العصور القديمة

ينقسم هذا البحث وفق التطور التاريخي إلى قسمين: أ- عصور ما قبل التاريخ وهي: العصر الحجري القديم والوسيط والحديث، والعصر الحجري النحاسي. ب- العصور التاريخية والتي بدأت بتكوين الامبراطوريات القديمة وكتابة التاريخ، وهي: العصر البرونزي والعصر الحديدي. أ- عصور ما قبل التاريخ: إن موقع فلسطين الجغرافي جعلها الجسر الذي ربط بين أقدم حضارتين وأعرقهما في التاريخ، وهما حضارة مصر القديمة وحضارة بلاد ما بين النهرين (ميزموتاميا). وقد زادت الحفريات الأثرية في فلسطين وغيرها من بلدان الشرق الأدنى المعرفة البشرية بالأماكن والسكان الذين عاشوا مئات آلاف السنين قبل البدء بتدوين التاريخ. وتتم دراسة حضارة الانسان في عصور ما قبل التاريخ من خلال الأدوات والأسلحة التي كان يصنعها أو يستعملها، والحيوانات التي كان يصطادها أو يدجنها، والأماكن التي كان يسكنها أو يدفن فيها موتاه. وقد توصل العلماء إلى طريقة يتم بها تحديد تاريخ المواد العضوية بالكربون المشع 14، وبذا يصبح بالإمكان تأريخ بقية المخلفات الاثرية. من المعروف أن الخطوات الأولى التي نقلت الانسان من طور الهمجية، أي طور الصياد (جامع الغذاء)، إلى طور المستقر في مجتمع متحضر (منتج للغذاء) قد تمت في بلاد الشرق الأدنى. وكانت فلسطين في ضوء المكتشفات الأثرية، مهاداً من أمهدة هذا التطور الحضاري الإنساني. 1) العصر الحجري القديم (500.000 ق.م. – 14.000 ق.م.): مرت فلسطين، كباقي أجزاء المعمورة بتغيرات مناخية كثيرة خلال العصور الجيولوجية الموغلة في القدم. وعندما أخذت الظروف المناخية تتحسن بدأت تظهر أوائل المخلفات البشرية من الأدوات الصوانية. وهذه الأدوات مختلفة الأشكال، فمنها ما كان يستعمل للصيد والدفاع عن النفس، ومنها ما كان لقطع الأشجار والأخشاب. عد كثير من الباحثين فلسطين من الأماكن المهمة لدراسة هذا العصر، حيث عثر على مخلفات العصرين الأييفيلي والأشولي في عدد من الكهوف الواقعة في وادي المغارة على منحدرات جبل الكرمل* المواجهة للبحر المتوسط، وفي مغارة الزطية* شمال بحيرة طبرية*. وتمتاز الأدوات الصوانية والفؤوس الحجرية التي تعود إلى هذه الفترة الزمنية بكبر حجمها وثقل وزنها. وفي الأدوار المتأخرة من هذا العصر حسن الإنسان تشذيب أدواته الصوانية، فصنع البلطات الصوانية الرقيقة التي كانت أعمل في قطع الأشجار وقتل الحيوانات. ليس هذا فحسب، بل أخذت أدوات الإنسان تميل إلى الصغر في الحجم، والجودة في الصنع، والتنوع في الأشكال، حتى أصبحت بعض هذه الأدوات الصوانية تستعمل جزءا من أداة، فتجعل مثلاً سلاحاً مثبتاً في مقبض خشبي. وقد وجدت هياكل عظمية بشرية تعود إلى تلك الأدوار في عدد من الكهوف المتفرقة في فلسطين في جبل المكبر، وفي شمال غرب بحيرة طبرية، وفي جنوب الناصرة حيث عثر على اثني عشر هيكلاً. وترجع هذه الهياكل العظمية إلى الجنس البشري المسمى “نياندرتال” الذي يعده دارسو السلالات البشرية حلقة مهمة في تطور الجنس البشري. 2) العصر الحجري الوسيط (14.000 ق.م. 8.000 ق.م.): يطلق على حضارة هذا العصر في فلسطين اسم الحضارة النطوفية، نسبة إلى مغائر النطوف الواقعة شمال القدس*، حيث تم العثور أثناء التنقيب في مغائر الكرمل وفوق الطبقات التي تضمنت مخلفات العصر الحجري القديم على شواهد تشير إلى ظهور مجموعة بشرية جديدة. ويظهر أن هذه الحضارة كانت فلسطينية محلية، لم توجد إلا حلوان في المنطقة الممتدة من منتصف لبنان شمالاً إلى حلوان في مصر جنوباً. أما أصل النطوفيين، فهو غير معروف حتى الآن. تركزت هذه الحضارة على الساحل الفلسطيني، فأربعون موقعاً من بين قرابة سبعين موقعاً مكتشفاً كانت في المنطقة الساحلية. عاش النطوفيون في المغائر والكهوف، كمغائر جبل الكرمل، والملاجىء الصخرية على المنحدرات الشرقية والغربية لتلال القدس والخليل، كمغارة الواد، ووادي فلاح، والمغارة الكبيرة، أو عاشوا في العراء، كما هي الحال في أريحا*، على حين سكنوا المنازل في عين المالحة بالقرب من بحيرة الجولة. اعتمد النطوفي في عيشه على الصيد، سواء كان برياً أو بحرياً، أو على جمع الثمار أو جذور النباتات، طبقاً للموقع الجغرافي الذي كان يعيش فيه. ويعتمد في دراسة اقتصاد هذه الجماعات البشرية في الدرجة الأولى على الأدوات التي تركوها، وأهمها أدوات صوانية صغيرة مسنة لاستعمالها كجزء من منجل، وأجران ومطارق حجرية، وقطع صوانية رقيقة صغيرة الحجم بأشكال مختلفة من بينها أدوات ذات حد مستقيم وشكل هلالي من الخلف. وقد عثر في أحد كهوف جبل الكرمل على ما يزيد على أربعة آلاف قطعة من هذا النوع. ومن بين الأدوات الصوانية الجديدة الأخرى المكشط الصواني الذي يعتقد أنه استعمل لتنظيف جلود الحيوانات من أجل استعمالها في اللباس. عثر أيضاً في المواقع المختلفة على الكثير من عظام العزلان. وهذا يشير إلى أن الظروف المناخية كانت معتدلة ملائمة لعيش هذا الحيوان في تلك الحقبة من الزمن. كذلك عثر في بعض المواقع الأثرية على عظام، يعتقد أنها عظام كلاب. وقد حمل وجود بعض المخلفات الأثرية، كالمناجل الصوانية والأجران والمطارق الحجرية وعظام الكلاب، بعض الباحثين على القول إن النطوفيين قد توصلوا إلى حياة الاستقرار، أي أنهم كانوا يعيشون على الزراعة واستئناس الحيوانات. ولو صح هذا القول الذي يحتاج إلى المزيد من الأدلة الأثرية، لكانت فلسطين أقدم موطن لاستقرار البشر. ولكن هناك خلافاً حول هذا الموضوع، إذ لا يرى بعض الباحثين هذه المظاهر دليلاً على الاستقرار، لأن ما وصف بعظام الكلاب ما هو الا عظام نوع من الذئاب كانت تعيش في فلسطين. أما بالنسبة إلى المناجل والمدقات فيحتمل أنها استعملت لجمع محاصيل برية وطحنها. ويرى هؤلاء الباحثون أن بقية الأدوات والأسلحة التي وجدت تدل على أن المجتمع آنذاك كان يعتمد على الصيد في قوته. كشفت الحفريات الأثرية في عين المالحة عن موقع يمتد فوق مساحة تقارب 2.000 م2، فيه الكثير من البيوت ذات أساسات من الحجر وأشكال دائرية