العادات والتقاليد الشعبية

تمثل دورة الحياة اليومية (الميلاد – الزواج – الوفاة) جانباً كبيراً من العادات والتقاليد الشعبية، ففي مثل هذه المناسبات الشعبية الهامة ترسخت أنماط من العادات والتقاليد التي قد تصل إلى مستوى القانون الاجتماعي المعترف به. وإذا تصفح المرء سجل الحياة الشعبية الفلسطينية، وجد فيه الكثير من العادات والتقاليد. كتقاليد الضيافة والزيارة، والمواسم الشعبية والأعياد، والتعامل اليومي وما اتصل، خاصة، بالمراسم الاجتماعية في التهنئة والتعزية والمباركة، إلى غير ذلك مما شاع بين الناس. أ- تقاليد التحية والمجاملة: “السلام عليكم” هي التحية التقليدية المعروفة والمتداولة. وهي تعني، بالإضافة إلى ذلك، الاشعار بالأمن والطمأنينة وقد ترمز إلى المسالمة وتجنب الأذى. فإذا سلم شخص على آخر، وأراد هذا ألا يرد التحية قال: “لا عليك سلام ولا كلام”. وقد يعبر أحدهم عن عدم ثقته بأمانة الآخر وتقواه، فيقول: “على المؤمنين السلام”. وذلك رد يحمل الكثير من المعاني. والصغير هو الذي يجب أن يبادر إلى طرح السلام على الكبير. كذلك يسلم القادم على المقيمين ويبدؤهم بالتحية، ويسلم الفرد على الجماعة. وإذا طرح السلام ورد بعضهم فإن ذلك لا يعفي الآخرين من الرد. ومن مصطلحات التحية غير لفظ “السلام عليكم” كلمة: “جوك” (بالجيم المصرية) بمعنى قولك الله، ويكون الرد عليها: “جوى الله عزايمك”. وهناك تحية “العواف يا غانمين”، وأصلها: “عوافي – جمع عافية – للغانمين”، فيرد عليها: “الله يعافيك”. وهناك تحية: “سلامات” وجوابها: “عدوك مات” أي أمات الله من يعاديك. في المأثورات الشعبية ما يفيد أن التحية مفعولاً لدى من ألقيت عليه، فإذا ألقيت على الخصم انقلب صديقاً بين عشية وضحاها. ومن المتعارف عليه، عدم جواز الغدر بعد إلقاء السلام، بل تأبى أخلاق المجتمع استخدام هذه التحية وسيلة للخداع. ومن آداب المجاملة أن يحيى القادم قوماً يعملون بقوله: “صح بدنه”. وإذا حضر شخص لقوم وهم يحلبون مواشيهم أو يقطنون ثمارهم عليه أن يبدأ بالقول: “اللهم صلى على سيدنا محمد، اللهم زد وبارك…الله يطرح البركة”. ب- تقاليد الحوار: للجار في الوسط الشعبي حقوق يجب على جاره مراعاتها. وقد أصبحت هذه الحقوق بمنزلة قانون عرفي بين الجيران. وتتلخص هذه الحقوق في المحافظة على حسن العلاقات ومراعاة الجيران شعور بعضهم بعضاً. وتزخر الأمثال الشعبية بالمعاني التي تخص على معاملة الجار بالحسنى، إلى حد أن بعضها يفضل الجار على الأخ البعيد. يقول المثل الشعبي: “النبي وصى ع سابع جار”. و”جارك القريب أفضل لك من أخوك البعيد”، ذلك لأن الجار القريب الصادق في مودته وإخلاصه لحقوق الجوار يمكن أن يخدمك وقت الضيق، في حين يكون أخوك البعيد في وضع لا يتيح له تقديم المعونة الفورية، وإن أراد ذلك. وهذا المثل نابع من ظروف قديمة كانت فيها الاتصالات صعبة تستغرق زمناً طويلاً، وكان لا