العودة (حق)

من الشعارات الصهيونية الأساسية شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” وهو يعني أن فلسطين أرض خاوية من السكان، وأن اليهود شعب هائم على وجهه يمكنه أن يحتل هذه الأرض. وما كان للرؤيا الصهيونية، بتأكيدها ضرورة إنشاء دولة يهودية خالصة في فلسطين، أن تتحقق، إلا بطرد الفلسطينيين من ديارهم، لأن استمرار وجودهم داخل (الدولة اليهودية)، وإن كانوا حتى أقلية مستغلة، يقوض المخطط الصهيوني من أساسه. ولهذا السبب يصف الاستعمار الصهيوني لفلسطين على أنه استعمار استيطاني، يجلب عنصراً سكانياً غريباً لا ليستغل المواطنين الأصليين، بل ليحل محلهم تماماً. وقد نجحت الحركة الصهيونية في اغتصاب الأرض الفلسطينية، وفي إحلال المستوطنين الصهيونيين محل سكان الأرض الأصليين، وهم الفلسطينيون، مما نتج عنه المشكلة الفلسطينية. وقد تكون هذه المشكلة على المستوى الانساني أو الأخلاقي مشكلة لاجئين، لكنها على المستويين السياسي والقانوني، وهما الأهم، مشكلة الحقوق السليبة لسكان دولة اغتصبت أراضيها بالقوة على يد غزاة دخلاء، لأن فلسطين تحت الانتداب، ومن وجهة نظر القانون الدولي، دولة ناقصة السيادة. وكان على بريطانيا، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، أن تمنحها استقلالها، أو تضعها تحت نظام الوصاية. وقد توجهت هيئة الأمم المتحدة،بعد قرار التقسيم، إلى معالجة مشكلة الفلسطينيين بشقها الانساني فحسب، أي كمشكلة لاجئين. وبدأت جهود المنظمة الدولية في هذا المضمار في أول دورة عقدتها الجمعية العامة بعد طرد غالبية الفلسطينيين من ديارهم، حين تبنى الوفد البريطاني توصية الكونت برنادوت بشأن “اللاجئين” والتي تقدم بها في صيغة مشروع اقتراح وافقت عليه الجمعية العامة في 11/12/1948، (القرار رقم 194 الدورة 3). وقد جاء في الفقرة 11 من هذا القرار أن الجمعية العامة “تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى بيوتهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقا لمبادىء القانون الدولي والانصاف أن تعرض ذلك الفقدان أو الضرر الحكومات أو السلطات المسؤولة”. وتعني هذه الفقرة أن الجمعية العامة قررت، أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم هي حق لهم واجب التنفيذ، وأن عودتهم تتوقف على اختيارهم الحر هم وحدهم. كما يعني أن العودة إلى فلسطين حق طبيعي، وليس منحة من أحد، وبالتالي فلا يجوز لأحد حجبه، وأن عودة الفلسطيني إلى وطنه ستكون عودة مواطن له حقوق كاملة، وليس مواطناً من الدرجة الثانية. وقد نص القرار رقم 194 أيضاً على إنشاء لجنة توفيق* تابعة لهيئة الأمم المتحدة، تكون مهمتها “تسهيل إعادة اللاجئين إلى وطنهم وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع ااتعويضات لهم”. كما طلبت الجمعية العامة من اللجنة أن تتخذ الإجراءات اللازمة”. لمعاونة الحكومات والسلطات المعنية لإحراز تسوية نهائية لجميع المسائل المعلقة بينهم”. ورغم شمول القرار ومحاولته تغطية كل الجوانب الأساسية، يلاحظ أنه لم يؤكد بشكل واضح مسؤولية المنظمة الدولية. كما أن القرار لم يتخذ إلا في كانون الأول، أي بعد ما يزيد على نصف عام من إنشاء الدولة الصهيونية. والقرار، رغم ضعفه، يمثل نوعاً من الشرعية الدولية للمطالب الفلسطينية بشأن حق العودة. ولذا، حينما تقدمت (إسرائيل) بطلب عضوية الأمم المتحدة وجدت أنه من الضروري أن تخلق أنطباعاً لدى أعضاء المنظمة الدولية عن أنها على استعداد لتنفيذ القرارات الخاصة بالعودة، فوقعت في 16/5/1949 ما يسمى “بروتوكول لوزان” الذي تضمن اعتراف (إسرائيل) بحق الفلسطينيين في العودة. وقد جاءت في مقدمة قرار الموافقة على قبول عضوية (إسرائيل) في الأمم المتحدة* إشارة صريحة إلى القرار 194. ولكن (إسرائيل) لم تنفذ ما وعدت به، ولم تمتثل إلى أي من القرارات أو البروتوكولات. استمرت المنظمة الدولية في جهودها لإعادة اللاجئين الفلسطينيين، فورد في مقدمة القرار 2-3 (8/12/1949، الدورة 4) الذي أسس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى* (الأونروا) إشارة واضحة أيضاً إلى القرار 194. وفي 14/12/1950 اتخذت الجمعية العامة قراراً آخر (برقم 394، الدورة 5) كان الغرض منه “الإيعاز إلى لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة بتنفيذ العودة والتعويض”. وقد عبرت الجمعية العامة في هذا القرار عن قلقها البالغ  لعدم اتخاذ “أية