تتراوح أقطارها بين 5 و7م. وكانت كل مجموعة من تلك البيوت مرتبة حول ساحة، وفي هذه الساحة حفرة مبطنة بالطين يظن أنها كانت لتخزين الغذاء. وأهم ما يميز النطوفيين طريق دفن موتاهم،فقد كانوا يضعون جثث موتاهم تحت المناطق المأهولة بالسكان. وفي مغارة الواد دفن أكثر من ستين فرداً في أرض المغارة أو أمامها. وكانت جثة الميت توضع على جانبها، وكانوا أحياناً يدفون جمجمة الميت فقط دون الجسم. وقد عثر على قلائد وحلى مصنوعة من الصنف وغظام الغزلان، مرتبة على شكل حلقات حول رأس الميت. أما في عين المالحة فقد عثر على صبغة المغزة الحمراء (أكاسيد الحديد) في عدة قبور. ومن أهم هذه القبور يعتقد أنه لرئيس قبيلة، وكان فيه هيكلان عظميان، أحدهما لرجل والآخر لامرأة على رأسها بعض الصدف. وكانت الجثتان محاطتين بطبقة من الطين ومغطاتين بالتراب تعلوه طبقة من الحجارة المرصوفة. ويحيط بالقبر صف دائري من الحجارة الكبيرة نسبياً. ومما لا شك فيه أن علاقات تجارية كانت قد نشأت بين الواقع النطوفية المختلفة، والدليل على ذلك تلك الحلي المصنوعة من الأصداف البحرية، والتي يمكن الحصول عليها اليوم من شواطىء فلسطين على البحر المتوسط. وقد وجدت تلك الأصداف بكميات كبيرة في مواقع بعيدة عن الساحل، مثل عين المالحة وصحراء النقب. ويعتقد أيضاً أن بعض الأجران الحجرية التي وجدت في مواقع أثرية في وسط البلاد كانت قد صنعت في شمال فلسطين. وكان للنطوفيين اتجاهاتهم الفنية الخاصة، وأحسن الأمثلة على ذلك تمثال صغير من الحجر الرملي وجد في مغارة الزويتيني، ورأس آدمي محفور على العظم في المغارة الكبيرة. أما في وادي فلاح فقد تم الكشف عن عدد من الأشكال المنحوتة من عظم الغزال. وفي أريحا تم العثور على رؤوس سهام صوانية مع أعداد كبيرة من القطع الصوانية الهلالية الشكل والتي تعود إلى الفترة الأخيرة من هذا العصر. 3) العصر الحجري الحديث (8.000 ق.م. – 4.500 ق.م.): هذا العصر من أهم العصور في الحضارة الإنسانية لتوصل الإنسان خلاله إلى الاستقرار، وما رافق ذلك من الانتقال من حياة جمع الغذاء إلى إنتاجه. وعلى الرغم من العثور على بيوت سكنية في عين المالحة، كما ذكر من قبل، لم يعثر على أي دليل على الزراعة وتدجين الحيوانات. ويعد الباحثون أريحا، من أهم المناطق في الشرق القديم، التي تمثل فترة الانتقال من حياة الصيد إلى حياة الاستقرار. ويقسم هذا العصر إلى دورين هما: الحجر الحجري الحديث ما قبل الفخاري، والعصر الحجري الحديث الفخاري. (1) العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (8.000 ق.م. – 6.000ق.م.). تمت حفريات واسعة النطاق في أريحا، ووجدت المخلفات الأثرية العائدة إلى هذا العصر فوق الطبقات التي تعود إلى الفترة المتأخرة من العصر النطوفي، وهي تدل بدون شك على أن الإنسان قد توصل إلى الاستقرار، وعلى أن هذه الحضارة ما هي إلا استمرار للحضارة السابقة، تطورت فيها الصناعات الصوانية وتقدمت على سابقتها. وقد سميت حضارة الفترة الأولى من هذا العصر حضارة العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري(أ). اكتشفت في الطبقات التي ترجع إلى هذه الفترة في أريحا بيوت مبنية بشكل دائري، قطر البيت منها قرابة خمسة أمتار. وقد بنيت هذه البيوت من الطوب المصنوع باليد والمجفف بحرارة الشمس، فوق أساسات من الحجر. أما أرض هذه البيوت فهي منخفضة قليلاً عن سطح الأرض، وتقود إليها درجات أو يؤدي إليها منحدر بسيط. وكانت جدران وأرضيات هذه البيوت مغطاة بطبقة من الطين الأبيض. وقد قدر عدد سكان أريحا آنذاك بنحو 2.000 شخص. لم تكن تلك المدينة مسورة في البدء، ولكن سوراً بني حولها بعد أن أتسعت الحياة فيها وازدهرت بمرور الزمن. وكان هذا السور مبنياً من الحجارة المتراصة، عرضه 1.82م. وقد هدم في الجهة الجنوبية والشمالية، حتى الأساسات، في حين ارتفع في الجهة الغربية إلى قرابة 3.64م. وضم السور برجا دائرياً يتوافق زمن بنائه مع زمن بناء السور. وكانت الغاية من بنائه دفاعية. وقد وجد داخله درج مكون من 22 درجة، وفي الأسفل فسحة توصل إلى الباب الذي يقع في الناحية الشرقية من البرج. وهناك قناة لتسريب الماء من أعلى البرج إلى خزان بالقرب منه. وهناك مخزن آخر في الجهة الجنوبية من البرج، يحتمل أنه استعمل لخزن الحبوب. ولا يزال البرج قائماً إلى اليوم، ويبلغ ارتفاعه 9.14م. ويظهر من المخلفات الأثرية أن تاريخ هذه التحصينات الدفاعية طويل، وأنها تمت في ثلاث مراحل بناء رئيسة، وبني خلفها عدد من المنازل. وتبين من دراسة بعض المواد الخشبية المتفحمة التي وجدت في أرضيات تلك المنازل أن تاريخ البرج يعود إلى 7.000 ق.م. أي أن هذا الانجاز المعماري الهائل قد تم بناؤه قبل بناء الاهرامات في مصر بنحو أربعة آلاف سنة. ويدل بناء البرج والسور على استخدام عدد كبير من الأيدي العاملة. ويشير أيضاً إلى وجود سلطة مركزية للتخطيط والتنظيم وإدارة العمل. مما لا شك فيه أن نجاح الأساليب الزراعية قد ساهم في هذا التقدم الحضاري الذي شهدته أريحا، ومن المرجح أن المزروعات كانت تروى من نبع عين السلطان. ويدل نظام الري على وجود قنوات رئيسة وأخرى فرعية لضمان وصول المياه إلى الحقول. وينبىء النظام الدفاعي الهائل، ووجود نظام الري على وجود نظام اجتماعي متطور كان يخضع لسيطرة إدارية، يمكن اعتبارها نواة الحكومة محلية. أما عن اقتصاد المدينة، فمن غير المعقول أن يكون هذا الثراء بسبب الصيد والزراعة فقط، بل لا بد من أن يكون هناك مصدر هام آخر له، يراه معظم الباحثين في التجارة، سواء أكانت داخلية أم خارجية. ويستند هذا الرأي إلى الموجودات الأثرية، فمصدر الأدوات المصنوعة من الحجارة البركانية السوداء الزجاجية الشكل التي وجدت في أريحا، إما أن يكون بلاد الأناضول أو قبرص، وفي المقابل صدرت أريحا الأملاح الموجودة بكثرة في منطقة البحر الميت*. وعلى حين توصل النطوفيون في أريحا إلى حياة الاستقرار، كانوا في المناطق الأخرى من فلسطين يعيشون حياة التنقل