بد للإنسان من أن يحسن علاقاته مع جيرانه “لأنه الجار ما يستغني عن الجار”. وتنبع ضرورة الإحسان إلى الجار، مراعاة شعوره، والحفاظ على العلاقات الطيبة من المجاورة والتعايش. وتقضي العادة على الساكن القديم أن يستقبل الساكن الجديد المجاور في اليوم الأول الذي يحل فيه في الحي بحفلة يقيمها له تسمى: “انزالة”، أي حق النزيل الجديد. وفي ذلك إكرام للجار، فضلاً عن الرغبة في المؤاخاة بنتيجة “العيش والملح”. على أن يقيم الجار الجديد فيما بعد حفلة لجاره رداً على إكرامه. ومن الواضح جداً أن الهدف من الحفلة هو تقديم آيات الود للجار الجَنْب. ومن العادات المتبعة أن يقوم الجار بمجاملة جاره في الأفراح ومواساته في الأتراح، وأن يواكب كل ما يطرأ من أحداث لدى الجار. ج- تقاليد الولادة: يعد الحمل والولادة في الوسط الشعبي الفلسطيني من أهداف الزواج الرئيسة، ومر ذلك إلى أسباب اقتصادية إنتاجية. فالأرض تكاد تكون مصدر الرزق الوحيد، ويحرص الانسان على الأبناء ليرثوا الأرض من بعده، وليعملوا بها، ويعينوه في شبابه، ولينفقوا عليه من ثمرها في شيخوخته. وهكذا تستمد المرأة أسباب وجودها ورسوخ قدمها في البيت من عدد الأطفال الذين ولدتهم. وفي الوسط الشعبي يعلق الناس أهمية كبيرة على جنس المولود، ويفضلون الذكور، وتعامل الأم المسكينة التي تلد بيننا معاملة سيئة، فى يقدم لها طعام جيد، وتقابلها حماتها بالتهجم، وقد لا تلقى معاملة حسنة من زوجها. ويتخذ كثيرون من الأزواج مسألة ولادة الزوجة للإناث دون الذكور مسوغاً كافياً للطلاق والزواج من أخرى. حتى أم البنت نفسها تستجيب لهذا الجو المتهجم فلا تكتحل، ويكون لديها إحساس بالذنب أو النقص. ولا تتقاضى “الداية” أجراً عن البنت سوى القليل بالمقارنة مع الأجر و”الحلوان” الذي تحصل عليه عندما يكون المولود ذكراً. ولا يبشر الأب بولادة البنت، ولا توزع الحلوى بهذه المناسبة، كما لا يحضر زوار الأم أية هدايا إذا كان المولود أنثى. ويعود الموقف الشعبي عن جنس المولود لأسباب اقتصادية ومعنوية. فالولد خير عون لأبيه في أمور معاشه، على حين أن البنت تربيها الأسرة لتعمر بيتاً آخر بعد زواجها. كذلك لا تنتهي التزامات الأب تجاه ابنته حتى بعد زواجها، فعليه أن يزورها، وأن يقدم لها الهدايا، وخاصة إذا تزوجت خارج العشيرة. وفي حين يغطي الأبن قيمة معنوية للأسرة باعتباره أحد المنافحين عن مكانتها وشرفها فإن البنت مدعاة لقلق أهلها خشية أن يمسها العار، فيمس شرف الأسرة ومركزها الاجتماعي. ولا يعني هذا أنه لا مكان للبنت في قلوب والديها، فهناك الكثير من المسوغات التي تدفع الأم والأب إلى حب البنت، إن وجود البنات إلى جوار الأبناء فرصة طيبة لتوفير ثروة الأسرة عند تزويج الأبناء، فالبنت يمكن أن تستبدل بها عروس لأخيها. كما أن هناك ميزات للبنت، فهي خادمة مطيعة لأمها، بينما يساق الأولاد إلى “العسكرية”، وقد لا يعودون، أو قد