الفاطميون

قامت دولة الفاطميين في المهدية بتونس سنة 297هـ/909م إلا أن الفاطميين كانوا يطمعون في احتلال مصر. وقد تم لهم ذلك سنة 359هـ/969م على يد جوهر الصقلي الذي بنى القاهرة. فانتقل إليها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله واتخذها عاصمة له سنة 362هـ/973م. واستقرار الفاطميين في مصر حملتهم بطبيعة الحال على الاهتمام ببلاد الشام. فهم، مثل من سبقهم ومن لحقهم، كانوا يرون في هذه البلاد الحصن الطبيعي لمصر، والمنفذ التجاري لها، ومصدر الأخشاب والزيت والحديد. وكان للفاطميين دافع آخر إلى احتلال بلاد الشام هو الخلاف بينهم وبين العباسيين. فهؤلاء سنيون وأولئك شيعيون. والخصومة والنزاع بين الفريقين كانا على أشدهما (رَ: العصر العباسي). فالفاطميون كانوا يعدون بلاد الشام، وفلسطين جسرها ومداخلها، أرض معركة مع العباسيين. كما كانت مركز دفاع ضد هجمات البيزنطيين، ونقطة هامة لصد غارات القراطمة* الذين كانوا قد هاجروها من قبل. ويضاف إلى هذا أن فلول الاخشيديين الذي قضى الفاطمين عليهم في مصر كانت لا تزال في جنوب الشام، وكان لا بد من استئصالها. ومن هنا كان للفاطميين خصوم أقوياء يتحتم دفع عاديتهم، وأصبح احتلال بلاد الشام أمراً حيوياً بالنسبة إلى الدولة الفاطمية في موطنها الجديد مصر. وقد عمل جوهر الصقلي على فتح فلسطين منذ أن توطد للفاطميين نقوذ في مصر (أي قبل أن يأتي المعز لدين الله إلى مصر)، فأرسل إلى حملة إلى فلسطين سنة 359هـ/969م، فانتصر قائدها جعفر بن فلاح في الرملة* على الاخشيديين، واستأنف السير إلى طبرية* إلا أن جعفر بن فلاح اتبع سياسة عنف في المناطق التي احتلها، ولا سيما في دمشق. وكان الحسن بن أحمد القرمطي طلب من الفاطميين أن يدفعوا له الأتاوة التي كان الاخشيديون يدفعونها له فامتنعوا عن ذلك. فأعد هذا جيشاً، وجاءته مساعدة من البويهيين والحمدانيين، وسار لمقابلة جعفر بن فلاح وانتصر عليه سنة 360هـ/970م قرب دمشق،ثم اتجه جنوبا ودخل الرملة. بل إن الحسن سار إلى مصر ومعه حسان بن الجراح الطائي الفلسطيني. ولكن بني طيء تخلوا عن الحسن فانهزم وارتد إلى بلاد الشام. عندها قرب المعز لدين الله الفاطمي (342 -365هـ/953 – 975م) بنى الجراح الطائيين، وتم له بذلك استعادة سلطان الفاطميين على بلاد الشام. ولكن الفتنة ما لبثت أن عادت إلى البلاد بسبب سوء تصرف الجند الفاطميين ،وأدت الاضطرابات إلى تزعزع الحكم الفاطمي في البلاد. وزاد الطين بلة قيام أفتكين التركي وجنوده الأتراك بغزو بلاد الشام (بمساعدة الحمدانيين أمراء حلب). فدخل دمشق، ثم احتل عكا* وطبرية وتغلب على القوات الفاطمية (363هـ/ 974م). وأرسل الخليفة الفاطمي العزيز بالله (365 – 386هـ/975 – 996م) جوهر الصقلي. سنة 365هـ/975م على رأس حملة احتلت فلسطين ووصلت إلى دمشق فاستنجد أفتكين والحسن بن أحمد القرطمي. وانسحب جوهر إلى الرملة فعسقلان بعد أن نفذت أقواته وتأخرت المساعدات عنه، وعقد صلحاً شائنا مع أفتكين وانسحب إلى مصر مهزوماً. إلا أن الخليفة العزيز قاد بنفسه حملة ضد أفتكين كان على