والصيد. ففي وادي الطاحونة قرب بيت لحم ظهرت أدوات صوانية على شكل مخارز وسهام ترجع إلى العصر الحجري الحديث. ويعتقد أن هؤلاء كانوا يعيشون على الصيد ولا دليل يشير إلى معرفتهم الزراعة. وتسمى هذه الحضارة في فلسطين بالحضارة الطاحونية. وأظهرت الحفريات في أريحا أن المدينة دمرت في أواخر هذه الفترة لسبب ما، وظهرت بعد ذلك حضارة جديدة سميت حضارة العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (ب). وهي تختلف عن سابقتها، وخاصة في الناحية المعمارية المتطورة، إذ كانت البيوت واسعة، لها أبواب، ومحاطة أحياناً بأعمدة خشبية، وكان شكل البيوت مربعاً بزوايا مستديرة تقريباً، ومبنية من الطوب المجفف بالشمس والمصنوع باليد. أما أرضيات البيوت فقد غطيت بطبقة من التراب الأبيض. وكان البيت يتكون من غرفة رئيسة محاطة بحجرات أخرى صغيرة استعمل بعضها صهاريج للماء. اختلفت الصناعات الصوانية في هذه الفترة من صناعات الفترة السابقة فظهرت السكاكين الطويلة الرقيقة، وقطع صغيرة حادة ومسننة ثبتت في مقابض خشبية واستعملت مناجل. كذلك عرفت المثاقب والمكاشط الصوانية، التي استعملت في كشط وتنظيف جلود الحيوانات. إلى جانب هذا كله عثر على بعض المطاحن والمدقات الحجرية التي كان لها أشكال خاصة متميزة. أما رؤوس السهام فقد عثر على القليل منها. وقد وجد الكثير من عظام الحيوانات مثل الغنم، والخنازير، والبقر إلى جانب اكتشاف بعض الحبوب المتفحمة. ويستدل من هذه المخلفات على أن الزراعة كانت تشكل الجزء الأكبر من الاقتصاد. دلت الموجودات الأثرية على وجود علاقات تجارية خارجية بين أريحا وأجزاء أخرى من العالم، فإلى جانب الأدوات المصنوعة من الحجارة البركانية السوداء اكتشفت بعض قطع الفيروز التي جاءت بدون شك من سيناء، كذلك عثر على بعض أنواع الصدف التي توجد على سواحل البحر المتوسط. لم يعرف الكثير عن ديانة هذه الجماعات، فقد عثر على بعض التماثيل الصغيرة لحيوانات، من المحتمل أنها قدمت نذوراً لقوى كانت تعبد آنذاك. وأهم هذه التماثيل هو تمثال بطول 5 سم، يمثل إمرأة صغيرة السن ترتدي ثوباً وذراعاها مرتكزتان على جانبيها ويداها تحت ثدييها، أما الرأس فهو مفقود. ويمثل هذا التمثال الآلهة الأم التي عبدت في فترات وأماكن مختلفة عند الأقوام البدائيين، وكانت ترمز للخصب. وكان المظهر الديني الثاني غرفة صغيرة افترض أنها كانت مكاناً للتعبد، وفي أحد جدران هذه الغرفة حنية (كوة) بشكل نصف دائري يقف داخلها حجر أملس بحجم الحنية. ويظن أن هذا كان مظهراً من مظاهر التقديس. وأهم المكتشفات ذات الدلالات الدينية والفنية في أريحا عشر جماجم غطيت أجزاء منها بالجص وزخرف بعضها برسومات على شكل شعر. وقد استبدلت بالعيون أصداف لتظهر الأشكال قريبة من الأشكال الطبيعية. ولهذه الجماجم دلالة واضحة على المستوى الفني العالي الذي توصل هؤلاء لأقوام إليه، وعلى وجود عادة تقديس الأجداد عندهم. وفي أرضية أحد المنازل تم الكشف عن أربعة تماثيل من الجص، أحدها تمثال نصفي. وعثر في قرية أبو غوش* غرب أريحا، على بيوت ومخلفات أثرية تعود إلى الفترة الزمنية نفسها وتتشابه مع تلك التي وجدت في أريحا. كذلك اكتشفت المظاهر المعمارية نفسها والموجودات الأثرية التي تعود إلى العصر ذاته في الطبقات العليا من الموقع الأثري في وادي فلاح، وفي الطبقات السفلى من تل الفارعة قرب نابلس. وقد دلت الدراسات الأنثربولوجية لعظام الأقوام في هذا العصر على أنهم كانوا من نوع بشري متحضر. واستنتج من دراسة الجغرافي لأماكن انتشارهم أنهم قدموا إلى فلسطين من الشمال عبر وادي الأردن، حيث وجد تشابه بين المخلفات الأثرية في الكثير من المواقع في فلسطين وبين تلك التي وجدت في رأس شمرا وتل الرماد جنوب غرب دمشق، ومواقع أخرى في هضبة الأناضول. وعلى هذا الأساس يميل بعض الباحثين إلى إرجاع حضارة هذه الفترة إلى تأثير هضية الأناضول. ولكن هذا الرأي يحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة. (2) العصر الحجري الحديث الفخاري (6.000 ق.م. – 4.500): دلت الحفريات الأثرية على أن الفخار ظهر لأول مرة في فلسطين عند جماعات بشرية جديدة كانوا يعيشون في بيوت على شكل حفر في الأرض غطيت جوانبها بطبقة من الطين الأبيض والحجارة الصغيرة. وبالرغم من أن القادمين الجدد عرفوا صناعة الفخار فانهم كانوا أقواماً غير متحضرين في نواح أخرى، إذ اختفت الصناعات الصوانية والحجرية المتقدمة، وظهرت بدلاً منها صناعات غير متقنة، من ذلك المناجل التي لم تعد أطرافها مشذبة تشذيباً جيداً. وبناء على دراسة خصائص الفخار في أريحا قسم هذا العصر إلى مجموعتين حضاريتين، هما (أ) و(ب). وفخار المجموعة (أ) نوعان: خشن، وناعم مزخرف. والفخار الخشن كثير الشوائب، وعجينته ممزوجة بالكثير من القش أو التين ليزيد تماسكها. أما الحرق فلم يكن بدرجة حرارة عالية، لذلك فالفخار هشن سهل الكسر. أما النوع الناعم ففيه نسبة أكبر من القش، ودرجة حرارة حرقه أعلى من النوع الأول. ولكن الاختلاف الرئيس بينهما هو أن جسم الإناء في النوع الثاني قد غطي بطبقة من البطانة الصفراء الباهتة، التي غطي جزء كبير منها بطبقة من البطانة الحمراء، تاركة وراءها أجزاء من البطانة الصفراء ظاهرة بأشكال زخرفية مختلفة. وكانت أشكال الأواني في كلا النوعين بسيطة بدائية، وظهرت الصحون بقواعد مستوية، أما الجزار فكانت شبه دائرية. لم يبن أقوام حضارة المجموعة (أ) مساكن حجرية نهائياً، في حين بنيت المنازل في حضارة المجموعة (ب) من الطوب المصنوع باليد على أساسات حجرية. كذلك ظهر الفخار أكثر اتقاناً وأدق صنعاً. وظهرت أشكال فخارية جديدة وزخرفت الأواني بزخارف محفورة في جسم الإناء على شكل عظام السمك وبأشكال هندسية أخرى. وهناك موقع آخر ينتمي إلى هذا العصر يقع عند ملتقى نهر اليرموك بنهر الأردن*، هو شعاب الجولان. وقد سميت حضارة شمال فلسطين في هذا العصر بحفاوة اليرموك. لم يكشف في هذا الموقع عن مبان، وإنما وجد الكثير من الفؤوس والأزاميل