الغور

تعني كلمة الغور الأرض الهابطة،ِِ وهي تسمية محلية لوادي الأردن الأدنى الذي يعد من أكثر أماكن وادي الأردن انخفاضاً عن مستوى سطح البحر. ففي أواخر الحقبة الجيولوجية الثالثة، في عصر البلبوستينِ الأعلى، انتابت المنطقة حركات بنائية (تكتونية) أدت إلى حدوث صدوع وانكسارات في القشرة الأرضية، ونشأ على أثرها وادي الأردن الانهدامي. ولا يوجد صدع رئيس واحد يحف بجانبي الأخدود كما يتبادر إلى الذهن، بل يوجد صدعان رئيسان هما: صدع الريشة في وادي عربة*، وصدع وادي الأردن الذي يمتد من الركن الشمالي للبحر الميت* إلى الركن الجنوبي الشرقي لبحيرة طبرية*. ويغطى حالياً هذان الصدعان في معظم أجزائهما بتكوينات البلايستوسين والرواسب الحديثة. ويمكن التعرف على أماكن الصدعين بتتبع مجموعات الجروف والينابيع المائية على طول امتدادهما المتقطع (رَ: البنية والبناء الجيولوجي). ويمتد صدع الريشة على طول الشواطىء الشرقية للبحر الميت، في حين يكون صدع وادي الأردن الشواطىء الغربية لهذا البحر ويمتد الصدع الأخير على طول الشواطىء الشرقية لبحيرة طبرية متفرعاً إلى صدعين يمتدان إلى الشمال الشرقي عبر كتلة جبل الشيخ، ومن ثم إلى جبال لبنان الشرقية. وهناك صدع مختلف، يمتد في قاع بحيرة طبرية بموازاة شاطئها الغربي، متجهاً                                             نحو الشمال ويمر بمحاذاة الجانب الشرقي لحافة المطلة، يعرف بصدع تل حي. ويتفرع هذا الصدع إلى فرعين عند مرج عيون، أحدهما يجري على طول الحافة الغربية لسهل البقاع متجهاً نحو سهل الغاب في سورية، ومنتهياً في لواء اسكندرون، وثانيهما يمتد نحو بيروت. وبالإضافة إلى الصدوع الطولية المتقطعة التي يتكون منها الصدع الرئيس لوادي الأردن، توجد مجموعة من الصدوع الفرعية المستعرضة في المناطق المحيطة بوادي الأردن. وينتج عن تقاطعهما مع الصدع الرئيس لوادي الأردن مناطق ضعف وعدم استمرار في القشرة الأرضية. وتشق معظم الأودية الجانبية لوادي الأردن طريقها على طول هذه الصدوع الفرعية المستعرضة. أ- نشأة وادي الأردن وتكوينه: يبلغ طول وادي الأردن من أبعد منابعه، وهو الحاصباني في لبنان، حتى البحر الميت نحو 368كم. وهو جزء فرعي من نظام رئيس يشتمل على مجموعة من الأودية الانهدامية (الأخدودية) المتقطعة، أي أنه جزء صغير جداً من نظام الانهدام (الأخدود) السوري – الافريقي الذي يمتد مسافة تتجاوز 6.000 كم، من خط عرض 20 درجة جنوباً في موزبيق إلى خط عرضي 45 درجة شمالاً في تركيا، ليشمل على 65 درجة عرضية، أو حوالي خمس محيط الأرض. وقد أطلق غريغوريGregory 1961 على هذا المظهر الطبيعي اللافت للنظر في القشرة الأرضية اسم الوادي الانهدامي (الأخدودي)، ووصفه بأنه شريط طويل من الأرض الهابطة بين صدوع عادية أو مجموعة متوازية من الصدوع المدرجة. وهو يرتبط أيضاً بظاهرة النجد (الهورست) الناتجة عن حركة صاعدة لجانبي الأرض الهابطة. وقد نتجت هذه الحركة بفعل الشد أو الجذب، فالقطاعات الأرضية الوسطى الهابطة بفعل الصدوع دفعت الجانبين بعيداً مسببة نهوض الحافات بقوة في حركة دفع إلى أعلى تعويضاً عن الهبوط. وفسر ويلنغسWillings  وويليسWillis  نشأة الوادي بفرضية الضغط. وتعزو هذه الفرضية تباعد جانبي الوادي الى حركات عصر الميوسين الضاغطة العنيفة، التي أدت إلى انهدام الأساس الحواري لطبقات الحجر