يجدون طريقهم إلى السجن. وقد يسبب الابن الجانح مشاكل للأسرة، أما البنت بحكم بقائها في البيت، فإنها لا تسبب مثل تلك المشاكل. يتركز اهتمام الأم بعد الولادة في العناية بالطفل وإطعامه وحمايته من الأخطار. ولما كانت الأم تلاحظ أن الوفيات تحصل بنسبة عالية، ولم تكن تعرف أساليب العناية الصحية الحديثة ودور الجراثيم في انتشار المرض وتقصير عمر الأطفال، فإنها كانت تعزو الوفاة إلى أمور غيبية، مثل العين الحاسدة والجن والشياطين الذين يرابطون على عتبات البيوت. وقد عزا الناس في الوسط الشعبي ثلثي الوفيات للعين الحاسدة، والعين الزرقاء هي العين الأكثر خطورة، وهي تفعل فعلها في مناسبات معينة، مثل مواكب الطهور والزفة واحتفالات الزواج. وتحرص الأم على مظهر الطفل غير جذاب وغير داع للإعجاب وذلك دفعاً لأذى العين الحاسدة. و”القرينة” من أشد الأخطار التي تهدد حياة الطفل، فإذا مات طفل في أثر آخر لإمرأة، قيل إن”القرينة” هي التي تقتلهم. وتعتمد الأم، دفعاً لهذه الأرواح الشريرة، ألا تغسل الطفل. وقد تعمد إلى تغيير اسمه لتضليل تلك الروح الشريرة. وتضع الأم في هذه الحال معوذات كريهة في وسادة الطفل،مثل ضفدع أو جرو مجفف ومملح لإخافة القرينة وإبعادها. وكذلك فان الرقى وتعليق “الحجاب” على ملابس الطفل وتقديم الأضاحي، كل ذلك يساعد على رد أثر العين الحاسدة. د- تقاليد الختان (الطهور): يعتبر الحنان – أو الطهور – من أهم الأحداث في حياة الولد المسلم بالنسبة إليه وإلى والديه على السواء، ويكاد الاحتفال بالطهور يضاهي احتفالي الولادة والزواج. وتسبق الختان ليالي الفرح، فيغني الرجال والنساء ويرقصون، وربما امتد الغناء والرقص إلى أسبوع كامل. تحضر الحناء و”جهاز” جديد، وتقدم ثياب الاحتفال للأقارب. ومثلما تؤخذ العروسة من بيتها إلى بيت زوجها في موكب زفة، ومثلما يزف العروس إلى دار زوجته، يزف المختون على صهوة جواد في موكب احتفالي وهو يرتدي ثيابه الجديدة، وقد زين جسده بالأزهار والأوراق والريش، كما تقدم له الهدايا. في الليلة الأولى من ليالي الاحتفال بالختان تذهب أم الطفل وأخته إلى بيوت القرية لتدعو النساء لحضور الاحتفال، كما يذهب اخوة الأب لدعوة رجال القرية، وكما هي الحال في أي احتفال، يحتفل الرجال والنساء في مجموعتين منفصلتين: واحدة للرجال وأخرى للنساء. وجرت العادة أن يدعى الناس من القرى المجاورة لحضور الاحتفال، وعندما يشاهد الضيوف من مسافة بعيدة تصعد امرأة من قريبات المختون لتغني وتزغرد، مرحبة بالقادمين. وفي الليلة الأخيرة من الليالي التي تسبق الاحتفال تتحنأ النساء كلهن، وترتفع أصواتهن بالغناء والزغاريد. وفي صباح يوم الختان تلبس الأم طفلها الذي سيختن ملابس زاهية الألوان، وتضع على رأسه طربوشاً أحمر، تخاط عليه قطع النقود والخرز، وتثبت عليه حزمة من الورق الأخضر وريش النعام. ويؤتى بحصان ليركبه الطفل المختون، ويسير موكب الزفة