والمخارز والمناجل الصوانية المصقولة، والقليل من رؤوس السهام الصوانية، إلى جانب الكثير من الطواحين والمدقات الحجرية. والفخار في هذا الموقع خشن بسبب التبن الكثير وبعض الشوائب البازلتية الصغيرة. وظهرت بعض سطوح الأواني ناعمة وأحياناً مبسطة. وكانت الأشكال الفخارية كبيرة ذات قواعد مستوية. وقد ظهرت أيضاً الزخارف المعروفة بشكل عظام السمك وأشكال هندسية متعرجة. وهناك تشابه بين أشكال الفخار من هذا الموقع وتلك التي وجدت في أريحا، وخاصة ما يرجع إلى المجموعة (ب)، مما يدل على وجود علاقة بين هاتين المنطقتين. وقد اكتشف تمثال امرأة من الحجر الكلسي وعثر على الكثير من الحصى الصغيرة التي حاول الفنان أن يشكل منها تماثيل آدمية. وكان سكان شعاب الجولان مزارعين، اعتمدوا في معاشهم على الزراعة وتربية الحيوانات إلى جانب الصيد. وقد عثر في الموقع نفسه على أدوات غزل مصنوعة من الأحجار، ومخلفات أثرية حملت على الاعتقاد بأنهم عرفوا النسيج. وبالدراسة المقارنة للمخلفات الأثرية بين المواقع المختلفة في فلسطين وبين المواقع الأثرية الأثرية التي تعود للفترة نفسها في منطقة العمق رأس شمرا في سورية وفي الساحل اللبناني، تبين أن هؤلاء القادمين الجدد الذين أدخلوا استعمال الفخار إلى فلسطين قد جاؤوا من شمال سورية، وأنهم قد دخلوا فلسطين من مناطق متعددة، وخلال فترات مختلفة، وأن هذا قد تم عن طريق الهجرات البشرية، لا عن طريق المبادلات التجارية. 4) العصر الحجري النحاسي (4.500 ق.م. – 3.300 ق.م.): يستدل من التسمية على أن النحاس* لقد استعمل جنباً إلى جنب مع الحجارة والصوان. ولكن هناك مواقع أثرية كثيرة تعود إلى هذه الحضارة على الرغم من أنه لم يعثر فيها على أية قطعة نحاسية. ويجب أن يذكر في هذا المجال أن النحاس لم يصبح المادة الوحيدة لصنع جميع الأدوات في هذه الفترة، بل ظل معظمها من الصوان لأن النحاس كان لا يزال مادة ثمينة لم تستعمل للأغراض اليومية. ويطلق على هذه الحضارة اسم الحضارة الغسولية، نسبة إلى تليلات الغسول* شمال البحر الميت في شرق الأردن. وقد تم الكشف عن عدة مواقع من هذه الحضارة في منطقة بئر السبع، أهمها تل أبو مطر، وبير الصفدي وخربة البيطار. وعند تل أبو مطر الذي يقع على بعد ثلاثة كيلومترات جنوب بئر السبع*، حفر في الطبقات الصخرية للتل عدد من الكهوف التي استعملت مساكن. وكان الوصول إلى هذه المساكن يتم الوصول إلى بعضها الآخر بحفر عمودية حفرت في جوانبها أماكن للأرجل والأيدي لتقي المرء خطر الانزلاق والسقوط. ومن هذه تخرج ممرات أفقية تؤدي إلى الكهوف. ويتصل الكهف بممرات أو دهاليز تؤدي إلى غرف جدرانها مبطئة بالقصارة، عددها خمس أو سبع. ومن المحتمل أن يكون بعض هذه الغرف قد استعمل كآبار لتخزين الماء. وكان في بعض هذه الغرف صوامع للعلال تتسع الواحدة منها إلى ما يقارب 1.800 كغ من الحبوب. وتشير الحفريات إلى وجود ثلاث مراحل سكنية تحت سطح الأرض. أما المرحلة الرابعة فيظهر فيها تغير كبير في البناء، إذ أقيمت البيوت السكنية فوق الحفر التي امتلأت خلال تعاقب الفترات القديمة. غلب على أدوات هذا العصر الصوانية طابع الدقة في الصناعة، فظهرت المناجل والمكاشط المروحية الشكل والفؤوس الصوانية. أما الطواحين الحجرية فكانت بسيطة الشكل. وجدت أيضاً صحون وأوان مصنوعة من الحجر البازلتي. فخار هذا العصر خشن مصنوع باليد، ولكنه كان محروقاً جيداً. وقد ظهرت أشكال فخارية جديدة، مثل الجرار ذات الفتحات الواسعة والصحون الكروية الشكل والأواني المخروطية، وتلك التي تشابه شكل مخضة اللبن. والزخارف على الفخار نوعان: بارزة بشكل لفائف الحبل، وزخارف هندسية ملونة بالأسود أو الأحمر. وكانت أدوات المطربين الصوانية والحجرية وفخارهم بشكل عام أشبة بأدوات وفخار تليلات الغسول. عاش سكان تل أبو مطر على الزراعة، ولم يمارسوا الصيد، بدليل عدم العثور على رؤوس سهام صوانية في الموقع. وتشير صوامع الغلال الكثيرة إلى أن محصولهم كان وافراً رغم بيئتهم القاحلة. وقد دلت العظام التي وجدت على أنهم كانوا قد دجنوا الغنم والبقر. وهناك أدلة كافية تثبت أنهم قد عملوا في تعدين النحاس، وكانت الخطوات في ذلك تبدأ بتجزئة الخامات ثم وضعها في مواقد مكشوفة، وصهرها في أفران أنشئت خصيصاً لهذه الغاية، وبعد ذلك كانت المادة الناتجة عن الصهر تؤخذ وتنقى في بوتقات وتصب في قوالب. ويعد هذا الموقع من أقدم المواقع التي عثر فيها على الأدلة الكاملة على عملية التعدين، فقد عثر على الكثير من المواد الخام الغنية بالنحاس جنباً إلى جنب مع الشوائب الناتجة عن عملية الصهر، والأفران التي تمت فيها العملية. ومن المحتمل أن يكون سكان تل أبو مطر قد حصلوا على خامات النحاس من مناجم النحاس في تمنة التي تقع على بعد ثلاثة كيلومترات شمال أم رشرش في جنوب فلسطين، أو من فينان قرب حنانا في شرق الأردن. وفي ضوء الحفريات التي تمت في تمنة (قرب جبل الردادي والمناعية)، اعتبر الموقع من أقدم مراكز تعدين النحاس وعثر على الكثير من المناجم، والأدوات اللازمة للحصول على الخدمات، والأفران ومخلفات عملية الصهر في الموقعين رقم 24 و39أ. وقد تم تأريخ الموقع في العصر الحجري النحاسي، ولكن الحقيقة أن الموقع يحتاج إلى المزيد من الدراسة. على أية حال، يفترض أن تكون قد قامت هناك تجارة منظمة بخامات هذا المعدن، لعدم توفرها في تل أبو مطر. ويفترض أيضاً أن يكون المطريون قادرين على إنتاج المواد الغذائية الكافية لتزويد العاملين بالنحاس. ما هذا إلا دليل هام على الانتقال من حياة الاكتفاء الذاتي في مجتمعات العصر الحجري الحديث إلى حياة التخصص والاعتماد على الآخرين. ومن بين الصناعات الأخرى التي اشتهرت في موقع بير الصفدي صناعة العظم والعاج. ويعتقد أن سورية كانت مصدر العاج في ذلك الوقت. اكتشفت عدة مواقع أخرى تعود إلى العصر نفسه في المنطقة الواقعة بين جبال الخليل* والبحر الميت، وأهمها أم قطنة وأم قلعة وعراق الأحمر ومغائر مربعات. وعثر في المنطقة