اجراءات بشأن إعادة الفلسطينيين إلى وطنهم”. وإعادة توطينهم وتأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي ودفع التعويضات لهم، ولذا أصدرت الجمعية العامة توجيهها إلى لجنة التوفيق الدولية بالاستمرار في التشاور مع الأطراف المعنية كلها لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وأملاكهم ومصالحهم، واتخاذ جميع التدابير العملية الممكنة لتنفيذ القرار 11 من قرار الجمعية العامة رقم 194. خاصة أن مشكلة اللاجئين “يجب أن تعالج كمسألة ملحة، وذلك لمصلحة السلام والاستقرار في الشرق الأدنى”. ومرة أخرى، كان القرار ضعيفاً في صياغته، كما أنه لم يتوجه إلى الناحية الإجرائية، ولعل هذا كان تشجيعاً (لإسرائيل) على التمادي في تجاهله كما تجاهلت ما سبقه من قرارات المنظمة الدولية في هذا الشأن. وبالفعل، لم تتخذ (إسرائيل) أية إجراءات بشأن عودة الفلسطينيين. ومنذ عام 1950، وبعد صدور القرار رقم 394 (الدورة 5) اكتفت المنظمة الدولية بالإشارة إلى حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو تعويضهم عن ممتلكاتهم في مقدمة القرارات التي كانت تتخذها، سنة بعد سنة، بصدد المصادقة على التقارير السنوية للمفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وكانت تؤكد، كلما خصصت اعتمادات لمساعدة اللاجئين، أو الإقامة صندوق لهم، أو مددت صلاحية الوكالة القائمة، أن مثل هذه الإجراءات الموقتة تتخذ دون الاخلال بأحكام الفقرة 11 من القرار 194 السالف الذكر. ولم تكتف (إسرائيل) بإدارة ظهورها لموقف المجتمع الدولي، بل استمرت في سياستها باقتلاع المزيد من شعب فلسطين ودفعه إلى خيام اللجوء. وقد وصلت هذه السياسة ذروتها عام 1967، حين بلغ عدد الفلسطينيين الذين هجروا من الضفة الغربية بعد حرب 1967* حوالي 410 آلاف فلسطيني. وبعد ممارسة شتى الضغوط الدولية على (إسرائيل) وافقت على أن تتسمح لعدد صغير من هؤلاء بالعودة. وبالفعل قام 176 ألفاً منهم يملء الطلبات الخاصة التي أعدتها منظمة الصليب الأحمر الدولية. ولكن (إسرائيل) لم تسمح إلا بعودة 14 ألفاً من النازحين، وبالتالي أصبح هؤلاء “النازحين” الذين حرموا من حق العودة مماثلاً لوضع “اللاجئين” الأوائل من الشعب الفلسطيني، رغم اختلاف التسمية. لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت تتشدد في موقفها من حق الفلسطينيين في العودة بدءا من عام 1969. ثم غيرت توجهها نحو هذا الموضوع منذ عام 1970 وحتى الآن، وكـأنما شعرت أنها، بقراراتها السابقة في شأن فلسطين والفلسطينيين، ارتنكبت خطأ تاريخياً جسيماً بحق هذا الشعب العربي. كما أن بروز المقاومة الفلسطينية، وتصاعد دورها السياسي والعسكري في تجسيد الهوية الفلسطينية أعادا “الفلسطينية” إلى ذاكرة المجتمع الدولي، بعدما حاولت (إسرائيل) ومؤيدوها انكار وجودها وحرمان شعب فلسطين من أبسط حقوق الإنسان. ففي عام 1969 أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 2535 (أ) و(ب) و(ج)، ولاحظت فيه مع الأسف الشديد أنه “لم تتم إعادة اللاجئين إلى ديارهم كما هو منصوص عليه في الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة 194 (الدورة 3)، وأنه لم يجوز أي تقدم ملموس في برنامج إعادة ادماج اللاجئين، اما باعادتهم إلى ديارهم أو بتوطينهم، وهو البرنامج الذي أقرته الجمعية العامة في الفقرة الثانية من القرار 513 (القاهرة 6)، وأن حالة اللاجئين لا تزال مدعاة للقلق الشديد”. كما لاحظت الجمعية العامة بكل أسف أن “لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين لم تتمكن من إيجاد وسيلة لإحراز تقدم في سبيل تنفيذ قرارتها”. ومضت الجمعية العامة، لأول مرة، تضع يدها على أساس المشكلة حين صرحت في القسم (ب) من قرارها 2535 سالف الذكر، ولأول مرة، أن مشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين ناشئة عن انكار حقوقهم غير القابلة للتصرف، والمقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأكدت من جديد حقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف، كما لفتت نظر مجلس الأمن إلى الحالة الخطيرة الناشئة عن سياسة إسرائيل وممارساتها في الأقاليم المحتلة، وعن رفض إسرائيل تنفيذ قراراتها السابقة. ويلاحظ  أن الجمعية العامة استخدمت عبارة شعب فلسطين في الإشارة إلى الفلسطينيين، لأول مرة منذ نكبة هذا الشعب وتشريده على يد الصهيونيين. وبموجب القرار رقم 2649 (الدورة 