الرملي الناعم، فتوسع قاع الوادي بفعل زخرفة الجانبين. وأدت أيضاً إلى نهوض الأراضي في جانبي وادي الأردن. وقد أتى معظم الضغط من الغرب دافعاً كتلة البحر الميت شرقاً تحت كتلة الهضبة الأردنية التي ارتفعت بدورها إلى أعلى. وارتفعت الهضبة الفلسطينية أيضاً إلى أعلى نتيجة لقوة الدفع التي أحدثتها المصهورات الصخرية الواقعة تحت ضغط عال نشأ من الكتلة الوسطى الهابطة. أما فرضيةQuennell  1956 فتقوم على أساس أن شبه الجزيرة العربية، تحركت متزحزحة نحو الشمال عكس عقارب الساعة، في حين بقيت كتلة سيناء وفلسطين مستقرة، فنتج عن ذلك تشقق الأرض وهبوطها فيما يعرف الآن بانهدام (أخدود) البحر الأحمر وادي الأردن. وقد تمت الزحزحة على مرحلتين، فصلت بينهما فترة هدوء نسبي في البلايستوسين. وقد بدأت المرحلة الأولى في الميوسين الأدنى، واستمرت حتى أوائل البلايستوسين، مسببة زحزحة أفقية في حدود 62 كم. أما المرحلة الثانية فقد شهدت زحزحة جديدة بمقدار 45 كم في في أواخر البلايستوسين. وبذلك يكون مجموع التحرك الأفقي لشبة الجزيرة العربية نحو 107 كم إلى الشمال. وفي دراسة قام بها فروندFrenund   لتكوينات العصر التوروني الأسفل، وجد أن هذن الحركة التي تبلغ نحو 100 كم قد فصلت بين التطوينات الجيولوجية المنتمية إلى عصر واحد. وقد أيده في ذلك فرومونVromon  ولوفتونLauphton  الذي أكد أن المعدل الذي تتحرك فيه شبه جزيرة العرب نحو الشمال يبلغ 2 سم سنوياً. وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول تفسير الميكانيكية التي أنشأت وادي الأردن،يمكن القول ان وادي الأردن لم ينشأ بشكله الانهدامي (الأخدودي) المستمر الذي يعرف به الآن، بل شهد تطوراً في البناء والتكوين عبر العصور الجيولوجية الأخيرة. ففي الميوسين الأسفل بدأ يظهر كمجموعة من الأحواض الضحلة المنعزلة الممتلئة بالمياه. وفي أواخر البلوستين كانت تشغله بحيرتان أو مجموعة من البحيرات. وفي أوائل البلايستوسين كانت هناك مجموعة من الأحواض المنعزلة مثل حوض العقبة في الجنوب، وحوض البحر الميت – الأردن، وحوض طبرية – بيسان، وحوض الحولة. وبعدئذ اتصل الحوضان الأخيران، ثم عادا فانفصلا بفعل تدفق البازلت في منتصف البلايستوسين، فتكون سداً بازلتي كبير بين بحيرتي الحولة وطبرية. وفي أواخر البلايستوسين الأوسط طرأ تغيير ملموس نتيجة هطول الأمطار الغزيرة على المنطقة (العصر المطير). فتكونت بحيرة طولية مستمرة داخل وادي الأردن. امتدت من شمال بحيرة طبرية إلى مسافة 30 كم جنوب البحر الميت، وتفرعت منها خلجان وأذرع مائية داخل الأودية الجانبية المنحدرة إليها من المرتفعات. وتدل على ذلك بقايا الارسابات البحرية لتكوينات مارن اللسان المنتشرة على أقدام المرتفعات التي يزيد ارتفاعها على 300 م فوق المستوى الحالي للبحر الميت. وكان الجزء الجنوبي من هذه البحيرة عذب المياه في بادىء الأمر، لكن مياهه أخذت تضرب إلى الملوحة تدرجاً بسبب اللأملاح الذائبة في مياه روافدها الجانبية. وقد ربط بلانكنهورينBlankenhorn  تذبذب مستوى البحيرة الأردنية القديمة بتكوين مصاطب وادي الأردن. فالمصاطب المرتفعة تكونت في الفترة الجليدية الثانية، في حين تكونت المصاطب السفلى في الفترة الجليدية الثالثة. وأخذت مياه البحيرة تنحسر بعد فترة الريس الجليدية، عندما حل المناخ شبه الصحراوي محل المناخ الرطب قبل ظهور الانسان الموستيري، أي منذ 50.000 سنة قبل الميلاد. أما المناخ الحالي فقد ساد منذ قيام الحضارة المجدلينية، أي منذ 10.000 سنة ق.