الشرطة في عهد الانتداب البريطاني

أ- النشأة والتطور: جاء في المادة 17 من نظام الانتداب أنه يجوز لإدارة فلسطين أن تنظم على أساس التطوع، القوات اللازمة للمحافظة على السلام والنظام. والقوات اللازمة للدفاع عن البلاد أيضاً. بشرط أن يكون ذلك خاضعاً الإشراف الدولة المنتدبة. وقد سعت حكومة الانتداب إلى تأليف قوة من الشرطة (البوليس) تحافظ على النظام الداخلي، وتكون قادرة على مواجهة التعديات الصغيرة، التي تأتي من الخارج ولا تستدعي تدخلاً عسكرياً. ومن الوجهة العملية، لم يكن في وسع قوة الشرطة أن تستغني عن مساعدة الحامية العسكرية البريطانية. مر تأليف قوة الشرطة في فلسطين بمراحل. في أيام الإدارة العسكرية البريطانية (1917 – 1920) كانت الحامية العسكرية البريطانية هي التي تتولى أمر المحافظة على الأمن، بالإضافة إلى مهمة الدفاع الخارجي. وقد جندت، إلى جانب ذلك، قوات محلية من الشرطة، لتحل محل “الجندرمة” التركية الملغاة (الدرك في كل من فلسطين وشرق الأردن). وانتخب أفراد هذه القوات على عجل، ولم يكن لها نظام موحد، أو تدريب منظم، ولم ينل أفرادها رواتب كافية أو مساكن حسنة، ولم يتعد دورهم دور المراسلين أو الجباة أو حراس المحاكم. وكانت قوة الشرطة ضعيفة ضعفاً حمل السلطات على أن تلجأ دائماً إلى طلب العون من الحامية العسكرية البريطانية لمجابهة الأحداث الداخلية، حتى بعد انتقال السلطة إلى الإدارة المدنية في تموز 1920. وقد استقال 60% من أفراد قوة الشرطة أوائل عام 1921 بسبب قلة الرواتب وسوء المساكن. صدر “قانون البوليس الأساسي” الأول عام 1921. وهو الذي وضع أساس نظام إدارة الشرطة، وحدد شروط الخدمة فيها، وفصل “أمن” فلسطين الداخلي من أمن شرق الأردن. وقد تألفت، وبموجب هذا القانون، قوة من الدرك الفلسطيني من 550 رجلاً من الفرسان والمشاة. كما تألفت قوة مثلها في شرق الأردن، سميت “الجيش العربي”، وبلغ عدد أفرادها عام 1925 اثنين وأربعين ضابطاً و973 رجلاً من رتب أخرى. وأعيد تأليف قوة الخضراء (الحراس في القرى)، وتم دمج “البوليس” البلدي في قوة الشرطة النطامية. وكانت الحكومة البريطانية تدفع الإعانات لهذه القوة. وفي سنة 1922 جندت قوة بريطانية من الدرك (أو رطة) تضم 38 ضابطا و724 نفراً من رتب أخرى، معظمهم من الأفراد السابقين في قوة “البوليس” الإرلندية الملكية، وقد جمعت هذه القوة مهمة الشرطة إلى مهمة الجنود. وكانت الحكومة البريطانية، لا حكومة الانتداب، هي التي تدفع نفقات هذا القسم البريطاني من الدرك. وأدى تأسيس هذه القوة إلى تخفيض قوة الشرطة في فلسطين. سرحت في أوائل 1925 فصيلة من الفرسان البريطانيون وكتيبة من الدرك البريطاني. أما القسم الفلسطيني من الدرك فقد ظل على حاله. وكان عدد أفراده، عام 1925 نسخة ضابط بريطانيين. ونسخة من صف الضباط البريطانيين، و475 نفراً من رتب مختلفة، ومنهم 262 عربياً و100 يهودي. وبلغت نفقات قوة الشرطة والدرك والسجون عام 1924 – 1925، مبلغ 464.942 جنيها فلسطينياً. ألغيت قوة الدرك البريطانية والفلسطينية عام 1926 لأسباب اقتصادية. وصدر