العنصرية والصهيونية

ظهرت  الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر (رَ: الصهيونية) عندما ساد ميدان الفكر السياسي اتجاهان رئيسان، يتميز أولهما بالايمان بالأخوة الإنسانية، والمساواة، وسمو الانسان وطبيعته الخيرة، وقدرته على التخلص من تبعات الماضي وقيود الحاضر، وخلق عالم أفض يعيش فيه البشر عائلة واحدة. ونادى الاتجاه الثاني بالتقاء العنصري، والتمييز بين الشعوب من حيث أصلها. وقد سارت في الاتجاه الأول المتفائل المدرسة الليبرالية التي اجتذبت الأسر اليهودية المتنفذة وغالبية الطبقة المتوسطة اليهودية، والمدرسة الاشتراكية التي اجتذبت غالبية الطبقة اليهودية الفقيرة. آثرت أقلية من اليهود الانحراف وراء الاتجاه الثاني الذي رفض فكرة المساواة والتقدم ، وآمن بالعنصرية وتمايز الأعراق، ودعا إلى الفصل والنقاء العنصري. وكان هذا الاتجاه منسجماً مع التقاليد الدينية القديمة السائدة بين اليهود. والواقع أن اليهودية نفسها ضمت مثل هذبن الاتجاهين المتعارضين، ولكن الضغوط والنكبات السياسية التي تعرض لها اليهود منذ أيام دولة يهودا، أعطت الغلبة للروح الانعزالية ونقاء العنصر. وقد تبلور هذا الاتجاه على لسان عزرا (أحد أنبياء اليهود) الذي حارب الزواج المختلط، وغالب بتطبيق الأغيار، وشدد على نقاء العنصر، بدءاً من عالم النبات والحيوان إلى عالم الانسان. وفي القرون الوسطى ومحتمعات الغيتو* (الأحياء اليهودية) توسع الحاخامون بالتعاليم التلموسية، ودعوا إلى ممارسة  ضروب مختلفة من التمييز بين اليهودي وغير اليهودي. ولا شك أن كثيراً من ذلك ينطلق من الفكرة الأساسية اليهودية لمفهوم شعب الله المختار (اليهود) الذي يزعم أن الرب فضل اليهود على بقية الشعوب. وأسهب في التأكيد على هذه الفكرة الشاعر اليهودي الأندلسي يهودا بن هاليفي (من القرن الثاني عشر الميلادي) الذي كتب قصائد عاطفية عبرت عن حين اليهودي إلى فلسطين وتمسكه بها. واحتلت مثل هذه الأشجار مكانة خاصة في أدب الصهيونية الحديثة. ألف هذا الشاعر بن هاليفي كتاب “الخزري”، وفيه تحدث عن اليهود من الناحية الجسمية، وأكد امتيازهم في هذه الناحية من غيرهم ممن هم في منزلة دون منزلتهم. وقسم بن هاليفي المجتمع الانساني إلى منازل مختلفة لا تقوم على عمل الأفراد أو عباداتهم أو حسن سلوكهم، بل على مقدار “الدم المفضل” الذي يجري في عروقهم. ومضى يؤكد أن خطط الدم بالزواج عصيان لله تحل عقوبته في الأولاد والأحفاد “حسب نقاء سلالتهم” وهاجم الشتات*، وألح على ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين، وهو ما فعله شخصياً. وأدت أفكار بن هاليفي دوراً كبيراً في صياغة الروح الصهيونية، ولوحظت آثار لها في كتابات مارتن بوير. عاش يهود أوروبا عدة قرون في الأحياء اليهودية المعروفة بالغيتو، وفيها تمتعوا بنوع من الاستقلال الذاتي، بل كانت تسعى أحياناً “دولة اليهود Judenstat”،وهو الاسم الذي أطلقه هرتزل على كراسته الشهيرة التي دعا فيها إلى إقامة الوطن القومي اليهودي. وكانت هذه الأحياء محاطة بسور خارجي له باب واحد يغلق طوال الليل. وتركت الحكومات شؤون الغيتو وسكانه لادارة الحاخامين الذين مارسوا سلطات واسعة، وقاسية أحياناً، في تصريف أمور رغبتهم على أسس من التمييز بين اليهود وغيرهم. فبالإضافة إلى الروادع الصارمة ضد الزواج بالأغيار، كانت هناك شريعة “الهازاكه” التي ميزت في الأعمال والتجارة، وحرمت انتقال الأملاك والعقارات إلى ملكية أو حيازة غير اليهود، وهي القاعدة الأساسية التي تبنتها الوكالة اليهودية* في فلسطين. وقد ساهمت هذه الخلفية في صياغة عقلية الصهيونيين الذين ترعرع أكثرهم في ظل أحياء الغيتو في أوروبا الشرقية، وانتمى كثير من زعمائهم إلى عائلات حاخامية. وبعد الهزات الاجتماعية التي تلت الثورة الفرنسية، والقلق الذي ساد المجتمع الأوروبي، ظهرت انجاهات تمردت من ناحية على التطورات الحديثة وأفكار الأخوة والمساواة، وتمردت من ناحية أخرى على عقلية القرن الثامن عشر التي أدت إلى تحولات الثورة الفرنسية. وتطلعت هذه الاتجاهات إلى العصور الحوالي التي ساد فيها العطاء، ولم تعرف فوضى المجتمع الصناعي. ومن المظاهر التي حنت اليها هذه الاتجاهات نقاء العرق الذي افترضت وجوده في حالة الانسان الأول. وليست هذه النزعة لباس “الحركة الفولكية” التي دعت إلى رفض الواقع الموضوعي والتحليلات العقلية، والركون إلى العاطفة والرجوع إلى الطبيعة وجذور الانسان وحياة الريف والزراعة. وقد التفت المنظرون العنصريون إلى التطورات العلمية الأخيرة، ولا سيما إلى نظرية داروين وفكرة تنازع البقاء وبقاء