العمالقة

يحشر الاخباريون بين قبائل العرب البائدة العمالقة (أو العماليق) الذين كانوا يتنقلون في جنوب فلسطين منذ القديم. ويروي المؤرخون بعض القصص والأساطير عن أنساب هؤلاء القوم وانتشارهم في البلاد المجاورة، وعما اشتهروا به من طول القامة وشدة البأس. يظهر من فحص هذه الروايات أنها كانت مأخوذة من منابع يهودية، تستند إلى ما جاء في أسفار التوراة* من أخبار. ومن المؤسف أنه ليس هناك أية اشارة إلى هؤلاء العمالقة في الكتابات المصرية أو الأشورية، أو غيرها من الوثائق القديمة التي يمكن أن تؤيد تلك الروايات. يرجع المؤرخون العرب نسب العمالقة إلى جدهم الأعلى عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح. ولكن التوراة التي تفصل عادة في بيان أنساب الاقوام والقبائل السامية، لا تذكر لاوذ بن سام البتة وإنما تقول: “كانت تمناع سرية لاليفاز بن عيسو (العيص) فولدت الاليفاز عماليق”. ويجب ملاحظة هنا أن الكتبة الذين دونوا أسفار التوراة بعد قرون من وقوع الحوادث كانوا يشعرون بالنقمة والحقد على العمالقة، ولذلك كانوا يحاولون الحط من شأنهم وتشويه سمعتهم. وقد جاء في سفر العدد (24/2): “عماليق أول الشعوب. وأما آخرته فالى الهلاك”. ويقصد بذلك أن العمالقة كانوا أول شعب وقف في وجه بني إسرائيل الذين أخذوا، بعد خروجهم من مصر بقيادة موسى* في أوائل القرن الثالث عشر قبل الميلاد، يهاجمون العمالقة، ويعتدون على ممتلكاتهم. وكان هؤلاء العمالقة يسكنون في جنوب فلسطين، أي في سيناء والنقب*، في حين كان الحثيون* واليبوسيون* والآراميون* يسكنون في الجبال، والكنعانيون عند البحر وعلى جانب الأردن (سفر العدد 13/29). وقد حدث أول اصطدام في موقع رفيديم الذي يحدده بعضهم قرب جبل موسى في سيناء، ويجعله آخرون حول قادش برنيع* في النقب. ويذكر سفر الخروج (17/14) أنه بعد تغلب يشوع على العماليق “قال الرب لموسى: أكتب هذا تذكاراً في الكتاب وضعه في مسامع يشوع، فاني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء”. وتتكرر ذكرى مقاومة العمالقة في سفر التثنية (25/17 – 19): “اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر، كيف لاقاك في الطريق، وقطع من مؤخرك كل المستضعفين وراءك، وأنت كليل متعب، فمتى أراحك الرب الهك من جميع أعدائك حولك تمحو ذكرى عماليق من تحت السماء. لاتنس”. ويبدو أن العمالقة ظلوا يدافعون عن بلادهم، ويقاومون المحتلين الإسرائيليين، ويتحالفون في سبيل ذلك مع سائر القبائل العربية من مآبيين وعمونيين ومدينيين*. وقد استطاع عجلون ملك مآب أن يجمع إليه بني عمون وعماليق، ويسترجع من الإسرائيليين مدينة النخل، أي أريحا* (سفر القضاة 3/13). ويتجلى حقد الإسرائيليين على العماليق في العبارات التالية الواردة في سفر صموئيل الأول (15/2 – 3) مخاطباً الملك شارل (طالوت): “هكذا يقول رب الجنود: إني قد افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وإمرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً”. وقد جاء شارل إلى مدينة عماليق، التي لم يذكر اسمها ولا حدد موقعها، وضرب العمالقة في أراضيهم بين حويلة وبرية شور، أي في المنطقة الممتدة من حدود نجد إلى غرب سيناء المتاخم لمصر. ونهب شارل أموال العمالقة، وأمسك ملكهم أجاج. ولكنه خلالها لأوامر صموئيل لم يقتل الملك، كما أنه احتفظ بكل جيد من الغنم والبقر والخراف. وبذلك استحق غضب صموئيل الذي قطع بيده رأس أجاج. على الرغم من تغلب شارل على العمالقة لم يتوقفوا عن مقاومة الإسرائيليين ومحاربتهم. وفي عهد داود هاجم العمالقة مدينة صقلغ شمال بئر السبع* (في موقع تل الخويلفة)، وغنموا وسبوا، فأسرع داود إلى تعقبهم، واستطاع ضربهم في وادي البسور (ربما كان هو وادي غزة)*، فلم ينج منهم سوى 400 غلام، تمكنوا من الفرار. واستخلص داود كل ما أخذه العمالقة، وأنقذ أمرأتيه من بين السبايا (صموئيل الأول 30/ 17-18). وفي عهد حزقيا ملك يهودا (727 – 699 ق.م.) ذهب فريق من بني شمعون إلى جبل سعير، وقضوا على بقايا العماليق، وسكنوا في أراضيهم. ولم يرد منذئذ، للعمالقة ذكر، ويرد المؤرخون ذلك إلى سببين: 1) الضعف والانحطاط الذين أصيبوا بعد الحروب التي خاضوها مع شارل وداود. 2) احتلال حلفاء إسرائيل للقطاع الشرقي من صحراء سيناء. وقد تنبأ النبي بلعام بانقراض العمالقة وانطفاء سلالتهم (الاصحاح 24 – 30). هكذا يستدل من روايات التوراة أن العمالقة كانت لهم مستوطنات في جنوب فلسطين حول مدينة قادش برنيع والبتراء وجبال سعير، وأنهم كانوا يسيطرون على طريق القوافل التجارية الأتية من جزيرة العرب إلى إيلات* وغزة* ومصر. وقد وقفوا في وجه الاسرائيليين الذين جاؤوا من مصر، وأرادوا الاستيلاء على ممتلكاتهم، فتحالفوا مع المدنيين وبني المشرق للدفاع عن بلادهم، وظلوا يقاومونهم ويحاربونهم من عهد موسى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد حتى عهد حزقيا في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد.   المراجع:   –         جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، بيروت 1976. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، بيروت 1973. –         جورج بوست: قاموس الكتاب المقدس، بيروت 1971.   عمان (مؤتمر – 1948): رَ: المؤتمر الفلسطيني (عمان 1948 )