في 1/4/1926 القانون رقم 17، الذي قضى بتأليف قوة شرطة فلسطينية، ووضع نظامها، وحدد سلطانها وواجباتها. وقد أضيف إليه فيما بعد القانون رقم 49 سنة 1929، والقانون رقم 30 سنة 1934. ونقل إلى قوة الشرطة الفلسطينية المدنية قسم من الدرك البريطاني يضم خمسة ضباط و212 نفراً من رتب مختلفة، وقسم من الدرك العربي يتألف من 290 خيالاً و28 من المشاة. وقد غدت قوة الشرطة عام 1926 مؤلفة على النحو التالي (حسب تقديرات اللجنة الملكية 1937):   بريطانيون عرب يهود المجموع ضباطضباط صف أفراد 4821 176 62132 1.101 1522 175 125175 1.452 المجموع 245 1.295 212 1.752   وصدر عام 1926 نفسه قانون، قوة حدود  شرقي الأردن، التي حلت محل الجيش العربي في حماية الحدود ومراقبتها. واستبقي الجيش العربي ليقوم بمهام قوة شرطة شرقي الأردن. وتألفت قوة حدود شرقي الأردن من أربعة أرهاط يقودها ضباط بريطانيون. وكان الغرض من تأليفها ايجاد حامية كافية لمواجهة الاضطرابات والأحداث الطارئة. وقد تعهدت الحكومة البريطانية بدفع إعانة مالية تغطي ثلاثة أرباع نفقات هذه القوة. وكانت هذه القوة عام 1926 موزعة على النحو التالي:   بريطانيون عرب يهود المجموع ضباطضباط صف عرفاء جنود 1613 2 – 20– 34 650 –– 8 29 3613 44 679 المجموع 31 704 37 772   بلغ مجموع نفقات قوات الأمن في فلسطين خلال السنوات الخمس 1926 – 1930 بالجنيه الفلسطيني: 491.228، 379.411، 589.900، 562.308، 817.606. لم يكن في وسع قوة الشرطة أن تعالج الاضطرابات الواسعة التي كانت تتخد شكل انتفاضات ومظاهرات. وحين وقعت أحداث ثورة 1929* جيء بالجنود البريطانيين ليقوموا بأعمال الشرطة. يضاف إلى ذلك أن قوة الشرطة الفلسطينية لم تكن منظمة، وكان يصعب على الحكومة الاعتماد على أفرادها خلال الثورات المسلحة. وهذا ما أثبتته لجنة شو* 1930 في تحقيقاتها، لذلك طلبت في توصياتها تكليف ذي خبرة من إحدى البلاد التابعة للإمبراطورية البريطانية التحقيق في أوضاع الشرطة، وتقديم الاقتراحات المناسبة لتنظيمها وتحسينها. كذلك أوصت اللجنة بإنشاء دائرة استخبارات قوية. واستجابة لتوصية لجنة شو، وضع هربرت دوبيكين، مفتش الشرطة العام في سيلان، تقريراً عام 1930 ضمنه اقتراحاته. وقد شدد فيه على ضرورة التنسيق بين عناصر الأمن المختلفة، وبينها وبين السلطات العسكرية، لتظهر الحكومة قوية قادرة على خط النظام. وقدم اقتراحاً بمجموعة إجراءات إدارية لتحسين شروط الخدمة، ودعا إلى رفع سوية مدرسة الشرطة، وإلى وضع قاعدة لمنح علاوات سخية لتعلم اللغات، وإلى إقامة ثكنات ومساكن لأفراد الشرطة. وطلب أيضاً زيادة أفراد قسم الشرطة البريطانية إلى 650 فرداً، منهم 100 فارس، وفرز ضابط و129 رجلاً من الرتب المختلفة لحماية المستعمرات الصهيونية عند الطوارىء. زيادة على عدد قوة الشرطة العادية. كذلك طلب عدد صناديق السلاح المختومة في المستعمرات الصهيونية. واقترح إنشاء إدارة تحقيقات جنائية جديدة قوية قادرة على جمع المعلومات، وتأسيس قوة احتياطية دائمة للشرطة الخاصة وفصل الشرطة عن مصلحة