الأصلح، فأعطوا العنصرية مظاهر وتفسيرات علمية جعلتها مقبولة لدى كبار فلاسفة القرن التاسع عشر ومفكريه، وأصبحت الفكرة الرائجة في عالم الاجتماع والسياسة. ونشأ ما يسمى بالصحة العرقية التي دعا أصحابها إلى المحافظة على بقاء العنصر بالفصل. وذكر الكونت دي غوبينو في رسالته المشهورة عن “اللامساواة بين الأعراق البشرية”، أن شعوب التاريخ القديم انقرضت بسبب اختلاط دمها بدماء الشعوب الأخرى. وعزا العنصريون بقاء اليهود إلى محافظتهم على نقاء دمهم. ووجد الصهيونيون في هذا التنظير العنصري وقودا مؤاتيا، فبنوه، وغذوا به تقاليدهم القديمة، وجعلوا كل ذلك جزءا من أيديولوجيتهم. لا يمكن استيعاب الأبعاد الواسعة لعنصرية الصهيونية بدون ملاحظة المقولات التي رددها منظرو الفكر العنصري الأوروبي في القرن الماضي. ومن أبرز المميزات التي يمكن تبينها بصورة مشتركة بين الصهيونية والعنصرية الأوروبية وما يعرف بالرومانسية، واللاعقلانية، والسلفية، والتشاؤئية، وما شابهها، والتهرب من الموضوعية والواقع. وكان من أبرز المفكرين الصهيونيين الذين تأثروا بالحركة الفولكية (الشعبية العرقية) الألمانية مارتان بوبر الذي بحث في العهد القديم عن الأمثلة الدالة على الروابط الفولكية بين الانسان والأرض، واستعاض عن شخصيات الأبطال التيوتونيين القدماء بشخصيات أنبياء التوراة، ودعا إلى الخلاص من واقع الحاضر والعودة إلى واقع يهودية القرون الوسطى النقية من آثار الثورة الصناعية. وكان الهروب من الواقع من الصفات التي لاحظها المسؤولين البريطانيون والنقاد السياسيون عموماً في الحركة الصهيونية إلى درجة أن أنهم بعضهم روادها بالجنون. واتخذت الصهيونية موقعاً مزدوجاً من العلم يذكر بازدواجية موقف الحزب الألماني النازي. فرغم كل التشجيع الذي أعطى للتقنية والاكتشافات والاختراعات، هناك انكار ونفي لجوهر العلم في تطبيقاته الواسعة بالنسبة إلى الحياة والمجتمع البشري. والصوت الذي يصغي إليه الصهيونيون هو صوت القلب والروح، فكل ما ينسجم معه يتمسكون به إلى حد التخريف والتحريف، وكل ما يتناقض مع هذا الصوت يرفض ويكبت، وينطبق ذلك بوضوح على موقعهم من الداروينية وعلم الأجناس، فقد رفض الصهيونيون مثلاً الفكرة الرئيسة في الداروينية، وهي امكان تطور الانسان والمجتمع نحو الأفضل، لكنهم تمسكوا بفكرة بقاء الأصلح وتحسين النوع وبقاء العرق، فعبروا في مناسبات مختلفة عن اعتزازهم بقاء اليهود كل هذه القرون الطويلة، ونسبوا ذلك إلى تفوق العنصر اليهودي وصلاحه للبقاء. وهكذا أعرب الدكتور آرثر روبين – المسؤول عن الاستيطان الزراعي في فلسطين – في تفسيره للداروينية وقوانين الوراثة عن تفوق اليهود الأوروبيين (اليهود الشرقيين)، وعزا ذلك إلى حرصهم على الزواج ببنات الحاخامين وفقهاء التلمود واللاهوت، مما أدى إلى تركيز الذكاء وتفوق العرق اليهودي على بقية المجتمع. ويورد روبين قائمة طويلة يقارن فيها بين سلوك اليهود وسلوك الأغيار، ويقدم مثالاً واضحاً لعملية الرفض والقبول السالفة الذكر بالنسبة إلى العلم، فحيث أشار الجدول إلى ارتفاع أرقام اليهود في ميادين العلم والفن، نسب روبين ذلك إلى مواهبهم العرقية الطبيعية، وحيث أشار إلى ارتفاع أرقام اليهود في ميادين العلم والفن، نسب روبين ذلك إلى مواهبهم الغرقية الطبيعية، وحيث أشار إلى ارتفاع أرقامهم في جرائم العش والاحتيال والتزوير نسب ذلك إلى الظروف والبيئة، وخاصة إبعادهم عن الزراعة. وتأثر الصهيونيون بعلم الأجناس وعلم الاجرام ونحوهما من العلوم التي لقيت رواجاً بين العنصريين من حيث تأكيدها الصفات الموروثة وشكل الجمجمة والسيماء، وارتباط ذلك بالقوميات والأعراق وتأثيرها على سلوكها وقدرتها. وليس من قبيل الصدفة أن المفكر الصهيوني موسى هس، الذي كان عالم أجناس، حاول تطعيم الصهيونية بالأفكار الانثربولوجية في كتابه “روما وأورشليم” فأكد أن الفوارق بين الأعراق المختلفة موروثة وأبدية وحتمية، ولا يمكن معالجتها أو تخطيها. وفي الجامعات التي كان يدرس فيها الصهيونيون الشبان، ظهرت مدرسة المؤرخين البروسين بقيادة فون ترتشكه. وقد أكد هؤلاء الفروق العرقية وتمايز الأعراق وتخلف الزنوج والنساء والأقوام الملونة، وأبدية هذه الفروق. وفي ظل هذه الأفكار انتشرت في ألمانيا والنمسا حركة الشبيبة (الفاندد فوغل) التي سارت في خط عنصري واضح، ولعبت دوراً في صياغة أفكار الصهيونية الألمانية التي انتمى شبابها بحماسة إلى جمعيات “الفاندد فوغل” في فرع خاص باليهود، باعتبارهم قومية فولكية (أي شعبية) مستقلة. وعلى رغم وجود بعض التناقض في آراء العنصريين بالنسبة إلى