السينما

أ- النشأة والتطور: 1) قبل 1948: ولدت السينما على الأرض الفلسطينية في فترة مبكرة من بداية الثلاثينات من هذا القرن. ويفارق سنوات قليلة زيادة أو نقصاناً ولدت سينمات المشرق العربي المعروفة كلها، في مصر أولاً ثم في سورية ولبنان والعراق وفلسطين، إذ أن ظروفاً اجتماعية وسياسية متشابهة وآبدت ضمن فترة زمنية محددة اهتمامات متشابهة وأوجدت صيغاً فنية متقاربة. وكما حصل في مصر وسورية ولبنان والعراق وجد في فلسطين أشخاص شعفهم الفن السابع فحصلوا على معلومات تقنية واسعة ومارسوا التصوير وتسجيل الصوت والإخراج، بل صنعوا عدداً من الأجهزة السينمائية التي مكنتهم – ضمن قدرات مالية ضعيفة للغاية – من تصوير أفلام كاملة، وعملوا على تظهيرها وطبعها وحتى تسجيل الصوت عليها ضوئياً. من هؤلاء إبراهيم حسن سرحان (مولود عام 1916) الذي تمكن عام 1935 من تصوير فيلم مدته عشرون دقيقة عن زيارة الملك عبد العزيز آل سعود لفلسطين وتنقله بين اللد* ويافا*، وقد رافقه في تلك الرحلة الحاج محمد أمين الحسيني*. وكان سرحان قد اشترى كاميرا تدار باليد وقرأ كتباً عن فن التصوير والعدسات والطبع والتحميض، وكان يقوم وحده بتطبيق ما يقرأ فيصنع الأجهزة اللازمة بما فيها طاولة المونتاج. قام سرحان بعد ذلك بمساعدة شخص يدعى جمال الأصفر بصنع فيلم “أحلام تحققت” شارك في تمثيله المطرب الفلسطيني سيد هيرون، وفيلم عن أحمد حلمي (باشا) عبد الباقي عضو لجنة العربية العليا* وقدومه من القدس* إلى يافا. وقد شجعت هذه الانطلاقة الأولى. إبراهيم حسن سرحان فأسس “ستديو فلسطين” الذي احتوى على آلتي طبع وتحميض إضافة إلى موفيولا صنعها كلها بنفسه وخلفته خالي الوقاص، فما كان منه إلا أن لجأ إلى حيلة للحصول على المال اللازم لصنع فيلم روائي فأعلن في الصحف عن افتتاح “ستديو فلسطين” في مدينة يافا، وأنه يطلب وجوها للسينما، فانصبت عليه 12 ألف رسالة ومع كل رسالة مبلغ الاشتراك. وعلى هذا النحو تجمع لديه حوالي 2.000 جنيه فلسطيني واشترك معه شخص يمثلها وأسسا “شركة الأفلام العربية” وسجلاها في القدس. وضع الرجلان بعد ذلك قصة عنوانها “في ليلة العيد” تدور أحداثها حول العصابات تحت تأثير السينما الأمريكية وتتخللها مشاهد كوميدية وحيل سينمائية. غير أن الخلاف دب بين صاحبي الشركة فلم يستكمل الفيلم. وأعلن “ستديو فلسطين” عن فليم بعنوان “عاصفة في بيت” تمثل أحمد سمعان وحياة فوزي. وبقي سرحان وحده يصور أفلاماً إعلانية قصيرة إلى أن نزح إلى الأردن بعد عام 1948. وفي السنة التالية اتفق مع ممول لبناني على تصوير فيلم روائي طويل، لكن المشروع لم يستكمل. وقد عاش إبراهيم حسن سرحان عام 1976 في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت يعمل سمكرياً في بيت متواضع للغاية. ويبدو أن سينمائيا فلسطينياً آخر هو محمد صالح الكيالي مارس العمل السينمائي في فلسطين في الأربعينيات وصنع شريطاً قصيراً أو أكثر قبل أن ينزح هو الىخر عام 1948. وقد تمكن الكيالي بعد جهود مضنية من إخراج فيلم روائي طويل عام 1969 في سورية حول العمل الفدائي الفلسطيني: “ثلاث عمليات في فلسطين”. 2) بعد 1948: لا تتوفر أية معلومات عن سينما فلسطينية يصنعها الفلسطينيون العرب الذين لم يغادروا بلادهم خلال موجتي النزوح الكبيرتين في 1948 و1967 باتجاه الدول العربية المجاورة. ولم يسمع أحد على وجه التأكيد عن أي فيلم روائي طويل أو قصير أنجزه الفلسطينيون العرب بعد إقامة دولة العدو استكمالاً ومتابعة للنشاط الذي بدأ في الثلاثينات والأربعينات. ويبدو أن الأعمال السينمائية العربية قد اجهضت نهائياً في ظل الممارسات الإسرائيلية لخنق الثقافة الوطنية الأصلية للفلسطينيين. لذلك فإن كل حديث يدور حول السينما الفلسطينية إنما يعني تلك التي وجدت في أعقاب ميلاد الثورة الفلسطينية وتشكل فصائلها المختلفة، أي بعد عام  1965. بدأ الميلاد الجديد للسينما الفلسطينية بتكوين قسم صغير للتصوير الفوتوغرافي. وعملت في هذا القسم أول خريجة من المعهد العالمي للسينما بالقاهرة في حقل التصوير السينمائي. وكانت تقوم بدءاً من أواخر عام 1967 إلى أوائل عام 1968 تصوير بعض المواد الخاصة بالثورة في منزلها بآلة تصوير بسيطة جداً. وكانت أكثر تلك المواد صور شهداء الثورة. ومن بعد برزت الحاجة إلى إيجاد قسم مخطوطات أو (أرشيف) خاص بالشهداء إلى جانب مواد ووثائق أخرى تتعلق بالثورة. في منزلها بآلة تصوير بسيطة جداً. وكانت أكثر تلك المواد صور شهداء الثورة. وبدىء بهذا النشاط بإمكانات مادية وفنية متواضعة للغاية. استمرت الحال على هذا النحو إلى ما بعد معركة الكرامة* مباشرة. فقد تدفق الصحفيون من أنحاء العالم لرؤية هؤلاء الناس استطاعوا أن يقاتلوا صامدين 19 ساعة، ولمعرفة ما يشير إليه هذا الصمود. ومن هنا برزت الحاجة إلى الصور الفوتوغرافية والسينمائية التي تقول للعالم ما تريده الثورة. وعزز تلك الحاجة تجارب إيجابية وسلبية مرت بها الثورة مع المصورين الأجانب الذين وفدوا إلى المنطقة. وقد صور إسماعيل شموط بالسينما مواقع معركة الكرامة وقواعد الفدائيين ومشاهد تشييع الشهداء في فيلم أسماه “معركة الكرامة ردت لنا الكرامة”. بدأ نشاط سينمائي بسيط ضمن إطار قسم التصوير الذي خص بمكان عام 1969 ومنح بعض الإمكانات المادية. وضوعف عدد العاملين فيه وكانوا يستعمرون آلة تصوير سينمائي مقياس 16مم لتسجيل كل ما  يمكن تسجيله دونماً عطل عمل محددة انطلاقاً من أن بعض الثورات افتقرت خلال المراحل المتقدمة من مسيرتها، وبعد التحرير، إلى أفلام تسجيل نضالها. فتسجيل ما يحدث سوف يكون بعد سنوات مادة وثائقية نادرة وثمينة توضع في متناول السينمائيين والباحثين والمؤرخين دون اللجوء إلى جهات خارجية قد تطلب أسعاراً باهظة جداً. وفي  أواخر 1969 حصل القسم على آلة تصوير سينمائي متقدمة مع إمكانات التسجيل المباشر للصوت. الأمر الذي فسح المجال للتفكير في وضع خطة إنتاج في خدمة الثورة، وكان أول فيلم سينمائي أنجز بعد ذلك “لا… للحل السلمي” الذي جاء رداً على مشروع روجرز* الأمريكي. وقدم الفيلم  في أول عرض له على المسؤولين القيادين في ملجأ تحت الأرض وهم وقوف على التراب والحجارة. وفي أعقاب الأحداث الدامية في أيلول 1970 ظهر فيلم “بالروح، بالدم”، وأرسلت بعض المواد الأخرى المصورة إلى الخارج وعرضت أثناء مؤتمر القمة الذي انعقد في القاهرة. ارتبط العمل السينمائي الفلسطيني بالكفاح المسلح منذ البداية، واستمر على هذا النحو، وقام بإنتاج أعداد متزايدة من الأفلام القصيرة. وقد ساعدت وحدة أفلام فلسطين التي اتخذت هذه التسمية تمييزاً لها من قسم التصوير على إنشاء “جماعة السينما الفلسطينية” التي انضمت إلى مركز الأبحاث* الفلسطينية وقدمت نتاجاً لتجارب السينما خلال التنظيمات الفلسطينية. وقد شملت هذه الجماعة السينمائيين الذين انضموا للعمل ضمن أطر تلك التنظيمات وعدداً من السينمائيين التقدميين العرب. وانطلقت من هدف تجمع الجهود من أجل سينما فلسطينية. ترافق نضال شعب فلسطين. انتجت جماعة السينما الفلسطينية فليماً واحداً هو “مشاهد الاحتلال في غزة”. ثم توقفت عن الإنتاج لأسباب تنظيمية مثلما تم تكوينها لأسباب تنظيمية. ومع توقفها تابعت وحدة أفلام فلسطين العمل باسم “أفلام فلسطين – مؤسسة السينما الفلسطينية” وهذا أهم تنظيم سينمائي فلسطيني. لم يكن هذا تنظيم الجهة الفلسطينية الوحيدة التي تنتج الأفلام السينمائية بل كان هناك جهات أخرى برزت إلى الميدان، وهي: الإعلام المركزي التابع للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين* (أنتج أول أفلامه عام 1973)، واللجنة الفنية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين* (أنتجت أول أفلامها عام 1971). ودائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية* (أنتجت أول أفلامها عام 1972)، ومؤسسة صامد* للانتاج السينمائي (أنتجت أول أفلامها عام 1976). وقد قامت هذه الجهات الأربع منذ تأسيسها وحتى نهاية 1979، إضافة إلى مؤسسة السينما الفلسطينية. بإنتاج قرابة 50 فيلماً قصيراً وجريدة سينمائية. ب- السمات الفنية: اهتمت السينما الفلسطينية منذ البدء بالحدث. تسجيله والتعليق عليه وتحليل أسبابه ونتائجه. ومن هذه الأحداث: مشروع روجرز 1970 وردود الفعل عليه، وأحداث أيلول 1970 في الأردن، وأحداث القصف الجوي للمخيمات عام 1972 إثر عملية ميونيخ* وأحداث عام 1974 إثر عملية معالوت (رَ: ترشيحا، عملية). والهجمات العسكرية على الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان عام 1972، ثم عام 1974 على كفرشوبا. وثمة اتجاه تسجيلي آخر يعتمد على تسجيل واقع الثورة وحياة الشعب في القواعد والمخيمات. كما تجدر الإشارة، ضمن الاتجاه التسجيلي. إلى الأفلام الفنية التي تعتمد على اللوحات الفنية أو على الأغاني. وهناك أيضاً انجاهات تسجيلية في السينما الفلسطينية للاستفادة من الأرشيف السينمائي وأرشيف الصور الثابتة. أما الاتجاه الروائي فلم يتبلور بعد في السينما التي يصنعها الفلسطينيون أنفسهم. وقد جرت محاولة إنتاج مشتركة لفيلم روائي طويل بين مؤسسة السينما الفلسطينية والجزائر عام 1973 ولكنها أخفقت. وجرت محاولة ثانية مع هيئة هولندية أخفقت هي الأخرى لأن الجانب الهولندي عرض على منظمة التحرير الفلسطينية موضوعاً يتعلق بخطف طائرة تقل مجموعة من ملكات جمال العالم. وتجري عملية إشراف الفنين في العمل السينمائي بأشكال عدة: 1) الممارسة العملية، وهو ما حدث خلال الفترات الأولى لتأسيس العمل السينمائي في المنظمات. 2) اتباع دورات فنية تدريبية، وهو ما جرى لدى إرسال مبعوثين إلى العراق اتبعوا دورات في مؤسسة السينما والمسرح العراقية، أو في البلدان الصديقة. 3) اشراك سينمائيين عرب متخرجين ومتخصصين ضمن الأجهزة السينمائية الفلسطينية. وتعرض الأفلام حيث توجد تجمعات للفلسطينيين في المخيمات أو في القواعد العسكرية للثورة الفلسطينية، في الصالات أو القاعات وحتى في الهواء الطلق. وتمتاز هذه العروض بشعبيتها، ويرافقها في القواعد مفوض سياسي يعلق عليها أو يشرحها. وتمتد العروض أحياناً حتى تشمل القرى العربية المحيطة بقواعد المقاتلين أو بمخيمات النازحين في سورية والأردن ولبنان. كما تعرض الأفلام على طلاب الجامعات في المدن وتجمعات العمال والاتحادات المهنية المختلفة. ولا يقتصر على الأقطار العربية بل كثيراً ما تعرض الأفلام الفلسطينية في أوروبا وآسيا على أعضاء المنظمات الأجنبية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية حيثما وجد ممثلون لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتعرض في المقابل بعض الهيئات الفلسطينية على الجماهير الفلسطينية أفلاماً أنتجتها هيئات أو مؤسسات عربية أو أجنبية. إما عن القضية الفلسطينية وإما عن حركات التحرر الوطني في كل مكان وإما عن كفاح الشعوب في سبيل تحررها. وقد تمت عروض كثيرة لأفلام عربية سورية ولبنانية وعراقية وجزائرية، وكذلك لأفلام كوبية وفيتنامية وصينية وسوفييتية وغيرها. وكانت تتبع العروض أحياناً مناقشات سياسية حول الأوضاع الراهنة، ويقوم ممثلو منظمة التحرير الفلسطينية في بعض بلدان أوروبا باستغلال التجمعات التي تقوم لدى عرض الأفلام فيشرحون جوانب القضية ويعرفون بالكفاح المسلح الفلسطيني وأهداف الثورة الفلسطينية. أما عملية توزيع الأفلام الفلسطينية فلا تتم عن طريق هيئة متخصصة موحدة بل تقوم كل منظمة أو جماعة منتجة بتوزيع أفلامها بنفسها. ويكون التوزيع في أغلب الأحيان نضالياً منزهاً عن غايات الربح التجاري. بل قد يستهدف الإعلام والتعريف وفضح العدو وأساليبه. ويقوم ممثلو منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج بعملية التوزيع على الجماعات والأحزاب التقدمية في العالم. وقد تم توزيع بعض الأفلام بوساطة جامعة الدول العربية. ج- مهرجانات السينما: كان المهرجان الذي دعي إليه ممثلو السينما الفلسطينية أول مرة مهرجان دمشق الأول لسينما الشباب عام 1972. وقد حضر يومئذ السينمائيون مصطحبين أفلامهم. وكانت تلك مناسبة للتعريف بوجود سينما فلسطينية وإشهار أهدافها. وحققت المشاركة نجاحاً، ولا سيما بعد فوز فيلم “بالروح بالدم” وإحدى جوائز المهرجان. وتوالت بعدئذ مشاركة السينما الفلسطينية رسمياً في عشرات المهرجانات السينمائية داخل العالم العربي وخارجه وقد شكلت تلك المشاركات ضرباً من التظاهرات لصالح القضية، ودعماً لها، وأثبتت وجود الإنسان الفلسطيني، كما أثبتت وجود الفنان الفلسطيني المعبر عن كفاح شعبه. ونالت الأفلام الفلسطينية في المهرجانات جوائز مرموقة، كما شارك السينمائيون الفلسطينيون في فضح الأفلام الصهيونية التي تسللت إلى المهرجانات حاملة شعارات تقدمية زائفة، أو لابسة لبوس الدفاع الكاذب عن وجهة النظر العربية. وكما أفاد السينمائيون الفلسطينيون قضية شعبهم في المهرجانات عادت عليهم المشاركة هم أنفسهم بالفائدة، فهيأت لهم فرص الاطلاع على تجارب السينمات الأخرى النضالية والتقدمية، ولا سيما تجارب السينما الفيتنامية والكوبية والجزائرية والصينية والسوفييتية وتجارب السينمائيين التقدميين الثوريين في أمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا الشمالية وإفريقيا وآسيا. وفسحت لهم اللقاءات الشخصية مع ممثلي تلك السينما فرص التعرف على آرائهم وملاحظاتهم حول التجربة السينمائية الفلسطينية وحول تجاربهم الشخصية كل في بلده. د- الأفلام الفلسطينية: السينما الفلسطينية موجودة. ولم تعد هذه الحقيقة مجالاً للاستغراب ما دام شعب فلسطين موجوداً. وهي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية التي انفجرت في الزمان والمكان وأثبتت وجودها بالأفلام التي أنتجتها، وكان بعضها يزرع بمعدل 400 نسخة للفيلم الواحد تجوب أرجاء واسعة من العالم مؤدية رسالة الثورة. وتتفاوت هذه الأفلام كيفاً وأهمية. ولئن كان بعضها مجرد أعداد من جريدة سينمائية فبعضها الآخر حقق مستوى فنياً طيباً. وهذه وتلك ضرورية لأنها تساعد كلها على رصد حياة شعب رازح تحت الاحتلال أو نازح إلى غير أرضه، ويشترك مع ذلك هنا وهناك في الكفاح من أجل الخلاص الكبير. يعمل التسجليون الفلسطينيون – كما يقول للمستشرق السوفيتي شاخوف – في ظروف صعبة للغاية، فعليهم أن يتسموا بالشجاعة ورباطة الجأش والاتزان والمهارة المهنية والقدرة على العمل في مناطق العمليات الحربية مخاطرين في كثير من الأحيان بحياتهم. وفي شهر نيسان عام 1976 قتل أثناء التصوير هاني جوهرية أحد المؤسسين الأوائل للسينما الوطنية. وفي بداية عام 1978 أسر الصهيونيون المصورين مطيع إبراهيم وعمر المختار في جنوب لبنان وقتلوهما رمياً بالرصاص. كان الفيلم التسجيلي “بالروح بالدم” لمصطفى أبو علي أحد أول الأفلام التي لفتت الأنظار إلى ميلاد سينما نضالية فلسطينية وهو يرصد من خلال الوثائق السينمائية أحداث أيلول 1970 في الأردن. ثم أتبعه مصطفى أبو علي بفيلم “العرقوب” سنة 1972، وفي السنة ذاتها أخرج قاسم حَوَل فيلم “النهر البارد” عن مخيم نهر البارد، وأتبعه في السنة التالية بفيلم “غسان كنفاني، الكلمة البندقية” عن حياة ونضال الشهيد غسان كنفاني*. وشهد عام 1973 أيضاً ظهور فيلمين تسجيليين لرفيق حجار: “الطريق” عن الواقع الاجتماعي والسياسي للمخيمات الفلسطينية في لبنان، و”البنادق متحدة” عن أحداث أيار 1973 بلبنان أيضاً. ولكن أهم فيلم ظهر ذلك العام هو “مشاهد” من الاحتلال في غزة، الذي جمع له  مصطفى أبو علي وثائق نادرة ومذهلة عن حياة الشعب الفلسطيني في مدينة غزة* ونضاله العبيد وصموده إزاء الاحتلال. ومشاهد الاحتلال هذه، كما هي الحال بالنسبة إلى أغلبية الوثائق القديمة، التقطها أناس غربيون لحساب تلفزيون أوروبي، واستطاع الفلسطينيون الحصول عليها. فالمصور المرافق للدوريات الإسرائيلية المختلفة العاملة في قطاع غزة يلتقط صور التوقيف والتفتيش ونسف البيوت المشتبهة بها، كما يسجل صور ردود الفعل العفوية لدى العرب. وجوه جامدة، ووجوه نساء ممزقة باكية. وقد حمل المونتاج المشاهدين إلى داخل هذه الصور لاستخراج معانيها المأساوية. في عام 1976 ظهر فيلم سمير نمر “النصر في عيونهم” عن حياة ونضال الأطفال الفلسطينيون من خلال مشاركتهم في معسكر سنوي عالمي للأطفال في الاتحاد السوفييتي. ثم عاد سمير نمر مع بكر الشرقاوي فقدما عام 1977 فيلماً وثائقياً مدته ساعة ونصف الساعة عن “الحرب في لبنان” تضمن معلومات شاملة ودقيقة عن مأساة الحرب الأهلية في لبنان عامي 1975 و1976 وعن الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة. وتبرز هذه المشاهد مقاومة المدافعين عن تل الزعتر ثم سقوطه، ومقدار الخسائر والضحايا التي تكبدها اللبنانيون والفلسطينيون في الأحداث الدامية. وقد أضحى هذا الفيلم صفحة مؤثرة وموثقة عن تاريخ نضال الشعب الفلسطيني. وعن مأساة تل الزعتر كذلك اشترك عام 1977 ثلاثة مخرجين هم مصطفى أبو علي وبينواد ريانو وجان شمعون في إخراج فيلم مدته 75 دقيقة. ويحكي الفيلم أحداث تل الزعتر، ويجعل المشاهد يعيش أجزاء الصمود البطولي من خلال الوثائق الفلسطينية وشهادات الناخبين من مقاتلي ومقاتلات ومدنيي المخيم حتى سقوط آخر موقع فيه، وقرار المقاتلين بالانسحاب نحو الجبل، وخروج المدنيين من المخيم في 12/8/1976. ومن الأفلام التي أبرزت وجها آخر من وجود الكفاح الفلسطيني فيلم “صوت من القدس” لقيس الزبيدي (1977). وقد أهداه إلى مصطفى الكرد الذي يؤلف ويلحن ويؤدي أغاني الاحتجاج ويعيش في القدس المحتلة. وهو رغم تعرضه المستمر للتوقف والسجن يواصل قول الحقيقة عن أحوال الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بفنه وأغانيه المؤثرة التي تؤلف صوتاً منفرداً في الغناء العربي. وفي فيلم “رؤى فلسطينية” لعدنان مدانات (1978) تركز الأضواء على إبراهيم غنام الفنان الفلسطيني المتعدد المواهب الذي يرسم ويعزف على العود وينظم الأشعار ويغني. انه مقعد منذ ثلاثين سنة، ولكن فلسطين تظل حية في ذاكرته يرسم تراثها بدقة تامة ويرسم العادات والتقاليد الشعبية ويرسم المناظر والبيوت والبشر من خلال نظرة واقعية يغلب عليها الطابع الفطري. وقدم غالب شعث فيلمين مهمين: “المفتاح” و”يوم الأرض”. وقد تم تصوير مواد الفيلم الأخير داخل الأرض المحتلة على أيدي سينمائيين أوروبيين متحالفين مع الثورة الفلسطينية. وبمناسبة السنة الدولية للطفل عام 1979 أخرجت مونيكا مورير وسمير نمر فيلم “أطفال فلسطين” الذي يصور آثار الاعتداءات الصهيونية في الأطفال الفلسطينيين، وما تقوم به الثورة الفلسطينية من جهود لرعايتهم وحمايتهم وتدريبهم. وتوضح الأعمال الأخيرة للسينمائيين التسجيليين الفلسطينيين نمو المهارة الفنية لدى المخرجين والمصورين حتى أصبحت بعض الأعمال التصويرية انجازا فنياً رائعاً في مجال الريبورتاج السينمائي. وتتسم هذه الأعمال باليقظة وحسن الملاحظة والإدراك الواعي للمضمون السياسي للأحداث. ولا يسمح هذا كله بتسجيل المظهر الخارجي للحقائق فحسب بل يكشف أعماقها وفلسفتها. وازداد الإحساس بوضوح بأن مؤلف الأفلام الفلسطينية التسجيلية فنان ومناضل. ان التعبير الصادق عن الواقع الصارم بالسينما ونمو المهارة الفنية هما اللذان يحددان الطريق الذي تسير فيه الأفلام التسجيلية الفلسطينية. ويسعى السينمائيون في منظمة التحرير الفلسطينية إلى جعل أعمالهم أكثر عمقاً وأشد تأثيراً في المشاهد، ويسعون إلى التعبير على الشاشة عن الظواهر المميزة للحياة، واكتشاف أهم الجوانب في الأحداث الجارية. إنهم يعيشون أفكار الشعب وأحزانه وبهجته. ولهذا فإن أفلامهم لا تقدر بثمن من وجهة النظر التربوية. هـ- الأفلام العربية: إذا كانت الأفلام التي أمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية ولمختلف فصائل الثورة إنتاجها حتى الآن قد اقتصرت على النوع التسجيلي فالأفلام التي أنتجت عن القضية الفلسطينية في مختلف الأقطار العربية عالجت النوعين التسجيلي والروائي، وشملت القصير منها والطويل. طرحت السينما العربية القضية الفلسطينية عبر خطين تجاري، ووثائقي تسجيلي. فبعيد حرب 1967* وبروز القضية الفلسطينية قضية آنية وملحة لدى الجماهير العربية أكثر من أي وقت مضى، وظهور الفدائي الفلسطيني المعادل التعويضي للانهزامية العربية الرسمية، لجأ المنتج التاجر إلى استثمار القضية مادياً باعتبارها سلعة رائجة وأسلوباً ناجحاً في استغلال عواطف الجماهير ومشاعرها الوطنية. ولذا شهدت سوق الأفلام الروائية نتاجاً استمدت مادته من المقاومة الفلسطينية ذاتها، ولم تتصد للقضية الأساسية ولا للواقع الفلسطيني مقلدة الأفلام الأمريكية التي تجعل من الفدائي “سوبرمان” أو”سوبر كوماندوز”، أو رجلاً من رجال “الوسترن” ومن أفلام تلك الفترة: “كلنا فدائيون” و”ثلاث عمليات في فلسطين” و”عملية الساعة السادسة” و”الفلسطيني الثائر”. وكانت أول محاولة جادة في هذا النطاق فيلم “رجال تحت الشمس” الذي يعد أهم الأفلام تناولاً للقضية بطموح فني وسياسي. وهناك محاولات أخرى اعتمدت على أعمال روائية مثل فيلم “السكين” لخالد حماده، و”المخدعون” لتوفيق صالح، وهذان العملان يقتسبان روايتين لغسان كنفاني. وتبقى هذه الأفلام التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينما في سورية، رغم كل التقييمات الصارمة، أكثر الأفلام جدية. ومن الأفلام العربية المبكرة “أغنية على الممر” للمصري علي عبد الخالق عن وضع خمسة جنود مصريين في نقطة استراتيجية خلال 5 حزيران يرجعون بخيالهم إلى الماضي، ومن خلال هذه العودة يمارسون نقداً خجولاً ولكنه واقعي. والفيلم الجزائري “سنعود” الذي أخرجه سليم رياض وكان اسمه “رحلة كولونيل إسرائيلي”. وفي الفترة اللاحقة لحرب 1973* ظهر فيلم “كفر قاسم” لبرهان علوية عن المذبحة الإسرائيلية المعروفة لسكان قرية كفر قاسم العربية عام 1956، ثم فيلم “الأبطال يولدون مرتين” لصلاح دهني عن بروز الوعي النضالي لدى الأطفال الفلسطينيين وانضمامهم إلى صفوف الثورة. وهذان الفيلمان هما أيضاً من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سورية. وفي مجال الفيلم التسجيلي الذي يتعلق مباشرة بالقضية الفلسطينية أو بآثارها الأخرى خفق المصري أحمد كامل مرسي “رسالة إلى العدو” عام 1967. وفي الأردن أخرج علي صيام “الخروج  67”. وفي لبنان قدم فلاديمير تماري “القدس”، وجاك مادفو “مشتتون في الريح”. وفي العراق أخرج حسن حيدر عن المأساة الفلسطينية ودور الأمم المتحدة والأمريكيين وبعض الأنظمة العربية فيلم “جيل الساقطين”. وفي سورية أنجزت أفلام تسجيلية كثيرة أولها “بعيداً عن الوطن” لقيس الزبيدي عن تشرد الأطفال الفلسطينيين. ثم عاد هو نفسه فأخرج بعد سنوات في سورية أيضاً فيلم “شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب” عن لوحات الفنانة منى السعودي. وقدم فيصل الياسري في فيلم “نحن بخير” الذي استخدم أرشيف الصور ملامح الحياة القاسية التي يعانيها العرب في الأرض المحتلة، في حين تطلع أصواتهم عبر راديو العدو معلنة لأسرهم في المنفى عن حسن حالتهم، وأنهم بخير وصحة جيدة. وفي هذا الفيلم تبلغ المهزلة حدود المأساة. وحقق مروان مؤذن “عيد سعيد” الذي يقارن فيه عيد الطفل الفلسطيني بعيد الطفل الأوروبي. كما أخرج نبيل المالح “اكليل الشوك” و”نابالم”. وبعد حرب 1973 ظهر فيلم “العودة” لمروان حداد عن رجوع سكان القنيطرة المحررة إلى أراضيهم، ثم خيبة أملهم عندما وجدوا أن العدو الإسرائيلي دمر مدينتهم تدميراً تاماً. وعن مأساة القنيطرة قدم أمين البني ومحمد ملص وصلاح دهني أفلاماً أخرى. ولأمين البني أفلام عن القضية الفلسطينية منها “دروس في الحضارة” و”يوم الأرض”. وقد بدأ العراق بتنظيم مهرجان دولي لأفلام وبرامج فلسطين. ويعتقد المهرجان بدءاً من فيلم 1973 مرة كل سنتين في بغداد. وتوقف أعماله على توطيد العلاقة بين عناصر السينما النضالية، وتثبيت أسس رؤية واقعية وعملية، وتكثيف التجربة الحسية في ميدان سينما فلسطين، وبلورة هوية فكرية علمية ومحور منهجي واضح للفيلم الفلسطيني. وقد نجح المهرجان حتى الآن في استقطاب الكثير من الأفلام والبرامج التلفزيونية المنتجة في العالم العربي وخارجه عن فلسطين. وتعقد في إطار كل دورة من دورته حلقة بحث خاصة بأفلام وبرامج فلسطين تحقيقاً للهدف الفكري من إقامته ووصولاً إلى أفلام أكثر عدداً وأنضج محتوى. و- الأفلام الأجنبية: تجد القضية الفلسطينية فرصاً ذهبية في الفيلم التسجيلي الأجنبي. وكان من أول الأفلام الفرنسية في هذا المجال فيلم “فلسطين” الملون الطويل (ساعة ونصف الساعة) لبول لوي سولييه. وقد أنتج بمعاونة الاستعلامات الجزائرية، وهو عبارة عن ريبورتاج صور داخل الأرض المحتلة وفي الأقطار العربية. وقد أصبح وثيقة مهمة جداً عن محاولة إفناء الشعب العربي الفلسطيني. وفيلم “فلسطين ستنتصر” لجان بيير أوليفييه دي سردان بالتعاون مع جهة فلسطينية، ويوضح الإرادة الصلبة للمقاومة بعد معركة الكرامة بالأردن. وصور كارول وبول روسوبولس من فرقة  “فيديواوت” ريبورتاجاً بعنوان “سأحرق هذه المدينة”. وانتقل جان لوك غودار إلى الأردن لتصوير فيلم “حتى النصر” تحت رعاية منظمة فتح، ولكن الفيلم لم يظهر في عروض جماهيرية واسعة ولم يعرض حتى في الدول العربية. وفي الاتحاد السوفييتي أنتجت عدة أفلام آخرها عام 1979 وهو “الفلسطينيون: الحق في الحياة”. وأنتجت يوغسلافيا وبلغاريا وعدة دول اشتراكية أخرى أفلاماً أو برامج تلفزيونية. وصورت المنظمات اليسارية في ألمانيا الفدرالية أفلاماً عن أحوال سكان المخيمات الفلسطينية، وأنتجت مثل هذه الأفلام المنظمات اليسارية في إيطاليا واليابان وبلجيكا والدنمارك وهولندا. ولم يبلغ فيلم أجنبي من عمق التأثير ما بلغه الفيلم الإنكليزي الذي أنتجته وقدمته فاليسا ردغريف بعنوان “الفلسطيني”. ومدة هذا الفيلم ثلاث ساعات، وهو من إخراج روي باترسباي، وصور في أعقاب سقوط تل الزعتر، وقدم مسحاً شاملاً ورهيباً لأحوال الفلسطينيين في ظل الصمود الأسطوري في تل الزعتر، وفي الجنوب اللبناني، وانتهى بنظرة أمل مشرقة. وهذه الأفلام الأجنبية التي أنتجتها هيئات حكومية أو جماعات وأحزاب ذات صفة تقدمية أو يسارية أدت للقضية الفلسطينية، بل للقضية العربية، خدمات جلّى وقامت بالدور الذي لم يتمكن الإعلام العربي من القيام به دعماً للحق العربي، فقد صنعت بأيد أوروبية تعرف كيف تتوجه إلى الضمير الأوروبي، كما أنها تقدر من ناحية التوزيع على ما لا تقدر عليه الأفلام العربية التي أنتجتها هيئات عربية. فهي عندما لا تعرض عرضاً تجارياً في الصالات العامة يقدمها منتجوها الأوربيون في عروض خاصة داخل التجمعات العمالية والطلابية، وقد يتمكنون من عرضها في بعض أقنية التلفزيون. ز- أفلام العدو: تؤكد إحدى الدراسات أن مؤتمر بال (1897) تنبه منذ ذلك الحين إلى استعمال السينما وسيلة لنقل الفكر الصهيوني إلى اليهود أنفسهم، وإلى شعوب أوروبا. وسواء كان هذا التأكيد صحيحاً أو مبالغاً فيه (باعتبار أن الميلاد الحقيقي للسينما بدأ في نهاية عام 1895، ونقل الاختراع الجديد فترة بعد ذلك لا يحمل على محمل الجد، ويؤخذ على أنه مجرد لعبة كهربائية)، فالحقيقة أن الصهيونية* أفادت من السينما بعد ذلك فائدة جلّى. فقد استخدمتها لدعم فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، والتركيز على اللاسامية* وما لاقاه اليهود من اضطهاد. وعملت على صنع الفكر العنصري الصهيوني بالطابع الإنساني، وسخرت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها لتطبيقه على اليهود في فلسطين. ومن خلال الهيمنة الصهيونية على قسم كبير من وسائل الإعلام في أوروبا وأمريكا سخرت السينما السينما كذلك بعد قيام (دولة إسرائيل) لتشويه الحقائق وقلبها وإضفاء صورة مزيفة على الطبيعة العدوانية للدولة الصهيونية. ومن الأهداف الصهيونية الأخرى في السينما العمل على إلغاء وجود شعب في فلسطين، وإبهام المعالم بأن حق اليهود فيها حق تاريخي، وأن حرب 1948* كانت حرب استقلال لا حرباً استعمارية خاضها الصهيونيون مع العرب والإنكليز على حد سواء لـ “العودة” إلى وطنهم. وفي سبيل تحقيق هذا البرنامج الضخم عن طريق وسيلة اتصال جماهيرية عظيمة التأثير لم تقتصر الحركة الصهيونية على الأفلام التي يصنعها الصهيونيون في مختلف أرجاء العالم. ولم تنتظر قيام الدولة اليهودية وإنشاء صناعة للسينما فيها، بل عملت على دس مبادئها في الأفلام التي تنتج في مختلف البلدان مستعينة بالفنانين والكتاب الصهيونيين المشاركين في الفيلم، وترويجها بوسائل الإعلام التي تسيطر عليها الصهيونية العالمية أو توجهها. أنتجت في هوليود وفي أوروبا عشرات بل مئات الأفلام منذ بداية القرن لتروج البرنامج الصهيوني، ووظفت لهذه الغاية الموضوعات الدينية والتاريخية والإنسانية. فمنذ إنتاج “الوصايا العشر” و”إلى أين أنت ذاهب” و”حياة وآلام السيد المسيح” في أوائل القرن حتى آخر فيلم شوهت الحقائق التاريخية لتغيير صورة الإنسان اليهودي في نظر المجتمع المسيحي، وللتذكير بما يدعي من حق في فلسطين. واستخدمت للغرض ذاته أفلام من نوع “وادي الملوك” و”صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد” و”المصري” التي ظهرت في الخمسينات من هذا القرن. وأنتجت هوليود بعد ذلك أفلاماً ضخمة من أهمها: “الخروج Exodus “، وأتبعتها في السبعينات بأفلام تمجد “الانجازات” الإسرائيلية المعاصرة عن حرب 67 وعملية عنتيبه وغيرها. وفي أوروبا ظهرت أفلام أخرى في مقدمتها “حائط في القدس” لفريدريك روسيف الذي يشوه الحقائق عن الوجود اليهودي على أرض فلسطين وينفي وجود الشعب العربي الفلسطيني. وفيلم “وصف معركة” الذي حققه كريس ماركر احتفالاً بأعمال شعب “حول الصحراء إلى حدائق غداء”، إضافة إلى عشرات بل مئات الأفلام الأخرى التي عملت على ابتزاز ستة ملايين يهودي أدعت الحركة الصهيونية أنهم أبيدوا على يد هتلر. وقد حافظ هذا الابتزاز المستمر والمتكرر إلى ما لا نهاية على قوة أصبحت حقيقة واقعة عند الناس في أوروبا فبات من الصعوية مجابهة ما يسميه الناقد الفرنسي غي هينيل “الديكتاتورية الايديولوجية المتمثلة في الأفلام الميالة إلى الصهيونية”، الأمر الذي يحتاج إلى برنامج عمل معاكس صبور ودؤوب ومتوسع يصنعه ويحققه الجانب العربي والقوى المتعاطفة معه. أنشأت (اسرائيل) عقب قيامها “المركز السينمائي الاسرائيلي “الذي أشرف على النهضة السينمائية وظل ينتج الأفلام التسجيلية حتى ظهور أول فيلم روائي طويل عام 1954 من إخراج الإنكليزي تورلد ديكنسون. ويدور موضوعه حول “بطولات” الجيش الإسرائيلي عام 1948. وخلال الأعوام العشرة التي تلت عانت السينما الإسرائيلية متاعب كثيرة إلى أن سجلت عام 1965 نصراً عالمياً حين تقدمت بفيلم “صلاح” لنيل جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي. وفي عام 1966 أنتج فيلم “غيوم فوق إسرائيل” عن عدوان 1956. على أن عام 1967 هو عام الولادة الحقيقة للفيلم الإسرائيلي. ففي هذا العام بدأ أول مهرجان للفيلم الإسرائيلي في 23/3/1967 في مستعمرة مجدل عسقلان وعرض فيه 18 فيلماً إسرائيلياً منها عشرة أفلام قصيرة وثمانية طويلة. وشاركت (إسرائيل) لأول مرة رسمياً في مهرجان “كان” بفرنسا بفيلم “ثلاثة أيام وطفل” للمخرج يوري زوهار، ومنح الفيلم جائزة أحسن ممثل. وعادت (إسرائيل) فاشتركت في مهرجانات كان التالية بانتظام ثم جعلت تشترك في جميع المهرجانات. وتشمل المواضيع التي تقدمها السينما الإسرائيلية الأفلام الفكاهية والاستعراضية والغنائية والاجتماعية، وأما الأفلام الحربية فتظل أبرزها وأهمها. ويقوم الآن قرابة عشرة مخرجين إسرائيليين يعيشون في أوروبا ويحملون الجنسية الإسرائيلية إلى جانب جنسيات الدول التي تستضيفهم بصنع أفلام من نوع جيد. أفلام ظاهرها التعاطف مع العرب المقيمين في (إسرائيل) والاحتجاج على تعسف الحكم الإسرائيلي، وتجعل بصورة عامة  صفة الاحتجاج والنقد. وقد تطالب بإعادة الأراضي المحتلة بعد حرب 67 إلى أصحابها، وبهذا تصل حتى إلى الفئات اليسارية والقوى التقدمية المتعاطفة في الأصل مع القضية العربية. ومن هذه الأفلام:”النضال من أجل الأرض أو فلسطين في اسرائيل “لماريو أوفنبرغ، و”نحن يهود عرب في إسرائيل لابغال نيدام، و”من أجل الفلسطينيين، إسرائيلية تشهد” لأدنا بوليتي، و”حتى نعيش بحرية” لشيمون لوفيتش.   المراجع: –         هاني جوهرية: البدايات الأولى لمؤسسة السينما الفلسطينية، الإعلام الموحد. –   مصطفى أبو علي وحسان أبو غنيمة: عن السينما الفلسطينية: أفلام فلسطين، مؤسسة السينما الفلسطينية، الإعلام الموحد 1975. –         سيرج لوبيرون: السينما الفلسطينية موجودة، مجلة كراسات السينما الفرنسية، العدد 256، 1975. –         أ – شاخوف: فلسطين: سينما النضال، مجلة العصر الحديث، القاهرة 1979. –         زينب شعث: السينما العربية وقضية فلسطين، مجلة شاشة 2، الجزائر 1978. –         غي هنيبل: المشكلة الفلسطينية على الشاشة، مجلة فيلم، بيروت 1974. –         مكتب جامعة الدول العربية: صناعة الأفلام في إسرائيل تخطو لغزو الأسواق (تقرير )، القدس 1967.