م. لم يبق من مخلفات البحيرة الأردنية القديمة سوى بحيرة طبرية والبحر الميت.وكان اختفاؤها مبكرا بدليل الملوحة الشديدة لمياه البحر الميت، التي اكتسبها نتيجة انصاب المياه فيه من روافده الكثيرة، في زمن لا يقل عن 50.000 سنة. وتركت البحيرة بعد جفافها ثلاثة خطوط هامة من المصاطب البحرية، يترجح مستوى المصطبة الأولى بين منخفضي 200 و210م، ومستوى الثانية بين منخفضي 310 و339م، أما المصطبة الثالثة فبين 375م و380م. وقد ظهر نهر الأردن* إلى الوجود، وشق مجراه في تكوينات اللسان البحرية منذ نهاية البلايستوسين. أما تكوينات سهلة الفيضي فإنها ترجع إلى عصر الهولوستين. وحين بدأت مياه البحيرة الأردنية القديمة تنكمش بفعل الجفاف*، ظهرت الى حيز الوجود بحيرة طبرية الحالية. أما البحر الميت فقد اتخذ شكله الحالي ما بين الجفاف النهائي لبحيرة اللسان وبين ظهور نهر الأردن. وقد اختفت رواسب هذه البحيرة الأردنية القديمة في تكوين المصاطب، وفي قاع البحر الميت الذي أدت عملية هبوطه المستمر إلى اختفاء الارسابات البحرية في قاعه. تعرض وادي الأردن لتغيرات ملموسة عبر تاريخه الجيولوجي، ولا يزال بعيداً عن الثبات والاستقرار. وهذا ما تؤكده الهزات الأرضية الكثيرة، والهبوط البطيء جداً لقاع البحر الميت، وانغمار خمس مدن تحت مياه البحر الميت في عهد لوط، بالإضافة إلى انتشار الأحجار البازلتية في المناطق المجاورة له، ووجود الينابيع المعدنية الحارة في حوض الأردن. ومن الطبيعي، مع هذه العمليات المعقدة التي تعرض لها وادي الأردن، أن يتعقد بناؤه الجيولوجي تركيباً وتكويناً. فقاع الوادي يتكون بصورة رئيسة من الإرسابات البحيرية القديمة، في حين تتكون جوانبه من الإرسابات البحرية والقارية التي تنتمي إلى عصور مختلفة تمتد من العصر الترياسي حتى عصر الهولوسين (الحديث). تتألف التكوينات الجيولوجية لقاع الوادي من إرسابات وادي الأردن المنعقدة التي يرجع تاريخ تكوينها إلى فترة تمتد من أواخر الحقبة الثالثة حتى العصر الحديث. وتضم المجموعات التالية: 1) مجموعة وادي الأردن الأولى: وتنتمي إلى أواخر الحقبة الثالثة، وتتألف من ترسبات النيوجين، كالحجر الرملي والكونغلوميرات (الإرسابات الحجرية والطميية عند أقدام الجبال)، والحجر الكلسي والمارن. 2) مجموعة وادي الأردن الثانية: وهي أحدث من المجموعة الأولى، أي أنها تكونت بعدها في أواخر الحقبة الثالثة من ترسبات النيوجين أيضاً، وتتألف هذه المجموعة من: (1) تكوينات غور الكتار التي تتناوب فيها الكونغلوميرات والحجر الرملي والمارن الرملي والمارن، (2) تكوينات شاغور المؤلفة من الحجر الرملي الكلسي المتماسك، ومن الكونغلوميرات المتناوبة والحجر الكلسي. (3) مجموعة وادي الأردن الثالثة: أو مجموعة اللسان، وتنتمي تكويناتها إلى عصر البلايستوسين، لذلك تسود فيها تكوينات اللسان المؤلفة من رواسمارنية وطينية ملحية وجصية مشابهة لرواسب شبه جزيرة اللسان في البحر الميت، الذي تعد نموذجاً لمثل هذه الرواسب. وتتكون مجموعة وادي الأردن الثالثة من تكوينات السمرا أيضاً في جهات قليلة. وتشتمل هذه التكوينات على الحجر الكلسي المتناوب والمارن الحواري الأبيض. 