الرعي

عرف الرعي في فلسطين منذ أقدم الأزمنة إذ اهتم الإنسان القديم بتربية الحيوانات بعد أن نجح في استئناسها. واعتمدت هذه الحرفة على التنقل والتجوال من جهة أخرى بحثاً عن مصادر الماء والكلأ. وارتبط الرعي بالبداوة كظاهرة بشرية تعتمد على الحركة وظل حتى عهد قريب يمارس حرفة ثانوية إلى جانب حرفة الزراعة*. ويتمثل ذلك في قرى المناطق الهامشية التي تمتد بين الإقليم الصحراوي وإقليم البحر المتوسط ويسكنها أناس يعيشون مرحلة وسطاً بين البداوة والاستقرار* فيمارسون حرفة الرعي إلى جانب حرفة الزراعة. وقد نشأت في فلسطين منذ عهد الهكسوس* تجمعات صغيرة استقر فيها البدو بصورة موقتة أثناء تحولهم من مرحلة البداوة إلى مرحلة الاستقرار. وكان النقب* الصحراوي البوابة الجنوبية التي عبر منها الرعاة البدو إلى بقية أرجاء فلسطين وانتقلوا تدريجياً من حياة البداوة إلى حياة شبه البداوة ثم إلى حياة الاستقرار. ويرتبط الرعي الطبيعي ارتباطاً وثيقاً بكميات الأمطار التي تهطل على فلسطين (رَ: المناخ) فهي التي تحدد مساحات المراعي الطبيعية وتتحكم في كمية الأعشاب. ففي السنوات المطيرة تصبح المراعي فسيحة والأعشاب غنية كافية. وأما في السنوات الجافة فإن مساحة المناطق الرعوية تنكمش وتصبح الأعشاب فقيرة شحيحة وتنفق القطعان. فإذا تكررت سنوات الجفاف وتعاقبت لعدة أعوام اضطربت جموع البدو وزحفت نحو الريف أفراداً وجماعات لغزو المناطق المستقرة والاستيلاء على المحاصيل الزراعية. وقد مرت عملية إعمار فلسطين بالسكان بمراحل الثلاث هي: 1) مرحلة البداوة: وهي مرحلة قديمة جداً بدأت منذ آلاف السنين وعاش الإنسان القديم خلالها معتمداً على الصيد والتقاط الثمار والرعي. وبمرور الزمن أحد السكان ينقلون من هذه المرحلة إلى مراحل أخرى حتى أصبح عند البدو الذين يمارسون حرفة الرعي قليلاً في الوقت الحاضر. 2) مرحلة شبه البداوة: وهي مرحلة قديمة أيضاً جاءت نتيجة احتكاك البدو بسكان المناطق المستقرة وميل بعضهم إلى الجمع بين البداوة وتربية المواشي وحرفة الزراعة. ولما كانت هذه المرحلة انتقالية بين مرحلتي البداوة والاستقرار فإن عدد السكان الذين مروا بها ظل قليلاً حتى الوقت الحاضر. وتجدر الإشارة إلى أن البدو وأشباه البدو في فلسطين يعتمدون على تربية المواشي حرفة رئيسة لكسب معيشتهم. ولذا فإنهم يحرصون على رعي هذه المواشي وإطعامها ليتمكنوا من الانتفاع بما بما تنتجه من ألبان ولحوم وأصواف وشعر ووبر إضافة إلى استعمالها وسيلة نقل لهم ولمتاعهم. وتعد الأعشاب الطبيعية مصدراً أساسياً لتغذية هذه المواشي كالإبل والغنم والمعز والبقر والحمير والخيول. أما السكان المستقرون فإنهم يعتمدون على حرف أخرى غير حرفة الرعي في معيشتهم. بل إن حرفة الرعي تكاد تنعدم بين سكان المناطق الحضرية في حين أنها تمارس بقلة في المناطق الريفية. وقد كان لهذه الحرفة شأن كبير في ريف فلسطين قبل خمسين عاماً عندما كان الفلاحون الفلسطينيون يربون أعداداً كبيرة من المواشي للانتفاع بها في العمل الزراعي وبما تقدمه من منتجات غذائية. وقد اعتمد هؤلاء في إطعام مواشيهم على المراعي الطبيعية من جهة، وعلى المحاصيل العلفية التي تنتجها مزارعهم