هذا عبر طرقات القرية. ويعزف رجل على شبابة، ويلوح آخر بعصا في الهواء. ويتوقف الموكب الهازج عند فسحة في القرية حيث يرقص الرجال. ومن المحتمل أن يتم الختان في البيت، وقد يتم أثناء الموكب. وإذا جرت عملية الختان في الموكب وقف الرجال في حلقة متراصة، واقتربوا من الخاتن، وأخذوا يحنون رؤوسهم ويقربونها، يكاد رأس الواحد منهم يلامس رأس الآخر كيلا تتسرب النظرات الحاسدة إلى داخل الحلقة، ويأخذون في الغناء مصلين على النبي عليه السلام طالبين بركته: يا عين صلي ع النبي                  والورد فتح للنبي وتقدم للضيوف بعد كل احتفال بالختان وجبة من الأرز واللحم. وكما يقدم عشاء خاص في الزواج، يسمى عشاء العروس، كذلك في حال الختان، يقدم عشاء خاص للحاضرين وتقدم الهدايا “النقوط” للمختون وأهله. ويفضل الناس عادة أن يشمل حقل الختان عدة أولاد معاً، وذلك اقتصاداً في النفقات. وقد يتم للسبب ذاته الختان والعرس معاً. وقد يؤجل الختان مدة طويلة، وقد تعاجل المنية الولد قبل أن يختن. ويجري الختان أحياناً في بعض الأماكن المقدسة في القدس* أو الخليل*، أو عند مقامات أولياء الله الصالحين. وأوردت الدكتوره هيلما جرانكفيست وصفاً للنفقات التي تكبدها مواطن عادي في ختان أبنائه الثلاثة في قرية أرطاس (بالقرب من بيت لحم*) في أواخر العقد الثالث من هذا القرن، قالت: “أنفق الوالد مبلغ 10 – 15 قرشاً عن كل ولد. وفي ليالي الفرج كان يشتري كل مساء رأسين من السكر ونصف رطل من القهوة ونصف رطل من التنباك للأراجيل وعشر علب سجائر مذهبة، كما اشترى للحفلة الكبيرة يوم الختان عشرين رطلاً من اللحم وعشرين أوقية من زيت السمسم، وقدم الرجل خمس عشرة حلة لقريباته. وفي الوليمة الخاصة أنفقت أخته، عمة الأطفال، 80 قرشاً فلسطينياً ثمن حيوان للذبح، و16 قرشاً فلسطينياً ثمن أربعة أرطال من الأرز، و40 قروش فلسطينية ثمن أربع أوقيات من زيت السمسم، وبذلك يكون مجموع ما أنفقته هذه السيدة مائة قرش فلسطيني”. هـ- تقاليد التربية الشعبية: تتناول الدراسة الأساليب التقليدية، والعادات المتبعة في الوسط الشعبي الفلسطيني، لنقل معارف البيئة الشعبية المتوارثة وقيمها إلى الطفل. إن القاعدة الأساسية هنا هي: “أنظر كيف يعمل الكبار وإعمل مثلهم”. ولا تزال هذه القاعدة مرعية في الحرف الشعبية، فالشاب المتدرب عند البحار أو الحداد أوالمبيض أو الحلاق… إلخ يتعلم المهنة بالمشاهدة لا بالمزاولة اليدوية، فيتعلم الشاب الجالس في الديوان والمضافة مجموعة من العادات والممارسات والقيم بطريق الملاحظة البحت، ويفيد من بعض الإشارات والتلميحات والمفارقات، فهو يعتاد على احترام المختار و”الجندرما”، أي رجال الأمن، والوجيه، وكذلك يكون موقفاً من الرجل العادي والشحاذ والفنان الشعبي… إلخ، وذلك بتقليد الآخرين في تصرفاتهم. وثمة قاعدة أخرى، وهي أن يتولى الأب تعليم الابن مجموعة من المعارف، ويغرس فيه القيم