3) مجموعة الإرسابات الحديثة: وتتكون من طمي الحقبة الرابعة الذي يتألف من الرمال والصلصال والطين، ومن إرسابات المخاريط (المراوح) الفيضية التي تتألف من الحصى والرمال والطين الكلسي والطين. ويرتبط تكون الترب في وادي الأردن بالمواد الأصلية من التكوينات الجيولوجية. ففي السهول الفيضية للأودية كما في المخاريط (المراوح) الفيضية تكونت من الإرسابات الحديثة تربة لحقية (غرينية) تتألف من خليط من الحصى والرمال والطين، لونه بني في العادة. وتكونت من الإرسابات البحرية القديمة تربة بيضاء رمادية ملحية تتألف من الرمل والجص والطين الملحي. وعلى طول الوادي بين أقدام الحافات الجبلية وأراضي الكتار المخددة تسود التربة الطينية العميقة ذات اللون البني الأحمر. وهي تربة منقولة من المرتفعات الجبلية، تم إرسابها فوق الإرسابات البحيرية. وتتعرض هذه التربة الطينية لتراكم الجلاميد الصخرية الهابطة إليها من المرتفعات، خاصة قرب حافة الوادي، حتى تصبح تربة حجرية أحياناً. من جهة ثانية تتعرض هذه التربة في بعض الجهات إلى الانحراف بفعل الرياح والسيول، فتكشف عن الارسابات البحيرية ذات اللون الأبيض الرمادي. ويزداد عمق هذه التربة بالاتجاه إلى الحافات الجبلية، في حين ترق بالاقتراب من أراضي الكتار الوعرة (رَ: التربة). ب- المظاهر الطبوغرافية: يقتصر الحديث، بالنسبة إلى المظاهر الطبوغرافية، على وادي الأردن الأدنى، أو ما يعرف محلياً بغور الأردن، وهو الجزء الممتد بين بحيرة طبرية شمالاً والبحر الميت جنوباً. يبلغ طول غور الأردن قرابة 105 كم بين بحيرة طبرية والبحر الميت، بفارق ارتفاع من الشمال إلى الجنوب قدره 180م، أي بمعدل انحدار يبلغ 1.79م/كم. ويجري نهر الأردن في وسط الغور، ويشق طريقه في الإرسابات البحيرية القديمة، لكن تعترض مجراه بعض العتبات البازلتية، فيخترقها بصعوبة. وأبرز هذه العتبات تلك التي تقع بين بحيرة طبرية -212م ومستوى – 275م، والتي تقع بين خطي منحنى التسوية -315م  و-360م. يترجح عرض قاع وادي الأردن ما بين 15 كم في الغور الغربي بالقرب من البحر الميت (غور أريحا) ونحو 5 كم في الشمال قريباً من بحيرة طبرية. ويضيق قاع الوادي في الوسط فيصبح 3 كم تقريباً في الغور الغربي قرب قرن الحمار. ويظهر مستويان رئيسان لأرض كل جانب من جانبي وادي الأردن، هما مستوى الغور ومستوى الزور. أما الغزو فهو المستوى الأعلى الذي يتكون من الإرسابات البحيرية القديمة المغطاة في كثير من الجهات بإرسابات لحقية حديثة. أما الزور فهو المستوى الأدنى الذي يتكون من إرسابات نهر الأردن الفيضية. وبعبارة أخرى هو السهل الفيضي الذي كونه نهر الأردن لنفسه منذ أن بدأ يشق مجراه في تكوينات اللسان البحيرية. ويترجح انخفاض مستوى الزور عن مستوى الغور بين 20 و40م، وتفصل بينهما مجموعة من الأراضي الوعرة المحددة التي تعرف محلياً باسم الكتار. تتكون هذه الأراضي الوعرة (الكتار) من طبقاات بحيرية رخوة تتآكل بسرعة بفعل الرياح والأمطار والمسيلات المائية مسفرة عن أشكال مائدية وتلال مخروطية وأعمدة أرضية، تتصف جميعاً بحدة حافاتها ووعورة جوانبها وخلو سطحها من النبات الطبيعي. ولا يزيد بعد ضفتي هذه الأراضي على 3 كم في أعرض بقاعها، لأن الرواسب الفيضية الحديثة تطمرها. وتندر أراضي الكتار في الجهات الشمالية من الغور، وتضيق في الاتجاه جنوباً، حتى تكاد تختفي