اليهود ونقائهم العرقي ومواهبهم، ذهبت الغالبية العظمى إلى أن اليهود يشكلون عنصراً مستقلاً حافظ على نقائه العرقي وبقي غريباً عن المجتمع الأوروبي، وخطراً عليه ينبغي التخلص منه. ومضت موسوعة، “الفون هيلفالد” العنصرية إلى أن معاداة اليهود، “نوع من الشعور الغريزي والطبيعي”. ورأى فخته أن تغيير اليهود أو إصلاحهم عملية مستحيلة، والحل الوحيد هو إعادتهم إلى فلسطين. وعج الأدب العنصري بكلمات “اليهودي التائه ، والأبدي، واللامندمج ، والمنعزل”. ووافق الصهيونيون على ذلك كله، وأصبحت هذه الأفكار أساس الايديولوجية الصهيونية، وترددت هذه الشعارات على الألسنة. لقد أكد ناحوم سوكولف مثلاً أن القومية تقوم على الأصل الواحد والمميزات العرقية. أما اليهودية فهي ديانة أحفاد الشعب اليهودي فقط. وأكد أيضاً أن الأساس العنصري هو العامل الفعال في الفن، فالفنان اليهودي يستمد شخصيته من الصفات التي جاءته عن طريق الوراثة. وكتب ليوبنسكر في كتابه الكلاسيكي “الانعتاق الذاتي” أن اليهود يكونون سلالة مستقلة غير مختلطة بعنصر آخر، ولا يمكن لعرقهم القائم بذاته أن يندمج بسهولة مع أي شعب آخر، أو يذوب فيه. وتقدم موسى هس بأفكار متشابهة، مؤكدا نقاء العرق اليهودي الذي لا تشويه شائبة، ولا يمكن تغييره أو تعديله. فاعتاق دين آخر لا يغير الشعر الأسود لليهودي ولا يصلح أنفه. وعبر ل.سيمون عن الرأي الصهيوني السائد: أن اليهودية مسألة عرق وليست مسألة ايمان بتعاليمها الدينية، ولهذا يبقى اليهودي يهودياً حتى لو اعتنق المسيحية. وآمن الصهيونيون ايماناً وصل إلى حد السذاجة بادعاءات و”كاريكاتوريات” العنصريين والمعادين للسامية من حيث سيماء اليهودي وقصر قامته ولون شعره ومواهبه التجارية والرياضية. ولكنهم أعطوا صفات الارتقاء والتمييز للعنصر اليهودي بدلاً من العنصر التيوتوني. ومن الأسباب التي دفعت السلطات الحاخامية إلى تبني الحركة الصهيونية، هلعها من انتشار الرواج المختلط بين اليهود. وفي (إسرائيل) انفجرت فضائح من حين إلى حين بسبب الرواج المختلط، وإصرار السلطات على تعليق هوية اليهودي على التأكد من دمه اليهودي، وهو ما لا يتم إلا باثبات انحدار الشخص من أربعة أجيال من الأمهات اليهوديات. وتحولت القنصليات الإسرائيلية والمحاكم الحاخامية إلى محاكم تفتيش بالنسبة إلى هذا الموضوع، تذكر تماماً بالمكتب المركزي للعرق والاستيطان، الذي أسسه الحزب النازي للتحقق من آرية دم المواطن وانحداره من سلالة ألمانية تعود إلى عام 1800. ومن المهم جداً ملاحظة طريقة ر بط النازيين بين العرق والاستيطان الزراعي تحت شعار الدم والتربة الذي يغير عن الايمان بقدسية الأرض، كما قال همار. ومنذ البداية قبل الاستيطان الزراعي الشعار المقدس للصهيونية، وأصبح أبناء المستعمرات الزراعية استقراطيي (إسرائيل)، ومنهم انحدر زعماؤها مثل بن غوريون وموشي دايان وأشكول وغولدا مائير. ومن هذه الزاوية تعد مستعمرات الكيبوتز* في الواقع امتداداً للعنصرية، وليس للاشتراكية. ولم يكتف الصهيونيون بادعاء نقاء عنصر اليهود، وإنما مضوا خطوات أخرى، فادعوا وفي هذا العنصر، مستوحين هذا الايمان عن فكرة “شعب الله المختار”. واتطلاقاً من المنحى العنصري الذي يريط الصفات الطبيعية للجسم والوجه بالصفات الخلقية والذهنية لصاحبها، توصل موسى هس إلى أن الوجه اليهودي يعكس مشاعر روحية جميلة. وقال ان اليهود فقط يتمتعون بالحكمة العالية التي تجعلهم يرجحون الحب العائلي على الحب الجنسي. بل مضى في ادعاءاته إلى حد القول بأن حب العائلة المطلق، والتمسك بأعلى القيم الروحية شيء قاصر على اليهود فقط. وكتب القاضي الأمريكي الصهيوني برانديز، أن الدم اليهودي الذي يجري في عروق بني (إسرائيل)، يحمل تفوقا معنوياً وفكرياً، وعبقرية وموهبة خاصة باليهود، تبقي فيهم، حتى لو تخلوا عن الديانة اليهودية، كما كان الحال بالنسبة إلى ماركس ودزرائيلي وسيينوزا. واسترسل دعاة الصهيونية في سرد القوائم الطويلة للعلماء والفنانين والفلاسفة الذين انحدروا من العرق اليهودي، ليبرهنوا عل تفوق هذا العرق. ووصلت النظرة الاستغلالية حدود الخرافة عند بعض الصهيونيين، فادعى زف مثلاً أن حضارة الأندلس لم تكن عربية وإنما يهودية، وأن فتح الأندلس تم على يد اليهود، لأن الفاتحين كانوا من البربر، وكان البربر شعباً يهودياً، وادعى أن اكتشاف أمريكا يعود إلى اليهود لأن كولومبس من أصل يهودي، واستعمل جداول وأدوات بحرية من ابتكار اليهود، وأن الحروف الأبجدية من ابتكار اليهود أيضاً، وهلم جرا. أما موسى هس فيقدم مثالاً جيداً للتعريف العلمي الذي يقع فيه العنصريون بادعائه