العلم الفلسطيني

يستمد علم فلسطين ألوانه من الرمز الذي اتخذته الحركة القومية العربية منذ بداية القرن العشرين. إذ إن فريقاً من أقطاب جمعية العربية الفتاة* في بيروت، تقدموا في رسالة بعثوا بها إلى حرب اللامركزية* في القاهرة، باقتراح لإيجاد رمز للحركة القومية على شكل شارة تجمع الألوان الثلاثة: الأخضر والأبيض والأسود التي تمثل عهود الاستقلال العربي الزاهرة. وانتشرت الشارات المثلثة الألوان بين رجال الحركة العربية على أنها شعار الدولة المقبلة، وأشير إلى الرمز في صدر المنشورات الثورية التي كانت توزعها العربية الفتاة وفي خاتمتها: “سلاماً أيتها الأمة سلام بر أمين، يظلله في (سواد) الليل (بياض) الضمير و(خضرة) الأمل اليقين”. ووضعت الكلمات داخل قوسين لتنبيه القارىء إلى ما فيها من معنى وقصد. وليس هناك أي دليل على أن شأن الحركة القومية قد استخلصوا هذه الألوان من قصيدة صفي الدين الحلي (1277هـ – 1349 هـ) التي يقول فيها: بيض صنائعنا، سود وقائعنا          خضر مرابعنا، حمر مواضينا لأن اللون الرابع الأحمر كان وليد الثورة في الحجاز ويتضح مما قالته جريدة “القبلة” في مكة (عدد 6، 3 ذي القعدة 1334هـ) أن شعار الثورة العربية في السنة الأولى كان علم أشراف مكة الأحمر. وبعد مرور أقل من سنة على إعلان الثورة، اقترح رجال الحركة العربية العاملون مع الشريف حسين، الألوان الثلاثة المعروفة مسبقاً بينهم، لتكون ألوان علم الدولة العربية الهاشمية، بعد أن أضاف إليها الشريف حسين مثلثا أحمر رمزا لأسرته. وجاء في بلاغ رسمي نشرته جريدة القبلة (عدد 7,82 شعبان 1335هـ/ حزيران 1917) بمناسبة الذكرى الأولى للثورة أن تكون الراية ألوانا ثلاثة متوازية، أسود وأخضر وأبيض، يشملها مثلث أحمر قاعدته مساوية لعروض الألوان الثلاثة من جهة السارية، وطوله مسار لضعفي عرضه. وأشار البلاغ إلى أن الأسود هو رمز راية العقاب، وهي راية من الصوف الأسود اسمها العقاب كان يعقدها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند تكليف أحدهم قيادة إحدى الغزوات للجهاد. وكانت دولة العباسيين قد اتخذت السواد شعاراً لها. واللون الأخضر بين السواد والبياض هو الشعار الذي اشتهر عن أهل البيت منذ أحقاب طويلة. وكان البياض شعاراً للعرب في دورين أدوارهم. أما الأحمر الذي شمل هذه الرموز التاريخية بشكل مثلث، فهو لون راية الأسرة المالكة. وهذا يدحض الروايات الأجنبية التي تقول ان العلم العربي بألوانه الأربعة التي نعرفها كان من ابتكار مارك سايكس. أصبح العلم الجديد علم الثورة العربية، وعلم الدولة العربية التي تشمل الحجاز وكل منطقة تحررها الجبوش العربية من الحكم العثماني. ورفع العلم في دمشق (30/9/1918) على دار البلدية، مكان العلم العثماني، وكذلك رفع في جميع المناطق التابعة للإدارة العربية. أما في بيروت فقد رفع فوق دار الحكومة خلال الفترة القصيرة التي أقيمت فيها إدارة عربية (رفعته أخت الشهيدين الأخوين محمصاني) قبل أن تنزله السلطات الفرنسية عن جميع المناطق الساحلية. ولم يسمح لأبناء فلسطين برفع العلم العربي، رغم اسهامهم في الثورة لأن فلسطين كانت من نصيب جيوش الاحتلال البريطاني وتحت الإدارة العسكرية البريطانية. وقبل العرب هذا الإجراء إلى أن تتم التسوية النهائية. وقد أذكى وضوح مرامي السياسة البريطانية نار الحركة الوطنية في فلسطين، وشجع على تأسيس الجمعيات الإسلامية – المسيحية* التي هتفت بشعارات الوحدة من طوروس إلى رفح* وتبنت شعاراً يدل على معنى عميق للوحدة الوطنية، هو الهلال وبداخله الصليب. وبعد إعلان استقلال سورية وملكية (8/3/1920) أحدث علم خاص للملكية، هو