وبقايا المحاصيل الزراعية من جهة ثانية. غير أن التطور الذي طرأ على المساحات المخصصة لاستعمال الأرض في مناطق الاستقرار الريفي والحضري واتساع المساحات المخصصة للزراعة أديا إلى انكماش المساحات المخصصة للرعي. كما أن اهتمام الفلاحين العرب بإنتاج المحاصيل العلفية أقل من اهتمامهم بإنتاج المحاصيل الأخرى وإذا أضيف إلى ذلك ارتفاع أسعار الأعلاف اللازمة لاطعام الحيوانات اتضح السبب في قلة إقبال الفلاحين العرب في الوقت الحاضر على تربية المواشي. وبالرغم من ذلك فإن بعض الفلاحين العرب في المناطق المحتلة يمارسون حرفة الزراعة المختلطة حالياً. أي أنهم يربون بعض المواشي على ما تنتجه مزارعهم من أعلاف وأن اعتمادهم على الرعي الطبيعي بات قليلاًَ جداً. وأما المزارعون الصهيونيين فيمارسون حرفة الزراعة المختلطة منذ مطلع القرن الحالي. وهم ينتجون الأعلاف ولا يعتمدون على المراعي الطبيعية. أ- الطاقة الرعوية لفلسطين: تبلغ المساحة الأرضية لفلسطين نحو 26 مليون دونم منها نحو 15 مليون دونم قابلة للزراعة. وفي عام 1946 بلغت مساحة الأراضي المستقلة زراعياً نحو 9 ملايين دونم، ومساحة الغابات والأحراج نحو مليوني دونم، في حين بلغت مساحة المراعي نحو 6 ملايين دونم. وإذا علم أن عدد المواشي التي امتلكها عرب فلسطين في العام نفسه كان نحو 1.5 مليون رأس اتضح أن الطاقة الرعوية المستغلة وصلت آنذاك إلى 4 دونمات للرأس الواحد. ويختلف نوع المراعي حسب الموقع وكمية الأمطار التي تهطل على أماكن توزعها.وقد أشارت التقديرات إلى أن ثلث مساحة المراعي المستقلة كانت تشتمل على أعشاب فقيرة كافية لتغذية المواشي. ويوضح الجدول التالي عدد الحيوانات الأليفة* في فلسطين لعام 1942/1943:   الحيوان ما يملكه العرب ما يملكه الصهيونيون الخيلالبغال الحمير الجمال الجاموس البقر المعز الغنم 16.8967.328 105.414 29.736 4.972 214.570 463.719 320.138 2.1522.534 2.272 50 – 28.375 12.455 19.120   1.161.773 66.958   ويوضح هذا الجدول أن العرب كانوا يمتلكون في أواخر فترة الانتداب البريطاني من المواشي أكثر بكثير مما كان يمتلكه الصهيونيون. وقد انعكس ذلك على المنتجات الحيوانية التي كان معظمها من نصيب العرب. وكان بدو النقب يعتمدون في عيشهم على الرعي وتربية المواشي، وأهم حيواناتهم الإبل والمعز والماعز. وقد بلغ عدد الإبل في قضاء بير السبع عام 1943 نحو 14 ألف رأس، وعدد الغنم والمعز في العام نفسه نحو 60 ألف رأس، وعدد الأبقار نحو 9.500 رأس. وتشير هذه الأرقام إلى أهمية النقب كبيئة لرعي المواشي التي يقتنيها السكان البدو. ويزيد عدد المواشي التي كان يقتنيها بدو النقب زيادة واضحة على عدد المواشي التي كان يقتينها الصهيونيون في أواخر فترة الانتداب البريطاني. وقد ازدادت أعداد الحيوانات الأليفة في فلسطين بعد عام 1948 بصفة عامة.