العبرانيون

  لا زال الجدل قائماً بين العلماء والباحثين حول مفهوم العبرانيين وأصلهم، فالتوراة على (سبيل المثال) تنسبهم إلى (عابر) وهو من سلالة سام بن نوح. وإلى عابر هذا ينتسب إبراهيم الذي كان أول من لقب بالعبراني. وهناك دراسات تؤكد على أن العبرانيين صبغة لأقوام رحل فهم بدو لا يستقرون بمكان ثابت. ولذلك فقد أطلقت الكلمة على جميع الأقوام غير المستقرة في شبه الجزيرة العربية. يعد العبرانيون رابع شعب سامي استوطن سورية الجنوبية (أو كنعان* كما كانت تسمى) بعد العموريين* والكنعانيين والآراميين*. ويعتقد أن العبرانيين البدو الأوائل استوطنوا كنعان على ثلاث هجرات، أو دفعات، اثنتان منها أسطوريتان، والثالثة تاريخية. وقد تحركت الأولى من بلاد الرافدين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وعاصرت غزو الهكسوس* مصر. وتحركت الهجرة الثانية مع الآراميين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، في حين انطلقت الهجرة الثالثة من مصر بقيادة موسى* أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وكان الكنعانيون، قبل الهجرات الثلاث، يستوطنون الساحل الفلسطيني، والعموريون يستوطنون المرتفعات، وعناصر أخرى أقل شأناً تسكن في  مناطق متفرقة. ونتيجة الاختلاط بين العناصر جميعها تولد جيل جديد من العبرانيين المتخضرين، تعلم من السكان السابقين الزراعة* والقراءة والكتابة. ويعتفد كثيرون من العلماء أن العبرانيين تحولوا، بوصولهم إلى فلسطين، عن لغتهم الآرامية* القديمة إلى اللغة الكنعانية*، وورثوا مع هذه اللغة كثيراً من المظاهر الأساسية للحضارة الكنعانية، وبخاصة في مجال العبادات. وتحدد التوراة* بدء تاريخ العبرانين بهجرة إبراهيم* من بلاد الرافدين إلى فلسطين عن طريق حران، حيث أقام مع قبيلته قرب الخليل*(حيرون)، في حين أقام حفيده يعقوب* بن إسحاق* في “فدان آرام” عدداً من السنين. وقد نال يعقوب بركات والده بمساعي والدته، وأصبح زعيماً للعبرانيين، وأطلق على نفسه (أو أطلق عليه) اسم “إسرائيل” في الوقت الذي أطلق على أخيه عيسو أو العيص اسم آخر هو “آدوم” بمعنى الأحمر، وهو الذي سكن مع جماعته منطقة جبل سعير، وعرفوا باسم الايدوميين*. ومن بين أولاد يعقوب يوسف* الذي ارتفع شأنه في الدولة المصرية القديمة، واستخلص موافقة فرعون على أقامة أهله في مصر لأجيال كثيرة، فأقاموا حتى خروجهم منها إلى فلسطين، بقيادة موسى. ويميل معظم المؤرخين إلى أن تاريخ خروج العبرانيين من مصر، وبالتحديد خروج قبيلة “راحيل”، هو التاريخ الحقيقي لهؤلاء، ويوقتونه زمنياً في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد في حين يحدده بعضهم بعهد مرنبتاح بن رعمسيس الثاني (1224 – 1215 ق.م.) وتذكر المصادر القديمة كثيراً من الصعاب التي واجهها العبرانيون أثناء اجتيازهم سيناء، كما تحدد أنه في منطقة مدين، التي يعتقد بعض الباحثين أنها تقع في القسم الجنوبي من سيناء، اتصل موسى بربه، وتزوج، قبل أو بعد ذلك، من ابنة كاهن مدين، مما دفع عبرانيين آخرين إلى الزواج مع بعض قبائل شمالي الجزيرة العربية. وبعد فترة انتصر هؤلاء (وكان عددهم في حدود سبعة آلاف) علي سيحون ملك العموريين وعوج ملك باشان. وفي فلسطين سقطت بأيديهم مدن لخيش (تل الدوير*) وعاي وأريحا* التي استباحوها وأحرقوها. وبالقوة العسكرية أحياناً، وبالتزاوج والتغلغل وانضمام الأقارب الذين لم يهاجروا سابقاً إلى مصر أحياناً أخرى، سيطر العبرانيون على قسم كبير من أراضي فلسطين الشمالية. وعملوا منذ استتباب سلطتهم على تقسيم هذه الأراضي بين قبائلهم. وتخبر المصادر أن قبيلتي “يهوذا” و”بنيامين” استوطنتا الأراضي المرتفعة المحيطة بأورشليم، في حين استوطنت القبائل الأخرى السهول الشمالية. وقد استغرقت فترة الاستيطان الربع الأخير من القرن الثاني عشر قبل الميلاد والأرباع الثلاثة الأولى من القرن الحادي عشر. ويطلق المؤرخون على هذه الفترة اسم”عصر القضاة”.