التي تعينه على الحياة في مجتمع الرجال، وعلى امتلاك وسائل العمل لكسب العيش، كما أن الأم تعلم ابنتها العناية بالبيت، وتلقنها أمور الشرف والعفة حتى تتفادى نقمة المجتمع وكراهيته، إذا ما قدر لها يوماً الحيدة عن الصراط المستقيم. وهكذا يتعلم الولد بالملاحقة والإيحاء وتنتقل العادات والتقاليد التي يرضاها المجتمع من جيل إلى آخر عن طريق المحاكاة والتقليد. ينصح الأب أبنه بأن يأكل في مجلس الرجال بطريقة لطيفة، وأن يلبي طلب من هو أكبر سناً منه، وأن يصب الماء على أيدي الضيوف بعد تناولهم الطعام. وعليه أن يشاهد الرجال كيف يحرثون وكيف يبذرون. وعليه أن يراقب الحيوانات حتى لا تدوس كروم العنب، ولا تأكل الغضات الصغيرة النامية. وتعلم الأم ابنتها القيم والمعارف التي لقنتها إياها أمها. والملاحظ أن استجابة النساء للعادات والتقاليد المختلفة أكثر من استجابة الرجال. فقد لاحظت د.جرانكفيست: 1) أن النساء في القرية أصرون على أن تذبح الأضحية على عتبة البيت، لتكون فداء لروح بشرية، في حين أن الرجال لم يهتموا لذلك الأمر. 2) أن النساء كن يلطمن وجوههن ويندبن ويبكين عند الوفاة. في حين أن الرجال يحجمون عن البكاء مسفهين مثل هذه الأعمال، محذرين النسوة من عذاب الله. ومن المهام التي يتوجب على الأم أن توصي ابنتها بها، أن تحافظ على الشرف والعرض، وأن تسير في الشارع متجهمة الوجه، وأن تتحاشى الضحك والابتسام كيلا يتجزأ الشبان عليها، وأن تعتاد المكوث بالبيت وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة أو القضاء حوائج البيت، كنقل الماء والحطب مثلاً. و- تقاليد الزواج: رَ: العرس ز- تقاليد الوفاة: رَ: المأتم. ج- تقاليد الضيافة: هناك إشارات في الحكايات الشعبية المتوارثة حول الأمير أو “شيخ العرب” الذي يهجره أفراد قبيلته سراً بسبب كرمه المفرط، وإسرافه في استقبال الضيوف، وكثرة ما يقدمه لهم من الذبائح. ويفيق الأمير أو شيخ العرب في الصباح ليجد نفسه وحيداً في خيمته بعد أن أقفزت منطقة المضارب، وهجرتها عشيرته مصطحبين خيامهم ومواشيهم، وحتى كلابهم. تقول الحكاية أخيراً إن هذا الأمير أو الشيخ يعود غنياً كما كان لأن الوجدان الشعبي لا يمكن أن يصور مصير الرجل الكريم إلا تصويراً إيجابياً. ولا شك في أن هذه الجزئيات في الحكايات الشعبية المتوارثة نابعة من تراث عريق يعود إلى ما قبل الإسلام*، عندما كانت الضيافة في شبه جزيرة العرب وسيلة لتقوية علاقات الصداقة المتبادلة، في وقت لم تكن فيه خانات ولا فنادق. كما أن الضيافة كانت في ذلك العصر ضرورة اجتماعية وإنسانية ملحة. وتفرض التقاليد والأعراف المتوارثة على كل شخص في الصحراء قرى الضيف وإيواءه لمدة ثلاثة أيام وثلث اليوم دون أن يسأله عن اسمه ومبتغاه. وتسمح التقاليد للشخص الذي يداهمه الضيوف وليس لديه ذبيحة أن يقوم “بالعداية”، أي ينهب “رأساً من الغنم” من قطيع ما ليوفر القِرى