بالقرب من البحر الميت. تخترق غور الأردن مجموعة من الأودية الجانبية التي تهبط من الهضبتين الفلسطينية والأردنية لترفد نهر الأردن. وأم الروافد الغربية أودية جالود* والفارعة* والمالح والعوجة* والقلط*. أما الروافد الشرقية فهي أودية اليرموك والعرب وزقلاب واليانس وكفرنجه وراجب والجرم والزرقاء وشعيب والكفرين وحسبان. وبعض الأودية الجانبية دائم الجريان وبعضها جاف، وبعضها فصلي. وبالنظر لاختلاف المناسب التي تجري فيها هذه الأودية. ما بين الحافات العالية للوادي الانهدامي (الأخدودي). ومستوى الغور، فإنها تهبط إلى أرض الغور فجأة لترسب كثيراً من حمولاتها فيما يعرف بالمخاريط الانصبابية (المراوح الفيضية) المحيطة بمجاريها قرب حضيض الجبال العالية. وقد تكونت أيضاً بعض المخاريط الانصبابية (المراوح الفيضية) المصغرة عند أقدام الأرض الوعرة للكتار، على أطراف السهل الفيضي (الزور) لنهر الأردن. وتجدر الإشارة إلى أن الأودية الجانبية عمقت مجاريها في الارسابات الرخوة التي يتكون منها قاع أرض الغور الأردني. وإلى جانب الأرض الوعرة التي تفصل بين الغور والزور تلاحظ بعض الحافات التي تضفي على أرضية الغور المنبسطة الرتيبة شيئاً من التنوع. وتمثل هذه الحافات مخلفات الشواطىء الجافة للبحيرة الأردنية القديمة. وحدد العلماء أربعة شواطىء قديمة (مصاطب) يراوح ارتفاعها بين متر واحد و120م فوق المستوى الحالي للبحر الميت. ويعتقد أن موضع مدينة بيسان* يقوم على إحدى المصاطب الشاطئية القديمة، في حين أن السهل الشمالي لأريحا، على مسافة 8 كم منها، ويطلق عليه اسم ميدان العبد، ليس إلا مصطبة شاطئية قديمة اتخذت شكل الهضبة المستوية. ويقسم الغور الغربي للأردن، من الشمال إلى الجنوب، إلى الوحدات الطبيعية التالية: 1) سهل كوكب الهوا: هو الجزء الشمالي من الغور الغربي، ويمتد مسافة 21 كم بين بحيرة طبرية شمالاً وسهل بيسان جنوباً. ويبلغ عرض الوادي في هذه المنطقة قرابة 8 كم، وتطل عليه من الغرب هضبة كوكب الهوا (540م فوق مستوى نهر الأردن) بجروف شديدة الانحدار. 2) سهل بيسان (غور بيسان): هو الفتحة الطبيعية التي تربط وادي الأردن بسهل مرج ابن عامر*. يبلغ طوله زهاء 20 كم وعرضه نحو 10 كم، ويجري فيه نهر جالود الذي يرفد نهر الأردن، وتكثر فيه الينابيع المائية المتنوعة. تحيط به من الغرب سلسلة جبال فقوعة التي تعد خط تقسيم المياه بين وادي الأردن والبحر المتوسط. ويوضح المقطع العرضي للسهل ومستويات ثلاثة هي : (1) مستوى المصطبة الذي تقع عليه مدينة بيسان. وينخفض نحو 90 م عن مستوى البحر. (2) مستوى الغور نفسه، وينخفض نحو 200 م عن سطح البحر. (3) مستوى الزور، وينخفض 240 م عن سطح البحر، ويبلغ عرضه نحو 1/2 كم. 3) بقعة طوباس (غور طوباس): يضيق غور الأردن إلى الجنوب من سهل بيسان فلا يتغذى عرضه 5 كم. ويبلغ طول هذا الجزء من الغور نحو 20كم. وتتصف هذه المنطقة بانبساط أراضيها، رغم ارتفاعها في الغرب. ويجري فيها وادي المالح أحد روافد نهر الأردن. 4) منطقة دامية (غور دامية): يبلغ اتساع الوادي هنا نحو 5 كم، باستثناء الفتحة التي يخترقها وادي الفارعة في طريقه إلى نهر الأردن، حيث يتسع عرض الغور قليلاً. ويرتفع الجانب الغربي للغور فيما يعرف بقرن صرطبة الذي يتكون من كتلة جبلية كبيرة ترتفع 720 م عن نهر الأردن. 