أن الصفات الانثربولوجية لليهود لها الغلبة في عملية التناسل على الصفات غير اليهودية، فالأنف اليهودي المعكوف يتغلب على الأنف الآري الدقيق مثلاً. ولا شك أن الانشغال بنقاء العرق يجر صاحبه إلى الانشغال بشجرة السلالة، ومن ثم الغوص في أعماق الماضي والبحث عن الجذور. ويعطي هذا الاتجاه العنصرين صفة السلفية. وعلى الرغم من أن أكثرية الإسرائيليين والصهيونيين علمانيون، فهم دوما يتمسكون بالعهد القديم ورواياته، ويستشهدون بوقائعه باستمرار. وتنطوي السلفية بدورها على تخطي الواقع الموضوعي وعلى التهرب منه. وأوضح مثال عملي على هذا تجاهلهم للوجود الفلسطيني، وتهربهم من الوقائع القائمة لفلسطين والأمة العربية. وطالما رددوا بفخر أنهم لو أخذوا بالواقعية لما استطاعوا تحقيق أي شيء. إنها اللاعقلانية والعاطفية والمثالية التي صاغت أفكار الصهيونيين وسلوكهم، مثلهم في ذلك مثل جميع العنصريين في أوروبا الوسطى وافريقيا الجنوبية. وقد أدى هذا الميل الرومانطيكي إلى عادة الأبطال التي أخذت في (إسرائيل) ظاهرة عبادة المحارب. فالتاريخ بالنسبة إلى العنصريين صفحات يسطرها العمالقة من البشر. لذلك وله الإسرائيليون بشخصياتهم العسكرية المحروقة التي جسدت الانتصارات في الحروب. ورغم أن نيتشه وترتشكه الألمانيين لم يعطيا العنصرية، كفلسفة، ذلك الاهتمام الذي نالته من غيرهما، استخدم الصهيونيون، كذلك النازيون، أفكارهما في صياغة ايديولوجيتهم (رَ: النازية والصهيونية). وكان من أبرز الرواد الصهيونيين الذين تأثروا بفلسفة نيتشه أحاد هاعام وتيودور هرتزل وماكس نوردو وحاييم وايزمان. وظهرت بين اليهود مدرسة من الشبان تبنت “النيتشية”، ولا سيما فكرة انقلاب القيم، فدعوا إلى نبذ التعاليم الدينية التلمودية، وأسلوب الاستسلام والخنوع والتقنية، والرجوع إلى حياة البطولات القديمة التي ألهمت العبريين الأوائل. أما أحاد هاعام فدعا إلى تطوير النيتشية لتناسب التراث اليهودي بحيث تحل شخصية الصادق (الزاهد المتمسك بالورع اليهودي) محل شخصية الوحش الشقي الذي تغنى به نيتشه، وتحل قيم الأخلاق اليهودية محل فصائل القوة الأرية بما يعطي اليهود واليهودية ميزة الارتقاء، ويجعلهم قبلة أنظار العالم. وأمعن أحاد هاعام في السلفية، ورأي أن القوة الخلقية لليهود كانت موجودة فيهم قبل ظهور الكتاب المقدس الذي شوه تلك القوة. ورأى أحاد هاعام، كما رأى نيتشه، أن عودة اليهود إلى فلسطين ضرورة تاريخية تعطيهم فرصة أخرى للاصطلاح برسالتهم، “بصفة الشعب الأرقى”. وأكد ضرورة تفاضل الشعوب بعضها على بعض. وعبر نوردو عن نيتشيته في كتابه “الانحطاط” الذي حمل فيه بعنف على الكتاب التقدميين والاجتماعيين مثل زولا وبلزاك وهوبتمان، وهاجم تولستوي وأبسن للمكانة التي أعطياها المرأة في أدبهما، ومن عادة العنصريين أن يعطعوا المرأة مكانة ثانوية ورجعية محافظة، وهو ما فعله الصهيونيون أن يعطوا المرأة مكانة ثانوية ورجعية محافظة، وهو ما فعله الصهيونيون رغم كل مظاهر تحرر المرأة التي استوردوها إلى (إسرائيل). وعد الصهيونيون الواقعية كلمة فارغة تؤدي بأصحابها إلى الانحطاط والاخفاق في التنازع ضد الأصحاء، ومن ثم إلى “انقراض عرقهم”. رغم انكار هرتزل لتأثره بأفكار نيتشه فإن يومياته تكشف عن استجابته لأفكار كل من نيتشه وترتشكه. لقد اعتبر الديمقراطية هراء، وأوصى بفرض رقابة واسعة على الصحافة، واتباع الدبلوماسية السرية بعيداً عن البرلمانات والرأي العام. وأكد أن القوة أحسن أسلوب في الحكم والعلاقات الدولية، لأن “القوة تصنع الحق” وألح على القوة العسكرية لدولة اليهود وعلى مغامراتها في حروب بطولية ضارية، وعدم الاكتراث بالالتزامات والأخلاق الدولية. وفي مناسبات مختلفة من حياته أعرب نبي الصهيونية عن مواقف تمييزية عنصرية واضحة بالنسبة إلى الأفراد، كما هي الحال بالنسبة إلى الشعوب. ومن المتفق عليه أن جناح “التصحيحيين” في الحركة الصهيونية (رَ: المنظمة الصهيونية الجديدة) الذي تزعمه جابوتنسكي ثم بيغن من بعده، تبنى سياسة فاشية واضحة في كل شيء. وكما استوحى الحزب النازي نصائح ترتشكه في الحكم والعمل السياسي، سار الصهيونيون في خط مواز. وثمة صور من ذلك في استخفاف (إسرائيل) بالأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمواثيق الدولية واجماع الشعوب الأخرى، واعتماد الحركة الصهيونية على المراوغة، وسعيها الدائب للتوسع ونشر السيطرة. ومن الأساليب الأخرى التي اشتركت فيها مع العنصرية الأوروبية الاعتماد على الارهاب والابتزاز من ناحية، والرشوة والتفسخ من ناحية أخرى. انها الفكرة التي تنظر إلى الاخرين نظرة