السجون. وتشير الإحصاءات خلال الأعوام الخمسة التالية إلى أن الحكومة قد عملت على تنفيذ عدد من اقتراحات دوبيكين وتوصيات لجنة شو، من أجل القضاء على الاضطرابات. من ذلك، التعاون بين الشرطة والجيش البريطاني، بإبقاء “أورطتين” من المشاة في فلسطين متأهبتين دائماً للانتقال إلى مواقع الاضطرابات المختلفة، والاحتفاظ أيضاً بسرب من الطائرات، وعدد من السيارات المصفحة في فلسطين وشرق الأردن لتؤلف، مع قوة حدود شرقي الأردن، حامية كافية لمجابهة أي طارىء. وعلى الرغم من ذلك، فإن أحداث 1931 و1933 و1936 أثبتت اللجنة الملكية عام 1937 أن نفقات الأمن العام في فلسطين، والتي ازدادت حتى بلغت 2.630.623 جنيها فلسطينياً (واردات الحكومة 4.639.953 ج.ف) لم تحقق الغاية المنشودة. لذلك اعترفت هذه اللجنة أن الإدارة الحكومية قد أخفقت، وأن البلاد مقسومة إلى معسكريين مسلحين تعجز بينهما قوة الشرطة والحامية البريطانية عن المحافظة على النظام (رَ: بيل، لجنة). ثم إن عواطف أفراد الشرطة العرب مع إخوانهم العرب. وإذا كانت يستفاد منهم في أوقات السلم، فإنهم، على حد قول اللجنة، لا يوثق بهم “في وقت الاضطراب” وقد جاء وقت كانوا فيه خطراً كامناً بدل أن يكونوا عوناً. وكذلك كان أفراد الشرطة اليهود أكثر ولاء للصهيونية منهم للحكومة.فخلال أحداث 1936 درب 3.000 يهودي ليكونوا من أفراد الشرطة الإضافية (البوليس الإضافي) يدافعون عن المستعمرات، ويحافظون على خطوط السكة الحديدية التي تمتد في مناطقهم. وكانت الحكومة والوكالة اليهودية* تسددان نفقاتهم مناصفة. وعلى الرغم من إلغاء البوليس البلدي، ظل المجلس البلدي في تل أبيب بمنح علاوة خاصة لأفراد الشرطة اليهود. مما جعل ولاءهم للمجلس البلدي أكبر من ولائهم للمغتش البريطاني أو الحكومة. وكانت الوكالة اليهودية تحتج، وتطالب بأن يكون عدد اليهود في قوة الشرطة الفلسطينية مساوياً لعدد العرب. تقدمت اللجنة الملكية بعدد من الاقتراحات للمساعدة في تجاوز الصعوبات السابقة التي كان يواجهها جهاز الأمن الذي تبنته سلطات الانتداب من أجل القضاء على أية مقاومة للأهداف الاتسعمارية التي سعت إلى تنفيذها. من تلك الاقتراحات زيادة ميزانية الشرطة، وإيجاد قوة احتياطية من الشرطة في مركز الرئاسة، وقوات احتياطية محلية في المناطق، وزيادة نسبة الأفراد البريطانيين في الشرطة، وإرجاع نظام الدرك البريطاني، لأن ضباطهم عارفون بالبلاد، وزيادة قوة الفرسان البريطانية ليكونوا جميعاً قوة مفيدة في قمع ثورات المناطق الجبلية الصعبة. ويعتمد عليها في مساعدة الشرطة. واقترحت اللجنة أيضاً ألا يستعان بالجيش البريطاني كقوة إضافية من الشرطة، إلا وفقاً للأحكام العرفية عند استعمال أساليب القمع الشديدة. فقد دعت في حال نشوب الاضطرابات، إلى اتخاذ إجراءات رادعة، وإلى تطبيق الأحكام العرفية في البلاد بأكملها تحت إشراف عسكري غير مجزأ. واقترحت إنشاء قوة شرطة تأديبية في القرية أو المدينة التي تجري فيها الأحداث وتقوم فيها الاضطرابات، وعلى نفقة أهلها، إلى أن تدفع الغرامة المشتركة. ومن أهم ما ارتأته