وتركزت معظم هذه الزيادة في فلسطين المحتلة عام 1948 ولا سيما في إقليم النقب. وأما الضفة الغربية فقد كانت الزيادة فيها طفيفة في حين تناقصت أعداد المواشي في قطاع غزة. ويعود السبب في ذلك إلى انكماش مساحات المراعي الطبيعية في الضفة الغربية وتحويل جزء منها إلى أرض زراعية مستغلة واستقرار كثير من بدو الضفة الغربية وتركهم حرفة الرعي منذ الخمسينات. وأما قطاع غزة فإن مساحته الصغيرة حالت دون استغلال جزء من أراضيه في الرعي فاستحوذت الزراعة على جميع المساحات المستغلة. وبالرغم من إمكانات تطوير ما مساحته 8 ملايين دونم من الأراضي الصالحة للرعي الطبيعي في فلسطين المحتلة ظلت مساحة الأراضي المخصصة للرعي صغيرة جداً. وتجدر الإشارة إلى أن السلطة الصهيونية تستولي باستمرار منذ عام 1948 على مساحات من الأراضي العربية المخصصة للمراعي الطبيعية في النقب بحجة استخدام هذه الأراضي للأغراض الأمنية. وتهدف من وراء هذه السياسة التي تغزل فيها القبائل العربية في أفقر جهات النقب إلى تضيق العيش على أفرادها لحملتهم على الرحيل عن ديارهم إلى الأردن. وإذا علم أن المساحات التي حددت داخل النقب وسمح للبدو برعي مواشيهم فيها اصبحت صغيرة، وأن عدد المواشي التي يقتينها بدو النقب قد ازداد عما كان عليه قبل الاحتلال الصهيوني لديارهم، اتضحت أسباب قلة الطاقة الرعوية في النقب ومقدار الضغط  الكبير على الموارد الرعوية داخل المعازل في الوقت الحاضر. ويرجع الفضل إلى بدو النقب في ازدياد أعداد معظم المواشي التي تربى في فلسطين المحتلة منذ 1948. ففي أوائل السبعينات بلغ عدد الخيول في فلسطين المحتلة عام 1948 نحو 5 آلاف رأس والبغال نحو ألفي رأس والحمير نحو 6 آلاف رأس والأبقار نحو 375 ألف رأس والإبل نحو 10 آلاف رأس والأغنام نحو 188 ألف رأس والمعز نحو 136 ألف رأس. وباستثناء الأبقار والخنازير التي يهتم الصهيونيون عادة بتربيتها معتمدين على المزارع المختلطة تعود معظم المواشي للسكان العرب من البدو المتجولين في النقب والجليل أو المستقرين في الجليل وقرى المثلث العربية في السهل الساحلي* لفلسطين ب- توزيع المراعي الطبيعية: يتطابق توزيع المراعي الطبيعية وتوزيع النباتات الطبيعية* في فلسطين بحسب الأقاليم النباتية التي وضعها العالم “ايج” وهي: 1) توزيع نباتات إقليم البحر المتوسط: تنتشر غابات البحر المتوسط في السهول الساحلية والداخلية المطلة على البحر المتوسط وفوق المرتفعات الجبلية وعلى المنحدرات الغربية المواجهة للبحر المتوسط. ويقوم الرعي فيها على أوراق الأشجار والشجيرات الدائمة الخضرة. والمعز هو الحيوان الرئيس الذي يتغذى بها. والجدير بالذكر أن هذه الأماكن من فلسطين كانت مغطاة بغابات كثيرة من أشجار البحر المتوسط الدائمة الخضرة والنفضية في القرون العابرة. وتضم هذه الغابات أنواعاً كثيرة من الأشجار كالصنوبر والسرو والبلوط والسنديان والعرعر والخروب والزيتون البري والأرز والحور والتنوب أو الشوح والدفران والكينا والسدر (الدوم) والزعرور والسريس وغيرها. وقد تعرضت هذه النباتات بمرور الزمن إلى الاجتثاث على يد الفلاحين الذين زرعوا في أرضها الحبوب* والأشجار المثمرة. وتعرضت أيضاً إلى الرعي الجائر والقطع على يد الحطابين. وقامت السلطة العثمانية بقطع كثير من الأشجار لاستعمالها وقوداً في القاطرات الحديدية للأغراض العسكرية. وكان لعملية الرعي الجائر والتهام المواشي لعساليج الأشجار أثر كبير في توقف نموها وانكماش مساحة الغابات حتى خلت منها بعض الأماكن. وما تبقى منها