الطاقة النووية الإسرائيلية

يقصد بعبارة الطاقة النووية عادة (أو كما يقال خطأ الطاقة الذرية) الطاقة الناتجة عن انشطار النوى الثقيلة إلى نوى أخف منها، أو الطاقة الناجمة عن اندماج النوى الحقيقة لتشكيل نوى أثقل منها. وتنشأ الطاقة في كلتا الحالتين عن تعديل بنية النوى الناتجة عن الانشطار أو الاندماج. ولا تلعب البنية الذرية دوراً أساسياً في كلتا الحادثين، لذا فإن عبارة الطاقة النووية أكثر ملاءمة للوصف. أما هنا فالمقصود أعم وأشمل إذ أنه يتضمن المقدرة والخبرة والمعرفة النووية (لإسرائيل). بدأ اهتمام (إسرائيل) الفعلي بقضايا الطاقة النووية مع قيام (الدولة) عام 1948. إلا أن هذا الاهتمام هو، في جذوره الأولى، تعبير عن المكانة الخاصة التي أولاها الصهيونيون للعلوم الطبيعية قبل ذلك التاريخ بكثير. ففي الثلاثينات، لقي العلماء الذين هربوا من ألمانيا الرعاية التامة لدى المنظمات الصهيونية والمستوطنين الصهيونيين الأوائل، وكانوا نواة التخنيون* ومعهد وايزمان، أول رئيس (لإسرائيل)، في اجتذاب عدد من علماء الذرة اليهود للقدوم من أوروبا والولايات المتحدة والعمل في (إسرائيل). منذ البداية أنيط موضوع الطاقة النووية بلجنة البحث والتخطيط التابعة لوزارة الدفاع. وغطت (إسرائيل) نواياها الحقيقة بالادعاء بأن الطاقة النووية هي أمل الدول الفقيرة بالنفط في الحصول على الطاقة الكهربائية الرخيصة، وسبيل التخلص من الاحتكارات النفطية. وفي عام 1952 ألقت الحكومة الإسرائيلية لجنة للطاقة النووية، تابعة لوزارة الدفاع مهمتها الرسمية تقديم المشورة لرئيس الوزراء حول “الآفاق المستقبلية لاستعمالات الطاقة النووية وتطوراتها”. وتركزت جهود هذه اللجنة حول إيجاد طريقة مناسبة لاستخلاص اليورانيوم الموجود في ترسبات الفوسفات* المتوفرة بالقرب من البحر الميت*، وكذلك إنتاج الماء الثقيل، الذي يستخدم كمهدىء للنترونات، بطريقة جديدة. نجح العلماء الإسرائيليون في المهمتين: فقد استنبط إسرائيل دوسترروفسكي للحصول على الماء الثقيل تعتمد على التقطير المجزأ، كما استطاع كيميائيو معهد وايزمان للعلوم وضع طريقة لاستخلاص اليوارنيوم من مادة الفوسفات التي تحويه بنسبة 0.01% تقريباً. وتركز هذا النشاط النووي في البداية في معهد وايزمان للعلوم في رحبوت*، وتشكل ذلك نواة قسم الكيمياء. ثم أضيف إليه قسم للفيزياء النووية وبعض الوحدات الأخرى الضرورية لهذا النشاط، مثل الألكترونيات والخدمات الهندسية الميكانيكية وتقنية الخلاء. وقد أثمر هذا النشاط بسرعة، فقد كانت فرنسا في مطلع الخمسينات بحاجة ماسة للماء الثقيل ولليوارنيوم المستخلص من الخامات الفقيرة، كما كانت لدى (إسرائيل) رغبة جامحة في اكتساب التقنية النووية المتقدمة. وهكذا عقد، عام 1953، اتفاق تعاون بين البلدين، كان له أثر فعال في دفع البرنامج النووي خطوات حاسمة إلى الأمام، في (إسرائيل) وفرنسا. ذلك أن فرنسا التي كانت تتلهف للدخول في عضوية النادي النووي قررت استعمال اليورانيوم الطبيعي في المفاعلات النووية في سبيل الحصول على البليونيوم 239 الضروري لصناعة القنبلة النووية. وكانت الطريقة الإسرائيلية لاستخلاص اليورانيوم من الخامات الفقيرة به، وللحصول على الماء الثقيل، أمراً ملحاً بالنسبة إلى فرنسا. وبالإضافة إلى ذلك، كانت تدفع فرنسا لإنجاز هذا الاتفاق دوافع سياسية، ازدادت قسوة في منتصف الخمسينات عند اشتداد الثورة الجزائرية