علم الدولة العربية الهاشمية نفسه، بعد أن زيدت عليه نجمة بيضاء ذات سبع شعب وسط المثلث الأحمر. ولما انعقد المؤتمر العراقي في دمشق في اليوم نفسه ليعلن استقلال العراق، اتخذ العلم نفسه بزيادة نجمتين بيضاوين مسبعتين في المثلث الأحمر أيضاً (احتفظ بهذا العلم في العراق بعد اعلان ملكية فيصل حتى عام 1924، إذ استعيض عن المثلث بشبه منحرف، في وسطه نجمتان سباعيتان). وفي فلسطين، التي أعلنت جزءاً من سورية بقرار إعلان الاستقلال، رفعت في الأندية العربية والاحتفالات أعلام الثورة العربية الأولى (بدون نجمة). وفي القدس، وخلال احتفالات موسم النبي موسى رفع على شرفة النادي العربي* بعد خطاب رئيس البلدية موسى كاظم الحسيني* وخطاب رئيس النادي العربي محمد أمين الحسيني*، علم الثورة العربية محيطاً بصورة الملك فيصل. وقد تفجرت أحداث 4/4/1920 بعد تهجم الصهيونيين على المواكب التي كانت تحمل الرايات العربية وصور الملك فيصل (رَ: ثورة 1920). وبعد انهيار الحكم العربي في دمشق (24/7/1920) احتفظت منطقة شرق الأردن (وكانت جزءاً من الدولة العربية في دمشق) بعلم الدولة، وظل هذا العلم شعاراً لإمارة شرقي الأردن بعد أن يدل ترتيب الألوان إلى أسود، فأبيض، فأخضر (جرى التبديل سنة 1928). أما في فلسطين التي قدر لها أن تلاقي مصيراً آخر فقد اتخذت المنظمات والهيئات والأحزاب التي قادت الحركة الوطنية، خلال فترة الانتداب، علم الثورة العربية علماً لفلسطين، رغم أنه لم يعد يمثل دولة (إذ زالت المملكة الهاشمية من الحجاز عام 1925). ورأى الشعب الفلسطيني في هذا العلم رمزاً لأول حركة قومية تحررية في العالم العربي، وأول خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية. واتخذه بعد عام 1920 علماً خاصاً به، يرفعه في كل مناسبة وطنية وفي كل احتفال واجتماع قومي أو مهرجان، دون أن تكون له صفة رسمية، ودون أن ينص على ذلك نظام أو قانون في أي مؤتمر أو هيئة أو منظمة، بل كان بقاؤه بقوة الاستمرار. وقد حافظ الشعب الفلسطيني على العلم العربي الأول دون أن يدخل عليه أي تغيير كما فعلت بقية الأقاليم العربية. والتغيير الوحيد الذي حدث هو تبديل ترتيب ألوانه الأفقية، وجعل الأبيض بين الأسود والأخضر. وكان اللون الأسود يوضع أحياناً فوق والأخضر تحت، وأحياناً يوضع الأخضر فوق والأسود تحته. وعلى الرغم من أن السلطات البريطانية كانت تتغاضى عن رفع العلم العربي في الاجتماعات والمهرجانات السياسية والاحتفالات الدينية، لأنها كانت تسمح لليهود برفع أعلامهم الزرقاء الخاصة بهم في مستعمراتهم، فإنها كانت تمنع رفعه أثناء التوتر السياسي أو المظاهرات، لأن العلم رمز تجمع للحركة الثورية على الانتداب. وغالباً ما كانت السلطات تضطهد من يرفعه وتحاكمه، وتنزل العلم بالقوة، كما حدث في عكا سنة 1928، وفي احتفالات عيد المولد النبوي حين نزعت الأعلام من أيدي المحتفلين، مما أدى إلى وقوع اصطدامات بين العرب والقوات المسلحة. وفي نابلس* (1933) أطلق الرصاص في إحدى المظاهرات على متظاهرين حاولا رفع العلم. ولم يلف مشعو الشهيد عز الدين القسام* ورفيقيه في حيفا* (1935) الشهداء بالأعلام العربية، خشية ملاحقة السلطات البريطانية، فلفوا بأعلام دول عربية مستقلة، هي السعودية والعراق واليمن. وبعد عام 1948 ضم ما تبقى من فلسطين إلى المملكة الأردنية الهاشمية، ليصبح جزءاً منها يرفرف عليه علمها. وفي قطاع غزة رفع العلم الفلسطيني في الفترة الواقعة بين انسحاب الجيش البريطاني ( آذار 1948) ودخول الجيش المصري (أواسط أيار 1948). وفي خريف العام نفسه، وأثناء انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني وإعلان حكومة عموم فلسطين* في تشرين الأول، اتخذ المجلس قراراً بجعل علم الثورة العربية علماً لفلسطين إلى حين اجتماع اللجنة السياسية. ولم يحدد القرار ألوان العلم. وكان ترتيب ألوان العلم  الذي رفع في احتفالات المجلس الوطني في غزة آنذاك هو الأخضر والأبيض فالأسود، وهو الترتيب الذي تبنته الهيئة العربية العليا بعد هذا التاريخ. وبعد إلحاق قطاع غزة بالإدارة المصرية رفع العلم المصري رسمياً, أما العلم الفلسطيني فكان يرفع في المناسبات غير الرسمية، حتى ثورة 1952، حين أصبح يرفع إلى جانب العلم المصري في الاحتفالات وفي المدارس. وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية اثر العدوان الثلاثي (1957)، وعند انعقاد المجلس التشريعي في غزة في 15/3/1958 كلفت إدارة الحاكم العام لقطاع غزة لجنة خاصة  للبحث بشأن العلم، وكيفية رفعه، وترتيب ألوانه. وبالاستناد إلى الوثائق والصور القديمة عممت نشرة داخلية في إدارة القطاع تنص على رفع العلم الفلسطيني إلى جانب علم الجمهورية العربية المتحدة بترتيب أسود وأبيض وأخضر. أما الجامعة العربية فلم تكن فلسطين عضواً رسمياً فيها بالرغم من الاعتراف بحكومة عموم فلسطين، ومن حضور رئيسها أحمد حلمي عبد الباقي* جلسات مجلس الجامعة منذ 30/10/1948 ممثلاً للشعب الفلسطيني. لذا لم يرفع على مبنى الجامعة العلم الفلسطيني بجوار أعلام الدول العربية المستقلة. ومنذ 1955 بدأ يظهر في مطبوعات الجامعة العربية شعار لفلسطين، هو العلم الأبيض مكتوباً عليه باللون الأحمر كلمة فلسطين، كرمز لوضع فلسطين الدامي. ولما احتج أحمد حلمي على ذلك، وتمسك بشعار فلسطين التاريخي الخاص، عادت الجامعة العربية إلى العلم العربي بألوانه الأربعة شعاراً فلسطين، بترتيب أخضر، أبيض، أسود. واقتصر الأمر على المطبوعات والشارات، دون أن يرفع العلم على مبنى الجامعة. وبعد بروز فكرة الكيان الفلسطيني اثر مؤتمر القمة الأولى (رَ: القمة العربية، مؤتمرات)، رفع العلم العربي بالألوان الأخضر والأبيض والأسود مع المثلث الأحمر (وبذلك تميز من العلم الأردني من حيث الترتيب) على مقر المجلس الوطني الأول في القدس (28/5/1964). وقد نصت المادة 27 من الميثاق القومي الفلسطيني* أن يكون لمنظمة التحرير علم وقسم ونشيد. وأقرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في اجتماعها في 1/12/1964 وضع نظام خاص بالعلم، يحدد شكله ومقاييسه، بحيث “يقسم أفقياً إلى ثلاث قطع متساوية متوازية، العليا السوداء، والوسطى بيضاء، والسفلى خضراء، مع مثلث أحمر من ناحية السارية، قاعدته مساوية لعرض العلم، وارتفاعه مساو لنصف قاعدة المثلث، على أن يرفع على مقر المنظمة ومكانتها ومراكز الجيش ومعسكراته يومياً، ويرفع على الأماكن العامة في الأعياد والمناسبات الوطنية، ولا يسمح برفع أي علم فوق مستوى العلم الفلسطيني”. وقد وضع هذا النظام بعد أن درست أشكال العلم العربي الأصلي، وما كان يرفع في غزة بعد 1948، كما أخذ بعين الاعتبار وضع اللون الأسود في الأعلى ليتميز من علم حزب البعث العربي الاشتراكي (وهو علم الثورة العربية) الذي بدأ يرفع منذ 1963 في سورية والعراق في المناسبات والاحتفالات الوطنية إلى جانب علم الدولة. وقد اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية* العلم العربي المربع الألوان شعاراً لها، لأن وراء هذا الرمز تاريخاً طويلاً من النضال. وليست الثورة الفلسطينية المعاصرة إلا استمراراً لكفاح الشعب الفلسطيني وسعيه لتحرير بلاده.   المراجع:   –         خيرية قاسمية: العلم الفلسطيني، بيروت 1970. –         Arab Bureau Papers, F.O 882\16\1715.