الفاتيكان

منذ بداية الصراع العربي – الصهيوني وسياسة الفاتيكان بصدد الشرق الأوسط تسير في اتجاهين: اتجاه يهدف إلى توطيد العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم العربي حتى يتسنى للفاتيكان حماية مصالح المسيحين في الشرق أولاً، ثم بناء جبهة واحدة مع المسلمين ضد “تيارات الكفر والإلحاد”، والمقصود بها الشيوعية. اتجاه يوازي الاتجاه الأول ويهدف إلى إيجاد صيغة للتفاهم بين المسيحية واليهودية رغم العداء المستحكم بينهما بسبب إيمان المسيحيين بثبوت جريمة اليهود في صلب المسيح. وفي أعقاب حرب 1948* طالب الفاتيكان بتدويل القدس ورفض الاعتراف (بدولة إسرائيل)، وسعى إلى توطيد العلاقات مع الدول العربية. كما أصدر عدة بيانات تطالب بإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وبضرورة إنهاء ما يعانونه من آلام. حاولت (إسرائيل) منذ قيامها الحصول على اعتراف الفاتيكان بها كدولة ولكنها فشلت في ذلك. وأثناء عدوان 1956 على مصر استنكر البابا سياسة اللجوء إلى القوة في معالجة القضايا الدولية. أ- وثيقة المجمع المسكوني بشأن تبرئة اليهود من دم المسيح: بدأت الصهيونية عمليا بالسعي لاستصدار وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح في عام 1960، وذلك باعتماد سياسة التقرب من الأوساط الدينية الكاثوليكية في الغرب اثر إعلان البابا يوحنا الثالث والعشرين عن تشكيل “سكرتارية الوحدة المسيحية” التي عهد برئاستها إلى الكاردينال اليسوعي الألماني أوغسطين بيا وكلفها إجراء اتصالات تمهيدية مع كافة الفئات المسيحية غير الكاثوليكية لبدء حوار غايته تحسين العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وباقي الفئات المسيحية. غير أنه أعلن بعد مدة وجيزة أن الكاردينال بيا كلف وضع مسودة بيان عن العلاقات الكاثوليكية – اليهودية أيضاً. وجاء الإعلان عن إنشاء هذا التكليف مؤشراً ببدء نشاط صهيوني ويهودي شامل يتركز حول استصدار تصريح من الكنيسة الكاثوليكية يتناول: 1) تبرئة اليهود من تهمة “قتل الرب”. 2) اعتبار اليهود فئة دينية مستقلة لا طائفة مرشحة – من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية – لاعتناق الديانة المسيحية، أي منح الديانة اليهودية اعترافاً بتساويها مع الديانة المسيحية. 3) حذف المقاطع والنصوص التي يعتبرها اليهود ماسة بهم من كتب العبادات والصلوات الكاثوليكية. اعتبرت الأوساط الصهيونية في أوروبا وأمريكا إلى التطورات التي حصلت في أوروبا، مركز الثقل الكاثوليكي، والولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد جعلت الكنيسة الكاثوليكية مهيأة نفسانياً، بل وراغبة إلى حد ما في التقرب من اليهودية. وقد شجع الصهيونيون تيار العلمانية في دول أوروبا وأمريكا، وهو تيار يهدف إلى إزالة “الحواجز الطائفية” ونزع الحقد الديني ضد اليهود من صدور المسيحين، ونجحوا في هذا إلى حد كبير. ومن جهة أخرى استغل الصهيونيون سياسة النازية تجاه اليهود في عهد هتلر لايجاد نوع من التعاطف الأوروبي والأمريكي مع اليهود. وقد اقترن هذا في أوساط الكنيسة الكاثوليكية بشعور مبهم بالذنب الناتج عن “سكوت” الفاتيكان عن الاضطهاد النازي لليهود في عهد البابا بيوس الثاني عشر. واستغلت الحركة الصهيونية هذا الشعور على الصعيد القومي (قيام إسرائيل)، والسياسي (التلويح بمناهضة السامية*)، والمادي (جباية التبرعات) والديني – السياسي (باذكاء “عقدة الذنب” لدى الأوساط الكاثوليكية المتأثرة “بتقصير” الفاتيكان في حماية اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، وترديد أن “مناهضة السامية” نشأت في دول ذات تراث مسيحي). وكان لمحاكمة أدولف ايخمان في (إسرائيل) – وقد جرت أثناء اجتماع اللجان التحضيرية للمجمع المسكوني لعام 1960 – أثر نفسي ظاهر في مناقشات تلك الجان. ومن جهة ثالثة شعرت الكنيسة الكاثوليكية يتقلص نفوذها اثر انتشار الماركسية في عدة بلدان أوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مما دفع الفاتيكان إلى الدعوة إلى تضافر جهود “جميع المؤمنين بالديانات السماوية” لمواجهة ما أسمي “الالحاد العقائدي”، فانتقل بذلك نشاط الكاثوليكية التبشيري في تلك الفترة – في أوروبا على الأقل – من مجال كسب “مؤمنين” جدد بالكنيسة إلى ميدان توحيد جهود “المؤمنين” من أجل مواجهة خطر الإلحاد. وكان لهذا الالحاد الجديد أثره في إزالة الجفاء التاريخي بين الفاتيكان واليهودية. وقد تبلور هذا الاتجاه في قيام حركات “ليبرالية” داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها، كـ”حركة التجديد الانجيلي” التي عملت على إبراز التلازم والتكامل – الروحي والتاريخي –بين العهدين القديم والجديد، وتأسيس الجمعيات المسيحية – اليهودية في ألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا لتوثيق العلاقات بين الديانتين. أما على الصعيد الصهيوني فقد كان لقيام (دولة إسرائيل) وازدياد نفوذ الصهيونية العالمية