وكان هؤلاء القضاة محاربين أقوياء وحكاماً وطنيين، وعلى رأسهم دبورة وباراق وجدعون وشمشون. وقد قادوا العبرانيين في حروبهم مع الفلسطينيين* وانتصروا عليهم. ولكن قوة الفلسطينيين ازدادت بمعرفتهم أساليب صهر الحديد واستخدامه في الحرب، فاستطاعوا في النصف الثاني من القرن الحادي عشر قبل الميلاد أن يهزموا العبرانيين. ومع بداية القرن العاشر قبل الميلاد ضعفت السيطرة الفلسطينية على البلاد الساحلية، وتمكن الملك  العبراني داود من التغلب عليهم. وقد أتاحت فترة السيطرة العبرانية على بعض أرجاء فلسطين إنشاء دولة ذات طابع ملكي، برزت فيها الصفات المتطرفة للعبرانيين، وبخاصة في الجوانب الدينية. وتذكر المصادر اليهودية أن شيوخ بني إسرائيل (الذين ساءهم ألا يكون لهم ملك كسائر الشعوب المجاورة) طلبوا من الزعيم الديني صموئيل تسمية ملك من بينهم، فاختار شاؤول الذي كان كما تذكر المصادر أطول قامة من باقي قومة، وطلبوا منه أن يحكم حسب أوامر يهود. ولكن الملك العبراني الأول لم يكن جديراً بالملكية، لا من ناحية الطباع، ولا من ناحية القدرة العسكرية، فقد تمكن الفلسطينيون في معركة جلبوع (جلبون الحديثة) من قتل ثلاثة من أولاده وإكراهه على الانتحار. فقطع الفلسطينيون رأسه وسمروا جسده وأجساد أولاده على سور بيت شان (بيسان*) وأرسلوا سلاحه إلى أحد معابد الالهة عشتاروت كغنيمة حرب. كان المؤسس الحقيقي للمملكة العبرانية الأولى داود (حوالي 1004 – 963 ق.م.)، وهو حامل سلاح الملك السابق. وقد نجح خلال حكمه في توسيع حدود مملكته، لتوسطه وسيطرته على أهم الطرق الداخلية، ولوقوعه خارج حدود المراكز القبلية. وبنى فيه معبداً ليهود، كما بنى لنفسه قصراً استخدم لبنائه خيرة المعماريين الفينيقيين. ويعد المؤرخون فترة حكم داود الفترة الذهبية الأولى في حياة العبرانيين من الناحيتين السياسية والأدبية على وجه الخصوص. وفي عهد سليمان بن داود (نحو 963 – 923 ق.م.) وصلت المملكة العبرانية إلى ذروة مجدها وأبهتها، وشابهت في كثير من الأمور الممالك الشرقية المعاصرة، وبخاصة في الأعمال العمرانية ومستوى الترف. وفي عهد سليمان أيضاً نشطت علاقة العبرانيين بالصوريين الذين أسهموا في إنشاء اسطول عبراني اختص بتجارة البحر الأحمر. وتجعل الروايات اسم سليمان مرادفاً للقوة والفخامة والحكمة. والواقع أن الوحدة الموقتة، بين شعبي “إسرائيل” و”يهودا”، التي حققها داود وسليمان خلال حكمهما كانت معرضة في كثير من الأحيان للانهيار، إذ كان الخلاف الاقتصادي بين أهل الشمال الذين عملوا في الزراعة وأهل الجنوب الرعاة. وكذلك الخلاف بين طقوس الشمالين الكنعانية الطراز وطقوس الجنوبيين التي عبدت يهوه، السبب الأول في تحين الطرفين الفرصة للانقسام. وقد لاحت هذه الفرصة بعد موت سليمان عام 923 ق.م. حين اجتمع ممثلو القبائل الاثنتي عشرة في شكيم (قرب نابلس*) لمبايعة رحبعام بن سليمان ملكاً (وكان في السادسة عشرة من عمره). وعندما سئل عما إذا كان سيعمل على تخفيف عبء الضرائب التي فرضها والده أم لا، رد رحبعام بقسوة على سائليه، فاتفق ممثلو عشر قبائل منهم على عدم مبايعته، وانتخبوا يربعام من قبيلة أفرايم ملكاً، وأطلقوا على مملكتهم اسم”اسرائيل” وعاصمتها شكيم، ثم ترزة، ثم السامرة. في حين ثبتت قبيلتا يهوذا وبنيامين في ولائهما لرحبعام، وكونتا مملكة “يهوذا” وعاصمتها أورشليم. وبدأ الصراع بين المملكتين. وكان أشهر ملوك مملكة “إسرائيل” عمري (885 – 874 ق.