرخون المعاصرون بالخيانة والتقصير. ويذكر هذا الموقف بموقف الأفضل شاهنشاه بن بندر الجمالي الأرمني الذي فرط بالمدينة المقدسة في الحملة الصليبية الأولى ومهد لاحتلالها. ثم إن الخلافات والصراعات الدامية التي حدثت في بلاد الشام بين الملوك الأيوبيين بعد موت الكامل محمد سلطان مصر والمعظم عيسى ملك دمشق، ووصول الصالح نجم الدين أيوب الى حكم مصر والصالح عماد الدين اسماعيل إلى حكم دمشق، أدت جميعها إلى تقوية مركز الفرنج في عكا وزيادة أملاكهم في فلسطين. وقد عقد الصالح اسماعيل حلفاً معهم وسلمهم القدس وصفد* وقلعة الشقيف وطبرية* وقيسارية ومناصفات صيدا وجبل عاملة ومعظم بلاد الساحل ليقفوا معه في وجه الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر. واشتركت قواتهم معه في وجه الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر. واشتركت قواتهم معه في معركة هربيا بين عسقلان وغزة سنة 642هـ/1244م، ولكن هذه المعركة أسفرت عن هزيمة جيش الصالح اسماعيل وحلفائه الفرنج وقتل فيها معظم أفراد جيش الصليبيين في فلسطين، فقد ضعفوا بعدها ولم يتمكنوا من التوسع واكتفوا بالاحتفاظ بالمدن الساحلية الفلسطينية مستفيدين في بقائهم من الظروف غير المستقرة في بلاد الشام، ومن كونهم وسطاء للتجارة الدولية القادمة عبر عكا (رَ: غزة، معركة – الثانية). وبعد قيام الدولة المملوكية (رَ: المماليك) سنة 648هـ/1250م في مصر حاول الفرنج في عكا، بتأييد من الباسوية في روما، الاستفادة من التعاون مع التتار*، فأقيم تحالف لضرب القوة المملوكية الناشئة وإعادة السيطرة على فلسطين وبيت المقدس بالذات، ولكن هذه الجهود لم تكلل بالنجاح. وقد جعل المماليك قتال الفرنج هدفاً وسياسة عامة سار عليها ملوكهم وسلاطينهم، ومنهم الظاهر بيبرس* والمنصور قلاوون* والأشرف خليل*. وقد هزم المماليك الحملة الصليبية التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع في موقعة المنصورة بالقرب من دمياط في مصر سنة 648هـ/1250م وتم أسر لويس نفسه. وكانت هذه الحملة آخر الحملات الصليبية. وقد قام الظاهر بيبرس بدور كبير في محاربة الفرنج في بلاد الشام وتطهيرها منهم فكان في حركة دائمة مستمرة يقوم بالعارات على ممتلكاتهم. ولكنه كان يلجأ أحياناً رغم ذلك إلى توقيع المعاهدات معهم إذا أحس بحاجته إلى ذلك. وقد جرت العادة أن تكون مدتها عشر سنوات وعشرة شهخور وعشرة أيام وعشر ساعات. وبعد أن فرغ من القضاء على المشكلات الداخلية في دولته توجه إلى حرب الفرنج. ففي سنة 662هـ/1263م خرج إلى فلسطين. ولما وصلت قواته إلى عكا خرج الفرنج إليه يطلبون تجديد الهدنة ويتعهدون باطلاق سراح أسرى المسلمين والمحافظة على العهود والمواثيق. ولكن بيبرس لم يكترث لمطالبهم وآثر مهاجمة مواقعهم المختلفة، ولا سيما عكا، ليعرف أماكن القوة والضعف فيهم إلى أن يحين الوقت لاستنقاذ البلدان والمواقع التي كانوا يحتلونها. ولم تكن قوة الفرنجة بقادرة على اعتراض سبيله. خرج الظاهر بيبرس إلى فلسطين ثانية سنة 664هـ/1265م فاستولى على قيسارية المحصنة وعدم أسوارها وهاجم قسم من جيشه عكا وضرب حيفا. ثم سقطت أرسوف في بدء في السنة نفسها. وفي السنة التالية خرج إلى فلسطين مرة أخرى وحاصر صفد وفتحها وهدم أسوارها. ثم عاد إلى فلسطين في سنة 666هـ/1267م فأرسل إليه الفرنجة يطلبون الهدنة. وكان يتبع سياسة مهادنة بعضهم دون الآخر حتى لا تتجمع قواهم في وجه. وقد مكنته هذه السياسة من تحرير أنطاكية سنة 667هـ/1268م. وبعد استيلاؤه عليها أكبر نصر حققه المسلمون على الفرنجة في الشام منذ تحرير صلاح الدين بيت المقدس سنة 583هـ/1187م. وقد وافق بيبرس بعد فتح أنطاكية على عقد هدنة مع عكا مدتها عشر سنوات على أن تكون أعمال عكا مناصفة بين الطرفين ويستولي هو على المرتفعات المحيطة بصيدا. تابع السلطان المنصور سيف الدين قلاوون مسيرة تحرير بلاد الشام من الفرنج بعد الظاهر بيبرس.