الأثر الفعال في تعجيل حركة “غعادة الاعتبار لليهود في شتى المجالات. وقد مارست الصهيونية العالمية ضغطاً مركزاً في سبيل صدور “الوثيقة” المبرئة، إذ اعتبرت أن صدورها يزيل من دربها آخر حاجز “لقبول اليهود” على قدم المساواة مع باقي الطوائف المسيحية في المجتمع الغربي، وأن التقارب الكاثوليكي – اليهودي يشكل دعامة جديدة للادعاء الصهيوني بأن (إسرائيل) هي حصن الديمقراطية الغربية المتقدم في الشرق الأوسط، مع ما يستتبع ذلك من “مكاسب صهيونية”. وقد تركز الجهد الصهيوني في سبيل الوثيقة على مكانة وشخصية الكاردينال أوغسطين بيا الذي تعده الأوساط اليهودية من “الشخصيات الفذة” العاملة في سبيل “التقارب الكاثوليكي – اليهودي”، ولا سيما أنه قضى قرابة ثلاثة وخمسين عاماً من حياته في الدراسات العبرية، وأكد الكتاب السنوي اليهودي الأمريكي لعام 1965 أن الكاردينال بيا أعلن فور تعيينه رئيساً لسكرتارية الوحدة المسيحية أنه كلف من قبل البابا يوحنا الثالث والعشرين وضع تقرير حول العلاقات اليهودية – الكاثوليكية. فتحت تصريحات الكاردينال بيا باب الحوار مع الجمعيات الصهيونية واليهودية فتقدمت اللجنة الأمريكية اليهودية “بوثائق أساسية” حول التعاليم الكاثوليكية المتعلقة باليهودية، وخصصت صفحات مجلتها “ايفدنسEvidence ” الصادرة في أمريكا باللغة الفرنسية لندوة حول موضوع “اليهود في التعاليم المسيحية” استمرت من تشرين الثاني 1960 حتى آب 1961 وساهم فيها عدد كبير من المفكرين اليهود والكاثوليك. وقد استطاع الصهيونيون استقطاب الكثيرين من مفكري المذهب البروتستانتي وإشراكهم في المناقشات. وفي 17/11/1961 قدمت اللجنة الأمريكية – اليهودية للكاردينال بيا مذكرة أخرى حول “النصوص المناوئة لليهود في الطقوس الكاثوليكية” وطالبت بإعادة النظر فيما جاء فيها. كما طالب مندوب “ندوة الدراسات اللاهوتية في أمريكا” في مذكرة سلمها إلى الكاردينال بيا “بنقض تهمة قتل الرب، والاعتراف باليهودية كديانة مستقلة لا كفئة يتوجب كسبها للمسيحية، وتطوير التعاون الثقافي والاجتماعي، وإنشاء مراكز من قبل الكنيسة تكلف مهمة محاربة التمييز الديني العاطفي أو مناهضة السامية”. وفي آذار 1962 أرسلت المنظمة الصهيونية والجمعيات اليهودية مذكرة مشتركة إلى البابا يوحنا تحثه على حذف “الإشارات المعادية لليهود” من النصوص والصلوات والكتابات الكاثوليكية تتضمن تلميحات عن “جرائم ارتكبها اليهود بحق الديانة المسيحية”. توخت الجمعيات والمنظمات الصهيونية واليهودية من توسيع نطاق الحوار مع الفاتيكان دعم مطالبيها في وجه المعارضة التي بدأت تشتد داخل الكنيسة الكاثوليكية في البلدان العربية للاتجاه الذي تمثله لجنة الكاردينال بيا التي انتهت في ربيع عام 1962 من وضع مشروع وثيقة مسكونية حول موقف الكاثوليكية من اليهودية واليهود حاولت عرضه في الدورة الأولى للمجمع المسكوني. إلا أن الخلافات الشديدة بين أعضاء المجمع حالت دون ذلك. ولكن اليهود عاودوا محاولتهم ورشحوا الصهيوني حاييم وردي لحضور جلسة المجمع بصفة مراقب غير رسمي. احتجت الدول العربية على سياسة التدخل الإسرائيلية في أعمال مجمع ديني بحث. كما أن الضغوط الصهيونية دفعت عدداً من الكرادنة المشتركين في المجمع إلى التأكيد بأن الوثيقة أصبحت قضية سياسية. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الجمعيات الصهيونية واليهودية فقد أنهت الدورة الأولى للمجمع المسكوني أعمالها في 8/12/1962 من غير أن تقر “وثيقة التبرئة”. وتوفي البابا يوحنا الثالث والعشرين في 3/6/1963 ولم تكن الوثيقة قد صدرت. لم تؤثر هذه النكسات في نشاط الكاردينال بيا. فقد واصل محاولاته وقام بجولات إعلامية شملت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية. وقاد في ألمانيا الغربية طوال عام 1963 حملة دعائية، ولا سيما في المسارح ودور السينما والمدارس والجامعات والنقابات والجمعيات الدينة والأحزاب، كما جند رجال الفكر والأدب لخدمة هدفه. في 21/6/1963 تم انتخاب الكاردينال مونتيني خلفا للبابا يوحنا الثالث والعشرين فأعلن بعد تسلمه البابوية أنه سيكمل المهمة التي بدأها سلفه في المجمع المسكوني. وبالفعل دعا البابا الجديد “بولس السادس” إلى عقد دورة ثانية للمجمع المسكوني في 29/9/1963. وفي 17/10/1963 نشرت صحيفة النيويورك تايمز أنه قد أعد للعرض على المجمع مشروع وثيقة تعترف بالجذور اليهودية للكنيسة وتدخض فكرة مسؤولية اليهود الخالصة في صلب المسيح وتدين النزهة المناهضة للسامية. وقد تمت مناقشة هذا المشروع داخل المجمع المسكوني. إلا أن المجمع فشل في إقرار الوثيقة لوجود خلافات حادة بين أعضائه وتخوف بعضهم من العواقب السياسية التي قد تترتب على إقرارها. ولهذا تأجل الاقتراح على الوثيقة إلى اجتماع آخر. شنت الدوائر الصهيونية حملات شديدة اللهجة ضد “التأجيل على الاقتراع”، وقالت إن شعور الكراهية لليهود ما زال قائماً. في مطلع عام 1964 طرأ تطور هام على صعيد العلاقات اليهودية – المسيحية، إذ قام البابا بزيارة للأراضي المقدسة (فلسطين) فأصدر ليفي أشكول، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، وعشية هذه الزيارة بيانا أشار فيه إلى “المغزى التاريخي” لزيارة البابا (لإسرائيل)، وتمنى أن تساهم زيارة الحبر الأعظم في صنع السلام في الشرق الأوسط. وفي 5/1/1964 دخل البابا فلسطين المحتلة واستقبله رئيس (دولة إسرائيل) زلمان شازار الذي حاول بدوره تحويل هذا الاستقبال إلى مظاهرة سياسية لصالح (إسرائيل). ولكن البابا أجاب على محاولات شازار بقوله: “اننا لم نستلهم في زيارة الأراضي المقدسة سوى المقاصد الروحية المحض … لقد أتينا حجاجاً … أتينا لنقوم الصلوات”. ولقد تحاشى البابا أثناء زيارته أي إشارة إلى دولة (إسرائيل) بالاسم. وكعمل مضاد للنشاط الصهيوني قرر مجلس جامعة الدول العربية في دورته الحادية والأربعين (1964): 1) زيادة التمثيل الدبلوماسي للدول العربية لدى الفاتيكان. 2) توضيح الموقف العربي من موضوع وثيقة المجمع المسكوني. وقد أكد مجلس الجامعة أن إقرار الوثيقة يعطي الصهيونية العالمية فرصة استغلالها سياسية رغم حسن النية المتوفر لدى الفاتيكان، ودعا جميع الطوائف المسيحية في العالم العربي للوقوف ضد إقرار الوثيقة. واصلت الدوائر الصهيونية نشاطها لحمل المجمع المسكوني على إصدار وثيقة التبرئة في دورته الثالثة المنوي عقدها في أيلول 1964. ومن جهة أخرى ساهمت أخبار محاكمة المسؤولين النازيين السابقين أمام محاكم فرانكفورت وميونيخ – وكانت قد احتلت عناوين الصحف الأوروبية طوال عام 1964- في تحريك “عقدة الذنب” الراسخة في أوساط الفاتيكان المهتمة أصلاً بقضية العلاقات المسيحية – اليهودية. وقد درجت الصحف الصهيونية والصحف المؤيدة لها في سياق تقاريرها عن الوثيقة على الربط بين قضيتي تبرئة اليهود والقضاء على مناهضة السامية. تم في 12/3/ 1964 أول اتصال مباشر بين الجمعيات اليهودية العالمية والبابا بولس السادس. وطالب اليهود بضرورة إقدام البابا على السير قدماً لإقرار وثيقة التبرئة. وفي 15/4/1964 نشرت جريدة الفاتيكان الرسمية “الأويسر فاتوري رومانو” تصريحاً للكاردينال بيا، أعرب فيه عن أمله بأن “يقر المجمع المسكوني الوثيقة”. ولكن البابا تحاشى أي رد مباشر بصدد هذا الموضوع، وأصدر في 10/8/1964 أول رسالة بابوية له، دعا فيها المسلمين واليهود إلى الانضمام إليه في مسعاه “لتطوير وحماية المثل المشتركة لجميع هذه الأديان”. لكن الصهيونية واصلت حملاتها الإعلامية مطالبة بإقرار وثيقة التبرئة ونجحت في تعبئة الرأي العام الأوروبي والأمريكي. وفي جو هذه الحملة افتتحت الدورة الثالثة للمجمع المسكوني في 16/5/1964 وعرضت فيها الوثيقة للمناقشة. وقد طالب للكاردينال بيا أعضاء المجمع المسكوني بضرورة “الاقتداء بالمسيح في محبته للشعب اليهودي”. ثم شدد على ضرورة إقرار الوثيقة معلناً أنه يتوجب على المطارنة أن يكونوا مستعدين حتى لتعريض سمعتهم لخطر الاتهامات السياسية من أجل هذه الغابة. وبذل بيا جهده الشخصي لدى البابا لافناعه بإقرار الوثيقة. ونشرت الصحف الايطالية والألمانية في 14/10/1964 نبأ وقوف البابا إلى جانب المطالبين بإصدار وثيقة التبرئة. وبعد هذا التحول في موقف البابا أقر المجمع المسكوني في 21/11/1964 بشكل مبدئي، وبأكثرية 1.770 صوتاً مقابل 185 صوتاً، وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح تمهيداً لعرضها على الدورة القادمة للمجمع لإقرارها بصورة نهائية. وقد بررت الكنيسة الكاثوليكية موقفها من الوثيقة في بيان طويل جاء فيه: “لا يمكن أن تنسى الكنيسة الكاثوليكية أن المسيح ولد وسط الشعب اليهودي … ولما كان المسيحيون قد تسلموا من اليهود ذلك التراث العظيم فإن هذا المجمع المسكوني يهدف إلى … التوصية بمراعاة التعارف والاحترام المتبادل بين المسيحيين واليهود … لهذا يتوجب على الجميع أن يراعوا، سواء عند تلقين الدين المسيحي أو نشر كلمة الله أو في المحادثات اليومية، عدم ذكر أي شيء يمكن أن يثير كرها أو حقداً على اليهود في قلوب المسيحيين، كما يتوجب ألا يظهروا الشعب اليهودي بمظهر الشعب المنبوذ أو المرذول أو المسؤول عن قتل الرب … إن ما حدث للمسيح لا يمكن أن تنسبه إلى كل الشعب الذي عاصره آنذاك، ولا إلى الذين يعاصروننا اليوم طبعاً … “. اعتبرت (إسرائيل) والدوائر الصهيونية وثيقة التبرئة مكسباً سياسياً هاماً استغلته في مجالات عديدة، ولا سيما في سعيها لكسب تعاطف المسيحيين مع الحركة الصهيونية. أثار قرار الوثيقة في أوساط الطوائف المسيحية الشرقية عاصفة من الانتقادات تركزت بالدرجة الرئيسة على انكار صلاحية المجمع المسكوني لتغيير نصوص الانجيل الصريحة. كما أشارت هذه الأوساط إلى الانعكاسات السياسية التي ستترتب على إقرار الوثيقة. ففي القاهرة أعلنت الكنيسة القبطية في 26/9/1964 معارضتها لاقرار الوثيقة واتهمت الصهيونية بتضليل الكنيسة الكاثوليكية. وفي سورية عقد مطارنة الطائفة الأرثوذكسية اجتماعات