الواقعة بين نبع عين جدي ومسعدة وفي مغاير وادي سدير ووادي حبرا ووادي سيال* ووادي محراس، على الكثير من الفخال والسلال والأخشاب والعاج والمخلفات الجليدية. ولكن أهم ما وجد، مجموعة من الأدوات النحاسية بلغ عددها قرابة 400 قطعة، كان من بينها الصولجانات والدبابيس والخواتم والأشكال الأخرى الكثيرة. وأثبت التحليل الكيميائي أن معظم تلك القطع نحاسية مع وجوه نسبة من الزرنيخ. وفي الخضيرة* على السهل الساحلي* اكتشف فخار يعود تاريخه إلى هذا العصر. وإلى جانب ذلك وجدت أوان تحتوي على عظام موتى، وكان بعضها يشبه نماذج بيوت ذات سطوح مستديرة أو هرمية. وهذا دليل على شكل البيوت خلال تلك الفترة، وعلى الاعتقاد بحاجة الموتى إلى مساكن. لم تكن حضارة العصر الحجري النحاسي في فلسطين نتيجة تطور حضاري محلي، بل كانت حضارة دخيلة يعتقد أنها جاءت من الشرق أو الشمال الشرقي. إلى جانب هذا لم تكن الحضارة اللاحقة تفوق هذه الحضارة تطوراً، وهذا دليل على أن هذه الحضارة قد انقرضت دون الارتباط بما سبقها أو خلفها من الحضارات في فلسطين. وتشير الدراسات الأنثربولوجية إلى أن بداية هذه الحضارة متوافقة زمنياً مع قدوم أقوام جدد إلى فلسطين يدعون قصار الرؤوس. ويرجع أصل هذه المجموعة البشرية إلى هضبة الأناضول في تركيا. ومن المعروف أن لتلك المنطقة دوراً هاماً في اكتشاف النحاس وتصنيعه. لكن هذا كله ليس إلا تخمينات تحتاج إلى المزيد من الأدلة والبحث. لا يتفق الكثير من الباحثين الأثريين حول الفترة الواقعة بين العصر الحجري النحاسي والعصر البرونزي المبكر، والتي اتسمت بقدوم جماعات بشرية جديدة. ففي حين يصر بعض الباحثين على أن تكون هي الفترة الأخيرة من العصر الحجري النحاسي، يجعلها آخرون الفترة الأولى من العصر البرونزي المبكر. وهناك مجموعة أخرى من الباحثين أطلقت عليها اسماً جديداً هو “فترة بدء التمدن” احتذاء بحضاري مصر والعراق. على أية حال امتازت بداية الالف الثالث قبل الميلاد بظهور الامبراطوريات العظيمة في الشرق القديم، وقد رافق ذلك التوصل إلى الكتابة، والبدء بتدوين التاريخ، ومن هنا تبدأ العصور التاريخية في فلسطين. ب- العصور التاريخية: 1) العصر البرونزي (3.200 ق.م. – 1.200 ق.م.): (1) العصر البرونزي القديم (3.200 ق.م. – 2.000 ق.م.): يبدأ العصر البرونزي القديم في فلسطين بظهور أعداد كبيرة من المدافن الرأسيةShaft Tombs تنسب إلى جماعات قضت على حضارة العصر الحجري النحاسي أو حضارة غسول – بئر السبع. ولم يكشف الآن عن مستوطنات تتناسب والعدد الكبير لهذه المدافن. وقد تم حفر المدافن في الصخر أو الأرض الطبيعية، ويتفرع من  مداخلها الرأسية غرف (تجاويف) يتراوح عددها بين غرفة واحدة وأربع غرف، وجد بداخلها عدد كبير من الهياكل العظمية ومرفقاتها الجنائزية وأكثرها أوان فخارية وبازلتية، وبعض الأدوات البرونزية. أما المرحلة التي تلي المدافن ذات المداخل الرأسية فتميزت بظهور المدن التحصينية أو الدفاعية التي قامت على هضاب مرتفعة ذات طابع تحصيني أو استراتيجي. وقد انتشرت هذه المدن بأعداد كبيرة ولم يكن توزعها واحداً في المناطق المختلفة، لكن غالبيتها كانت في الشمال والوسط، حيث ارتبط وجودها بالأراضي الزراعية ومصادر المياه وطرق التجارة. ومن أهم هذه المواقع تل القدح وخربة الكرك بالقرب من بحيرة طبرية، وبيسان* والعفولة*، وتل تعنك، وتل المتسلم(مجدو*) في مرج ابن عامر*، ورأس الناقورة* في الشمال على الساحل الفلسطيني. وأريحا القديمة (تل السلطان)، وباب الذراع، وغيرها من وادي الأردن، وتل الفارعة* إلى الغرب من نابلس*، والتل (عاي)* وتل النصبة شمال القدس وتل الدويمر (لاخيش*) وتل عراد* وتل بيت مرسيم* في الجنوب، وعشرات المواقع الأخرى التي يضيق البحث عن ذكرها. زاد عدد سكان فلسطين في الألف الثالث قبل الميلاد، ونمت المدن وأصبح لها قوة سياسية واقتصادية، مما يسوغ الفترة: عصر دويلات المدن. وكانت المدينة تضم في الغالب معبداً أو أكثر، وبعض المرافق العامة الأخرى والمنازل بأحجامها المختلفة. وكانت مادة البناء من اللبن المجفف على أساسات من الحجارة الملساء، على الرغم من أن الحجارة استعملت في عدد من المواقع. وقد رافق حياة المدينة تطور في الصناعة والتجارة. ومن الصناعات الرئيسة: الفخار*، والنسيج* والأدوات البرونزية والحجرية، وأدوات الزينة، والأختام المنبسطة والاسطوانية، وبعض القطع الذهبية. وشهدت المنطقة تقدما في الزراعة*، مثل زراعة الحبوب* والزيتون* واللوز. واستطاع انسان فلسطين في الألف الثالث قبل الميلاد استغلال موارد النحاس، وخلطها بنسبة معينة من مادة القصدير لينتج البرونز. وقد استدعى الفائض من الإنتاج الصناعي والزراعي قيام تجارة رائجة مع شمال سورية والأناضول وبلاد ما بين النهرين ومصر. ارتبطت عادات الدفن بالتقاليد الدينية السائدة، وتبع المدافن ذات المداخل الرأسية أنواع أخرى مختلفة من المدافن، أهمها المدافن المستطيلة التي تشبه البيوت والمعابد البرونزية. وأوضح أمثلة المدافن المستطيلة ما كشف عنه في باب الذراع بمنطقة اللسان شرق البحر الميت، حيث كشفت الحفريات عن مدينة مسورة فيها عشرات المدافن. وجدران المدفن من الطوب، ومدخله من الجانب العريض، وفي مقدمته باحة صغيرة مرصوفة. وكان المدفن إما لعائلة وإما لمجموعة بشرية تم دفنها عبر مرحلة طويلة، وهناك أمثلة تدل على حرق الموتى قبل دفنهم كما هي الحال في مقابر خربة الكرك والمدافن المستطيلة في باب الذراع. انتهى العصر البرونزي القديم بمرحلة انتقالية يكشفها الغموض، مما جعل العاملين في الآثار يختلفون في تصنيف مادتها الحضارية. وتمثل هذه المرحلة أعداد كبيرة من المدافن تسمى المدافن المدينة Cairn Tombs. وترجعها الباحثة كاثلين كنيون وغيرها إلى ما بين العصرين البرونزي القديم والبرونزي الوسيط. ويحمل الكثير من العلماء أصحاب هذه المدافن مسؤولية القضاء على مدن العصر البرونزي القديم. وقد حفرت هذه المدافن في الصخر أو الأرض الطبيعية، ويتفرع من مدخل الواحد منها غرفة جانبية أو أكثر، ووضع في العادة على فوهة المدفن كوم من الحجارة، وهذا ما دعا إلى تسميتها بالمدافن المدببة. وأهم ما يميز هذه المدافن أنها استعملت للأفراد بخلاف المدافن التي سبقتها في الألف الثالث قبل الميلاد. وغالباً ما تنسب المدافن المدببة ومحتوياتها إلى جماعات الأموريين الذين عرفوا في المصادر السومرية والبابلية القديمة. (2) العصر البرونزي الوسيط (2.000 ق.