ففي عهده حدث تحالف ثلاثي ضم التتار والصليبيين في الشام وسنقر الأشقر نائب دمشق الثائر. ولكن تحالفهم أخفق وبدأ قلاوون  يشدد الخناق على الفرنج فاحتل حصن المرقب سنة 684هـ/1285م واستولى على اللاذقية سنة 686هـ/1287م وعلى طرابلس سنة 688هـ/1289م. وقد استفاد قلاوون من حالة الفرنج غير المستقرة في عكا خاصة وبلاد الشام عامة بسبب الصراعات والمنازعات على السلطة فقوي مركزه وتمت له تصفية الوجود الفرنجي في الشرق العربي. ولم يبق في هذه الفترة بيد الفرنج على الساحل الشامي سوق عكا وصور وصيدا وعتليت”*. وجد قلاوون أن الوقت قد حان لتصفية الوجود الصليبي في فلسطين فانتهز حادثة مهاجمة الفرنج في عكا تجار المسلمين وقتلهم عدداً منهم فأعلن الجهاد وطلب القوات من جميع أنحاء مصر والشام. وأقام خارج القاهرة ينتظر وصول الامدادات ولكنه مرض فجأة وتوفي في ذي القعدة 689هـ/10 تشرين الثاني 1290 فخلفه ابنه الأشرف صلاح الدين خليل. وقد حاول الفرنج في عكا الاستفادة من الوضع الجديد ومن التغيير في القيادة المملوكية فعرضوا على الأشرف خليل عقد هدنة يضع هو شروطها ولكنه رفض وأكمل الاستعداد وسار إلى عكا وحاصرها بمساعدة القوات الشامية وتمكن من تحريرها في 17 جمادى الأولى 690هـ/ 18 أيار 1291 بعد أن هرب ملكها هنري الثاني إلى قبرص. وبعد فتح عكا استولى الأشرف خليل على صيدا وصور وحيفا وعتليت وأمر بهدم تحصيناتها جميعاً. وهكذا سقطت آخر المعاقل الصليبية فالشرق العربي في أيدي المماليك وانتهى وجود الفرنجة في فلسطين والشام بعد قرنين من الزمان (492 – 690هـ/1099 – 1291م).   المراجع:   ابن الأثير: الكامل في التاريخ، القاهرة 1357هـ. ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، القاهرة 1964. ابن عبد الظاهر: تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، القاهرة 1961. ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، القاهرة 1953 – 1977. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1932 – 1972. شافع بن علي: حسن المناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية، الرياض 1976. العماد الكاتب: الفتح القسي في الفتح القدسي، القاهرة 1965. المقزيزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، القاهرة 1934 – 1973. المقزيزي: اتعاظ الحنفاء في أخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، القاهرة 1971. سعيد عاشور: تاريخ الحركة الصليبية، القاهرة 1975. سعيد عاشور: الظاهر بيبرس، القاهرة 1963. يوسف غوانمة: إمارة الكرك الأيوبية، عمان 1980. يوسف غوانمة: تاريخ شرقي الأردن في عصر دولة الممماليك، عمان 1979. Atiya, A.: The Crusade in the Later Middle ages, New York Fulcher of Chartre: A History of the Expedition to Jerusalem, New York R.: Histoire des Croisades et du Royaume franc de Jerusalem, Paris 1936. Rey: Les Colonies Franques de Syrie Aux XII Et XIII Siecles. Paris Runciman, S.: A History of the Crusades, Cambridge Schlumberger: Renaud de Chatillon, Paris 1898. Setton, K.M.: A History of the Crusades, Philadelphia William of Tyre: A History of Deeds done beyond the Sea, New York