اللجنة السيطرة على الأسلحة الموجودة في البلاد، وايقاف تهريب السلاح بإنشاء قوة الشرطة خاصة لذلك. واقترحت نزع السلاح من السكان، والبدء بالعرب أولاً في ظل أحكام عرفية شديدة، ثم يجري تجريد بدقة وأناة، مع عدم اللجوء إلى الأحكام العرفية إلا عند الضرورة القصوى. ولما كان نزع السلاح من السكان، في نظر اللجنة، عملاً شاقاً، وكانت عزلة المستعمرات الصهيونية تتطلب حماية أكبر، فقد رأت هذه اللجنة أن تزيل شكاوى اليهود حول فقدان الأمن، كي تضمن لهم “التمتع الهادىء بوطنهم القومي”. لذلك اقترحت دعم نظام الشرطة الإضافية للدفاع عن المستعمرات، وجعله جزءاً من ترتيبات الأمن الداخلي، ووضعه تحت إشراف بريطاني، وتزويده بالبنادق، وأقرت اقتراح الوكالة اليهودية بأن يكون لدى خفراء المستعمرات 1.000 بندقية في جميع الأوقات، إلى جانب صناديق السلاح المختومة، وغيرها من الأسلحة المهربة. كان قوة الشرطة في نهاية عام 1936 موزعة على النحو التالي:   بريطانيون عرب يهود المجموع ضباط كبارمفتشون رتب أخرى 4527 858 1068 1.824 430 450 59125 3.132 المجموع 930 1.902 484 3.316   وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية زاد عدد أعضاء الفرقة البريطانية في قوة الشرطة، كما أحدثت قوة متحركة لمواجهة ظروف الحرب. وقد جرت، إلى انتهاء الحرب، محاولة لإعادة تنظيم قوة الشرطة بعد أن عاد كثير من أفراد القوة البريطانيين إلى بلادهم عقب انتهاء خدمتهم، وسرح أفراد القوة المتحركة. وبدأ العمل لتحسين مستوى التدريب. لكن أعمال الإرهاب الصهيوني* التي زادت حدتها بعد الحرب عاقت ذلك، لأن القسم الأكبر من أفراد الشرطة صاروا يستخدمون في حراسة الدوائر الرسمية ومراقبتها. وقد بلغت نسبة الجرائم العادية في فلسطين أعلى أرقامها عام 1946 حسب ما أورده التقرير السنوي للشرطة في ذلك العام. أما عدد أفراد قوة الشرطة في مطلع 1946 فكان كما يلي:     بريطانيون عرب يهود المجموع ضباطمفتشون رتب أخرى 158168 5.458 1472 2.333 436 685 176276 8.476 المجموع 5.784 2.419 725 8.928   ب – الأحكام العامة: كانت قوة الشرطة التي وجدت في فلسطين أيام الانتداب هي تلك القوة المنظمة بمقتضى القانون رقم 17 الصادر في 1/4/1926. وقد ضمت إلى الشرطة مصلحة السجون، وكان في فلسطين سجنان مركزيان أحدهما في القدس* والآخر في عكا*. 1) واجبات قوة الشرطة: جدد القانون المذكور “في المادة الرابعة من الفصل الأول) مهمات رجال الشرطة، والتي لا تختلف عن مهمات الشرطة في البلدان الأخرى. من حراسة ومحفظ نظام ومنع جريمة وتعقب مجرمين، إلى جانب الوقوف على الحال السياسية في البلاد، ومراقبة التجمعات في المواسم الخاصة، والتي قد يحدث فيها ما يحل بالأمن. وصدر في هذا الشأن عدد من القوانين والأنظمة لتحديد الأهمال الممنوعة في هذه التجمعات، وسلطة الشرطة في أمر منعها وتوقيف المتسببين بها وسوقهم إلى المحاكمة. 