5) منطقة فصايل (غور فصايل): يمتد هذا الغور من فصايل شمالاً إلى عش الغراب (شمالي أريحا) جنوباً. ويتسع عرض الغور في هذه المنطقة فيصل إلى نحو 8كم، ويتسع عرض الزور الذي ينفصل عن الغور بوضوح بفعل الأرض الوعرة. ويجري في هذا الغور وادي الفارعة الأدنى ووادي العوجة الأدنى اللذان يجريان مسافة 10 كم في موازاة نهر الأردن متجهين نحو الجنوب، ثم ينحرفان شرقاً، ويصبان في النهر. 6) سهل أريحا (غور أريحا): هو سهل طويل مغلق من الشرق والغرب بحافات من الأراضي المرتفعة الوعرة. ويجري في وسط وادي القلط المتعرج الذي عمق مجراه في هذا السهل. وينخفض الزور عن الغور هنا نحو 40م. ويبلغ اتساع الزور قرابة 100 كم، وعرض الغور أكثر من 15 كم. ويبدو البحر الميت كأنه استمرار لسهل أريحا من الناحية الجنوبية. وتحف بهذا السهل من الغرب قمة جبل قرنطل التي تشرف على المنطقة كلها، وهي جزء من الجانب الغربي للوادي الانهدامي (الأخدودي)، وتوجد حولها الانكسارات الهلالية الشكل. ج- الغور عبر التاريخ: الأردن لفظ سامي يرجح أن يكون كنعاني الأصل، ومعناه النازل. واستعمل العبرنيون كلمة الأردن بهذا المعنى، وبمعنى النهر. ففي العهد القديم قبل: هذا الأردن (يشوع 4:22) أي هذا النهر، وقبل: أردن أريحا (العدد 26:3) أي نهر أريحا. وأطلق الصابئة المندائيون لفظ الأردن على النهر بوجه عام وعرفه الرومان باسم يورداني IORDANUS، والصليبيون باسم جوردان Jordan. شهد الغور الفلسطيني استيطان أقدم انسان في الشرق الأدنى بالقرب من بحر الجليل في منطقة العبيدية قبل 1.750.000 سنة، وقد وجدت مخلفاته أيضاً في اولدوفاي بتنغانيقا. وفي كهف الزظية* شمال غرب بحر الجليل وجدت جمعية الانسان نياندرتال الذي عاش قبل 100.000 سنة. وفي مغارة الأميرة بالقرب من بحر الجليل أيضاً وجدت آثار تعود لنوع من الإنسان العاقل عاش قبل 30.000 سنة. (رَ: العصور القديمة) وشهد الغور الفلسطيني انتقال الانسان من الكهف والصيد إلى القرية والنزوح قبل 9.000 سنة. وتقع خرائب تلك القرية اليوم في تل السلطان بالقرب من مدينة أريحا*. وكانت هناك قرية أخرى قبل 6.000 سنة توجد خرائبها اليوم في تل الحصن بالقرب من مدينة بيسان. وفي الشمال شرق البحر الميت ازدهرت قرية ثالثة قبل 5.000 سنة على تليلات الغسول*. ولما نزل الكنعانيون غور الأردن في الألف الثالث ق.م. أقاموا في مختلف أنحائه القرى والمدن التي تمت وتوسعت وازدهرت بفضل خصب الأرض ونشاط السكان. ففي جوار أريحا بنوا بيت يريح، أي مدينة الاله القمر بالقرب من عين السلطان، وفي المكان الذي يعرف اليوم باسم تل الحصن بنوا مدينة بيت شال أي بيت الاله شان، وهي بيسان. وفي القرن الثاني قبل الميلاد هجم اليهود بقيادة يشوع على الغور، فاحتلوا مدينة أريحا، وأحرقوها، وأهلكوا جميع أهلها، وأخذوا أموالها (يشوع :6:11-25) وكان ذلك في عام 1186 قبل الميلاد. ولكن مدينة بيسان صدت هذا الهجوم، بل علقت على أسوارها فيما بعد جسد شاؤول اليهودي وأولاده الثلاثة اثر مقتلهم في مدينة جلبوع عام 1004 قبل الميلاد وسكن الغور السينيون في القرن    السابع قبل الميلاد، وسميت بيسان في عهدهم “سينو بولس”. وحكمه البطالمة*، وانتزعه السلوقيون* منهم بحد السيف. وفي عهدهم احتفظت سنيوبولس باسمها. وفي عام 63 ق.م. احتل الرومان فلسطين وبنوا في مدينة أريحا في عهد هيرودس الكبير (37-4 ق.