في مدينة حمص لدراسة الوثيقة، وأعلنوا استنكارهم تبرئة اليهود من دم المسيح. واتخذوا في 1/10/1964 قرارات تتضمن إرسال برقية للبابا بتأييد نصوص الإنجيل بشأن جريمة “صلب المسيح”. وفي عمان أرسل أعضاء مجلس الأمة الأردني الذين يمثلون مختلف الطوائف المسيحية في الأردن في 6/10/1964 برقية إلى البابا يشجبون فيها تبرئة اليهود من دم المسيح. كما أعلن البطريرك تيودروس السادس (بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس) أن (بدعة تبرئة اليهود من دم المسيح” تعني في الواقع اعترافاً (بإسرائيل). أما في الأوساط الكاثوليكية فقد أكد الفاتيكان أن الوثيقة تحمل طابعاً دينياً فقط، وأنه ليس هناك دوافع سياسية وراءها. وعلى الرغم من ذلك ظهر في هذه الأوساط موقفان متضادان تجاه وثيقة التبرئة. موقف معارض لصدور الوثيقة تزعمه المطران الايطالي لويحي كارلي، واتجاه مؤيد للوثيقة تزعمه الكاردينال بيا ومعه كرادنة أمريكا. فقد حمل المطران لويحي على وثيقة التبرئة وأكد أن اليهود الذين عاصروا المسيح يتحملون مسؤولية جماعية عن صلب المسيح. وقال ان اليهودية المعاصرة امتداد طوعي لليهودية التي كانت سائدة أيام المسيح، و”إن اليهود يتحملون مسؤولية قتل الرب”. وبعد حملة المطران لويحي بفترة وجيزة ألقى البابا بولس السادس في إحدى كنائس روما موعظة أشار فيها إلى أن اليهود حاربوا المسيح وقتلوه. وقد أثار ذلك حقيقة اليهود فقالوا إن الإقرار المبدئي للوثيقة لم يدل شيئاً من الواقع. وفي 25/4/1965 نشرت جريدة نيويورك تايمز تحليلاً لوضع وثيقة التبرئة أكدت فيه أن الإقرار المبدئي للوثيقة يتعرض لانتقادات عنيقة من قوى كاثوليكية معينة، ومن الدبلوماسية العربية والمطارنة العرب الكاثوليك، وأن الوثيقة أعيدت فعلاً إلى لجنة مؤلفة من أربعة أشخاص لإعادة النظر فيها. ولكن الكاردينال بيا أنكر وجود مثل هذه اللجنة وقال ان الأمور باقية على ما هي عليه. ولم تفلح تصريحات بيا في تبديد جو التشاؤم الذي ساد الأوساط اليهودية والصهيونية. وأخذت هذه الأوساط بإبراز أنباء النشاط العربي المناوىء للوثيقة في محاولة واضحة لتحميل “التدخل العربي” تبعة أي نكسة أو تعديل قد يطرأ على الوثيقة. وازدادت الحملات الإعلامية في أوروبا الغربية، ولا سيما في ألمانيا الغربية وهولندا، مطالبة بالإقرار النهائي لوثيقة التبرئة. وانضمت الكنائس البروتستانتية إلى جانب الكاثوليك في هذه الحملة. في تشرين الأول 1965 درس المجمع المسكوني الوثيقة وأقرها بعد تعديلات طفيفة بأكثرية 1.937 صوتاً ضد 153 صوتاً. وبهذا حققت الصهيونية نصراً سياسياً هاماً كانت له أبعاد متعددة في الصراع العربي – الصهيوني. احتجت منظمة التحرير الفلسطينية* على إقرار وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح، وبعثت بالأب إبراهيم عياد رئيس المحكمة الكنسية في بيروت إلى روما لمقابلة البابا بولس السادس. كما أرسل روح الخطيب أمين القدس برقية إلى البابا ناشده فيها إعادة النظر في إقرار الوثيقة. كما استنكر البابا كبولس السادس بابا الاسكندرية وسائر افريقيا إقرار الوثيقة، واتهم رجال الدين الكاثوليك “بمحاياة اليهود” رغم ما ثبت من إدانتهم في الكتاب المقدس. إلا أن هذه الاحتجاجات جميعها لم تؤد إلى نتيجة. ب- الفاتيكان وحرب حزيران 1967: بعد اندلاع حرب 1967* ناشد البابا بولس السادس الأمن العام للأمم المتحدة بوثانت بذل جميع المساعي الممكنة لكي توقف المنظمة العالمية القتال في الشرق الأوسط، وقال: “اننا قلقون جداً من اندلاع القتال على حدود إسرائيل”. ثم عاد البابا ودعا في بيان له الدول العربية و(إسرائيل) إلى الانصياع لقرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف إطلاق النار. وأعلن الفاتيكان أن البابا تبرع بمبلغ 25 ألف دولار من جيبه الخاص لمنظمة كاريتاس الدولية لتمكينها من شراء عقاقير طبية تقدم للطرفين في حرب الشرق الأوسط. وفي 9/6/ 1967 كرر الفاتيكان موقفه القاضي بتدويل القدس والأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين. وبين المسؤول عن القسم الصحافي في الفاتيكان أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعامي 1947 و1948 بصدد تدويل القدس “تنسجم مع رغبات الحبر الأقدس”. ومن جهة أخرى انتقد الفاتيكان (إسرائيل) لأنها بدأت القتال. بعد انتهاء حرب 1967، ركز البابا جهوده على موضوع القدس واقترح وضعها تحت إدارة هيئة الأمم المتحدة كحل مقبول عند جميع الدينات. وبعث برسائل شفهية إلى رؤساء الدول الخمس الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن يلفت نظرهم فيها إلى “حال القدس ذات الأهمية الدينية” وإلى بيت لحم وغيرها من الأماكن المقدسة. وطلب في هذه الرسائل من الدول الخمس توحيد مواقفها حيال إنقاذ الأماكن المذكورة. وقد كرر البابا حديثه عن القدس في اجتماع الكرادلة السري في 26/6/1967 فقال: “يجب أن تبقى مدينة القدس على مستوى ما تمثل: مدينة الله وواحة حرة للصلاة والسلام وموعد لقاء وتام واتفاق لجميع الناس، فنعم بدستور خاص مكفول دولياً”. رفضت (اسرائيل) مقترحات البابا وأكدت في بيان لها أن “القدس عاصمة إسرائيل الأبدية”، كما دعت البابا إلى إعلان اعترافه (بدولة إسرائيل) وبعاصمتها القدس. إلا أن الفاتيكان رفض ذلك بشكل قطعي. وفي أوائل عام 1969 لوحظ أن الفاتيكان لا يقف بشدة ضد تهويد القدس*.