انحطت درجته وتقلص حجمه وأصبح أقرب إلى الشجيرات القزمية. وفي فترة الانتداب البريطاني استمر اتلاف الغابات. فالعناية الكبيرة التي ذكر أنها كانت تكسو مساحة واسعة من جبال نابلس* أتلفت منذ عام 1934. واتسع اتلاف الأشجار والشجيرات في جبال الجليل*. واختفت غابة بلوط كبيرة كانت تتوج الأجزاء الجنوبية والجنوبية الغربية من جبال الخليل* واختفت أيضاً غابة صنوبر من منطقة حلحول* بعد أن تم نقل أخشابها إلى القدس* لتستعمل وفوداً. وفي أواخر عهد الانتداب انشئت دائرة الأحراج للعناية بالنباتات الطبيعية وحرضت على زرع الأشجار وعينت لكل منطقة مأموراً للأحراج. وقد مرت عملية تراجع الغابات الناجم عن الرعي الجائر والتحطيب بالمراحل التالية: (1) الغابات: وهي الصورة الأصلية الأشجار البحر المتوسط الطويلة والقديمة مثل الصنوبر والبلوط. (2) الماكي: وهي غابة من شجيرات البلوط دائم الخضرة وشجيرات الحور التي يراوح ارتفاعها بين 1.5 و3.5 م. أي أنها حلت محل الغابات الأصلية الطويلة التي أتلفت. (3) الغاريغ: بعد أن أتلف الرعي الجائر والتحطيب تجمعات الشجيرات المتوسطة الارتفاع التي هي في مرحلة الماكي تحولت إلى تجمعات من الشجيرات الصغيرة التي يراوح ارتفاعها بين 1 و1.5 م. (4) الباثا: وهي مرحلة الشجيرات القزمية والأعشاب التي يقل ارتفاعها عن متر. (5) المرحلة التي يتم فيها التهام الحيوانات الشجيرات القزمة والأعشاب مع اقتلاعها من جذورها. وبالرغم من اتلاف الرعي الجائر غابات البحر المتوسط في فلسطين سلمت بعض الأشجار وظلت بقاياها قائمة حتى الوقت الحاضر شاهدة على وجود هذه الغابات. وهناك ثلاثة أنواع من الغابات التي ظلت بقياها مبعثرة هنا وهناك، وتتركز في المناطق التالية: (1) غابات الصنوبر (الصنوبر الحلبي): تقوم هذه الغابات فوق جبال القدس* وجبل الكرمل*. (2) غابات البلوط: توجد بقاياها فوق جبل طابور (الطور)* وترى أشجارها الجميلة على سفوح الجبال التي تطل على طريق حيفا – الناصرة. (3) غابات متفرقة: تنتشر بقايا هذه الغابات من أشجار البلوط على طول المرتفعات الجبلية من الجليل شمالاً حتى جبال الخليل جنوباً. ومما يستدعي الانتباه أن المسلمين يحافظون على أشجار البلوط بالقرب من المقابر والمزارات وأما طلبت بقاياها فيها حتى اليوم. 2) توزيع نباتات الإقليم الإيراني – الطوراني (إقليم السهبوب). تشتمل هذه النباتات على الشجيرات القصيرة والأعشاب المتنوعة. وبعضها دائم وبعضها الآخر حولي. ويطلق على نباتات هذا الإقليم أيضاً اسم نباتات إقليم الاستبس، وتبعد من أفضل أنواع المراعي الطبيعية للمواشي في فلسطين ولا سيما للأغنام والمعز. ولكنها من أكثر نباتات فلسطين تأثراً بمواسم الأمطار. ففي السنوات الرطبة المطيرة تصبح الشجيرات والأعشاب غنية بالأوراق المفيدة لإطعام المواشي وتمتد عمودياً بازدياد أطوال سيقانها وأفقياً بالتوسع نحو الإقليم الصحراوي. وفي السنوات الجافة تغدو الأعشاب فقيرة وقصيرة لا تقوى كثيراً على النمو، وتنكمش المساحات التي تنمو فيها حتى لتعجز عن تقديم الغذاء الكافي للمواشي. وتتوزع الأعشاب والشجيرات القصيرة داخل فلسطين ويتوافق توزعها مع إقليمي السهبوب وشبه الصحراء. وتنمو في