احتقار واستخفاف. وقد انعكست هذه الآراء والتيارات على السلوك السياسي للمنظمة الصهيونية* و(إسرائيل). ومن أول هذه الانعكسات إصرار (إسرائيل) على الحصول على معاملة خاصة من المجموعة الدولية، محتجة لذلك بما عاناه اليهود في الحرب العالمية الثانية، مما يبرر اعطاءهم أولوية وحقوقاً خاصة تكفيراً عما جرى, ولكن من الواضح أن الموضوع يتعدى ذلك، ويرجع كثيراً إلى الايمان بأفضلية “شعب الله المختار” واحتلال (إسرائيل) مكانة خاصة بين الأمم. وعن التعابير الدالة التي نطق بها بن غوريون “إن إسرائيل لا تقع في خطأ”. وأكد المنظرون الصهيونيون في تحدثهم عن الشعب اليهودي والدولة اليهودية، صفات الانفراد والاستثناء والشذوذ والتميز، وما يتطلبه ذلك من معاملة حسنة. وتتجلى العنصرية بأفضح صورها في موضوعين: الأول تشريع قانون العودة*، والثاني مقاطعة العرب والانفصال عنهم. وقد أثار قانون العودة العودة النقد، حتى داخل (إسرائيل)، بسبب الأساس العنصري الذي يقوم عليه. فمن جهة، يحرم هذا القانون على العرب الذين ولدوا في فلسطين وحملوا الجنسية الفلسطينية الرجوع إلى بلادهم وممتلكاتهم الخاصة، ويفسح في المجال لأي يهودي في العالم للدخول إلى (إسرائيل) والاستيطان فيها. ويعلل الصهيونيون هذا الوضع بأنه حتمي بالنظر إلى الغرض الأساسي من إقامة الدولة اليهودية. ومن جهة أخرى تبدو عنصرية قانون العودة هذا في تحديد “من هو اليهودي”، فالسلطات الإسرائيلية تشدد على السلالة الموروثة ورابطة الدم المتوقفة على أربعة أجيال من أمهات يهوديات. ولموضوع معاملة العرب تاريخ يرجع إلى بداية الاستيطان الصهيوني السياسي في فلسطين، إذ قاطعت مستعمرات المنظمة الصهيونية الأيدي العاملة العربية. وتحت شعار استخدام العمال اليهود فقط، اصطدم الصهيونيون مع غيرهم من اليهود الذين استخدموا الأيدي العربية. وتحت شعار استخدام العمال اليهود فقط، اصطدم الصهيونيون مع غيرهم من اليهود الذين استخدموا الأيدي العربية، وأدى بعض هذه الاصطدامات الى جوادث دامية.وعللت الوكالة اليهودية هذا السلوك بضرورات الواقع الفلسطيني ومتطلبات إقامة الوطن القومي، فليس بالإمكان توطيد الوجود اليهودي وتنميته إذا ترك اليهود عاطلين عن العمل، واستخدمت بدلاً منهم الأيدي العربية الرخيصة. وقد حظر على العمال العرب الانتماء إلى نقابات الهستدروت* في البداية. ورغم أنه سمح لبعضهم فيما بعد بالانضمام إليها، فقد ظلت حقوقهم أدنى، في كل ناحية، من حقوق العمال اليهود. أما مزارع الكيبوتز فلم تسمح السلطات الصهيونية للعرب بدخولها. وبقيت هذه السياسة العنصرية سائدة إلى اليوم، حتى إن الحكومة الإسرائيلية أخذت تطبق تدابير زجرية من أجل تنفيذ هذه السياسة، من ذلك أن وزارة الزراعة هددت في شباط 1976 بقطع الماء عن المستعمرات الزراعية التي استخدمت العرب، وشنت حملة ضد كل من أجر أرضه لفلاح عربي، أو استخدمه فيها بأسلوب المشاركة. واقترح نائب عمدة تل أبيب التغلب على مشكلة النقص في الأيدي العاملة باستيراد عمال من تركيا واليونان بدلاً من الفلسطينيين. ومن المعلوم أن الالتجاء إلى الأيدي العربية ظل قاصراً على الأعمال ذات الأجور القليلة، والتي لا تتطلب مهارات عالية، والمجردة من الضمانات الاجتماعية، أو ما يسمى “العمل الأسود”. ولوحظ مثلا في 1971 أن عدد العرب المستخدمين في مناصب تنفيذية بلغ سبعة فقط من مجموع 1.662 في (إسرائيل). ومن صور التفرقة الشائعة استغلال السلطات الإسرائيلية أنظمة الطوارىء* لإجبار السكان العرب على الاقامة في أماكن معينة، ولمنعهم من السكن في المدن والمناطق اليهودية. وحظر عليهم التنقل بدون اذن بين بعض المناطق، وكذلك  حظر عليهم شراء أو حيازة أو استئجار أراضي الحكومة والصندوق القومي اليهودي (رَ: الكيرين كايميت)، والتي تبلغ 89% من مساحة (إسرائيل). ومورست ضد العرب بصور مختلفة من التفرقة في الخدمات الاجتماعية والصحة والتعليمية. وبالإضافة إلى التفرقة الرسمية، يزاول الاسرائيليون تفرقة اجتماعية، فلا يعطون العربي الفرصة في العمل أو السكن بين ظهرانيهم وفي مناطق المفضلة. وعلاقات الصداقة والزواج مع العرب شيء نادر جداً، ويعاني أصحابها الاضطهاد. وتظهر الاستفتاءات اعتقادات عرقية متأصلة ضد العرب، ففي استفتاء جرى عام 1971 ذهب 74% من اليهود الإسرائيليين إلى أن العرب أقل ذكاء منهم، و80% الى أنهم أقل شجاعة، و67% إلى أن العرب أقل قيمة إنسانية. ولم يتوقف التمييز العنصري ضد العرب فقط، بل تعداه إلى الشعوب الملونة، ورغم حرص (إسرائيل) على كسب ود الشعب الشعوب والحكومات الافريقية، فإن الصهيونيين لم يستطيعوا في مختلف