2) تأليف قوة الشرطة: تألفت قوة الشرطة في فلسطين على النحو التالي: (1) المفتش العام للشرطة والسجون، وهو الضابط الأعلى، برتبة عميد. (2) نائبي المفتش العام، ويساعدانه في عمله، وأحدهما يلازمه ويقوم مقامه، والآخر يترأس دائرة المباحث الجنائية، وله مساعد خاص. وكلا النائبين برتبة عقيد. (3) مديري شرطة الألوية: وكل واحد منهم ضابط شرطة عال برتبة مقدم يترأس قوة الشرطة في لوائه، ومركز إدارته هو مركز اللواء. وله نائب برتبة رائد، ومساعدون برتبة نقيب. (4) ضابط شرطة برتبة مساعد مدير فما فوق. (5) مفتشي الشرطة: ومنهم مفتش أول برتبة ملازم، ومفتش ثان، ومساعد مفتش. (6) صف ضابط برتبة شاويش، وأونباشي. (7) أفراد الشرطة وللمندوب السامي أن يعين أي ضابط أو شخص للقيام ببعض واجبات ضابط الشرطة العالي أو كلها. وتتم الترقيات إلى الرتب الأعلى بحسب الأقدمية والكفاءة، وبترشيح من مديري الشرطة الألوية والمفتش العام، وبعد اجتياز امتحان بالإنجليزية، أو دخول دورات خاصة في مدرسة الشرطة. 3) أقسام الشرطة: (1) رئاسة الشرطة والسجون: مقرها القدس، وتتألف من المفتش العام ونائبه ومساعد النائب الخاص. ويشرف المفتش العام على إدارة قوة الشرطة وتوزيعها، ونفقاتها. وله أن يوقف أو يعزل من يرى تهاونه أو عدم  كفاءته من ضباط الشرطة، بعد أخذ موافقة المندوب السامي. وأن يعين من يراه في وظائف الشرطة الشاغرة، ما عدا عزل أو تعيين ضابط الشرطة العالي (مدير شرطة اللواء فما فوق). وتتبع رئاسة الشرطة والسجون دائرة المباحث الجنائية ودائرة المخاون وقسم المحاسبة ومدرسة الشرطة. (2) دائرة المباحث الجنائية: هي دائرة استخبارات، مهمتها تزويد السلطات الحكومية بالمعلومات عن القضايا الجنائية والأمور السياسية. وقد أعيد تنظيم هذه الدائرة عام 1932 بعد اقتراح هربرت دوبيكين، فأسست دائرة جديدة للتحقيقات الجنائية وأصبحت مهماتها جميع الأخبار والمعلومات لمنع الجرائم وكشقها، والتحري عن الحركات السياسية، ولا سيما الحركة الشيوعية، ومراقبة الصحف العربية والأجنبية ومنع تهريب الأسلحة والمخدرات، وتدقيق طلبات التجنس، والإبعاد عن البلاد، وغير ذلك من الشؤون المتعلقة بالأمن. وعلى الرغم من حرص السلطات البريطانية على دعم جهاز هذه الدائرة،وجدت اللجنة الملكية 1937 أن دائرة المباحث الجنائية لم تضطلع بالدور الذي كان ينتظر منها، ولا سيما في ميدان جمع الأخبار عن التحركات والاضطرابات السياسية. (3) الألوية الأغنام: كانت فلسطين، من جهة الشرطة، مقسومة إلى خمسة ألوية هي: لواء القدس، واللواء الشمالي، واللواء الجنوبي، ولواء نابلس، ولواء غزة. ويترأس الألوية الثلاثة الأولى ضابط شرطة عال برتبة مدير، له نائب يقوم مقلمه إذا تغيب، ومعه ضابط مساعد يترأس الفرع الجنائي. أما اللواءان الأخيران فيترأسهما نائب مدير الشرطة. يضم كل لواء إلى أقسام يترأس الواحد منها ضابط برتبة مساعد مدير شرطة، ولكل قسم محاضر ونقاط في جبهات مختلفة وفرع للتحقيق. ويسمى القسم باسم البلدة التي يكون فيها مركز، والأول أقسام مدن، والثاني أقسام قرى، وتستخدم في الأقسام الأولى المشاة. أما في القرى والطرق العامة، وفي الدوريات، فيستخدم الفرسان. (4) خفراء القرى: يعينهم حاكم اللواء، عند