مناطق متفرقة سفوح المرتفعات الجبلية والنقب الشمالي والأغوار الوسطى والشمالية وهضبة القدس والخليل كبيئة للمراعي الطبيعية منذ القديم، ولاشتهارها بأعشابها، فقد أثرت بطبيعتها الرعوية في تاريخ المنطقة بعامة، وفي أهميتها الدينية بخاصة. وتنمو الأعشاب هنا في أواخر فصل الشتاء وطول فصل الربيع حتى فصل الصيف، وتعتمد المواشي عليها طوال هذه الفترة غذاء رئيسا لها. ويتجول الرعاة من أفراد القبائل في برية القدس والخليل التي تمتد على طول المنحدرات الشرقية لهضبتهما حتى البحر الميت* شرقاً. وأهم  القبائل اليدوية التي كانت تتجول حتى عام 1948 في طول البرية وعرضها قبائل عرب التعامرة والجهالين والسواحرة والكعابنة والرشايدة وبني عبيد (رَ: البداوة والاستقرار). وأما المراعي في جبال الخليل فكانت تعتمد عليها مواشي بني قيس من سكان الخرب، واعتمد عليها أيضا الرعاة القادمون من قرى الطرف الشرقي للسهل الساحلي الجنوبي. فقد كانوا يأتون إلى بعض الخرب في منطقة الخليل ويقيمون فيها طوال فصل الربيع لرعي قطعاتهم، حتى إذا حل فصل الصيف وجفت الأعشاب عاد هؤلاء الرعاة إلى ديارهم في الغرب بعد حصاد المحصول الزراعي الشتوي في مناطق الأقدام الغربية لجبال القدس والخليل والسهل الساحلي الجنوبي والرعي بقايا المحاصيل الزراعية. وينتقل الرعاة بمواشيهم في رحلة الشتاء الى وادي الأردن ومنطقة البحر الميت، وفي رحلة الصيف الى جبال نابلس وهضبة القدس والخليل. وأما بدو النقب فيقضون فصل الشتاء وفصل الربيع في النقب الشمالي ثم ينتقلون بمواشيهم ضيفاً لرعي بقايا المحاصيل الزراعية في المناطق الوسطى والشمالية من فلسطين. ولكن هذا الوضع لم يعد قائماً بعد عام 1948 نتيجة الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وتتألف المراعي من الشجيرات القزمة والنباتات العشبية والشجيرات الشوكية كشوكة المسيح وشوكة الإبل. واستطاع عالم النبات “بوست” أن يتعرف على آلاف الأنواع من النباتات الشجيرية والعشبية التي منها الريم واللبان والطرفاء والملاح والغرقد والنبق والعوسج والأثل والحور والزقوم والبابير والقصب والسوسن والعشر والصلة. وهي الشجيرات والأعشاب أغنى في المنحدرات الغربية للمرتفعات الجبلية منها في المنحدرات الشرقية الواقعة في ظل المطر، أي سفوح شرقي جبال فلسطين، وهي في الأغوار الشمالية أغنى منها في الأغوار الوسطى ومنطقة البحر الميت. 3) توزيع نباتات إقليم الصحراء – السد (الإقليم الصحراوي): تتألف نباتات الإقليم الصحراوي من شجيرات قزمة وأعشاب شوكية تحولت أوراقها إلى أشواك للتكيف مع طبيعة المناخ الصحراوي الحار الجاف وللتقليل من كمية التبخر والنتح. وفي الأماكن السبخة تنمو بعض الأعشاب الملحية التي تتحمل ملوحة التربة*. وتنتشر النباتات الصحراوية في الأجزاء الجنوبية من الأغوار الوسطى وفي منطقة أريحا وأطراف البحر الميت ووادي عربة* والنقب الأوسط والجنوبي. وأهم هذه النباتات شجيرات السيال (السنط)، وهي نوع من الأكاسيا، وشجيرات الطلح والخضا واللصف والعرعر والطرفاء والأثل والغرقد. وتنمو هذه الشجيرات أعشاب شوكية مثل الخزامى والينبوت والقرذة والرتم والشلوة ولسان الثور. وتربى الابل بأعداد