العموريون

يتفق معظم المؤرخين في الوقت الحاضر، بعد خلاف حاد بينهم، على أن العموريين العموريين شعب سامي من مجموعة الشعوب السامية الغربية، هاجر، على ما يرجح، من شبه الجزيرة العربية في تاريخ مبكر، يصعب تحديده بدقة، إلى بادية الشام، ومنها بدأ يتغلغل بطرق سلمية تارة وحربية تارة أخرى في مراكز الحضارات المستقرة والمتطورة في العراق وسورية وفلسطين. ويتفق المؤرخون كذلك، على أن أول من أطلق اسم العمويين على هذا الشعب السامي هم سكان العراق القدامى من السومريين والأكديين، إذ كانوا يشيرون إلى جهة الغرب بكلمة “أمورو” (عمورو) في اللغة الأكدية السامية وبكلمة “مار – تو”  في اللغة السومرية. ثم اكتسبت هاتان الكلمتان مفهوماً جغرافياً للدلالة على المناطق الواقعة إلى الغرب من العراق، والتي تمتد من غرب نهر الفرات إلى سواحل البحر المتوسط تقريباً، ثم أصبح هذان الاسمان يطلقان على سكان المناطق الغربية بعامة، وسكان بادية الشام بخاصة، فعرفوا في النصوص السومرية باسم “مار – تو” وفي النصوص الأكدية باسم “أمورو” (عمورو). ورد أقدم ذكر للعموريين في المدونات العراقية القديمة في الألف الثالث قبل الميلاد، مما يدل بوضوح على أن هجرتهم بدأت في تاريخ مبكر جداً، وأن عدد منهم كان مستقراً في العراق في الألف الثالث قبل الميلاد ويبدو واضحاً كذلك أن ملوك الدول العراقية في هذه الفترة كانوا على معرفة بالعموريين وبلادهم، بدليل أن الملك الأكدي شاركاليشاري (2254 – 2230 ق.م.) ادعى تحقيق انتصار على بلاد “مار – تو”، أي بلاد العموريين. وذكر غوديا ملك لخيش أن جلب الحجر من جبل يقع في بلاد مار – تو. وهناك دلائل كثيرة تشير إلى ازدياد عددهم واشتداد خطرهم على بلاد بابل في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد. منها أن الملك شوسين، ملك أور، أقام في سنة الرابعة حصناً ليحمي البلاد، من هجماتهم. وكان العموريون في نظر سكان العراق أقواماً بدوية غير مستقرة، لم تأخذ بأسباب الحضارة، وهي تنصف بحشوية الطبع، كما يبدو واضحاً من وصف العموري في أسطورة سومرية جاء فيها: “إن السلاح رفيقه، ولا يثني الركبة (أي لا يخضع لأحد) يأكل اللحم نيئاً ولا يمتلك بيتاً طوال حياته ولا يدفن في قبر بعد وفاته”. انتشر العموريون في منطقة واسعة شملت العراق وسورية وفلسطين، وقد حققوا أعظم انجازاتهم السياسية والحضارية في العراق بعد أن دخلوه بأعداد كبيرة، واقتبسوا أساليب الحضارة السومرية – الأكدية المتطورة. لذا فإن تاريخهم في هذه البلاد أكثر أهمية ووضوحاً من تاريخهم في سورية وفلسطين. بدأ تاريخ العموريين الواضح في العراق في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد بعد سقوط دولة “أور” الثالثة في سنة 2006 ق.م. مما مهد الطريق لقيام عدة دول عمورية في جنوب العراق وشماله وظهور عهد جديد عرف باسم العهد البابلي القديم. وأصبحت مدينة ماري (تل الحريري على نهر الفرات) من مراكزهم الحضارية الرئيسة على الطريق بين سورية والعراق. وبلغ العموريون ذروة مجدهم الحضاري والسياسي في عهد الملك البابلي حمورابي، الذي بسط نفوذه على جميع الدول العمورية في جنوب العراق وشماله، كما سيطر على مدينة ماري، ووصل سلطانه إلى بعض المناطق الغربية في سورية، وأقام ما يمكن أن يطلق عليه اسم الامبراطورية البابلية. وكشفت الوثائق الكثيرة التي عثر عليها في مدينة ماري عن وجود عدد من المراكز السياسية والحضارية للعموريين خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد في مناطق واسعة من سورية، أهمها حلب وقطنة، كما ورد في هذه الوثائق اسم مملكة عمورو. وتكشف رسائل العمارنة التي اكتشفت في مصر عن وجود عدد من الدول العمورية في سورية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكانت على ما يبدو تتبع سياسة ذكية للافادة من الصراع بين دولة مصر والدولة الحثية، للحفاظ على مصالحها واستقلالها (رَ: العمارنة، تل). ورد اسم العموريين (أيموري) في عدد من أسفار العهد القديم. ويتفق أغلب المؤرخين على أن الشعب الذي أشير إليه في التوراة* بهذا الاسم هو الشعب الذي ورد ذكره في الوثائق العراقية القديمة باسم “أمورو = عمورو”. ومما جاء عنهم في التوراة أنهم كانوا يقيمون في فلسطين قبل الاحتلال الإسرائيلي لهذه البلاد، وكانت مساكنهم في المناطق المرتفعة وفي شرق الأردن. وإذا كان من الصعب تحديد تاريخ دقيق لدخول العموريين إلى فلسطين، فمن الممكن القول انهم كانوا يقيمون فيها منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وذلك