العمارنة (تل)

يطلق هذا الاسم على مجموعة من الأطلال والقبور في مكان يبعد قرابة 300 كم جنوب القاهرة، ويقع في الضفة الشرقية من النيل، في أرض كانت تسكنها قبيلة بني عمران، أو العمارنة. وقد عثرت إحدى الفلاحات في هذا المكان سنة 1887 على ألواح من الطين كتبت بالخط المسماري. ولما بدأت التنقيبات الأثرية العلمية هناك في الأعوام التالية كشف الكثير من أسس المنازل والقصور والمعابد، وعن مجموعة من التماثيل، بينها رأس الملكة نفرتيتي المشهور. وهكذا تبين أنه كانت تقوم في هذه البقعة مدينة “أخت آتون” التي كانت عاصمة للمملكة مدة 15 عاماً. وكان أمنحتب الرابع قد دعا إلى عبادة إله واحد هو آتون وبدل اسمه إلى أخناتون*. ولما اصطدم بمعارضة كهنة آمون في العاصمة الجنوبية طيبة قرر تأسيس عاصمته الجديدة في مصر الوسطى، وانتقل إليها بسرعة، وأخذ يكافح عبادة آمنون وغيره من الآلهة، ولكن محاولته فشلت واضطر خلفه أن يعود إلى طيبة، فتهدمت مدينة “أخت – آتون وقد اهتم العلماء بالبحث عن الألواح المكتوبة بالخط المسماري بين أطلال تل العمارنة، فعثروا على كمية بلغ عددها 379 لوحاً، تبين أنها تؤلف مجموعة المراسلات الدبلوماسية التي كانت محفوظة في “الأرشيف” الملكي من عهد آمنحتب الثالث وآمنحتب الرابع (أخاتون). إن جميع هذه الألواح، ما عدا ثلاثة منها، قد كتبت باللغة البابلية (الأكادية) التي كانت اللغة الدولية السائدة في الشرق الأدنى خلال الألف الثاني قبل الميلاد. تعتبر مراسلات تل العمارنة مصدراً تاريخياً هاماً جداً، إذ أنه استناداً إلى هذه المراسلات، بالإضافة إلى وثائق حثية وأوغاريتية أخرى معاصرة، أصبح في الإمكان معرفة الشيء الكثير عن تاريخ سورية وفلسطين، وعن الأوضاع الدولية عامة في الفترة بين سنتي 1385 – 1355 ق.م. وبين الرسائل تسع منها على الأقل صادرة عن فرعون نفسه، في حين إن البقية قد أرسلت من خارج مصر، وهي موجهة إلى فرعون، عدا عدد قليل أرسل إلى أحد الموظفين الكبار في البلاط الملكي. إن المراسلات بين فرعون مصر وملوك الدول الكبيرة إذ ذاك (بابل وأشور* والميتانيين والحثيين* وقبرص)، ويبلغ عددها 41 تختلف اختلافاً ظاهراً عن المراسلات مع الأمراء التابعين. فالمراسلات الأولى لا تكاد تشير إلى الأوضاع السياسية، بل تقتصر على عبارات المجاملة والثناء والصداقة المتقابلة، وعلى تبادل الوفود والهدايا كما تبحث في في تمتين علاقات المصاهرة والزواج حسب تقاليد الدولية يومئذ. على العكس من ذلك كانت رسائل التابعين تصور حالة الاضطراب والفوضى في فلسطين وسورية، وهي تلح على طلب المساعدات، وتبالغ جميعاً في تأكيد الوفاء والإخلاص، وفي التزلف والنفاق، في حين إنها تكثر من توجيه الاتهامات إلى الخصوم، وتجدر من مؤامراتهم ودسائسهم. هكذا بلغ عدد الرسائل الواردة من أمير جبيل “ربعدي” مثلاً السبعين، وكلها تشير إلى ازدياد غارات قبائل الخابيرو* على فلسطين وجنوب سورية. وكان ربعدي يحذر من تقدم العمريين* في امتداد السواحل السورية، ويتهم على الأخص أميرهم “عزيرو” بالخيانة والتآمر. ولكن عزيرو هذا ظل يؤكد اخلاصه لفرعون حتى أصبح من أقوى الأمراء، ثم انضم أخيراً إلى الحثيين في محاربة مصر. وفي الحقيقة أصبحت مصر في عهد أخناتون عاجزة عن مساعدة أتباعها بالسلاح والجنود، وأخذت تسعى إلى المحافظة على نفوذها في آسيا بالوسائل الدبلوماسية وعقد الأحلاف وتوزيع الأموال، كما يتضح ذلك من دراسة مراسلات تل العمارنة. كشفت التنقيبات الأثرية في تل العمارنة من جهة أخرى عن تطور كبير في الفنون المصرية، من نحت وعمارة ورسم وزخرفة، إذ امتازت جميعاً، خلال تلك الحقبة، بالأسلوب الواقعي والنزهة الطبيعية. والمؤرخون عندما يتحدثون عن “فن العمارنة” إنما يقصدون الإشارة إلى سيطرة الاتجاه الواقعي – الطبيعي الذي لا يتجلى في الفنون التشكيلية فحسب، بل يلاحظ أيضاً في الآداب والأناشيد، وفي مظاهر الحياة اليومية، وفي العلاقات البشرية. ويبدو أن هذا الاتجاه قد ترك أثراً واضحاً في التطور الفني في سورية وفلسطين وبلاد اليونان خلال العصور التالية.   المراجع: – Davies, N.D.G.: The Rock Tombs of El Amarna, 6 vol., London 1903. – The Excavations of the Egyptian Exploration Society at El Amarna, The City of Akhenaton, 4 vols., London 1923-51 – Pritchard, J.B.: Ancient Near Eastern Texts.PP.483-490, Princeton 1969. – Van de Wale B. La Decouverte d’Akhenaton, Revue d’Egyptetologie, Tome 28, 1976.