م. – 1.550ق.م.): امتاز هذا العصر عن غيره من العصور السابقة بتوافر عدد من المصادر المكتوبة التي تشير إلى الأوضاع والحوادث التاريخية التي مرت فيها سورية وفلسطين. وقد شهد النصف الأول للألف الثاني قبل الميلاد حكم الهكسوس* (ملوك الرعاة أو الملوك الأجانب) الذين تولوا السلطة في مصر لمائتي سنة، وسيطروا على سورية وفلسطين من القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد (الأسرة 13 – الأسرة 18). ما زال هناك خلاف حول أصل الهكسوس، إذ يقول بعض الدارسين انهم من الهنود الأوروبيين، ويقول آخرون انهم ساميون، في حين يعتقد فريق ثالث أنهم خليط من الجنسين. والواضح من المخلفات التي تركوها أنهم كانوا يقتسبون عادات البلاد التي حلوا فيها، وأن بعضهم يحمل أسماء سامية وبعضهم الآخر يحمل أسماء مصرية قديمة. أبرز ما يمييز الهكسوس في فلسطين تحصينات المدن والقرى بطريقة لم تكن معروفة أو منتشرة من قبل. فغالباً ما كانوا يحيطون المواقع بأسوار، تدعمها من الخارج طبقات ردم استنادية مدكوكة من التراب وفئات الصخر الجبري والطوب، تنحدر خارج حدود السور إلى ما يزيد أحياناً على ثلاثين متراً. أما الأسوار نفسها فتأخذ في الغالب شكل المستطيل، ويتخللها بوابات حجرية كبيرة. تتميز الأواني الفخارية لهذه الفترة بالجودة المتناهية من حيث الصناعة والشكل، ولا سيما أواني الزهور والصحون التي تنحني أكتافها نحو الخارج والأواني الأخرى التي تقلد الأشكال المدنية. وجدت غالبية الأواني الفخارية والمكتشفات النادرة في المدافن، حيث كان يتم دفن الموتى مع القسم الغالب من أثاث البيوت والحلي وغيرها من المقتنيات الخاصة حتى العربيات. وتتضمن اللقى، بالإضافة إلى الأواني الفخارية، أسلحة وأدوات معدنية (برونزية) وأعداد كبيرة من الجعلان (الجعارين) وبعض الأختام التي تساعد على اعطاء تاريخ دقيق تطبقات هذا العصر. وعثر على أعداد من الأواني الرخامية التي مصدرها مصر، أو هي تقليد للصناعة المصرية. وهناك ظاهرة فنية تميز فترة الهكسوس من غيرها وهي الزخرفة الحلزونية المتنوعة التي توجد بشكل خاص على الأختام، والجعلان والأواني الفخارية. أما المدافن فلم تكن واحدة دائماً، إذ أعيد استعمال بعض المقابر من المرحلة الانتقالية السابقة. والقبور في العادة محفورة في الأرض الطبيعية أو الصخر، ولها مداخل رأسية أو جانبية، والمدافن الجماعية هي الأكثر شيوعاً كما هي الحال في تل الفارعة وأريحا وتل الدويمر ومواقع أخرى في جنوب فلسطين. من المدن المحصنة والممثلة لفترة الهكسوس تل القاضي* (دان) وتل القدح* شمال بحيرة طبرية وأريحا ودير علا في غور* الأردن وتل بلاطة بالقرب من نابلس وتل المتسلم (مجدو) في مرج ابن عامر*، وتل الدويمر* وتل العجول في جنوب فلسطين، وتل صافوط وسحاب بالقرب من عمان. وتظهر مثل هذه التحصينات أيضاً في تل اليهودية في مصر وفي كركمش، وتل العطشانة (الالاخ)، رأس شمرا (أوغاريت)، وتل مرديخ (ابلا) في شمال سورية. (3) العصر البرونزي المتأخر (1.550 ق.م. – 1.200 ق.م.): يبدأ هذا العصر من منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد بانتهاء حكم الهكسوس لمصر ووقوع فلسطين وشمال سورية تحت الحكم المصري المطلق. ولا تدل على ذلك المكتشفات الأثرية الكثيرة المتأثرة بالطابع الفني المصري أو المستوردة من مصر فحسب، بل تدل عليه أيضاً الوثائق المعروفة برسائل تل العمارنة* التي تقدم معلومات تفصيلية عن علاقة سورية وفلسطين بمصر. وهناك إشارات واضحة لحملات الفراعنة* العسكرية على فلسطين وسورية. وقد كشفت الحفريات الأثرية من أعمال تدمير في عدد من المدن الفلسطينية من جراء أعمال العنف. ورافق التبعية لمصر علاقات تجارية متزايدة مع مناطق مختلفة من البحر المتوسط. اعتماداً على المصدرين التاريخي والأثري، يمكن تقسيم هذا العصر إلى مرحلتين رئيستين، تنتهي الأولى حوالي منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد وتنتهي الثانية مع نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد. في المرحلة الأولى أعيد بناء عدد من مدن العصر البرونزي الوسيط، وظهرت مجموعات ملونة من الأواني الفخارية تشير إلى وجود صلات تجارية بالشمال من جراء التأثير الحوري، بشرق البحر المتوسط، إذ أصبحت الأواني الفخارية المستوردة من قبرص والجزر الايحية (الميكانية) متعددة، في الوقت الذي تظهر في قبرص أوان أخرى مصدرها فلسطين. وتدل مكتشفات أخرى من تل المتسلم (مجدو) وغيره على وجود علاقات مع شمال العراق. كشفت الحفريات في كل من تل القدح وتل بلاطة وتل الفارعة الجنوبي وتل الدويمر عن أن قوام مدن هذه المرحلة كان في العادة قلعة، تتضمن قصراً ومعبداً ومباني إدارية. وكان المعبد في بعض هذه المواقع هو المبنى العام الرئيس، مثل معبد تل الدويمر ومعبد تل دير علا في الغور الأوسط. وكشفت الحفريات النقاب عن عدد من المدن الأخرى في تل المتسلم وبيسان وأريحا وتل بيت مرسيم  وييتين وتل القاضي وسحاب إلى الجنوب الشرقي من عمان وغيرها. ينتهي العصر البرونزي الأخير بتدمير الكثير من المدن الرئيسة. ويحاول علماء التوراة إعادة هذه المدن إلى القبائل العربية التي ورد ذكرها في التوراة*، لكن الشواهد الأثرية في المواقع التي جرت فيها أعمال تنقيب لا تؤيد هذا الزعم. 2) العصر الحديدي (1.200 ق.م. – 330 ق.م.): جرت العادة أن يقسم هذا العصر – الذي بدأ فيه الحديد يصنع بشكل واضح – إلى ثلاث مراحل رئيسة على الرغم من أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى لم يكن واضحاً في الكثير من المواقع الأثرية. وتتسم بداية هذا العصر بتحولات اجتماعية واقتصادية وعمرانية تميزها من الفترات الزمنية التي سبقتها.