الفرزيون

شعب ورد ذكره مع الشعوب التي كانت تستوطن أرض كنعان* (فلسطين) قبل الغزو الإسرائيلي ومما ورد عنهم أن إبراهيم الخليل* أقام بعد وصوله إلى فلسطين في أراض كان أصحابها من الكنعانيين والفرزيين (سفر التكوين 30:34)، وأن هؤلاء كانوا يقيمون في مناطق جبلية غنية بمواردها “تدر لبناً” في عهد يشوع، أي في بداية الغزو الاسرائيلي (سفر الخروج 8:3). ولما كانت هجرة إبراهيم الخليل من جنوب العراق إلى المناطق الغربية قد حدثت وفقاً لتقديرات أغلب المؤرخين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد فمن الممكن القول إن الفرزيين جاؤوا إلى فلسطين خلال ذلك القرن أو قبله. ولكن من الصعب جداً، في ضوء ما يتيسر من الأدلة في الوقت الحاضر، تحديد تأريخ قاطع لقدومهم إليها. من هم الفرزيون؟ وما سلاتهم ببقية شعوب الشرق الأدنى القديم؟ ان هذين السؤالين من الأسئلة التي لم يستطع المؤرخون الإجابة عنها إجابة مقتنعة لأن الفرزيين لم يذكروا في المصادر المدونة القديمة، وما ورد عنهم في التوراة* قليل جداً لا يساعد على الوصول إلى رأي قاطع بشأنهم. ويرى أغلب الباحثين استناداً إلى رواية التوراة التي لم تنسب الفرزيين إلى كنعان أنهم لم يكونوا من الشعوب السامية ويرى بعض الباحثين إن للفرزيين صلة بالشعوب الحوري الذي انتشر في الألف الثاني قبل الميلاد في منطقة واسعة من الشرق الأدنى شملت بلاد الأناضول وشمال العراق وسورية وفلسطين (رَ: الحوريون). ويشيرون، كدليل على رأيهم هذا، إلى اسم مبعوث الملك الميتاني (ملك الحوريين) توشراتا إلى ملك مصر المعاصر له، وهو “بيري/ إزي Pire/ izzi ” الذي فيه شبه واضح مع اسم الفرزيين. ويضاف إلى ذلك اكتشاف اسم “بيرزو Pirzu” بين الأسماء الحورية التي جمعت من مدونات مدينة نوزي التي كانت مركزاً من مراكز الحضارة الحورية الرئيسة في شرق العراق (قرب مدينة كركوك الحديثة التي كانت تعرف قديما باسم أريحا). وفي ضوء ما تقدم يخلص أصحاب هذا الرأي إلى أن الفرزيين ربما كانوا في الأصل من الأقوام التي انتشرت في بلاد الأناضول وهاجرت منها جنوباً حتى وصل قسم منها إلى فلسطين كما وصل إليها الحوريون* والحثيون*. وكان الفرزيون يمتهنون مهنة الحدادة، وكانوا قد تعلموها في بلاد الأناضول التي عرف فيها الحديد لأول مرة في تاريخ الشرق القديم. وربما جاؤوا إلى فلسطين عبيد أحياناً. ويتفق هذا الرأي في جزء منه مع رأي آخر يرى في الأحرف الثلاثة التي تدخل في تركيب اسم الفرزيين، وهي “الباءP  والراء والزاي”، دلالة على وجود ارتباط بين هذا الاسم والكلمة الأكدية “بارزي Purzi” والكلمة السامية الغربية “بارزيل Barzil”، وهما كلمتان معناهما: حديد. ويستنتج من هذا الارتباط المفترض أن الفرزيين كانوا يمتهنون أعمال الحدادة، وأن اسمهم هذا استمد من هذه المهنة. إن هذا الرأي الذي يربط بين الفرزيين ومهنة الحدادة يتعارض وحقيقة استندت إلى أدلة أثرية هي أن استخدام معدن الحديد في فلسطين يعود إلى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد في حين تشير كتب التوراة إلى وجود الفرزيين في فلسطين قبل هذا التاريخ بعدة قرون. ويرى بعض المؤرخين أن لاسم الفرزيين ارتباطاً بـ “بيرازوت Perasot”، وهي عبارة تعني “المدن والقرى غير المسورة”. وخلصوا من ذلك إلى أن الفرزيين كانوا يقيمون على وجه الافتراض خارج المدن المسورة ويمتهنون الرعي*. ويتفق هذا الرأي إلى حد بعيد مع ما ورد عنهم في سفر الخروج من أنهم كانوا يقيمون في مناطق جبلية. إن الآراء المتضاربة في أصل الفرزيين وصلاتهم القومية تدل على مدى الغموض الذي يكشف تاريخ هذا الشعب، وذلك لأن المصادر القديمة التي ورد فيها ذكر فلسطين أهملت الفرزيين لأسباب غير واضحة على حين تحدثت عن شعوب أخرى كثيرة. ولذلك ما زال المؤرخون ينتظرون أدلة جديدة تلقي الضوء على ما خفي من ذلك التاريخ، وعلى دور الفرزيين في تاريخ فلسطين القديم.   المراجع:   أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ، بغداد 1972. W.F.: Journal of the Palestine Oriental Society (JPOS), 2. 1922. Grinsberg and Maisler : JPOS., 14, 1934.