استناداً إلى الأدلة المستنبطة من نتائج الحفائر الأثرية التي تشير إلى وجودهم في فلسطين في العهد الاوسط من العصر البرونزي الأول. ويرى علماء الآثار* الذين أشرفوا على عمليات التنقيب أن الدمار الواضح الذي حل بعدد من مدن الألف الثالث قبل الميلاد كان نتيجة هجمات العموريين وتدفقهم إلى البلاد. يضاف إلى ذلك أن عدداً من الأسماء العمورية كانت معروفة منذ أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. كان العموريون، كما يستنتج من آثارها المادية. يختلفون عمن سبقهم من المستوطنين، فقد كان لهم فخارهم المتميز ولهم أساليب دفن خاصة بهم تظهر طبيعة تنظيماتهم الاجتماعية. ويبدو أنه كان لكل قبيلة عادات دفن خاصة بها. ووصفت المصادر التوراتية العموريين بأنهم من بقايا الجبابرة، وأن لهم قامات  طويلة كالأرز، وأجادا قوية كالبلوط. ويتضح مما ورد في التوراة أيضاً أن العموريين كانوا من بين الشعوب التي حاولت الوقوف أمام الغزو الإسرائيلي، ووقع بينهم من الإسرائيليين صراع شديد كانت نهايته لصالح الإسرائيليين بعد أن أوقعوا بملك العموريين سيحون هزيمة نكراء، أدخلت الثقة في نفوسهم، وجرأتهم على محاربة المآبيين الذين كان سيحون العموري قد انتصر عليهم في جنوب سابقة. واشتهر من ملوك العمويين في التوراة عوج ملك باشان. وكان مصر العموريين الوقوع تحت سيطرة المملكة التي وسعها داود. ولا يمكن الحديث عن حضارة عمورية واحدة متجانسة،لأن العموريين انتشروا في مناطق متباعدة، وتعرضوا لمؤثرات حضارية مختلفة. وكانت حياتهم قبل الاستقرار تغلب عليها سمات الحياة البدوية، وكانوا يعتمدون في حياتهم الاقتصادية على تربية الماشية والأغنام. واشتهر العموريين باعتمادهم  على الحمير وسيلة رئيسة في الانتقال وحمل الامتعة، خلافاً لما هو معروف عند الشعوب البدوية من اعتماد على الجمال. وكانوا يمارسون الصيد، ويشنون الغارات المتتالية على المناطق المستقرة، ويمارسون أعمال النهب والسلب. ولعل الصورة التي وردت في الأسطورة السومرية عنهم هي أقرب ما تكون إلى الواقع، وإن كانت لا تخلو من المبالغة. وبرهن العموريون بعد استقرارهم على قدرة فائقة في تعلم أساليب الحياة الحضرية، والاندماج فيها، والعمل على تطويرها، كما يبدو واضحاً في تاريخهم في العراق، إذ أخذوا بأساليب الحضارة السومرية – الأكدية، بما فيها من مؤسسات سياسية ودينية وفكرية، وكان لهم في التشريع باع طويل. وتكفي الإشارة في هذا المجال إلى شريعة حمورابي الشهيرة، التي تدل على فهمهم العميق لمشاكل الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وبلغ من شدة ارتباطهم بحضارة العراق أنهم اتخذوا اللغة الأكدية لغة لهم، بعد أن تخلوا عن لهجتهم الأولى التي لم يبق منها سوى أسمائهم الشخصية. واتخذوا الخط المسماري أداة في تسجيل وثائقهم. وعلى الرغم من تمسكهم بالاله عمورو الذي كانوا يعبدونه قبل الاستقرار فانهم تحولوا إلى عبادة الآلهة العراقية القديمة، ومارسوا الطقوس الدينية وفقاً للطرق السومرية – الأكدية. أما في سورية وفلسطين فقد تعرضوا لمؤثرات حضارية تختلف عن تلك التي تعرضوا لها في العراق، نظراً لما حصل من اتصالات بينهم وبين الحثيين* من ناحية الشمال، وبينهم بين المصريين من ناحية الجنوب. وتشير الأدلة المستنبطة من آثارهم في فلسطين إلى قيامهم باعادة تعمير المدن التي اصابها الدمار بسبب غاراتهم عليها. وكان لهم فخار يختلف عن فخار الشعوب الأخرى، وكانوا يستخدمون أسلحة جديدة، وصنعوا أدوات زينة تختلف عما كان معروفة عند بقية الشعوب. ومما تجدر الإشارة إليه أن العموريين استطاعوا الاحتفاظ بلغتهم في فلسطين، خلافاً لما حصل في العراق، وكانت للهجتهم تأثيرات واضحة في اللغات الأخرى التي ظهرت فيما بعد، كاللغة العبرية* والآرامية*. ويبدو من الرسوم الجدارية التي اكتشفت في بني حسن في مصر أن رجال العموريين ونساءهم كانوا يرتدون الملابس المزركشة بألوان متعددة، وينتعل الرجال “الصنادل”، والنساء يحتذين الأحذية. وكانت أسلحتهم في الغالب من السهام، والعصي الغليظة.   المراجع:   –         أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ، بغداد 1972. –          Gelb, I.J.: The Early History of the West Semitic Peoples, Journal of Cuneiform Studies, Vol. 15.1961. –          Jean-Robert Kupper: Les nomads en Mesopotamie au temps des Rois de Mari, Liege 1957. –          Kenyon.K.: Archeology in the Holy Land, London 1970.