مقدمتها جوهر الصقلي ودار القتال حول مدينة الرملة أواخر 366هـ/977م فأوقع الجيش الفاطمي الهزيمة بأفتكين. وهرب هذا ولكن قبض عليه وحمل إلى القاهرة فعفا الخليفة العزيز عنه لشجاعته. وأما الحسن بن أحمد القرمطي فمضى منهزماً إلى طبرية، ثم عاد إلى مركز إدارته في الاحساء. في غمرة هذا النزاع العنيف والحروب المتشعبة قام بنو الجراح بمحاولة لإنشاء دولة مستقلة لهم في فلسطين في أواخر القرن العاشر الميلادي. وقد ثاروا بالرملة 378هـ/988م بقيادة مفرج بن دعفل، ولكن الجيش الفاطمي الذي أرسل لقتلهم انتصر عليهم. وعادت المحاولة الجراحية ثانية سنة 400هـ/1009م وكان الزعيم يومها حسان بن مفرج الذي استولى على الرملة وعمل على إقامة خلافة فلسطين، فاستدعى أمير مكة أبا الفتوح وبايعه بالخلافة سنة 400هـ/1010م (رَ: الحسن بن جعفر الموسوي). وجاءت حملة فاطمية للقضاء على الحركة فهزمت، وظل بنو الجراح متغلين على فلسطين. أما أبا الفتوح فعاد إلى مكة واعتذر للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (386-411هـ/996 – 1021م) فعفا عنه. وأخيراً جاءت حملة فاطمية سنة 404هـ/1013م إلى الرملة فهزم الجراحون. إلا أن حسان بن مفرج بن الجراح عاد إلى أحلامه فعقد سنة 415هـ/1024م اتفاقاً مع صالح بن مرداس وسنان بن عليان على إخراج الفاطميين من بلاد الشام لتكون له فلسطين من الرملة إلى حدود مصر. ولكن الجيش الفاطمي الذي جاء إلى فلسطين سنة 420هـ/1029م هزم هؤلاء الخلفاء عند طبرية فهرب حسان الجراح، واسترد الفاطميون فلسطين وأواسط سورية، وأخفقوا على الرغم من كثرة محاولاتهم في التغلب على شمال سورية. على أن قوة جديدة جاءت بلاد الشام من الشرق وأصبحت خصماً للفاطميين فيها فالسلاجقة الذين دخلوا بغداد سنة 430هـ/1038م بقيادة طغرل بك اهتموا ببلاد الشام. وكان السلاجقة سنيين فأرادوا أن يعيدوا البلاد إلى السلطة العباسية (الاسمية) وإلى نفوذهم (في الواقع). ففي أيام ملك شاه (465 – 485هـ/ 1072 – 1092م) أرسل أتمز التركماني للاستيلاء على بلاد الشام فاحتل الرملة وبيت المقدس سنة 465هـ/1072م. ولكن جيشاً فاطمياً رده على أعقابه في محاولته احتلال دمشق (رَ: السلجوقيون). ومع ذلك استولى عليها عام 467هـ/1074م. ثم أعد أتسز جيشاً كبيراً واتجه نحو مصر وعسكر في الدلتا وأساء إلى الأهالي. فنظم بدر الجمالي جيشاً لقتاله وانتصر عليه (رَ: أتسز بن أوق الخوارزمي). وفي سنة 471هـ/1078م تولى تتش (أخو ملكشاه) شؤون الشام. إلا أنه لم يهتم بالبلاد اهتماماً كافياً مع أن اضطراب الأمور الداخلية في البلاد الفاطمي كان فرصة ذهبية له للقيام بذلك. ولما قتل تتش اقسم ابناه رضوان ودقاق حكم بلاد الشام وكانت فلسطين تابعة للثاني. ودب الخلاف بين الأخوين حتى ان الفاطميين، بالرغم مما كانوا يعانون من نزاع وخصومة، أرسلوا جيشاً بقيادة الأفضل بن بدر الجمالي عام 489هـ/1095م إلى بيت المقدس فاستخلصها من السلاجقة. إلا أن خطراً جديداً غريباً داهم بلاد الشام في هذه الاثناء فقد جاء الصليبييون واحتلوا أنطاكية (492هـ/1098م)، ثم ساروا جنوباً