العبرية واليهودية

اعتاد الناس منذ زمن طويل، بتأثير الكتابات التوراتية، أن يفهموا أن العبرية واليهودية كلمتان بمعنى واحد. وهذا خلاف الواقع، فالعبرية في نحو القرن العشرين قبل الميلاد كانت كلمة عامة تطلق على طائفة كبيرة من القبائل الرحل في صحراء الشام وبهذا المعنى وردت كلمة العبري، والآبري، والعبيرو، والهبيري، والخبيرو، وما قاربها لفظاً في كتابات تل العمارنة وفلسطين وآسيا الصغرى والعراق. وجاءت بهذا المعنى أيضاً في الكتابات المسمارية والفرعونية، ولم يكن لليهود وجود في ذلك الحين. ولما وجد اليهود وانتسبوا إلى “إسرائيل” كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية إنها لغة كنعان. ثم انطوت العبرية في الآرامية* التي غلبت على قبائل جميعاً بين فلسطين والعراق، مع اختلاف يسير بين الآرامية الشرقية والآرامية الغربية. ويقول أونغر E.M. Unger في تسمية إبراهيم الخليل* بالعبراني في التوراة*: “إن البينات كلها تتراكم أمامنا لتفيد أن العبريين القدامى كانوا، بطريقة ما، مرتبطين بصلة وتلقى مع العبيرو والخبيرو. وحتى لو أردنا أن نتجنب تسمية إبراهيم بالعبراني أو العبري فهو، مع ذلك، بعد في الأساس من سلالة هذه الجماعة ذاتها (جماعة العبيرو)”. ويعرف درايفرG.R.Driver  أستاذ اللغة العبرية في أكسفورد، في مقاله المنشور في بداية المعارف البريطانية “أن كلمة (عبري) عبريت وعبراي بالآرامية، قد صاغها حاخامو فلسطين في وقت لاحق”. ومجمل القول أن الحاخامين اليهود وجدوا أن أحسن طريقة يمكن اتباعها لربط تاريخهم بأقدم العصور، ولجعل عصر اليهود متصلاً بأقدم الآزمنة هو استعمال مصطلح “عبري” أو عبيرو” للدلالة على اليهود بوجه عام. وبذلك يكون تاريخ فلسطين تاريخاً واحداً متصلاً ومرتبطاً، منذ أقدم العصور، بالشعب اليهودي. وقد تمسك الباحثين بالنظرية القائلة إن العبرية بمعنى اليهودية، والتي أطلقوا عليها اسم “العبرانية التوراتية”، هي أقدم لغة سامية معروفة، متجاهلين وجود الكنعانية القديمة قبلها بعدة قرون. وظل الأمر على ذلك حتى توصل المنقبون مؤخراً إلى اكتشاف أقدم لغة سامية معروفة، وهي أم اللغات السامية، في مغائر مملكة ابلا السامية جنوب حلب، فدحضت مفتريات الكتاب اليهود وادعاءاتهم. وقد صرح خبير اللغات الايطالي كلوفاني بيتيناتو، وهو أحد المكتشفين لهذة اللغة القديمة (لغة ابلا) بأنها الكنعانية القديمة، مؤيداً بذلك الرأي الذي كان قد ذهب إليه خبير اللغات دايرنجر قبل هذا الاكتشاف الجديد. وهكذا لم يبق بعد اكتشاف اللغة الكنعانية القديمة، أم اللغات السامية، أي مجال لترويج الادعاءات الصهيونية التي تزعم أن اللغة العبرية موجودة منذ أقدم الأزمنة، وأنها أقدم اللغات السامية.   المراجع:   – Diringer: Writing, London 1948. – Grabbe.L.L.: New Archaeological Discovery Illuminates the Past the Plain Truth. A Magazine of Understanding, Vol. XLII, No. 5. May 1977. –  Unger.E.M.: Israel and the Arameans, London 1957.