م.)، وقد بنى مدينة السامرة وجعلها عاصمة ملكه. ولم يكن خليفته آحاب (874 – 852 ق.م.) مماثلاً له. بل إنه لم يوفق في فرض سيطرته على المملكة، وقد سمع لزوجه ايزابل ابنة ملك صيدا وصور بفرض عبادة الاله الفينيقي بعل في “إسرائيل”، مما أدى إلى قيام ياهو، وهو أحد ضباط آحاب، بثورة أطاحت بمليكه، وأعاد عبادة يهوه. وفي عهد بريعام الثاني (785 – 745 ق.م.)، وهو الثالث من سلالة ياهو، توسعت مملكته شمالاً على حساب الآراميين*، ولكن ذلك لم يستمر طويلاً، إذ أدى ظهور الملك الأشوري تغلات بلاسر الثالث (745- 737 ق.م.) إلى أخذ من هذا التوسع. وقام خليفته، شلمنصر الخامس، ومن بعده صارغون الثاني بتأديب هوشع آخر ملوك (إسرائيل) وسبى أفضل رجاله إلى ميدية في فارس. وتلاشت بذلك مملكة “إسرائيل”. وبعد فترة وجيزة قام صارغون، ومن بعده خلفاؤه، بإحلال قبائل جديدة من بابل وعيلام وسورية وبلاد العرب أماكن إقامة القبائل العبرانية المسبية، أي منطقة السامرة. وقد امتزج هؤلاء من تبقى من الإسرائيليين، واتحدت معتقداتهم بعبادة يهوه، وألقوا طائفة جديدة هي الطائفة السامرية التي بقيت على خلاف مع العبرانين حتى اليوم، وهم الذين ما يزالون يسكنون بالقرب من نابلس (رَ: السامريون). أما المملكة العبرانية الجنوبية، وهي مملكة “يهوذا” فقد دامت أكثر من جارتها الشمالية. وكانت قد تعرضت في فاتحة تأسيسها (حوالي عام 920 ق.م.) لغزوة مصرية أدت إلى تخريب المدن الداخلة في نطاقها. وفي الفترة التي توقفت فيها الهجمات المصرية والأشورية قام الملك عزريا، أو عزيا كما في بعض المصادر (حوالي 783 – 751 ق.م.) بتنظيم شؤون الجيش وترميم خضون أورشليم، وحقق انتصارات على الفلسطينيين والإعراب والعمونيين. وبعد زوال مملكة إسرائيلي (721 ق.م.) أصبحت مملكة يهوذا أكثر تعرضا للهجمات، وبخاصة من الشمال. وعندما حاول الملك حزقيا الافادة من الصراع المصري الرافدي، وأيد المصريين في تحدي الأشوريين، قام الأشوريون بمحاصرة أورشليم عام 701 ق.م.، وفرض سنحاريب عليها الجزية، واحتجز عدداً من الرهائن اصطحبهم إلى عاصمته نينوى. ونتيجة هذه الغزوة، ودفع الحرية بانتظام، ضعفت مملكة يهوذا، وترددت بين قبول الخضوع للدولة البابلية والتحالف مع مصر. وعندما أقنع المصريون يهوياقيم (608-597 ق.م.) بالتحالف معهم، وتحدي البابليين، قام نبوخذ نصر باحتلال أورشليم عام 597 ق.م. وقتل الملك المتمرد. ولم يكن خليفته يهوياقين بأكثر حكمه من والده، إذ ثار بعد ثلاثة أشهر من عودة نبوخذ نصر. فهاجم الأخير أورشليم مرة أخرى، وسبى ملكها وعدداً كبيراً من أفراد جنده وحرفييه (رَ: السبي البابلي). وقبل عودته عين صدقيا ملكاً على مملكة يهوذا. ورغم أن الأخير التزم عدداً من السنين بالولاء لنبوخذ نصر فانه، استجابة لرغبة الزعماء الوطنيين، ثار معتمداً على مساعدة مصر التي لم تجده فتيلاً عندما قام نبوخذ نصر بارسال جيش نجح عام 586 ق.م. في تدمير أورشليم، وجميع المدن اليهودية، وفي سبي عدد من اليهود لا يقل عن خمسين ألفاً إلى بابل، وفي إنهاء أجل آخر مملكة عبرانية في التاريخ، بعد سمل عيني صدقيا وقتل أولاده أمامه.   المراجع:   -American School of Oriental Research Annual, No 72, 1938. – Crowfoot: M: Early Ivories from Samaria, London 1938. –  Davis, J.D. The Westminster Dictionary of the Bible, 1944. – Dussaud.R..:Topographie Historique de la Syrie antique et medievale, Paris 1927.   العبرية: رَ: اللغة العبرية