كبيرة في الإقليم الصحراوي إذ تعتمد في طعامها على النباتات الشوكية سالفة الذكر. وإلى جانب الإبل تربى الأغنام والمعز على الأعشاب القصيرة عديمة الأشواك. وأهم قبائل النقب ووادي عربة التي تمارس حرفة الرعي قبائل الترابين والعزازمة والحويطات والأحيوات والتياهة والحناجرة والجبارات والسعيديين. ويمارس بعض أفراد هذه القبائل حرفة الزراعة على نطاق ضيق فيزرعون الشعير كمحصول شتوي رئيس ينتفع به الإنسان والحيوان. وتتجول القبائل اليدوية داخل الإقليم الصحراوي في السنوات العادية بحثاً عن الماء والكلأ. ولكنها تضطر في سنوات الجفاف المتعاقبة إلى الارتجال نحو المناطق الوسطى والشمالية من فلسطين ترعى مواشيها الأعشاب وبقايا المحاصيل الزراعية. وإلى جانب حرفة الرعي يمارس بعض أفراد القبائل حرفة التجارة* غذ يبادلون بمنتجاتهم الحيوانية المنتجات الزراعية والصناعية في أسواق المناطق المستقرة في الأرياف والمدن القريبة منهم. 4) توزيع بيانات اقليم السودان – الداكن (إقليم السفانا): يشتمل هذا الإقليم على الأعشاب الطويلة والأدغال والنباتات المائية. وتنتشر هذه النباتات على شكل أشرطة طويلة بمحاذاة المسيلات المائية، ولا سيما مجرى نهر الأردن*، وعلى شكل تجمعات نباتية كثيفة حول مصادر المياه في المنخفضات والواجبات داخل وادي الأردن. وتتميز هذه النباتات بأنها طويلة كثيفة لارتفاع درجة الحرارة في وادي الأردن من جهة، ولنموها بالقرب من المياه حيث تتوافر الرطوبة الكافية من جهة ثانية. وأهم أنواع هذه النباتات الحلفا والبردي والقصب والقصيب والدفل والزيزفون والأكاسيا والصفصاف والبوص والكافور والحور والزنابق والغاز وزهرة أريحا والزقوم والدوم ويصل أريحا والحناء الحمراء واللوتس وبطاطس أريحا (تفاح سدوم) والغاسول والكالي وسويد البحر الميت والملوحة ونبات الزيت والسنة والكابر والمسواك وغيرها. وتنمو هذه النباتات المائية في سهل الحولة* حول المستنقعات* المائية ومصادر المياه الأخرى، وفي السهول المحيطة ببحيرة طبرية*، وفي سهل بيسان وعلى طول مجرى نهر الأردن، وفي غور فصايل وغور أريحا، وحول ينابيع المياه المحيطة بالبحر الميت كعين جدي وعين الفشخة وغيرهما (رَ: عيون الماء). وقد اعتادت كثير من القبائل البدوية أثناء فترة الانتداب يزول وادي الأردن أثناء موسم الشتاء لرعي مواشيهم بعض هذه النباتات المائية والأدغال الكثيفة الدائمة. وتستفيد هذه القبائل من دفء الشتاء في الأغوار في الوقت الذي تكون الأعشاب في المناطق المرتفعة المجاورة في حالة ركود ونوم حتى فصل الربيع. وأما سهل في الحولة حيث النباتات الطبيعية الكثيفة والمراعي الغنية الصالحة للرعي فقد كان مرتعاً دائماً لمواشي البدو طوال أيام السنة. وكانت بعض القبائل تنزل أثناء فصل الصيف بمواشيها من هضبة الجولان* للرعي في سهل الحولة بعد أن تكون قد أمضت فصل الربيع في رعي النباتات الطبيعية في سهل حوران وهضبة الجولان. ج- الرعي الجائر للنباتات الطبيعية: بالرغم من انتشار النباتات الطبيعية وتنوعها داخل فلسطين فقد ظلت طاقتها قليلة بسبب الضغط المتزايد عليها. وتعرضت المراعي في فلسطين إلى عمليات رعي جائرة منذ القديم وحتى اليوم، الأمر الذي