لضيوفه. إن إكرام الضيف يقع، حسب التقاليد، على عواتق رجال العشيرة كلهم، لا على الشيخ أو المضيف وحده. وهكذا فإن الضيف يتناول طعامه في اليوم الأول عند الشخص المقصود، أو عند شيخ العشيرة، وبعد ذلك يصبح واجب تقديم الطعام له وللأهل موضع نقاش و”مغالطة”، ويتبارى الرجال في إثبات حقهم في إكرام الضيف، بالقسم بأغلظ الأيمان، ومنها يمين الطلاق. وهم يستندون في هذا كله إلى أسباب شتى منها: 1) مرافقة الضيف في القدوم إلى القرية. 2) إحضار الصيف للمضيف شيئاً ما، أو قصده في مهمة واضحة. 3) وجود قرابة أو تساو اجتماعي بين المضيف وضيفه. 4)حرص المضيف على الظهور بمظهر الشاب الكريم. 5) وقد يلجأ الناس في إثبات حق استضافة الضيف إلى “قاضي الضيوف”. وتقضي التقاليد المتبعة أن يكون الضيف في حماية المضيف من السرقة او الاعتداء طوال وجوده في بيته. ولا يجوز للمضيف الانتقام من الضيف العائد أو المستجير لثأر قديم بينهما، ما دام الأول في حمى الثاني. وتقتضي تقاليد بدو بئر السبع معاقبة المضيف بقطع يده إذا ضرب ضيفه. وعلى الضيف أن يراعي حرمة البيت الذي يحل فيه، فعليه أن يغض من طرفه عن النساء، وأن يقع ما يقدم له، وألا يعتدي على البيت وأهله، وألا يكثر من التباهي بفعاله أو ماله أو أصله. وإذا اعتدى الضيف على عرض مضيفه حتى للمضيف الانتقام بذبح ضيفه، إذا رآه في حالة الزنا بمفهومها الشرعي. ولا يترتب على الضيف أن يشارك في رد الغزو مع مضيفه، بل يتوجب عليه أن يودع الغزاة، ويحثهم على الرحيل، خاصة إذا كانوا من عشيرته. ط- العادات العشائرية: يقصد بالعادات العشائرية الأعراف والتقاليد التي يعدها البدو، بمنزلة القوانين الرسمية التي حفظها ورعاها قضاة منهم، توارثوها جيلاً عن جيل. ولكل من هؤلاء القضاة اختصاص بنوع من الأعراف والتقاليد، فمنهم: أهل الديار الذين يفصلون في خلافات الأرض، وأهل الرسان (جمع رسن وهو مقود الفرس) وهم يحكمون في قضايا الخيل، والمناشد وهم يحكمون في قضايا العرض، والزيود ويحكمون في قضايا المال، والقصاصون ويحكمون في قضايا القتل. ويسعى المتخاصمان إلى القاضي، ويتعين على كل منهما أن يدفع له رزقه، وأن يحترم حكمه، وأن يؤكد احترامه لحكم القاضي بتعيين الكفلاء. وفي هذا النوع الشعبي من المقاضاة يمين يقسمها المتخاصمان مثل: –         وحياة هالعود ورب معبود. –         وحياة البل (الجمال). –         وحياة ابن سعيد. –         وحياة النبي. –         وحياة حميد فكاك العبيد من الحديد. –         والله وحياة هالطفيل (الطفل). –         وحياة هالزاد (الأكل). –         والله وحياة هالريح اللي من روح الله. وفيما يلي استعراض موجز للعادات العربية المتصلة ببعض مظاهر الحياة الشعبية،مع التأكيد بأن هذه العادات كانت محترمة عند البدو والفلاحين وساكني المدن على حد سواء في كل نواحي فلسطين، وبأن الاحتكام إليها مفضل لدى الناس في الوسط الشعبي على الاحتكام للمحاكم الرسمية التي يعدونها محاكم السلطة الأجنبية: العثمانية، والإنكليزية، والإسرائيلية. 