الحاجة، لمدة محددة، بعد ترشيح المجلس المحلي للقرية، أو مختارها أووجهائها أو شيوخ العشيرة (في مناطق البدو). ويعد الخفير فرداً من قوة الشرطة من حيث السلطة والنظام، ولكن ليس له حق في الراتب التقاعدي أو المكافأة. ويدفع أهل القرية أو مجموعة القرى رواتب الخفراء ونفقات مهماتهم وملابسهم. (5) الشرطة الإضافيون ومأمور الشرطة الخصوصيون: نص الفصل الخامس من قانون الشرطة على ما يلي: – يجوز لأي شخص أن يتقدم لاستخدام بعض أفراد الشرطة في واجبات خاصة، وعلى الطالب أن يدفع رواتبهم وبثمن ملابسهم وجميع نفقاتهم مقدماً، مرة كل ثلاثة أشهر. وعليه إذا رغب في الاستغناء عن خدماتهم، أن يعلم المفتش العام للشرطة بذلك قبل شهر. ولأفراد الشرطة الإضافيين ما لأفراد الشرطة العادين من حيث النظام والسلطة، لكن ليس لهم حين في الراتب التقاعدي أو المكافأة بمقتضى قانون الشرطة. – يحق لأي مأمور شرطة لا تقبل رتبته عن مفتش، أن يقدم طلباً إلى حاكم لواء، أو حاكم صلح، لتعيين العدد الكافي من الأفراد، للقيام بواجبات مأموري شرطة خصوصيين في الأمكنة التي تحدث، أو يتوقع أن تحدث فيها تجمعات غير قانونية، أو شعب وإخلال بالأمن.ويعد هؤلاء من أفراد قوة الشرطة،ولهم سلطات وامتيازات وحصانه أفراد قوة الشرطة العاديين،ويخضعون مثلهم للنظام المقرر،ويعاقب المهمل منهم أو من يرفض اطاعة الأوامر الصادرة اليه 4) شروط التحاق بقوة الشرطة: باستثناء مأموري الشرطة البريطانيين المجندين في قوة الشرطة بعقود خاصة، يجب أن تتوافر فيمن يرغب في الالتحاق بالشرطة القادرة على القراءة والكتابة، وحسن السلوك واللياقة البدنية. وأن يكون سنه بين 20 و25 سنة، وأن يكون فلسطيني الجنسية، أو مسموحاً له بالإضافة الدائمة في فلسطين. ويجوز للمفتش العام أن يستثني من هذه الشروط من يشاء. ومدة التجنيد خمس سنوات، يمضي طالب التجنيد الأشهر السنة الأولى منها، تحت التجربة في مدرسة الشرطة. وتحدد الخدمة خمس سنوات أخرى، بطلب قبل انتهاء مدة الخدمة بشهر على الأقل. وإذا أتم أحد أفراد قوة الشرطة خمسة عشر عاماً في الخدمة، فللمفتش العام أن يحدد خدمته لأجل غير مسمى. وقد فصل قانون الشرطة الكلام في تحديد رواتب عناصر القوة ومكافاتهم وإجازاتهم وواجباتهم ومعاشاتهم التقاعدية وتعويضاتهم، وقضايا الانضباط والعقوبات المختلفة. وهو في ذلك كله أو معظمه لا يكاد يخرج عما هو معروف في قوانين الشرطة في البلاد الأخرى. يتضح مما سبق، أن غاية سلطات الاحتلال البريطاني الرئيسة من إنشاء قوة الشرطة بأجهزتها المختلفة، كانت تحقيق “الأمن” بمفهوم خاص حددته هي، وسعت لتوطيده. وهو أمن يسعى إلى إخماد أي احتجاج وضرب أية محاولة يقوم بها العرب لمقاومة استعمار فلسطين، وتنفيذ المخطط البريطاني الصهيوني لإقامة الوطن القومي. وقد بدت هذه الغاية السياسية واضحة منذ بداية الاحتلال البريطاني، وجسدتها مجموعة القوانين والأنظمة التي تألفت بموجبها قوات الشرطة وأجهزة الأمن في فلسطين. لقد أعطت هذه القوانين الصهيونيين الحرية في دخول فلسطين، والاستيلاء على الأرض، وطرد أصحابها