ففي القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد شهدت فلسطين والأردن وشمال سورية تأسيس عدد من الممالك، واستقبلت مجموعات مهاجرة من مناطق مختلفة، أو زها هجرات شعوب البحر وبينهم الفلسطينيون* أو الشعب الفلسطيني. يظهر أن مجموعات الفلسطينيين جاؤوا إلى جنوب كنعان* بشكل تدرجي، لكنهم استطاعوا بناء قوة سياسية مع بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وأسسوا عدداً من المدن على الساحل، أهمها عسقلان، ثم أسسوا مدنا أخرى على امتداد معظم الأرض الفلسطينية غرب نهر الأردن. ومن هنا جاءت تسمية “فلسطين” التي أصبحت تطلق على الأرض الفلسطينية المعروفة اليوم منذ القرن السادس قبل الميلاد. ظهر في المواقع الساحلية، ولا سيما في الجنوب، صف جديد من الفخار، له أصول ايجية من حيث الشكل والزخرفة، ولكنه من صنع محلي. يتميز هذا الفخار بعناصر زخرفية قوامها خطوط متوازية ومموجة أحياناً تتوسطها صور طيور وأفاريز حلزونية أو نصف دائرية. وقد وجدت أمثلة متشابهة لهذه الاواني في جزيرتي قبرص ورودس. امتزج الفلسطينيون بالكنعانيين بسرعة، واستعملوا لغتهم، وعبدوا آلهتهم (داجون وبعل وعشتار). وكانوا من أوائل من استعمل الحديد، وسيطروا فيما بعد على تصنيعه والاتجار به، ومن هذه الصناعة استمدوا قوتهم العسكرية. تذكر المصادر المصرية أن الفلسطينيين أسسوا في القرن الثاني عشر قبل الميلاد خمس مدن رئيسة هي: غزة*، وجات، وأسدود*، وعسقلان، وأكرون، وكانت كل مدينة دويلة مستقلة بذاتها، لكنها كثيراً ما كانت تتحالف فيما بينها لصد هجوم خارجي أو من أجل دفع التهديد المصري والأشوري. لكنهم اضطروا في أيام الملك تغلات فلاسر الثالث (القرن الثامن قبل الميلاد) إلى دفع الجزية للأشوريين، والسيطرة على الجزء الجنوبي والساحلي من فلسطين إذ يفقدها الاستقلال السياسي. لكن المصادر ظلت تذكرهم حتى مجيء قواد الاسكندر المقدوني إلى المنطقة ودخولهم إلى تبعية الامبراطورية الرومانية. كشفت الحفريات الأثرية في عسقلان (الطبقتان السادسة والسابعة) عن مخلفات المدينة الفلسطينية فوق طبقات من العصر البرونزي الأخير، وتحت مبان من العهد الروماني في الطبقات العليا. وأظهرت أعمال التنقيب في أسدود (الطبقتان 11 و12) عن قلعة تضمنت لقى فخارية وحلياً وتمثالاً لإمرأة على شكل كرسي العرش، بالإضافة إلى بعض الأختام من القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وقد اتسعت المدينة في القرن الحادي عشر قبل الميلاد خارج حدود القلعة. وكان معظم المباني من الطوب، وهي منتظمة الشكل، مما يدل على أنه خطط لها مسبقاً. وعثر في الطبقة 11 أيضاً على عدد من أفران الفخار، مما يدعو إلى الاعتقاد بأن المدينة كانت مركزاً هاماً لهذه الصناعة. ولم يقتصر وجود مثل هذه اللقى في الموقعين الساحلين المشار إليهما قبل، وإنما ظهرت بوضوح في تل المتسلم (مرج ابن عامر) وبيسان وتل بيت مرسيم وتل جمة وتل الفارعة الجنوبي وعين شمس وغيرها. وتظهر في بعض المواقع الفلسطينية الأردنية (بيسان، وتل الفارعة الجنوبي، وعمان، وسحاب) توابيت فخارية كبيرة الحجم، لها ما يماثلها في الكثير من المواقع المصرية. ولم تكن مادة الدفن هذه متبعة في فلسطين قبل هجرات شعوب البحر إلى فلسطين. ويستمر ظهور هذه التوابيت حتى القرن السادس قبل الميلاد. انصب اهتمام الباحثين في القرن الأخير، ولا سيما علماء التوراة، على فترات العصر الحديدي من أجل توضيح أو اثبات صحة الكتاب المقدس. وسعى الصهيونيون العاملون في الآثار، في العقود الستة الأخيرة، إلى ربط آثار العصر الحديدي بالتاريخ الإسرائيلي اليهودي لإيهام العالم بالحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين. وقد ساعد أسلوب الباحثين التوراتيين، أرادوا ذلك أم أبوا – الصهيونيين في منهجهم هذا. ورافق ذلك اغتصاب المادة الحضارية وتشويهها بالربط القسري بين المكتشفات الأثرية والعهد القديم. وليس المطلوب هنا التغاضي عن أهمية التوراة واستعمالها في توضيح أبعاد تاريخية في الفترات والحوادث التي تؤيدها مصادر تاريخية أخرى، ولكن دراسة الآثار والتاريخ لا تعطي ولا تسلب حقاً، ثم ان فصول العهد القديم التي تتضمن معلومات تاريخية كتبت من وجهة نظر معينة، لم تكن معاصرة للأحداث نفسها، لذلك لا يجوز جعل العهد القديم الكتاب التاريخي للمنطقة، أو استعماله دون تحفظ في تفسير المكتشفات الأثرية وتسلسلها الزمني. يفترض المختصون في الدراسات التوراتية أن قبائل عبرية عبرت الى فلسطين مع نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد وبداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لكن الشواهد الاثرية التي تثبت ذلك تكاد تكون معدومة (رَ: العبرانيون) وقد الحق التوراتيون مكتشفات أثرية بما يسمونه العهد الإسرائيلي المبكر، وعدوا ذلك حقيقة مسلما بها، حتى قبل دراسة هذه المكشفات والتعرف على طبيعتها. وواقع الأمر أنه لا توجد حقبة زمنية في فلسطين مشوبة بالمغالطات والتعقيد مثل العصر الحديدي، على الرغم من أن الدراسات والأعمال الميدانية التي أجريت على هذه الفترة ومواقعها أكثر من أي فترة أخرى. ولا شك في أن السبب الرئيس في ذلك يعود إلى المنهج الصهيوني والتوراتي التقليدي، وما يتضمنه من أهداف سياسية وعنصرية تتفق والمطامع الصهيونية الحالية في فلسطين. لا يعلم حتى الآن، خارج اطار الروايات التوراتية المختلف عليها، متى وأين استقرت القبائل العبرية الوارد ذكرها في سفر القضاة من العهد القديم. وقد أظهرت الحفريات الأثرية مكتشفات كثيرة من العصر الحديدي المبكر (أو الدور الأول) ، لكن ليس بالامكان نسبة أي من هذه المكتشفات الوثائق، مكتوبة (وهي قليلة) أو غير مكتوبة، إلى ما يسمى بالعصر الإسرائيلي المبكر. تقول كاثلين كنيون إن القدس ظلت حتى مستهل الألف الأولى قبل الميلاد في أيدي القبيلة الكنعانية المعروفة باليبوسيين*. وحسب الرواية التوراتية استولى داود على المدينة سنة 995 ق.