فقد كتبت صحيفة أوبرفاتوري الفاتيكانية في 7/2/1968 أنه منذ أصبحت الأماكن المقدسة المسيحية بيد (إسرائيل) فإن إقامة الحجاج المسيحين أصبحت أسهل. ج- الفاتيكان والشعب الفلسطيني: لم يكن للفاتيكان موقف واضح من المقاومة الفلسطينية. إلا أن البابا عبر في أكثر من مناسبة عن ألمه الشخصي لما يعانيه شعب فلسطين. وكان لانطلاقة الثورة الفلسطينية واستمرارها وعدالة أهدافها وإعلامها الدولي أثر بالغ في ظهور بعض التحول في موقف البابا من القدس. فقد شهد عام 1971 أزمة حادة بين (إسرائيل) والفاتيكان. ففي 13/3/1971 وجه البابا بولس السادس نداء طالب فيه “بنظام دولي خاص لمدينة القدس”. ثم تبع ذلك مقال في صحيفة الفاتيكان الرسمية ينتقد بشدة سياسة تهويد القسم العربي من المدينة المقدسة ويدين عملياً الطرد الجماعي التي تمارسها (إسرائيل) ضد السكان العرب. وتلا ذلك مقال للبروفيسور فيديريكو اليسندريني في صحيفة “أوبسرفاتوري ديلا دومينكا” يؤكد ضرورة حل المشكلة الفلسطينية بطريقة عادلة، وينتقد تصلب (إسرائيل). جاء رد (إسرائيل) سريعاً، فكتبت صحيفة “جيروزاليم بوست” تعليقاً على هذه المواقف قالت فيه: “إن مصدر هذه الآراء ليس روما بل بيروت وعمان والقدس الشرقية”. كما وجه آبا ايبان وزير خارجية (إسرائيل) في 3/7/1971 نقداً شديد اللهجة إلى البابا نفسه قال فيه إن الحكومة الإسرائيلية نأسف لأن الفاتيكان لم يرفع صوته أبداً خلال العشرين سنة الماضية عندما كانت مدينة القدس خاضعة لسياسة مبرمجة لنزع صفتها اليهودية وكانت الأماكن المقدسة اليهودية تدنس وتدمر. وجاء رد الفاتيكان عنيفاً ومؤكداً أن موقفه إنما هو تضامن مع جميع الأصوات الساخطة على ممارسات سلطات الاحتلال في المدينة المقدسة، هذه السلطات التي لم تتورع عن تدنيس المقابر المسيحية ولا عن غير ذلك من الأعمال المخجلة. فشلت (إسرائيل) في محاولاتها استدراج الكرسي البابوي في الفاتيكان إلى الاعتراف بها رغم زيارة غولدا مائير للفاتيكان في 15/1/1973. وقد شددت وسائل الإعلام الصهيونية آنذاك على أن زيارة مائير للفاتيكان تعني تحولاً جذرياً في سياسة البابا نحو قضايا الصراع في الشرق الأوسط. ولكن الفاتيكان أوضح رفضه الكامل لفكرة الاعتراف (بإسرائيل). وحينذاك طالب متطرفون صهيونيون بزعامة الحاخام مئير كاهانا بضرورة مع رجال الكنيسة المسيحين من مزاولة نشاطهم التبشيري في فلسطين كرد على موقف البابا الرافض للاعتراف (بدولة إسرائيل). حين اندلعت حرب 1973* وجه البابا بولس السادس نداء إلى حكومات الدول المتحاربة في الشرق الأوسط لالتزام الهدوء، وندد بالدول التي تجعل الحرب أكثر دماراً. كما عبر ابابا عن تعاطفه مع شعب فلسطين وقال انه سيصلي من أجله. وتحدث عن احتمال إيجاد تسوية سلمية في الشرق الأوسط تأخذ في الاعتبار “أماني كل الشعوب المعنية”. وقبيل وفاة البابا السادس بأيام قلائل في عام 1978 قال بأن المسألة الفلسطينية لا يمكن اختزالها في مأساة اللاجئين، وإنما تتعداها إلى حق شعب كامل في أرض وفي وطن. ولما قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة القدس صلى البابا من أجل السلام في الشرق الأوسط. ثم قال حين بدأت محادثات كامب ديفيد بين مصر و(إسرائيل): “إننا نسالك يا رب أن تنير الطريق للمسؤولين كي يكونوا بعيدي النظر وشجعاناً في اتخاذ القرارات التي ستحقق الصفاء والسلام في الأرض المقدسة وللمشرق كله”، وأضاف قائلاً: “إنني أرجو أن يكون السلام عادلاً فيرضى جميع الفرقاء، وأن يكون كاملاً فلا يترك ناحية بدون حل، بما في ذلك مشكلة الشعب الفلسطيني وأمن إسرائيل وكذلك القدس”، وأكد الفاتيكان أن اتفاقيات كامب ديفيد* تشكل خطوة أولى نحو إحلال السلام في الشرق الأوسط، وطالب بضرورة إيجاد حل عادل لمشكلة الشعب الفلسطيني. وفي الخطاب الذي القاه البابا يوحنا بولس الثاني أمام الأمم المتحدة في تشرين الأول/ أكتوبر 1979 عبر عن قلقه لعدم التوصل إلى سلام حقيقي رغم اتفاقية كامب ديفيد. ودعا مرة أخرى إلى تدويل القدس وإخفاق حقوق شعب فلسطين المشروعة، لأنه “لن يكون هنالك سلام بدون تسوية عادلة لقضية شعب فلسطين”. وفي الخامس عشر من أيلول/سبتمبر 1982 استقبل البابا الرئيس ياسر عرفات بعد خروجه من بيروت مع منظمة التحرير الفلسطينية. من هذا ندرك أن الفاتيكان رغم تغير موقفه من اليهود كان يحاول أن يوازن ذلك مع موقفه من العرب، فهو لا يريدج اغصاب الكاثوليك العرب مما عرضه إلى هجوم شديد من اليهود والصهاينة وبذل الكثير من الضغوط عليه حتى يرضخ لمطالبهم. ويبدو أن هذه الضغوط جاءت بنتائج في صالح اليهود