الأوقات أن يحافظوا على نفاقهم، فعبروا عن استخفافهم بالبدائيين الأفارقة في مناسبات فاضحة، وواجه كثير من الافريقين الذين  درسوا في إسرائيل صفوفاً مختلفة من التفرقة المتسترة أحياناً، على الرغم من جميع المحاولات الإعلامية والدعاية لتفاديها. ولا شك أن موقف (إسرائيل) من قضية الانسان الافريقي قد كشفته، بصورة أوضح، العلاقات الوطيدة بين تل أبيب وجنوب افريقيا. ومن الثابت وثائقياً أن الصهيونيين والعنصريين في إفريقيا الجنوبية، ارتبطوا بعلاقات وطيدة منذ عهد الجنرال سمطس الذي لعب دوره في اصدار وعد بلفور -. وكان التعاون في تجارة الألماس من ثغرات هذه العلاقة، مثلما أصبح التعاون النووي حلقة جديدة فيها. وبقيت أفريقيا الجنوبية في صدارة الدول التي تمد (إسرائيل) بالمال والمساعدة. وقد عبر الاتحاد الصهيوني في افريقيا الجنوبية، عن طريق صحيفته “زاينست  ريكورد” عن الايمان بتشابه رسالة اليهود والجنوب افريقين من حيث تحملهم مسؤولية الحفاظ على العرق. ورددت الصحيفة في مناسبات مختلفة اعتقادها بتطابق نضال الكيانين. وأعرب الدكتور فروود عن اعتقاده بأن (اسرائيل) كافريقيا الجنوبية”دولة تقوم على التفرقة والفصل العنصريين- الأبارتايد– “. ومن هذه المنطلقات قدم كل من الكيانين ما يستطيع من مساعدة للكيان الآخر. وأشير في مناسبات مختلفة إلى التوازي بين نظام منطقة “البندستان” في جنوب افريقيا والنظام الذي تريد (إسرائيل) تطبيقه فيما تسميه الاستقلال الذاتي للضفة الغربية. ولكن هناك شيئاً من المبالغة في القول بأن (إسرائيل) لا تختلف في هذا الصدد عن نظام الفصل العنصري لافريقيا الجنوبية، أو النظام النازي. فللصهيونيين من الفطنة ما يحذرهم من تبني برنامج عنصري رسمي، أو من ابداء آرائهم بصراحة النازيين والجنوب افريقين، أو من ابداء آرائهم بصراحة النازيين والجنوب افريقين، في وقت تألب فيه العالم كله ضد أي شيء يتم عن العنصرية. وتشكل مسألة معاملة اليهود الشرقيين أو الملونين معضلة عسيرة واجهت وتواجه الحركة الصهيونية. فمن ناحية، قامت العنصرية الصهيونية على أساس أن جميع يهود العالم يتنمون إلى عرق لم تشبه شائبة. ووضع الصهيونيون هذا الاعتقاد موضع التنفيذ بدعوة اليهود الشرقيين (رَ: السفرديون) للالتحاق بهم في فلسطين، بل بتهجيرهم إليها. لكنهم من ناحية أخرى لم يستطيعوا التخلص من أثر العنصرية والروح الاستعمارية الأوروبية القائمة على احتقار الشعوب غير الأوروبية والشعوب الملونة، وما يؤثر عن هرتزل شعوره بالاشمئزاز العميق عند رؤية يهودي زنجي الملامح. ولما كان عدد السفاردين أكثر من نصف يهود (إسرائيل) فقد بذل الأشكنازيون* (وهم اليهود الأوروبيون) جهوداً مستمرة لتعديل الميزان باستيراد المزيد من اليهود الأوروبيين، “اليهود الحقيقيين الذين يشكلون الفئة الأرقى” كما يصفونهم. وأمام هذا الموقف المحرج، علل الصهيونيين أنفسهم الأمر بالقول أن الوقت والتثقيف سيحلان المشكلة، ويرفعان مستوى هؤلاء السفارديين إلى مستوى الأوروبيين. بيد أن المسؤولين الإسرائيليين تصرفوا عملياً تصرفاً أدى إلى تعميق الهوة بين المجموعتين، فالسفاردي في (إسرائيل) يحظى بفرص أقل من حيث السكن والعمل والدراسة والمعاملة. وقال الخبراء الإسرائيليون إن محاولة رفع مستوى السفاردين باءت بالفشل. وبقي عدد كبير منهم (نحو ربع مليون في 1966) أميين. ولم يتجاوز عدد المتخرجين منهم من الجامعات نسبة 2% من مجموع الخريجين. ظل التحامل مستمراً ضد اسناد الوظائف العليا إلى السفارديين. وقد كانت فضائح التمييز العنصري ضد اليهود الشرقين تلفت أنظار الصحافة العالمية من حين إلى آخر. ومن تلك الفضائح حملة التشهير التي وجهت ضد أهارون أبو حصيرة، وزير الشؤون الدينية المغربي الأصل، الذي أكد أن الدافع الأساسي للحملة عليه هو التحامل الأشكنازي عند الشرقيين. وردد اخوانه كلماته بعصبية هزت المجتمع الاسرائيلي إلى درجة لفتت الأنظار إلى حقيقية ما سمي مراراً (إسرائيل الثانية)، كناية عن المجموعة الشرقية. ورداً على عنصرية الأشكنازيين، نظم بعض الشرقيين أنفسهم في حركة الفهود السود*، ومارسوا نشاطاً أدى إلى مصادمات عنيفة في 1971. وبعد نحو عشر سنوات، خرج إلى الوجود حزب سياسي جديد باسم حزب الثامي (اختصاراً لاسم حركة التقاليد الإسرائيلية) ليمثل اليهود الشرقيين، ويعطيهم كيانهم السياسي المستقل. وقد أصيبت الأوساط الصهيونية بذعر أمام تبلور هذا الانقسام العنصري في (إسرائيل). ولا شك أن من أحرج المآزق التي واجهتها السلطات الإسرائيلية مجابهة ما يعرف باليهود السود، أو الزنوج، ولا سيما بعد نزوح عدد منهم إلى (إسرائيل) ومطالبتهم بتطبيق قانون العودة بحقهم. وقضت الحكومة في 1980 بعدم شمول القانون لطائفة “العبريين السود” الأمريكية التي ادعت انتسابها مباشرة إلى قوم موسى. ومن المؤكد أن جميع هذه الممارسات والمواقف تتصل بالفكرة الأساسية للصهيونية، التي لا ترى مسوغاً ولا طريقاً لاندماج القوميات والأقليات أو تعايشها أو انسجامها داخل الدولة الواحدة، وتعتبر طغيان الأكثرية على الأقليات أمراً طبيعياً وحتمياً. أدت العقيدة الصهيونية وأسسها ومفاهيمها وممارساتها إلى إقناع العالم بأن “الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. ففي إطار مناقشة برنامج السنوات العشر للنضال ضد التمييز العنصري، أصدرت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها الثلاثين (أيلول – كانون الأول 1975)، قراراً رقمه 3379 (د-30) وتاريخه 10/11/1975 جاء فيه أن الجمعية العامة “تقرر أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. وقد اعتمدت الجمعية العامة في اتخاذها هذا القرار على “إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال  التمييز العنصري”، وبخاصة ما جاء فيه من تأكيد “بأن أي مذهب يقوم على التفرقة العنصرية أو التفوق العنصري مذهب خاطىء علمياً،مشجوب أدبياً، وظالم وخطر اجتماعياً”. كما اسندت إلى “الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله”، التي صدرت عن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، ورقمها 2106 (د – 18) وتاريخها 21/12/1965، إذ عرفت التمييز العنصري بأنه “كل تمييز أو استثناء وتقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الانسان والحريات الأساسية أو الميدان الاقتصادي أو الميدان الاجتماعي أو الميدان الثقافي، أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة”. وقد وجدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الصهيونية، “مبادىء وأفكار ومفاهيم ووقائع وممارسات تنطبق عليها هذه التعريفات، وتدخل في إطار التحديدات التي تضمنتها، مما يجعلها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. لم يأت قرار الجمعية العامة هذا جديداً كل الجدة، فقد عرف المجتمع الدولي عدداً من القرارات والاعلانات التي أشارت بشكل صريح إلى الصهيونية، وقرنتها بالاستعمار والاحتلال، وربطت بينها وبين الأنظمة العنصرية، واعتبرتها تهديداً للسلم والأمن الدوليين. ومنها، على سبيل المثال، الوثائق التالية: 1) بيان مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية لعام 1970: أصدر المؤتمر الأول لوزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي (جدة، 23 – 25/3/1970) بياناً جاء فيه أن المؤتمر “يستنكر الحركة الصهيونية، بوصفها حركة عنصرية عدوانية، وتوسعية معارضة لكل المثل العليا للبشرية، وخطراً دائما على السلم العالمي”. وقد ألحت منظمة المؤتمر الإسلامي* على هذه الفكرة في مختلف مؤتمراتها، وبخاصة حينما أوصى مؤتمر وزراء الخارجية الثالث (جدة، 29/2 – 4/3/1972) الدول الأعضاء في المنظمة بتأليف لجان وطنية في كل دولة “لتنوير الرأي العام حول أهداف القضية الفلسطينية وحول حقيقة ومدى أخطار الحركة الصهيونية حليفة العنصرية والاستعمار الدولي”. وبذلك تكون منظمة المؤتمر الإسلامي أول منظمة دولية تعي خطر الصهيونية ومدى تهديدها لسلم والأمن الدوليين، وتنبه الرأي العام العالمي الى هذه الحقيقة الواقعة. 2) إعلان المكسيك: وقد أصدره المؤتمر العالمي للسنة الدولية للمرأة (رَ: المؤتمر العالمي للمرأة)، الذي انعقد في العاصمة المكسيكية، برعاية منظمة الأمم المتحدة (19/6/ – 2/7/1975، وجاء فيه المبدأ القائل ان “التعاون والسلم الدوليين يتطلبان تطبيق التحرر والاستقلال القومييين، وإزالة الاستعمار والاستعمار الجديد، والاحتلال الأجنبي، والصهيونية، والفصل العنصري (أبارتايد) والتمييز العنصري بجميع أشكاله، وكذلك الاعتراف بكرامة الشعوب وحقها في تقرير المصير”. 3) قرار مؤتمر القمة لمنظمة الوحدة الافريقية لسنة 1975: أصدر المؤتمر الذي انعقد في كمبالا عاصمة اوغندا (28/7 -1/8/1975) قراراً اعتبر فيه أن “النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة، والنظامين العنصريين الحاكمين في زمباليري وجنوبي افريقيا ترجع إلى أصل استعماري مشترك، وتشكل كياناً كلياً، ولها هيكل عنصري واحد، وترتبط ارتباطاً عضوياً في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الانسان وحرمته”. 