العرب، وتحصين المستعمرات، وتخزين صناديق السلاح (المختومة) فيها، وتسليم المستعمرات مئات البنادق (الحكومية الرسمية) عدا ما كان مخزوناً، ومنح الصهيونيين الحق في تجنيد الشرطة الإضافين والخصوصيين. وفي الوقت نفسه كان السلاح ينزع من العرب في ظل أحكام عرفية شديدة، وأساليب قمع قاسية، وكان العرب يمنعون من دخول فلسطين، وتطوق حدودها العربية بقوات خاصة. وفي الوقت نفسه أيضاً، كان العربي يؤخذ بالشبهة، ويعاقب أشد عقاب لأدنى سبب. ويشهد الفصل السادس من قانون الشرطة (التجمعات والمواكب) على هذا كله، على الرغم من الشكل القانوني الذي علقت به نية المستعمرين البريطانيين في شل حركة العرب وتقييد حريتهم. فقد أباح هذا الفصل لمأموري الشرطة تفريق أي تجمع، والقبض على أي شخص بدون مذكرة، ومنع حمل السلاح، وجعل المدينة أو العصا و”البيوت” أو الحجر والقصب الحديدي من الأسلحة التي تبيح لقوات الشرطة القبض على حاملها. لا بل جعل استعمال الإشارة وإنشاد النشيد جرماً مخلاً بالأمن، يعطي مأموري الشرطة سلطة القبض على مرتكبه بدون مذكرة، ومعاقبته. وعلى الرغم من ذلك كله كان هذا “الأمن” البريطاني غير مستتب، وكانت “الاضطرابات” كثيرة، لم تنفع معها زيادة قوات الشرطة ونفقاتها، فكان يستعان دائماً بقوات الجيش البريطاني وتطبق الأحكام العرفية، لقمع التحركات العربية، ويجند أفراد من الجيش في قوة الشرطة ليس هذا فحسب، فإن السلطات البريطانية احتفظت بكتيبتي مشاة، وسرب من الطائرات، وعدد من السيارات المصفحة، لتكون قوة من الجيش مستعدة دائما للتحرك الى أي موقع من مواقع الاضطرابات، والقيام بمهمة القمع المطلوبة. وكانت مشكلة “الأمن” من وجهة النظر البريطانية، مشكلة دائمة تقلق السلطة وتؤرق الصهيونيين. لهذا كثرت اللجان التي درستها واقترحت الحلول لها. وقد أجمعت اللجان في تقاريرها على فشل السياسة البريطانية سعت إليه، فأفراد قوة الشرطة العرب، الذين كانوا يؤون واجباتهم في الأوقات العادية على أحسن وجه، فيجمعون الناس وأموالهم، ويلاحقون المجرمون ويمنعون الجريمة، كانوا في أوقات الاضطرابات السياسية والثورات وطنيين عرباً يقفون إلى جانب إخوانهم، ويساعدون الثوار ويغطون تحركاتهم، ويحافظون على أسرارهم. يقول تقرير اللجنة الملكية 1937 على لسان أحد الشهود البريطانيين: “إن قوات البوليس الغريبان تقوم بمهامها العادية في الأحوال العادية خير قيام، ولكن عندما تكون المسألة مسألة ثورة مسلحة، ويكون الواجب الملقى على عاتق هذه القوات اتخاذ الإجراءات ضد مواطنيهم ومقاتليهم فلا يمكن الاعتماد عليهم”.   المراجع:   –         قوانين فلسطين المعمول بها في يوم 31/12/1933، المجلد2، الباب 112. –         Douglas, V. Dull: Palestine Unveiled, London 1938. –         Government of Palestine: The Palestine Police Annual Administration Reports , Jerusalem 1947. –         Gt. Brit Colonial Office: Palestine Royal Commission Report Presented by the Secretary of State for the Colonies.   الشرطة اليهودية: رَ: الهاغاناه