والصهاينة والتي كان أبرزها وأهمها حينما أصدر الفاتيكان في عام 1986 وثيقة في غاية الأهمية بالنسبة لليهود يعترف فيها “بارتباط اليهود ارتباطاً دينياً بأرض أجدادهم ويدعو المسيحين إلى تفهم سبب تمسك اليهود دينيا بأرض أجدادهم وهو أمر يضرب جذوره في التوراة”. لقد كان إصدار هذه الوثيقة حدثاً هاماً، وأكبر تحول  للفاتيكان في مواقفه نحو اليهود وتجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي. وكانت هذه الوثيقة بمثابة تمهيد لما حدث في الثلاثون من كانون الأول/ ديسمبر 1993 حين اعترف الفاتيكان بإسرائيل وتبادل معها وثائق الاعتراف الرسمي، وفي مطلع العام 1994 أقام معها علاقات ديبلوماسية، وشارك في شباط/ فبراير من العام نفسه في أول مؤتمر مسيحي – يهودي عقد في مدينة القدس بمبادرة من الفاتيكان حضره ممثلون عن 97 دولة. وفي عام 1997 عقد اتفاق إسرائيلي – فاتيكاني يشرع للمرة الأولى وضع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في الأراضي المقدسة. ولا شك في أننا لا نحمل الضغوط اليهودية والصهيونية وحدها، على الرغم من أهميتها البالغة في التحول الذي طرأ على موقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية بل يتحمل العرب المسؤولية أيضاً، فقد جاء هذا التحول بعد عقد اتفاقية كامب ديقيد بين مصر وإسرائيل في عام 1978، و اتفاقية السلام المصرية/ الإسرائيلية في عام 1979، وبعد عقد مؤتمر مدريد* في عام 1991، وبعد اتفاقية أوسلو* بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993. ولعل من أبرز ملامح تطور العلاقات بين إسرائيل والفانيكان ما حدث في السادس عشر من آذار/ مارس 1998 حينما أعلن الفاتيكان عن وثيقة الاعتذار حول ما سمي بمحرقة اليهود في ألمانيا النازية في أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي هذه الوثيقة أعلن الفاتيكان عن استنكاره اضطهاد اليهود وما أصابهم في القرن العشرين من التنكيل وتعذيب وتقتيل خصوصاً في “المحرقة النازية البشعة”. ومن الطبيعي أن يؤدي تطور العلاقات بين إسرائيل والفاتيكان وبخاصة إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى استياء وعدم ارتياح عربي، ففي السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1997 أرسل الدكتور عصمت عبد المجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية بالتعاون مع عمرو موسى وزير الخارجية المصرية مذكرة إلى وزير خارجية الفاتيكان “لوي نوران” تحتوي على مجموعة من الملاحظات على الاتفاق الإسرائيلي، الفاتيكاني المبرم في عام 1997 والمشار إليه آنفاً، وأهم هذه الملاحظات ما يلي: إن الاتفاق يساعد حكومة إسرائيل على استمرار تعنتها في عملية السلام في استباق نتائج المفاوضات حول وضع القدس النهائي. إن قرار تقسيم فلسطين رقم 181 عام 1947 الصادر عن الأمم المتحدة تحدث عن القدس على أنها مدينة ذات كيان منفصل تخضع لنظام دولي خاص تتولى الأمم المتحدة إدارته تحت إشراف مجلس وصاية. إزاء احتلال إسرائيل في عام 1949 القطاع الغربي من القدس وإعلانها عاصمة لها عدل مجلس الوصاية هذه الوضيعة وأعاد المدينة إلى الفلسطينيين. أصدر مجلس الأمن قرارات عدة تتعلق بالوضع القانوني للقدس تؤكد على أنها أرض عربية فلسطينية وترفض التدابير الإسرائيلية فيها ومنها القرارات 250 و252 وقرار الجمعية العام رقم 2253. أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات تحث صيغة “الاتحاد من أجل السلام” نبهت إلى تأكيد الوضع القانوني للقدس كمدينة فلسطينية محتلة. الاتفاق مخالف للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي شددت على عدم المساهمة بأية صورة من الصور في تكريس الاحتلال. أن الجامعة العربية والدول الأعضاء تتطلع إلى توقيع اتفاق بين الفاتيكان والفلسطينيين أصحاب الحق في الأراضي والسيادة على القدس في شأن وضع الكنيسة كما تتطلع إلى تعزويز التعاون والعلاقات مع الفاتيكان وسائر الكنائس المسيحية. قد يكون الاتفاق الذي تم بين البابا والرئيس الفلسطيني في الخامس عشر من شباط/ فبراير 2000 جاء استجابة – ولو متأخرة – لطلب الجامعة العربية ولإعادة التوازن في موقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية. وقد اشتمل الاتفاق على نقاط هامة منها: ضرورة التوصل الى حل عادل لمشكلة القدس يقوم على القرارات الدولية، إان من غير المقبول اتخاذ قرارات وأعمال من جانب واحد. المساواة بين الأديان التوحيدية الثلاثة ومؤسساتها وأفرادها أم القانون. الحفاظ على الهوية الخاصة والطابع الخاص المقدس للمدينة وتراثها الديني والثقافي. حرية الدخول الى الأماكن المقدسة وممارسة العبادة فيها. الحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة وحيث هو مطبق. تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بحرية الكنيسة الكاثوليكية في ممارسة حقها في القيام بمهامها وتقاليدها الروحية والأخلاقية والخيرية والتربوية والثقافية. نعترف منظمة التحرير وبحقوق الكنيسة الكاثوليكية في المجالات والاقتصادية والقانونية والمالية وممارساتها طبقاً لقوانين السلطة الوطنية الفلسطينية* في هذه المجالات. وقد أثار هذا الاتفاق غضب إسرائيل فاستدعت ممثل الفاتيكان لديها وأعربت له عن عدم رضاها عنه. وقد عبر “ايهود باراك” رئيس الوزراء الإسرائيلي عن موقفه من هذا الاتفاق بقوله إلى مدير مكتبه يومي كوتشي “أن بابا الفاتيكان قد خذلني وأضعف موقفي في إسرائيل فهذه أقوى لطمة توجه لحكومتي حتى الآن”. ولم يلتفت الفاتيكان إلى رد الفعل الإسرائيلي وأعلن رئيس المكتب الصحفي المختص بزيارة البابا لمصر أن موقف البابا من قضية الشرق الأوسط وخاصة ملف القدس هو مسألة مبدأ وأن القدس محتلة عسكرياً بصورة غير شرعية” وأشار إلى تأكيد وزير خارجية الفاتيكان في تصريح له جاء فيه أن “الفاتيكان يرفض سياسة إسرائيل بفرض الأمر الواقع واملاء حلول غير عادلة كما يرفض السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية”. وفي مارس/ آذار 2000 قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة للأماكن المقدسة في فلسطين وقد أثيرت الكثير من الشكوك حول هذه الزيارة وأهدافها إلا أن الفاتيكان حاول أن يجعل منها دينية محصنة. والتزم البابا جانب الحذر في كل كلمة بقولها وفي كل خطوة يخطوها، ولذلك اتسمت أقواله بالعمومية ولم تخرج عن إطارها الديني أو الإنساني. ففي أثناء زيارته لمخيم الدهيشة الفلسطيني القريب من بيت لحم* يوم الأربعاء 22/3/2000 خاطب البابا اللاجئين بقوله “لا يمكن أن يتجاهل إنسان قدر معاناة الشعب الفلسطيني في العقود الأخيرة. العالم يشهد عذابكم الذي طال أمده”. إن هذا القول لا يعبر عن أي مدلول سياسي يقدر ما يعبر عن شعور إنساني يشعر به كل من يزور مخيما للاجئين ويرى معاناتهم. لقد كان اللاجئون يتوقعون من البابا أن يؤكد على حقهم في العودة إلى أوطانهم بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 194 في عام 1948. وعند وصوله إلى بيت لحم قبل البابا تراب البلدة الذي قدمه له صبي وقناة في وعاء في خطوة اعتبرها الفلسطينيون اعترافاً بابوياً لطموحاتهم بإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن المتحدث باسم الفاتيكان نفى ذلك قائلاً بأنها لا تغني الاعتراف بدولة فلسطينية وأنه “من الغريب ألا يقبل البابا الأراضي التي ولد فيها السيد المسيح”. وقد أكد البابا ذلك في كلمته التي خلت من ذكر دولة وإنما ركز على وطن حيث قال بأن الفاتيكان يعترف دائماً بحق الشعب الفلسطيني في “إقامة وطن يعيش فيه بسلام وهدوء مع الشعوب الأخرى في هذه المنطقة”. لقد أثلجت أقوال البابا هذه صدور الإسرائيليين وارتاحوا لها وابدوا الشماتة بالفلسطينيين حيث علقت صحيفة معاريف قائلة “لقد أصيب الفلسطينيون بالخيبة لأن البابا تحدث عن وطن وليس دولة فلسطينية”. وجاؤوا في عنوان صحيفة “هآرتس” بشكل بارز” البابا اعترف بحق الفلسطينيين في وطن ولكنه لم يعترف بحق العودة”. وحاول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات استثمار زيارة البابا لمخيم الدهيشة وبيت لحم سياسياً حينما قال في خطابه الذي ألقاه في استقبال البابا ان “القدس عاصمة دولة فلسطين الخالدة”. ثم حينما قال: “باسم شعب فلسطين، وباسمي شخصيا ارحب بقداستك يا سيادة الحبر الأعظم، البابا يوهانيس باولوس الثاني، ارحب بك ضيفاً عزيزاً في فلسطين، وفي القدس الشريف عاصمة دولة فلسطين الخالدة”. وفي الاجتماع الذي دعا إليه البابا وحضره الشيخ تيسير التميمي رئيس المحاكم الشرعية الفلسطينية والحاخام الأكبر لليهود الغربيين “إسرائيل لو” لم يفلح البابا في تنقية الجو على اثر محاولة الحاخام المساواة بين الزيارة البابوية للدولة اليهودية وبين “الاعتراف بالقدس كعاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل”. فرد التميمي بكلمة ألهبت المشاعر ودعا فيها إلى “سلام عادل” تقام في إطاره “دولة مستقلة على التراب الوطني الفلسطيني (وتكون) القدس عاصمتها الأبدية” كما طالب أيضاً “بعودة اللاجئين إلى وطنهم فلسطين” ووضع حد لاحتلال إسرائيل للأراضي العربية والإفراج عن الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. لقد حرص الإسرائيليون على تسييس الزيارة أكثر من الحرص الذي أبداه الفلسطينيون بدليل البرنامج الذي أعدوه للبابا وفرضوا عليه زيارة أماكن تحمل أبعاداً سياسية مثل النصب التذكاري لما سمي بالمحرقة “يادفاشيم” في مدينة القدس. وزيارة حائط المبكى الذي هو في الأصل الحائط الغربي لسور المسجد الأقصى والذي يطلق عليه “حائط البراق” لأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ربط البراق عنده حينما صعد إلى السماوات العلا في ليلة الإسراء والمعراج. وفي زيارته للنصب التذكاري للمحرقة أعرب البابا عن أسفه وأدان كل الأعمال المعادية للسامية التي ارتكبها مسيحيون عبر العصور، وقال إنه يأمل بان تقود هذه المأساة إلى علاقة