وازدياد مساعدة الدول العربية لها. وعلى الرغم من ذلك، كان أول مفاعل نووي من صنع الولايات المتحدة الأمريكية. فضمن برنامج “الذرة من أجل السلم” الذي طرحه الرئيس الأمريكي أيزنهاور عام 1953 بدأت (إسرائيل) في تشرين الثاني عام 1958 إقامة منشآت أول مفاعل نووي لديها في ناحال سوريك، بالقرب من معهد وايزمان للعلوم في رحبوت. وقد وضع هذا المفاعل موضع الاستثمار في حزيران 1960. قدمت الولايات المتحدة هذا المفاعل (لإسرائيل) بناء على اتفاق بين الطرفين. تعطي الولايات وفقه، (إسرائيل) كمية محدودة من الوقود النووي، هي ستة كيلوغرامات من الوقود المخصب 20%. وتبلغ طاقة هذا المفاعل 5 ميغاواط. وهو من النوع المعروف باسم “حوض السباحة” الذي يتميز ببساطته  وبارتفاع نسبة الأمان فيه، وكذلك بسهولة تناول اليورانيوم المخصب فيه. وبموجب اتفاق لاحق زادت الولايات المتحدة كمية اليورانيوم المخصب الذي يزود بها المفاعل إلى 10 كغ مخصبة بنسبة 90%، ثم زيادت الكمية مرة ثانية إلى 40 كغ. وقد نصت الاتفاقية المعقودة بين البلدين على إعادة الوقود النووي، بعد استعماله، إلى الولايات المتحدة، على عدم استعماله في صناعة الأسلحة النووية، وعلى القيام بزيارات تفتيشية دورية للتأكد من ذلك. وحولت هذه المهمة عام 1965، إلى الوكالة الدولية لطاقة الذرية. ولم ترد أية تقارير من هذه الوكالة حول قيامها بتفتيش هذا المفاعل، بحجة أن طاقته الصغيرة لا تسمح له بإنتاج كميات كبيرة من المواد القابلة للانشطار يمكن استعمالها في صناعة الأسلحة النووية. وعلى أية حال يمكن القول إن مفاعل ناحال سوريك كان مختبر التدريب الأمامي الذي أهل العلماء الإسرائيليين للعمل في مفاعل ديمونا الأكثر أهمية. بدأ العمل بإقامة مفاعل ديمونا في شمالي النقب* عام 1963، وذلك بمساعدة فرنسا الكاملة، إثر فشل العدوان الثلاثي على مصر (رَ: حرب 1956). وقد قدمت فرنسا التصميم الكامل للمفاعل. وقد قدمت فرنسا التصميم الكامل للمفاعل، وتعهدت بتقديم ما ينقص من الوقود النووي، وكل الخبرات التقنية اللازمة. إن الميزة الرئيسة لهذا النوع من المفاعلات النووية إنتاجها، بالإضافة إلى الطاقة، كمية لا بأس بها من البليوتونيوم 239، الصالح لصناعة الأسلحة النووية (القنبلة النووية التي ألقيت على ناغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية كان وقودها النووي البلوتونيوم 239 أخذ من مفاعل نووي يشبه مفاعل ديمونا). وتتراوح التقديرات حول استهلاك هذا المفاعل من اليورانيوم بين 25 و100 طن سنوياً. وتشير أغلب التقديرات إلى أن ناتجه السنوي من البلوتونيوم يكفي لصناعة قنبلة نووية واحدة على الأقل، مماثلة في قوتها التدميرية لقنبلة ناغازاكي. السمة الرئيسة المميزة لمفاعل ديمونا هي السرية الشديدة جداً، التي يحاط بها كل ما يتعلق بهذا المفاعل. فالصحف لا تناقش هذا الموضوع وما يتعلق به إلا من بعيد. وعندما يتأر أي نقاش نووي في الكنيست* يحول بسرعة إلى لجنة الشؤون الخارجية والأمن، التي تعقد جلساتها بصورة سرية. وهذا السبب فإن الكثير من المعلومات حول هذا المفاعل هي من نوع التخمين، الذي يحاول من يقوم به، أن يكون موضوعياً بالقدر الذي تتيحه له المعلومات المتوفرة، والأخبار المتسربة، والاستقرار العلمي. ويظهر أن بعض الرسمين من الولايات المتحدة قاموا بعدة زيارات تفتيشية لهذا المفاعل، إلا أنهم لم يعلنوا عن نتائج مشاهداتهم فيه. في (إسرائيل) أيضاً، بالإضافة إلى مفاعل ناحال سوريك وديمونا، تجهيزات نووية أخرى، مثل المختبرات الحامية الأوتوماتيكية، التي تتم فيها معالجة الوقود النووي بعد عملية الأنشطار داخل المفاعل. وقد تم بناء هذه المختبرات بالقرب من ناحال سوريك وديمونا بمساعدة بريطانيا. وتلعب هذه المختبرات دوراً رئيساً في فصل البلوتونيوم 239. وفي معهد وايزمان للعلوم مسرع ذري من طراز”فان دي غراف”، طاقته 3 مليون ألكترون – فولت. ويلعب هذا المسرع وتلك المختبرات، بالإضافة إلى التجهيزات النووية الأخرى، دوراً هاماً في اكتساب التقنية النووية اللازمة في المجالات الأخرى غير السلمية. تساهم المعرفة النووية الإسرائيلية في تقديم خدمات سلمية متعددة، مثل تقديم العديد من النظائر اللازمة للعلاج الطبي، والكوبالت 60 الضروري للأبحاث الهيدرولوجية، وتحليل العناصر وخصوصاً اليورانيوم والثوريوم، وتقويم أخطار الإشعاعات ووضع الطرق لكشفها، وغير ذلك. كما أن (إسرائيل) لصنع العديد من النظائر المشعة وتصديرها. أما بالنسبة إلى استعمال الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر فإن لدى (إسرائيل) الخطط المعدة والتقنية النظرية لإقامة خطة لهذا الهدف. ولكن مثل هذه المخططات لا تكون اقتصادية إلا إذا كانت ذات طاقة مرتفعة بحدود 500 – 1.000 ميغاواط. ومحطة بهما الحجم الكبير باهظة التكاليف، وتحتاح (إسرائيل) في سبيل إقامتها إلى مساعدة مالية وفنية من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الوقود المخصب. تتطلب صناعة الأسلحة النووية عدة شروط أهمها توفر الوقود النووي،ووجود الخبرة والتقنية المناسبتين في هذا المجال. أما القضايا الأخرى مثل تصميم السلاح واختياره وتوفر الأجهزة القاذفة فقضايا ثانوية نسبياً. كذلك فإن تكاليف السير في مثل هذا المشروع ليست بالارتفاع الذي يمنع من المضي فيه، بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، الذي يملك تجهيزات مناسبة، بدأ إقامتها منذ مطلع الخمسينات. ولا بد للحصول على الوقود النووي اللازم لصناعة القنبلة من توفير اليوارنيوم المخصب لدرجة عالية، أي الحاوي على أكثر من 90% من اليورانيوم 235 أو البلوتونيوم 239. وتكفي كمية تتراوح بين 5 و10 كغ من أي منهما لصناعة قنبلة نووية من الحجم الذي ألقي على هيروشيما ثم ناغازاكي. والحصول على اليورانيوم المخصب بالطريقة التقليدية وبكميات كبيرة عملية بالغة الصعوبة سواء من الناحية التقنية، أو من ناحية التكاليف الباهظة جداً، وهي دون شك فوق استطاعة (إسرائيل). ولكن، يعتقد أن حوالي 100 كغ من هذه المادة، كما وجدت طريقها إلى (إسرائيل) من معمل لتجهيز الوقود النووي في مدينة أبولو في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وذلك بمساعدة زالمان شابيرو، الذي كان يدير ذلك المعمل. وهو أمر سربته الصحف والمجلات والوكالات الأمريكية المختصة عامي 1977 و1978. كما يبدو أن عالمين إسرائيليين، هما أشعبا نيبنزال (فيزيائي يعمل في وزارة الدفاع الإسرائيلية) ومناحيم ليفين، قد طورا طريقة للحصول على اليورانيوم 235 من اليورانيوم الطبيعي بواسطة الليزر، وحصلا على براءة اختراع بذلك عام 1973. وتقول بعض التقديرات إن هذه الطريقة إذا ما وضعت موضع التنفيذ التجريبي تمكن (إسرائيل) من الحصول على كميات مناسبة من اليورانيوم 235. أما البلوتونيوم 239 الصالح لصناعة القنبلة النووية فإن ثمة ما يشيه الاجماع على أن مفاعل ديمونا ينتج سنوياً منه ما يكفي لصناعة قنبلة واحدة على الأقل ذات قوة تدميرية تعادل 20 ألف طن من متفجر (ت.ن.ت.) المعروف. ولكن هذا المفاعل يحتاج إلى كمية كبيرة نسبياً من وقود اليورانيوم الطبيعي، يعتقد أن (إسرائيل) تحصل عليها حالياً من خامات الفوسفات في النقب ومن جنوبي إفريقيا، وكانت فرنسا تمدها بها في الخمسينات والستينات. كذلك حصلت (إسرائيل) عليها بعد استيلاء عناصر المخابرات الإسرائيلية (الموساد)* عام 1968 على باخرة صغيرة اسمها شيرز بورغ غادرت ميناء انتورب البلجيكي وهي تحمل حوالي 300 طن من اليورانيوم، ورست في موانىء الأرض المحتلة بعد اختطافها. أما المتطلب الثاني لصناعة الأسلحة النووية فهو الخبرة والتقنية والتقدم في مجال العلوم الطبيعية وهي أمور متوفرة في (إسرائيل). ثمة عقبة كأداء رئيسة في طريق تصنيع السلاح النووي، هي ما يدعى عادة “دورة الوقود النووي”، التي تتضمن فصل البلوتونيوم 239 عن نواتج عملية الإنشطار النووي الأخرى. ويرجح أن (إسرائيل) حلت هذه المشكلة وحدها، أو بمساعدة فرنسا. نستنتج عن ذلك كله، أن (إسرائيل) دولة نووية من الناحية العسكرية. فتوفر كمية كافية من المادة الكافية للانشطار مثل التي يؤديها مفاعل ديمونا مع وجود قاعدة علمية كافية كذلك التي في التخنيون ومعهد وايزمان للعلوم، يؤهلان (إسرائيل) كي تكون قادرة على صناعة السلاح النووي، على رأي معظم الخبراء في الحقل النووي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن (إسرائيل) تحيط  نشاطها النووي العسكري بستار كثيف من السرية والغموض. وهو أمر مفهوم ومقصود معاً. (فإسرائيل) لم توقع حتى الآن “معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية”، التي تمتع وفقها الدول غير النووية المبرمة لها عن صناعة الأسلحة والمتفجرات النووية أو تطويرها، كما تقبل بوضع منشآتها النووية المخصصة للأغراض السلمية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك مقابل حماية تلك الدول غير النووية من الابتزاز النووي، ومساعدتها في المجالات السلمية للطاقة النووية. والموقف الإسرائيلي المعلن دوماً، هو أن (إسرائيل) هي للأغراض السلمية فقط، كما أنها لن تكون أول من يدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط. لكن رئيس (إسرائيل)، افرام كاتزير أعلن عام 1974 أن “إسرائيل لديها إمكانيات نووية”. يضاف إلى ذلك التعاون الوثيق بين جنوب افريقيا (وإسرائيل) في هذا المجال، والأنباء التي سربتها المخابرات الأمريكية عن أن انفجاراً نووياً مجهولاً في صيف 1979 في جنوب المحيط الهندي، وأن جنوب إفريقيا وراء هذا الانفجار، ذلك كله يدل على أن (إسرائيل) تمتلك السلاح النووي.   المراجع:   –         فؤاد جابر: الأسلحة النووية واستراتيجية إسرائيل،(مترجم)، بيروت 1971. –         يوسف أحمد كعوش: التحدي النووي في الشرق الأوسط، 1978. –         روبرت وانجر وديل تاهتينن: التهديد النووي في الشرق الأوسط، واشنطن 1975. –         جورج كويستر: سياسات انتشار الأسلحة النووية، الولايات المتحدة الأمريكية 1973. –         بويريل: الخيار الإسرائيلي النووي، مجلة الشرق الأوسط، 1972. –         أوبري هودس: المعاني الضمنية لكفاءة إسرائيل النووية، لندن 1968. –         مجلة العلم: تخصيب اليورانيوم، إشاعات حول تحقيق إسرائيل لذلك بواسطة الليزر، العدد 83، آذار 1974.