نحو القدس* (493هـ/1099م) وانتزعوها من حاكمها الفاطمي افتخار الدولة (رَ: الفرنجة). عجز أمراء السلاجقة عن القيام بأي عمل أمام الصليبيين. وأرسل الفاطميون حملة بقيادة الأفضل بن بدر الجمالي وزيرالخليفة المستعلي فوصلت إلى عسقلان في انتظار المدد الذي وعدت به. إلا أن الصليبيين فاجأوا الجند الفاطميين ودارت بين الفريقين معارك انتهت بانهزام الجيش الفاطمي سنة 494هـ/1100م. وهكذا فإن هذه المشاحنات والمنافسات التي مرت بفلسطين في تلك الأثناء (359 – 488هـ/969 – 1095م) أضعفت الشعب والحكام وأدت إلى الكثير من الارتباك الاقتصادي والسياسي، مما سهل للصليبيين الاستيلاء على البلاد. وانتهى أمر الفاطمين في فلسطين في أيام الخليفة المستعلي. وقد قال المؤرخ المقزيزي عنه: “وفي أيامه احتلت الدولة وانقطعت الدعوة (الفاطمية) من أكثر مدن الشام. فإنها صارت بين الأتراك والفرنج”.   المراجع:   الدواداري: الدرة المضية في أخبار الدولة الفاطمية، القاهرة 1960. المقزيزي: اتعاظ الحنفاء بأخبار الفاطميين الخلفاء، القاهرة 1967 -1971. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1972، 1932. ابن شداد: الاعلاق الخطيرة في ذكر امراء الشام والجزيرة، دمشق 1962، 1956. ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، بيروت 1956. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت 1966. المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1906. Ivanov, V.A.: Ismaili Traditions Concerning the Rise of Fatimids, Bombay   الفاطور (قرية -):   تقع مساكن عرب الفاطور – وكانت في الأصل مضارب لبدو استقروا فيما بعد – في أقصى جنوب قضاء بيسان عند حدود أراضي طوباس* قريباً من خط الهدنة بين فلسطين المحتلة في عام 1948 والضفة الغربية المحتلة في عام 1967. وتتصل الفاطور بالعريضة والسامرية* شمالاً بطريق ممهدة. وهناك درب ممهد بطريق بيسان – أريحا الرئيسة. ويربطها درب آخر بقرية قاعون في الغرب. أقيمت مساكن عرب الفاطور في تجمع يمتد في أقصى الطرف الغربي لغور بيسان بمحاذاة الحافة الجبلية للغور. وتنخفض أراضي الفاطور 200م عن سطح البحر، ويجري وادي الحمرا في الجنوب من أراضيها في حين يجري وادي الردغة في الشمال منها. ويعد وادي شوباش* حداً فاصلاً بين أراضي الفاطور وأراضي الزراعة* والحمرا. وتبعد أراضي الفاطور مسافة 3 كم غربي نهر الأردن*. وتكثر المستنقعات* والبرك المائية جنوبي الفاطور. وفي ظاهرها الجنوبي تقع عين البليل وعين الدير وعين القرعان، وإلى الشرق منها يقع تل المليقف على نهر الأردن. للقرية أراض مساحتها 729 دونماً منها 12 دونماً للطرق والأودية، وتحيط بها أراضي طوباس والحمرا. ويعتمد سكان الفاطور على زراعة المحاصيل الفصلية كالخضر والحبوب. بلغ عدد سكان الفاطور في عام 1931 : 66 نسمة كانوا يقطنون في 16 مسكنا،وارتفع هذا العدد إلى 110 نسمات في عام 1945. وقد احتل اليهود أرضهم وشردوهم عام 1948.   المراجع:   مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج6، ق2، بيروت 1974.