1) في القتل: يجوز لأهل الفتيل في مرحلة فورة الدم أن يقتلوا أي شخص من عشيرة القاتل، أو ينهوا ما شاؤوا من المواشي والمتاع، ولا يجوز الاعتداء على النساء بتاتاً. ويلجأ أهل القاتل إلى أخذ عطوة (هدنة) تمهيداً للذهاب إلى القاضي العشائري. 2) في العادات المتصلة بالمرأة: يحق للمرأة البدوية، حسب العادات، أن تجالس الرجال، وتستقبل الضيف، وتشارك في الغزو والحرب. ولا ترث المرأة عند البدو عموماً، وإن كان يحق لها أن ترث بعض المواشي. ولا ترث المرأة عند فلاحي فلسطين، وإذا حاولت أن تطالب بحق قانوني كان ذلك عملاً مستهجناً، وكان الناس يعتقدون أن في توريث المرأة نقلاً لأموال العشيرة إلى عشيرة أخرى، هي عشيرة الزوج. واذا ماتت الأم ورثت ابنتها المصاغ والحلي والفراش، وكل ما تقتنيه النساء عادة من متاع وأدوات وزينة، ويأخذ الولد الجمال والأراضي والغنم والنقود، وما إلى ذلك. وإذا كانت الصبية لا تستشار في زواجها، فإن للمرأة الأرملة والمطلقة الحق التام في اختيار زوجها. ولا يستعمل البدو الكلمات المعروفة في لفظ الطلاق، وأنما لهم شارات وألفاظ يعبرون بها عما بأنفسهم من رغبة في الطلاق، فيقول الرجل لإمرأته إذا أراد طلاقها: “فلان الفلاني كفيل طلاقك”، أو”نفسي طالعة منك”. وقد أهدر البدو والفلاحون دم الرجل الذي يخطف بنتاً ويهتك عرضها. ولا يجوز لأهله أن يثاروا، ويحق لولي الفتاة أن ينتقم من أي من أفراد “خمسة” من أهل المعتدي. ويحكم على الفتاة التي تهرب مع خاطفها بالموت. أما المرأة التي تترك الغنم وتذهب لمغازلة العشاق فجزاء الرجل المتورط معها أخف وأهون. 3) العادات المتصلة بالطنيب: الطنيب في عرف البدو، هو الرجل الذي يحتمي بشخص ذي مركز وهيبة ليحميه من شر وقع فيه. ويأتي الطنيب إلى خيمة وجيه أو بيته، فيرفع عقاله عن رأسه، ويضعه في رقبة الرجل الذي أطنب عليه، ويقول: “أنا طنيب عليك يا فلان”. ويرد الوجيه: مرحباً بك باللي أقدر عليه. وما نعقب عليك إلا الردية. اللي إحنا فيه أنت فيه”. ويتوجب على الشخص الذي استجار به طنيب أن يحترم طنيبه، ويساعده فيما تورط فيه، وأن يكف بصره عن نساء طنيبه. ويجوز لذلك الشخص أن يودع الطنيب عن فيه إذا كان الطنيب مخطئاً، وذلك ضمن سعيه لإنهاء المشكلة. وأخيراً، تحظى العادات في الوسط الشعبي باحترام شديد، وقد أنزلت بعض هذه العادات منزلة القانون الذي يجب أن يحترمه الجميع. وعلى المرء أن يحترم العادات المتصلة بالشرف والعرض والقتل وما شابه ذلك مما قد يقع تحت طائلة الموت. أما إذا خالف المرء تقليداً، مثل تقاليد الجوار والمجاملة، فإن المجتمع ينبذه ويزدريه ويلوك سمعته. ويترتب على ذلك أمور منها أن من ينكر حق الصيف يحجم الناس عن مصاهرته، ويعد من سقاط الناس و أراذلهم.   العادل الأيوبي: رَ: محمد بن أيوب