م.) مدينة توجد آثارها لليوم في تل أبي العليق. وأصبحت بيسان في هذا العهد رئيسة المدن العشر* (ديكابولس) المتحالفة. وفي هذا العهد بنى هيرودس أنتيباس المعتمد الروماني في الجليل مدينة طبرية عام 26 م على الساحل الغربي من بحر الجليل تكريماً للامبراطور كلودوس طبريوس. وازدهر الغور في عهد الرومان لأنهم أحسنوا ريه فكثر فيه النخيل والحبوب وقصب السكر والقطن والكتان والفواكه والوسمة والبلسم، واشتهرت بيسان بخمورها ونسيج كتانها. ويذكر أن يوحنا المعمدان عمد السيد المسيح في نهر الأردن (مرقس 1: 9-12) في مكان يعرف بالمغطس على بعد 7 كم إلى الشرق من أريحا، وبالقرب من أحد الكهوف. وقد أقيم في هذا المكان دير قرنطل تخليدا للسيد المسيح. وفي عهد قسطنطين الكبير 306-331 درجة مئوية انتشرت المسيحية* في بعض مدن الغور، وأصبحت أريحا في عام 325 مركزاً لأسقفية. وفي العهد البيزنطي زاد انتشار المسيحية في بلدان الغور، وبنيت عدة كنائس وأديرة، وأصبحت طبرية عاصمة فلسطين الثانية. أكمل العرب المسلمون فتح بلاد فلسطين بقيادة شرحبيل بن حسنة* في وقعة فحل 13هـ/624م، وأصبحت مدن الغور عامرة زاهرة. وقد وصف الاصطخري منطقة الغور في القرن العاشر بقوله: “إن الغور أوله بحيرة طبرية، ثم يمتد على بيسان حتى ينتهي إلى زغر وريحا إلى البحيرة الميتة والغور ما بين جبلين غائر في الأرض وبه نخيل وعشب وعيون وأنهار”. وذكر ياقوت أن الغور فيه نهر الأردن وبلاد وقرى كثيرة، وأشهر بلاده بيسان بعد طبرية وأكثر ما يزرع فيه قصب السكر، ومن قراه أريحا. وفي بيسان وفد الفقيه رجاء بن حبوه وعاش. ووصف المقدسي قرية قدس*، وهي من القرى الواقعة شمال الغور، بقوله: “إن للقدس بحيرة على فرسخ تصب إلى بحيرة إلى جنبها غابة حلفاء، وينسج أكثر أهلها الحصر ويفتلون الجبال”. قاست مدن الغور الكثير من أهوال الحروب الصليبية، فقد سقطت مدينة بيسان بيد غودفري حتى حررها صلاح الدين الأيوبي* عام 578هـ/1183م قبل معركة حطين*. وظلت بيسان عربية بكل مظاهر حياتها إلى أن احتلها الصهيونيون في عام 1948 فرحلوا أهلها بالقوة، ثم هدموها في عام 1949، وأعادوا بناءها، وسموها بيت شعبان. أما طبرية فقد احتلها أثناء الحروب الصليبية تنكريد ثم رايموند، وحررها صلاح الدين في عام 583هـ/1187م بعد معركة حطين. وفي عام 1240 احتلها الصليبيون مرة أخرى، ولكن الخوارزمين استردوها عام 1247، بقيادة الصالح أيوب. وقد فقدت كثيراً من عمرانها بالتدرج وأصبحت بلدة فقيرة، لكنها نشطت عندما نزلت بها قبيلة الزيادنة في اللعهد العثماني، وقامت فيها إمارة الشيخ ظاهر العمر* وظلت عربية إلى أن سلمها الانكليز للصهيونيين في نيسان 1948. وفي الغور ذكريات عزيزة على العرب، ففي مدينة فحل جرت معركة انتصر فيها العرب على الروم عام 13هـ/634م، وفيه قبور بعض قادة تلك المعركة وجندها الذين ماتوا بمرض الطاعون، مثل شرحبيل بن حسنة وضرار بن الأزور ومعاذ بن جبل* في دير علا ومقام أبي عبيدة بن الجراح بقرية عتا. وبالقرب من مدينة طبرية جرت معركة حطين بين صلاح الدين الأيوبي والصلبيين عام 583هـ/1187م وانتصر العرب وتحررت فلسطين. وفي تل حطين قبة صغيرة تعرف بقبة النصر، بنيت تخليداً لذكرى تلك المعركة. وقد سحرت مناظر بحر الجليل الأمويين من خلفاء وأمراء، فكان معاوية وأولاده وعبد الملك وحاشيته يشتون في الصنبرة التي تقع خرائبها