جديدة بين المسيحين واليهود وبعد فترة من الصمت قال انه في حاجة لهذا الصمت للتذكر. ثم قال “لا توجد كلمات كافية للتعبير عن الاسف لمأساة ما يسمى بالمحرقة المريعة”. وعلى الرغم من هذا الحزن والأسف الذي أيداه البابا أن ذلك لم يرض كثيراً من اليهود وعلى رأسهم الحاخام الأكبر “إسرائيل لو” لأنتهم كانوا يريدون منه أن يعتذر بصراحة عن تقصير البابا “بيوس الثاني عشر” في شجب وإدانة الاضطهاد النازي لليهود في أثناء الحرب العالمية الثانية وللمحارق التي يزعمون انه راح ضحيتها ستة ملايين يهودي. وعلى الرغم من رد الكنيسة على ذلك بالقول إن البابا “بيوس الثاني عشر” أمر يفتح الأديرة والكنائس لجميع من التجأ إليها من اليهود، وإن الشجب والإدانة ربما كان سيؤدي إلى مزيد من الاضطهاد إلا أن اليهود لم يقنعوا بأقوال كهذه. وفي زيارة لحائط البراق “حائط المبكى” اتبع البابا تقليداً يهودياً ووضع في فتحة من فتحات الحائط رسالة تضمنت “طلباً” من الرب المغفرة لمعاناة اليهود هذا نصها: “يا إله الآباء والأجداد: يا من اختارت إبراهيم وذريته لنقل إسمك إلى الأمم أن الحزن العميق يغمرنا لتصرفات الذين تسببوا على مدار التاريخ في عذاب أبنائك ونطلب صفحك وغفرانك. ونحن ننشد أن نقيم اخوة حقيقية مع أهل العهد” وذيلها باسمه “يوهانيس باولوس الثاني” وأرخها في 26/3/2000. ولأهمية ما احتوته هذه الورقة فقد أعلن مسؤول إسرائيلي بأن الرسالة نقلت إلى نصب محرقة اليهود ليتم عرضها فيه. وصرح مدير المكتب الصحافي للحكومة الإسرائيلية “موشي فرحيل” قائلاً: “أخذنا هذه الورقة التي تحمل قيمة تاريخية حتى لا تطير في الهواء وتدنس”. وبصرف النظر عن متطرفين ومتدينين يهود لم يقنعوا بخطوات البابا وأقواله لدرجة انهم طالبوه بنزع الصليب حينما يزور حائط المبكى (البراق) إلا أن غالبيتهم وخاصة الرسميين منهم كانوا مرتاحين للزيارة، وبرنامج الحج كله بدءاً باور، ومروراً بالطور ونيبو، انتهاء بالمحرقة وحائط المبكى. وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي “إيهود باراك” في خطابه الذي ألقاه في أثناء زيارة البابا لما سمي بنصب المحرقة. حيث أشاد بالدور المهم الذي قام به البابا في “التغيير التاريخي الذي شهدنه الكنيسة الكاثوليكية تجاه اليهود”. يمكن القول ان الزيارة حققت الأهداف التي رسمت لها وانها جاءت تلبية لحلم راود البابا وتطلع إلى تحقيقه وهو الحج إلى الأماكن المقدسة والسير على خطى إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام متجاوزاً بذلك الاطار المسيحي الخالص لتصب في خانة المصالحة بين اليهود والكنيسة الكاثوليكية. ويفضل ما حشد لهذه الزيارة من دعاية وبقدر ما جند لها من أعلام وما حظيت به من اهتمام واحتفالات قد أثبتت الحضور الفعلي والعملي للفاتيكان في أكثر المناطق المسيحية قدسية وأكثرها حساسية مما آثار حفيظة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي اعتبراتها بمثابة احتواء المسيحية الغربية للمسيحية الشرقية، وفرض الهيمنة عليها. وأخذت على البابا جملة من المآخذ حددها في ست نقاط أطلقت عليها “تحفظات” لعل من أهمها بان إسرائيل استغلت زيارته، واستنكرت استقباله لرئيس بلدية القدس المتشدد “اولمرت” لدى هبوط طائرته في القدس، وتحفظت على عدم لقائه بمسؤولين فلسطينيين في القدس ارضاء للإسرائيليين فيما عدا لقائه ببعضهم في أثناء زيارته للمسجد الأقصى وهذا لا ترفضه إسرائيل كما تحفظت على عدم استنكار البابا على تصريحات الحاخام الأكبر “إسرائيل لو” حينما قال بأن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل بينما اعترض على كلمة للشيخ “تيسير التميمي” قال فيها بأن القدس هي العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن الزيارة لم تحقق تطلعات الفلسطينيين كما سبق وذكرنا إلا انهم ولكونهم الطرف الأضعف في المعادلة فلم يملكوا إلا ابداء. الارتياح لها من خلال تفسيرهم وتأويلهم لأقوال البابا في مخيم الدهيشة وبيت لحم فقد اعتبروها دعماً كبيراً لحقهم في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس واعتبرت القيادة الفلسطينية إن المواقف التي اتخذها البابا خلال زيارته إلى بيت لحم ومخيم الدهيشة شكلت “إسهاماً سياسياً وحضارياً رفيع المستوى لدعم القضية العادلة والحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف لشعبنا الفلسطيني على المستوى العالمي”.   المراجع:   أنيس القاسم: نحن والفاتيكان وإسرائيل، بيروت 1966. شحادة موسى: علاقات إسرائيل مع دول العالم 1967 – 1970، بيروت 1971. محمد علي الفرا: محطات بارزة في مواقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية، جريدة الدستور الأردنية، 21/3/2000. محمد علي الفرا: هل كان قلب البابا مع الفلسطينيين وسيفه مع الإسرائيليين، جريدة الاتحاد، أبوظبي 1/4/2000. الكتاب السنوي اليهودي – الأمريكي، 1965. الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1964، بيروت.