م. وبدأ داود وسليمان سياسة توسعية على حساب الممالك المجاورة: الفلسطينيين في الشماال والغرب، والعمونيين والمآبيين* والأيدوميين* في الشرق والجنوب، والآراميين* في الشمال. ولكن هذه الحوادث تبقى غير مؤيدة أثرياً، ثم ان المنطقة في هذه الفترة ما زالت تفتقر إلى مصادر مكتوبة ذات قيمة تاريخية. انقسمت المملكة اليهودية بعد موت سليمان (931 ق.م.) إلى مملكتين: يهودا وإسرائيل، واشتد الصراع بينهما من ناحية والممالك الشرقية (العمونية والمآبية والإيدومية) من ناحية أخرى. وأهم وثيقة أصلية هي مسلة ميشع التي عثر عليها سنة 1868م في ذبيان إلى الجنوب من عمان. وتمثل المسلة حتى الآن أطول نص من القرن التاسع قبل الميلاد، إذ تتضمن أكثر من 34 سطراً بالخط المآبي، وتروي المنجزات العمرانية للملك المؤابي ميشع (حوالي850 ق.م.) وانتصاره على ملكي إسرائيل عمري وأخاب. والواضح أن الكرك وذبيان كانتا عاصمتين للمآبيين الذين يعتقد أن مملكتهم امتدت حتى وادي الواله أو مأدبا شمالاً، ووادي الحسا جنوباً. أما الأيدوميون فقد اتخذوا من بصرى (بصيرة الحالية) وجنوب الطفيلة عاصمة لهم، وكثيراً ما سيطروا على وادي عربة* وجنوب فلسطين. وكانت عمان(ربة عمون) عاصمة للعمويين. والمعلومات التاريخية عن هذه الممالك الثلاث قبل الألف الأول قبل الميلاد قليلة جداً، وتكاد تقتصر على الرواية التوارتية التي تشير إلى أن هذه الممالك كانت قائمة عند اجتياز القبائل العبرية شرق الأردن. ثم يتضح الأمر أكثر بعد اكتشاف حجر ميشع، وعدد آخر من الكتابات من القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، ويظن أن بعضها يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد. وقد كشفت الحفريات الأثرية عدداً من مدنهم وقراهم وحصونهم وأوانيهم الفخارية، بالإضافة إلى مجموعة من القطع المنحوتة، كالمسلات والتماثيل والأختام والحلي المتنوعة. في الوقت الذي أخذت فيه جميع هذه الممالك غرب النهر وشرقه تستعيد نشاطها وقوتها، وأنشأت المدن والحصون، وأصبحت تستغل المواد الخام المتوافرة في المنطقة، ولا سيما الحديد والنحاس، داهمها الأشوريون مرات كثيرة. ومن أهم الحملات العسكرية الأشورية تلك التي شنها أدد نيراري (800 ق.م.)، وتغلات فلاسر الثالث (745 ق.م.)، وسنحاريب (705 ق.م.) وابنه أسرحدون (680 ق.م.). بذلك أصبحت المنطقة تخضع للحكم الأشوري وتدفع له الجزية. وبعد سقوط نينوى آخر عاصمة للأشوريين سنة 612 ق.م. ظهر البابليون قوة رئيسة مكانهم، وأعادوا إلى سيطرتهم جميع الممالك، بما فيها الآرامية. ولم تقم فلسطين بدور رئيس على المسرحين السياسي والعمراني منذ السيطرة البابلية وحتى الهجوم اليوناني سنة 330 ق.م. تعد مواقع العصر الحديدي بالمئات، لكن أهم المواقع الرئيسة التي نقب فيها هي: عسقلان وأسدود في الساحل الفلسطيني، وسبسطية* وتل الفارعة الشمالي وتل بلاطة بالقرب من نابلس، وبيسان وتل تعنك وتل المتسلم في مرج ابن عامر، وتل القدح وخربة الكرك وتل القاضي في منطقتي طبرية والحولة، وأريحا وتل دير علا وتل المزار وتل السعيدية وطبقة فحل في وادي الأردن، والقدس وبيتين وخربة الطبيقة والجيب والتل (عاي) في منطقة القدس، وتل الفارعة الجنوبي وتل الشيخ أحمد العريني وتل الدوير وتل جمة وتل الجزر وتل الحسي وتل بيت مرسيم وتل عراد وخربة مشاس وتل أبو حوام في جنوب فلسطين، وعمان وسحاب وحسبان وعراعر إلى الجنوب والجنوب الشرقي من عمان، وبصيرة وتل خليفة جنوب الأردن.   المراجع:   –         سامي سعيد الأحمد: تاريخ فلسطين القديم، بغداد 1979. –         فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت 1958. –         Albright, W.: The Archeology of Palestine, Harmondsworth 1960. –          Albright, W.: The Jordan Valley in the Bronze Age, ASOR 1926. –          Albright, W.: Some Remarks on the Archaeological Chronology of Palestine Before 1500 B.C, in Old World Archaelogy, Chicago 1965. –          Albright, W.: Syria,The Philistines and Phoenicia, in Cambridge Ancient History, Cambridge 1966. –         Amiran, R.: Ancient Pottery of the Holy Land, Jerusalem 1969. –         Anati, E.: Palestine Before the Hebrews, New York 1963. –         De vaux, R.: Palestine During the Neolithic and Chalcolithic Periods, The Cambridge Ancient History, Vol.I, Part 1, Cambridge 1974. –         Helck, W.: Die Bezehungen Agyptons zu Vorderasiens im 3 and 2. Jahrtausend v.Chr., Wiesbaden 1962. –         Hennessy, B.: The Foreign Relations of Palestine During the Holy Bronze Age London 1967. –         Ibrahim, M.: Archaeological Excavations  at Sahab 1972, 1973, 1975. –         Ibrahim, M.: The Collaredim Jar of the Early Iron Age in Archaeology in the  Levant Essays in the Honour of Kathleen Kenyon, London 1976. –         Kenyon, K.: Archaeology in the Holy Land, London 1960. –         Kenyon, K.: Digging up Jericho, London 1957. –         Kenyon, K.: Digging up Jerusalem, London 1974. –         Lapp, P.: Palestine in the Early Bronze Age, in Near Eastern Archaeology in the Twentieth Century, Essays in Honor of Nelson Glueck, New York 1970. –         Mellaart, J.: The Chalcolithic and Early Bronze Ages in the Near East and Anatolia, Beirut 1966. –         Perrot, J.: Syria – Palestine, Geneva 1979. –         Wright, G. W.: The Pottery of Palestine from the Earliest Times to the end of the Early Bronze Age, New Haven 1937.     العصور القديمة (آثار -): ر: آثار العصور القديمة