الغساسنة

قبائل أزدية يمانية، تجمع الروايات التاريخية على أن جدها الأعلى هو جفنة بن عمرو، فيدعون بني جفنة، وآل جفنة. وكان جبلة أشهر ملوكهم الأوائل، وقد تمكن من أن يمد نفوذه إلى فلسطين سنة 497م، فتقدم إليه البيزنطيون للإ‘فادة منه. هاجر الغساسنة من اليمن في أواخر القرن الثالث للميلاد، وأقاموا مدة في شمال الحجاز، ثم تقدموا نحو بلاد الشام الجنوبية، وأزاحوا قضاعة* (الضجاعمة*)، وحلوا محلهم. فكان من ذلك أن اعترف البيزنطيون لهم بنوع من السيادة، ومنحوهم ألقاباً سياسية رفيعة. وقد أقام الغساسنة دولة حاجزة بين سورية والساسانيين، فساعدوا الروم في حربهم مع الساسانيين. أمتدت سلطة الغساسنة على القبائل العربية التي نزلت فلسطين والأردن واعتراف سورية، بقول المسعودي: “كانت ديار ملوك غسان في اليرموك والجولان* وغيرهما بين غوطة دمشق وأعمالها، ومنهم من نزل الأردن”. وبذلك يكون ملوك غسان قد حكموا حوران والبلقاء والغوطة. وكانت الجابية في الجولان قاعدة سلطتهم وفيها معسكرهم الرئيس، كما اتخذوا جلق مركزاً لهم مدة من الزمن. على أن نفوذ الغساسنة لم يمتد إلى المدن المحصنة كدمشق أو بصرى. واعتنق الغساسنة النصرانية على المذهب البعقوبي، أي القائل بالطبيعة الواحدة للمسيح. اردهرت دولة الغساسنة في عهد الحارث بن جبلة، فقد حارب الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وانتصر عليه سنة 528م. كما أعان البيزنطين في قمع حركة السامريين سنة 529م. فمنحه الامبراطور جستنيان* لقب “فيلارك” ولقب “بطريق”، وهما من الألقاب الإدارية الرفيعة عند البيزنطين. ثم اشتعلت الحرب ثانية بين الغساسنة وملك الحيرة على مناطق النفوذ في الإقليم المعروف بالسراط (البادية الواقعة جنوبي تدمر، أي الأرض الممتدة على جانبي الطريق الحربية من دمشق إلى ما بعد تدمر حتى مدينة سرجيوس). وكان كل من الأميرين يدعي السلطة على القبائل العربية النازله فيها. وتجددت الحرب بينهما بصورة متقطعة حتى أحرز الحارث الغساني انتصاراً حاسماً على المنذر الثالث الذي قتل في المعركة. وتعرف الواقعة في التاريخ يوم حليمة سنة 554م. سافر الحارث الغساني في زيارة للقسطنطينة سنة 563م لمفاوضة البيزنطين في التدابير التي يجب اتخاذها لردع عمرو بن هند ملك الحيرة. وقد نجح الحارث خلال هذه الزيارة في إقناع البيزنطيين بتعيين يعقوب البرادعي أسقف الرها (541 – 578م)، وتيودوسيوس الاسكندري (535 – 566م)، وهما من الذين عملوا على إحياء المذهب اليعقوبي، أسقفين على المقاطعات السورية، وضمنها فلسطين. والمعروف أن الحارث وغالبية عشائره كانوا على هذا المذهب، وقد يكون تأييده للمذهب ناتجاً عن دوافع سياسية (رَ: اليعقوبية). وبعد وفاة الحارث الغساني سنة 569م خلفه ابنه المنذر. وفي بداية عهده ساءت العلاقة مع البيزنطين بسبب تمسك المنذر بالمذهب اليعقوبي وتأييده له.  على أن ضغط المناذرة على أطراف الشام دفع البيزنطين إلى الصلح مع الغساسنة سنة 578م، فعادت العلاقات الطبيعية، وزار المنذر القسطنطينية سنة 580م، فاستقبله القيصر بحفاوة، وأنعم عليه بالتاج، وهي بادرة جديدة. إذ لم يكن الروم ينعمون على أمراء العرب إلا بالإكليل. وأصدر القيصر عفواً عن أصحاب المذهب اليعقوبي. وبذلك توطدت العلاقة مرة ثانية بين الطرفين. لم ترض الخطوة التي تالها المنذر لدى البلاد البيزنطي الكثيرين من كبار رجال الدين والسادة (في بيزنطة) الذين كانوا على المذهب الأرثوذكسي، فانتهزوا كل فرصة للطعن في سياسة المنذر، والتشكيك بنيانه. وقد واتت الفرصة هؤلاء حين انكسر الجيش البيزنطي في معركة مع الفرس، فعريت هذه الهزيمة إلى خيانة المنذر الذي كان مع الجيش البيزنطي. فأمر الامبراطور البيزنطي حاكم سورية بالقبض على المنذر وإرساله منفياً الى القسطنطينية، ثم نفاه إلى صقلية حيث مات هناك سنة 583م. لم يقف أبناء المنذر الأربعة مكتوفي الأيدي تجاه السياسة البيزنطية، بل شاروا بقيادة أخيهم الأكبر النعمان، وشنوا حرباً شعراء على الأراضي السورية الواقعة تحت النفوذ البيزنطي. وكانت هجماتهم ناجحة، وخاصة على بصرى التي كانت من أكبر قواعد بيزنطة في جنوب سورية لكن البيزنطين تمكنوا من القبض على النعمان بن المنذر. وسجنوه سنة 584م. وتعتتبر نهاية عهد النعمان الغساني بداية انهيار وحدة القبائل العربية في سورية. كان لزوال الكيان الغساني العربي في بلاد سورية وفلسطين أثر في تصدع الحدود السورية تجاه الساسانيين والقبائل البدوية، قد شجعها الوضع المتدهور على شن الهجمات على سكان القرى والمدن السورية الفلسطينية. وقد دعت هذه الحالة البيزنطين إلى التفكير في اختيار أمير عربي جديد من آل جفنة الغسانيين، لما لهم من النفوذ بين القبائل العربية في جنوب سورية. على أن عصر الازدهار والقوة عند الغساسنة كان قد زال بزوال عهد النعمان وليس في المصادر التاريخية معلومات موثقة عن ملوك الغساسنة بعد النعمان إذ تشير الروايات إلى أن عددهم بلغ اثنين وثلاثين ملكاً، وإلى أن نفوذهم امتد ليشمل شمال الحجاز وأطراف نجد وسورية الجنوبية وفلسطين وحين غزا الساسانيون بقيادة كسرى أبرويز سورية سنة 613م، واحتلوا دمشق والقدس* قضوا على آخر نفوذ للغساسنة. وحين استعاد الامبراطور البيزنطي هرقل* سورية سنة 629م لم يتمكن من القيام بعمل جدي للدفاع عن حدود امبراطوريته هناك، ولذلك ظلت حدود سورية مفتوحة أمام الغزوات الجديدة. وكانت التجارة البيزنطية قد تردت بسبب الاضطراب والفوضى وفقدان الأمن. وبعد أن ثبت الإسلام* أقدامه في الحجاز، وبدأ الفتح العربي الإسلامي في بلاد الشام، حاربت بقايا الغساسنة المسلمين إلى جانب البيزنطين عدة مرات، وقد انتصر خالد بن الوليد على الروم، ومعهم الغساسنة، في موقعة مرج الصفر سنة 12هـ/ 624 م بين دمشق والجولان، كما أن جبلة بن الأيهم اشتبك مع خالد بن الوليد في معركة اليرموك* الشهيرة بين العرب والبيزنطيون (13هـ/636م). وبالرغم من أن بعض الروايات تشيد بقصور الغساسنة ورفاهية الحياة عندهم فإن الحفريات الأثرية لم تكتشف حتى الآن هذه القصور والأبنية. ولا ريب في أن الأخبار والأشعار المروية عن الغساسنة، على ما فيها من مبالغات، تدل على حضارة راقية وحياة اقتصادية مزدهرة. ولا بد من القول أخيراً أن الكيانات السياسية العربية في جنوب سورية وفلسطين – رغم تصدي بعضها لموجة الفتح الإسلامية – اضطلعت بدور إيجابي في تمهيد الطريق للقبائل العربية اليمانية التي انخرطت في الجيش العربي الإسلامي المتوجه إلى بلاد الشام، وهي بلاد كان المسلمون يعرفونها معرفة جيدة وكانوا يدركون أن أراضي الشام استقرت فيها القبائل العربية وكونت كيانات سياسية وثقافات متميزة قبل ظهور الإسلام بزمن ليس بالقصير. المراجع:   نولدكه: أمراء غسان – (مترجم)، بيروت 1933. جواد علي: المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام – بيروت 1968. الطبري: تاريخ الأمم والملوك – ليدن 1881-1883. دائرة المعارف الإسلامية – مادة الغساسنة. صالح أحمد العلي: محاضرات في تاريخ العرب – ج1. بغداد 1955. Kawar, I,: Ghassan and Byzantium, Der Islam, 33, 1958. Khalidi, I, R. The Arab Kingdom of Ghassan. M, W., 46, 1956.