25) الصادر في 30/11/1970، اتجهت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى معالجة مشكلة الفلسطينيين كمشكلة شعب له حق قانوني ثابت في تقرير المصير. فقد جاء القرار بعنوان “إدانة انكار حق تقرير المصير خصوصاً لشعوب جنوب إفريقيا وفلسطين”. وجاء فيه أن الجمعية العامة “تؤكد شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية. والمعترف بحقها في تقرير المصير لكي تستعيد ذلك الحق بأية وسيلة في متناولها”، وتدين الحكومات التي تنكر حق تقرير المصير على الشعوب المعترف لها بهذا الحق، وخصوصاً شعوب إفريقيا الغربية وفلسطين. وفي الدورة ذاتها صعدت الجمعية العامة موقفها حيال حقوق الفلسطينيين، فاعترفت بقرارها رقم 2672 لشعب فلسطين (وليس للاجئين الفلسطينيين) بحق تقرير المصير*، وظلت مرة أخرى من إسرائيل اتخاذ خطوات فورية لإعادة المشردين. وقد ورد بوضوح في القسم (ج) من هذا القرار: “أن الجمعية العامة “1- تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. “2- وتعلن أن الاحترام التام للحقوق الثابتة لشعب فلسطين هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلم وعادل ودائم في الشرق الأوسط”. ويربط القسم (د) من هذا القرار حق تقرير المصير بحق العودة، على أساس أن الثاني يشكل مجرد جانب من مضمون الحق الأول، وأن على “إسرائيل” أن تتخذ فوراً، ودون مزيد من التأخير، خطوات فعالة لإعادة المشردين. وفي عام 1971 عادت الجمعية العامة بقرارها رقم 2787 (الدورة 26)  إلى التأكيد على حق الشعب العربي الفلسطيني من أجل التحرر وتقرير المصير. لكنها من جهة أخرى، وحين معالجة حقه في العودة، اتخذت القرار رقم 2792 (أ) وفيه أشارت إلى عودة “اللاجئين” وتعويضهم. واستمرت الجمعية العامة في هذا الموقف المزدوج في الدورة السابعة والعشرين (1972 ) التي اتخذت فيها القرار رقم 2963. ففي حين عالجت أقسامه (أ) و(ب) و(ج) موضوع عودة الفلسطينيين على أنه موضوع لاجئين، ذهبت في القسم (هـ) من القرار إلى اعتبار الفلسطينيين شعباً له حق ثابت في تقرير المصير، بعني فيما يعنيه حق العودة واختيار السيادة التي يريد الانضواء تحت لوائها. غير أن الجمعية العامة بدأت تنسجم مع نفسها، إلى حد ما، بدءاً من عام 1973، فبموجب قرارها رقم 3089 (د) كانت واضحة في أن “الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين الثابتة وتحقيقها، وخصوصاً حقه في تقرير المصير، لا بد منها لتوطيد سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. وأن تمنع اللاجئين العرب الفلسطينيين بالحق في العودة إلى ديارهم وأملاكهم، ذلك الحق الذي اعترفت به الجمعية العامة في القرار 194 (الدورة 3) في 11 كانون الأول 1948، والذي أعادت الجمعية العامة تأكيده مراراً منذ ذلك الحين. لا بد منه لتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، ولممارسة شعب فلسطين حقه في تقرير المصير”. إذاً، فالفلسطينيون شعب كامل متكامل، له حق ثابت في تقرير المصير. وللقسم المشرد خارج دياره (اللاجئين) حق العودة بلا شرط لممارسة حقه في تقرير مصيره. وحق العودة للفلسطينيين اللاجئين هو، والحالة هذه، حق قانوني وسياسي وليس مجرد حق إنساني أو أخلاقي. وفي عام 1974 تتبلور موقف الجمعية العامة في الربط بين حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير، وفي ذلك حق المشردين منه في العودة، وإقامة دولة المستقلة في القرار 3236. وقد جاء فيه: “إن الجمعية العامة: “تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة، وخاصة: 1) الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي. 2) الحق في الاستقلال بالسيادة الوطنيين. “وتؤكد من جديد حق الفلسطينيين الثابت في العودة إلى ديارهم ومتلكاتهم التي شردوا عنها وأقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم. “وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني الثابته هذه، وإحقاق هذه الحقوق أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين. “وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه. وبموجب القرار رقم 3376 (الدورة 30) الصادر في 10/11/1975، أعربت الجمعية العامة عن اهتمامها العميق بأن تقدماً ما لم يحرز في سبيل تطبيق قرارها الصادر في الدورة السابقة.   المرجع:   –         قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي 1948 -1974، بيروت.