اليوم بالقرب من قرية سمخ*، ومات في الصنبرة مروان بن الحكم. وكان الوليد بن عبد الملك* يقيم الشتاء في قصره الذي كان في الموضع المعروف اليوم باسم خان المنية. وكان هشام بن عبد الملك يشتو في قصر بناه في المكان الذي يعرف اليوم بخربة المفجر*. وفي مدينة طبرية مسجد الجمعة والجامع الزيداني (مسجد الياسمين سابقاً)، وفي ظاهر هذه المدينة قبر أبي هريرة. وفي الغور قنطرة دامية بناها بييبرس* إلى الشمال من أريحا بنحو 29كم. وفيه أيضاً عدد من المواقع الأثرية والأديرة والعيون الحارة، وأشهر هذه العيون ينابيع الحمة التي تقع على بعد 22 كم جنوب شرق بلدة طبرية، وتتألف من ثلاثة ينابيع حارة، وينبوع واحد سائغ الشرب (رَ: عيون الماء). وفي الغور منتزهات ومشات جميلة ومناظر طبيعية خلابة، وكل هذه تجذب الكثيرين من السياح والمتعبدين والمرضى للاستشفاء. والغور عربي بأهله منذ القديم، وأهم القبائل التي تسكن فيه عرب البلاونة والمشالحة والعدوان والمساعيد والكعابنة والنصيرات والبشاتوة والغزاوية وصقر والغوارنة. وكان الغوارنة يسكنون شمال الحولة، وقد جففوا 15 ألف دونم من المستنقعات* التي تحيط بهم وزرعوا فيها القمح* والشعير والذرة والخضر، وكانوا يسكنون الخيام في قرية الخالصة* والبويزية*، وفي حرب 1948* رحلهم الصهيونيون، ودمروا قرية الخالصة، بنوا مكانها مستعمرة جديدة سموها “قريات شمونا”*.   المراجع:   مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، وج6، ق2، بيروت 1965 و1974. صلاح الدين البحيري: جغرافية الأردن، عمان 1973. محمود العابدي: الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن، عمان 1973. ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، بيروت 1957. المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1877. فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت 1958. جورج بوست: قاموس الكتاب المقدس، ج1، بيروت 1964. اسحق منصور: تاريخ الناصرة، القاهرة 1923. العهد الجديد، انجيل مرقس. العهد القديم، سفر الملوك الأول، سفر العدد، سفر أيوب، سفر يشوع، سفر المزامير، سفر أشعيا. R. and Hojar. H.: An Introduction to Anthropology, New York 1971. C.: Man in Prehistory, New York 1969. F.: The East African Rift System, London 1956. L: Remarques sur le fosse de la Mer Morte et ses Prolongements au nord jusquau Taurus, Paris 1967. Fitzgerald, G.: The Earliest Pottery of Beth-Shan, New York Gordon, C.: The Ancient Near East, New York Gregory, J.W.: The Rift Valleys of East Africa, London K.: The Early Jericho, Antiquity, Vol.26.1952. R.: et al.Teleiat Ghassaul, I (Rome 1934).II (Rome 1940). National Geographic Magazine, Vol.120, No4.1961. The Encyclopaedia Britannica, Vol.7, 1974. Quennell, A.M.: The Structural and Gemorphic Evolution of the Dead Sea Rift, 1956. Rowe, A.: The Topography and History of Beth-Shan, Philadelphia Schattner, I.: The Lower Jordan Valley, Jerusalem G.A.: The Historical Geography of the Holy Land, London 1896. Turville-Petre: Researches in Prehistoric Galilee, London Willis, B.: Dead Sea Problem: Rift Valley or Ramp Valley, 1928.