4) الإعلان السياسي لمؤتمر وزراء خارجية الدول غير المنحازة لسنة 1975: أصدره المؤتمر الذي انعقد في ليما عاصمة بيرو (25-30/8/1975)، ودان فيه الصهيونية إدانة شديدة، ووصفها بأنها تهديد للسلم والأمن الدوليين، وطلب إلى جميع الدول أن تقاوم “هذه الأيديولوجية العنصرية الامبريالية” (رَ: عدم الانحياز، حركة). وقد ظهر تعبير “الصهيونية”* لأول مرة في وثائق منظمة الأمم المتحدة في قرار الجمعية العامة ذي الرقم 3151 (د-28) والمؤرخ في 14/12/1973 الخاص بسياسة الفصل العنصري التي تتبعها حكومة جنوبي افريقيا. فقد كشفت مقدمة القرار عن “التواطؤ بين الاستعمار البرتغالي ونظام الفصل العنصري والصهيونية”، وأحد مظاهره: “المساعدات التي تقدمها البرتغال وجنوبي افريقيا وإسرائيل، بعضها إلى بعض، في المجالات السياسية والعسكرية والمالية”. ثم دان القرار، في متنه، التحالف الآثم بين الاستعمار البرتغالي والعنصرية في جنوبي افريقيا والصهيونية والامبريالية الإسرائيلية”. وكانت العلاقات بين الصهيونية ونظامها العنصري في فلسطين المحتلة من جهة، ونظام الفصل العنصري في جنوبي افريقيا موقع دراسات أعدت في ظل الأمم المتحدة. فقد أثارت مقدمة التقرير الذي قدمته “اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري” في فلسطين المحتلة من جهة، ونظام الفصل العنصري في جنوبي افريقيا موضع دراسات أعدت في ظل الأمم المتحدة. فقد أثارت مقدمة التقرير الذي قدمت “اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري” إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثلاثين (1976) إلى “الخلقية التاريخية للتعاون بين جنوب افريقيا والحركة الصهيونية قبل إنشاء إسرائيل”، ووصفت العلاقات بين النظامين في جنوب افريقيا (وإسرائيل) بأنها “علاقات لها جذور أيديولوجية وتاريخية، اكتسبت أبعاداً جديدة وتوعدت كثيراً بعد حرب 1967* في الشرق الأوسط، بل ازدادت توطئاً بعد حرب تشرين الأول سنة 1973”. جاء قرار الجمعية العامة رقم 3379 (د-30) بشأن الصهيونية تعبيراً عن اعتراف الرأي العام العالمي بالنسبة العنصرية الصهيونية وعقيدتها وأهدافها وبرامجها وممارساتها، وعن ادراكه حقيقة الطبيعة الصهيونية وما تمثله من خطر على السلم والأمن الدوليين. ومن أبرز ما يتصف به القرار أن التعريف الذي تضمنه، يتحدى الأسس القانونية والأخلاقية التي قام عليها الكيان الذي بنته الصهيونية في فلسطين أي (إسرائيل)، ويعرض تلك الأسس للتصدع والانهيار أمام معايير ومفاهيم الحضارة الإنسانية. فمن المعروف أن بناة الصهيونية وأنصارها كانوا وما يزالوا يصفونها بأنها “حركة انبعاث وتحرر قومي للشعب اليهودي” وحاولوا ضمها إلى تيار حركات التحرر من الاستعمار، وإقامة تعاون بينها وبين حركات التحرر في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من أن هذه الحركات استطاعت أن تتلاقى وتقيم تعاوناً فيما بينها، رفضت جميعها أن تقبل الصهيونية حركة تحرر، وتتعامل معها. وهكذا بقيت الصهيونية حركة ذات طابع انعزالي خاص، ملتقصة التصاقاً تاريخياً وجذرياً وبنيوياً بالاستعمار والامبريالية. لقي القرار معارضة شديدة من جانب المنظمات والأجهزة الصهيونية وأنصارها، وقام هؤلاء بحملة تشهير واسعة امتدت إلى الفكرة الزائفة التي تقول: إن معاداة الصهيونية هي نوع من اللاسامية، وحاولوا أن يخلطوا بشكل غير أمين،وبنية سيئة بين اليهودية والصهيونية.ولم تستطع هذه الحملة بلوغ هدفها،اذ رفضتها الجمعية العامة وردتها. المراجع : –         ليلى القاضي : الهستدروت، بيروت 1967. –          خالد القشطيني : الجذور التاريخية للعنصرية الصهيونية،بيروت 1981. –          م . كوهين : الصهيونية ، قبلية أم لبرالية؟ نيويورك 1946 (بالانكليزية ). –          منشورات المؤتمر الفكري حول الصهيونية،بغداد 1976. –          الصهيونية والعنصرية ، طرابلس 1977 (ندوة). –          العصبة الاسرائيلية للحقوق الانسانية والمدنية :أوراق شاهاك،بيروت 1973. –          بيتر هيلر: اسرائيل وافريقيا الجنوبية، لندن 1975 (الانكليزية). –          م. مكماهون : من لوثر الى هتلر، لندن 1946 (بالانكليزية). –          م . بانتن : فكرة العراق، لندن 1975 (بالانكليزية). –          مجموعة قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. –          الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتمييز العنصري. –          قرارات المؤتمر العالمي للسنة الدولية للمرأة. –          قرارات مؤتمرات القمة لمنظمة الوحدة الافريقية. –          قرارات مؤتمرات دول عدم الانحياز. –          تقرير اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري.