السلوقيون

في عام 321 ق.م. هزم برديكاس – الوصي على عرش إمبراطورية الاسكندر المقدوني – ولقي مصرعه على أيدي الولاة الذين تحالفوا عليه، وفي مقدمتهم بطليموس والي مصر وأنتيباتر والي مقدونيا. وعلى أثر ذلك عقد مؤتمر تريبار اديسوس لإعادة توزيع ولايات الامبراطورية بين المنتصرين. وفي هذا المؤتمر تقرر تعيين أنتيباتر وصياً، كما تقرر تعيين سلوقس واليا على بابل، واحتفظ أنتيغونوس بولايات آسيا مع تنصيبه قائداً عاماً للجيش الملكي. وهكذا بدأ نجم السلوقيين يعلو. وأما سورية فقد بقيت في قبضة لاوميدون، كما بقيت مصر في قبضة بطليموس. وبعد ان انتصر بطليموس في معركة غزة عام 312 ق.م. استرد جوف سورية من أنتيغونس الذي كان قد غزاه عام 315 ق.م. وساعد سلوقس في العودة إلى ولاية بابل التي كان قد غادرها فراراً من أنتيغونس. ولذا بعد عام 312 ق.م. بداية للعهد السلوقي. وفي عام 302 ق.م. تحالف بطليموس وكاسندروس وليسيماخوس سلوقس على أنتيغونس الذي حاول أن يعيد إلى امبراطورية الاسكندر وحدتها تحت سلطانه فهزموه عند ابسوس  Ipsos  في فريجيا، ولقي أنتيغونس حتفه، وفر ابنه ديمتريوس. ولم يعط الحليفان بطليموس جوف سورية الذي غدا عندئذ موضع خلاف ونزاع مستمرين بين البطالمة* والسلوقيين وأدى إلى سلسلة طويلة من الحروب بين الدولتين البطلمية والسلوقية لأن حرمان السلوقيين من هذا الإقليم يقطع عنهم موارد الضخمة، ويعزل مملكتهم عن ساحل البحر وعن الاتصال بالعالم الإغريقي. وعرفت هذه الحروب باسم الحروب السورية. نشبت الحرب السورية الأولى عام 275 ق.م. زمن أنطيوخوس الأول ابن سلوقس،إذ جرد فيلادلفوس ملك مصر البطلمي حملة غزت سورية السلوقية واستولت على كل شاطىء فينيقيا وأحرزت فتوحات واسعة في شواطىء آسيا الصغرى، فاضطر أنطيوخوس إلى طلب الصلح عام 272 ق.م. بعد أن أصبحت كثير من البلاد السلوقية، ومنها فلسطين، من ممتلكات مصر البطلمية. وفي عام 262/261 ق.م. اعتلى أنطيوخوس الثاني عرش سلوقيا بعد وفاة والده أنطيوخوس الأول فاشتعلت بينه وبين فيلادلفوس الحرب السورية الثانية التي دارت معظم معاركها في غربي آسيا الصغرى. وانتهت بتفاقم الملكين البطامي أواخر عام 253 ق.م. وزواج أنطيوخوس السلوقي من الأميرة البطلمية برنيكي مقابل صداق كبير يكون دخل جوف سورية جزءا منه على ألا يطلب السلوقيون ملكيته. وبعد وفاة أنطيوخيوس عام 246 ق.م. دار الصراع على العرش بين زوجته البطلمية وزوجته الأولى فكل واحدة تزيد العرش لابنها. واستعانت الزوجة البطلمية بأخيها ملك مصر بطليموس الثالث فهزم السلوقين وارتد ملكهم أنطيوخوس الثالث إلى أنطاكية وظل الشاطىء السوري مع فلسطين بيد البطالمة. توفي بطليموس الثالث في عام 221 ق.م. فتولى الملك في مصر بعده بطليموس الرابع العابث الماجن فانتعشت آمال أنطيوخوس الثالث في استرداد جوف سورية، وقام بمحاولة جديدة لاستعادة، فاشتعلت الحرب السورية الرابعة عام 219 ق.م. وسار أنطيوخوس الثالث بقواته إلى أن وصل إلى مدينة دورا جنوبي الكرمل فعقد معه البطالمة هدنة استغلوها في الإعداد وحشد القوات. ثم استطاعوا الانتصار على السلوقيون عند رفح* واستردوا جوف سورية. ولكن الحرب السورية عادت تشتغل للمرة الخامسة بعد وفاة بطليموس الرابع عام 203 ق.م. وانتصر أنطيوخوس الثالث، بلغ غزة* واسترد بيت المقدس، ففقدت مصر جوف سورية إلى غير رجعة. ثم جرى التفاهم بين البطالمة والسلوقيين فتزوج ملك مصر ابنة الملك السلوقي. ولكن الحرب عادت تشتعل للمرة السادسة بعد وفاة هذه الزوجة السلوقية فزحف أنطيوخوس الرابع إلى مصر وانتصر على البطالمة وأسر ملكهم (ابن اخته) وحاصر الاسكندرية ثم اضطر العودة بسبب تدخل روما والقلاقل التي أثارها اليهود، ولا سيما حزب القديسين الذي كان يعمل لعودة البطالمة. انهمك أنطيوخوس الرابع بعد عودته إلى سلوقيا بالمشكلة اليهودية. فقد سبب له اليهود بتعصبهم الشديد كثيراً من المتاعب وحاول هو أن يصبغهم بالصبغة الهيلينية وأن يقضي تماماً على الطائفة المتعصبة منهم، وهي الطائفة التي كانت تميل إلى البطالمة فأصدر أوامره بعدم إقامة أية طقوس دينية يهودية في بيت المقدس وبعبادة الاله زيوس الأولمبي في أحد المعابد اليهودية. وحول المعبد اليهودي السامري المقام على جبل الطور* إلى معبد إغريقي فثارت ثائرة اليهود بزعامة المكابيين. وقد ظلت الحروب مستعمرة بين اليهود دعاة الهيلينية واليهود من حرب القديسين بعد وفاة أنطيوخوس الرابع، فأرسل خليفته الملك ديمتريوس جيشاً عام 160 ق.م. انتصر على اليهود وقتل يهودا المكابي فتولى زعامة لأسرة المكابية بعده يوناثان الذي تسعى للتقرب من الملك السلوقي الاسكندر بالاس. عاشت المملكة السلوقية بعد كانت مرحلة من الصراع على العرش، مثلها مثلها مثل مصر البطلمية، الأمر الذي أدى إلى انهيار المملكتين على يد الرومان. بل إن سورية انقسمت على نفسها وأخذت المدن الاغريقية فيها تتصرف على أنها دويلات مستقلة، وازدادت بنتيجة ذلك قوة اليهود، ولا سيما أيام كاهنهم الأكبر هيركانوس.   المراجع:   –         فيليب حتى: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، (مترجم)، بيروت 1958. –         Bevan, E.R.: The House of Seleucus, London 1966. –         Bikerman. E.: Institutions des Seleucides, Paris 1938.