يجعل المراعي عاجزة عن تلبية حاجات الحيوانات من الغذاء. وللرعي الجائر أثر عظيم في منع تحديد نمو النباتات الطبيعية بجميع أنواعها من غابات إلى أعشاب شوكية. ولا ترجع الأضرار إلى أكل الشجيرات وقلعها من جذورها فحسب بل ترجع أيضاً إلى أن الدوس الدائم، ولا سيما على المنحدرات الشديدة، يجعلها أكثر تعرضاً لتأثير عوامل التعرية وتفكك التربة بحيث يمكن للرياح والأمطار جرفها بكل سهولة. وفي الأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية تساوي عملية تخريب الإبل للمراعي عملية تخريب الحيوانات الصغيرة. فالمعز مثلاً ذات قدرة على التسلل حتى إنها تتلف الأشجار وتحول المرتفعات بمرور الوقت إلى صحارى. وتنتقل المعز في الصيف حين تجف الأعشاب وتزول بقايا المحاصيل الزراعية إلى الغابات والأحراج لتلتهم أغصانها وأوراقها. وأما الإبل فإنها تعمل على تدمير السياجات بالتهامها المصدات المزروعة. تتمثل فوضى الرعي في فلسطين في محاولة سيطرة القبائل القوية على أخصب المراعي وحرمان القبائل الأخرى منها. وتكون النتيجة أن تقوم هذه القبائل بإطلاق مواشيها لترعى الشجيرات والأعشاب فتأتي عليها بعد مدة من الزمن ولا تتيح مجالاً لنموها من جديد. وبذلك تصبح المراعي عاجزة عن تقديم طعام كاف للمواشي بالرغم من اتساع رقعة انتشارها. وفي العهدين العثماني والبريطاني ظل الرعي جائراً ولم تجد مراعي فلسطين من السلطات الحاكمة ما يصونها وينظم عملية استغلالها. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل توطأت سلطة الانتداب البريطاني مع الصهيونية وأطلقت يدها في كثير من مناطق الرعي الخصبة كمرج ابن عامر* وسهل بيسان والحولة والسهل الساحلي الشمالي. وساهم الاستعمار الصهيوني في اجتثاث                                            مساحات واسعة من المراعي الخصبة لتحويلها إلى أراض زراعية تابعة للمستعمرات الصهيونية. وقام الكيان الصهيوني منذ عام 1948، ولا يزال يقوم، بطرد كثير من القبائل البدوية من ديارها وحرمانها من أراضي الرعي التي تحولت إلى أراض زراعية مستغلة. كما أنه قام بعزل القبائل البدوية التي بقيت في النقب بعد عام 1948 في معازل فقيرة، وحرمها حقها في التجول داخل النقب بحثا عن الماء والكلأ. وبذلك يمكن القول إن الصهيونيين لم يهملوا قطاع الرعي في فلسطين فحسب بل حاربوه وحاولوا القضاء عليه بحجة الأغراض الأمنية. د- الرعي الحديث: إذا استثنيت القبائل البدوية التي تمارس حرفة الرعي الطبيعي في النقب بالرغم من مضايقات الصهيونيين، وإذا استثنيت أيضاً بعض القبائل الصغيرة المستقرة في الضفة الغربية جامعة بين الزراعة وتربية المواشي في منطقة المنحدرات الشرقية للمرتفعات الجبلية المطلة على وادي الأردن والبحر الميت، أمكن القول إن الرعي الحديث هو القطاع الاقتصادي الفعال في فلسطين المحتلة حالياً – ويقوم هذا النوع الجديد من الرعي على أساس تعميم الزراعة المختلطة التي تنتج طعاماً للمواشي في المزارع مثل الأبقار والأغنام وغيرها. وإذا كان الرعي الطبيعي يقوم على أساس البداوة المتنقلة فان الرعي الحديث يقوم على أساس البداوة المتنقلة فإن الرعي الحديث يقوم على أساس الزراعة المستقرة. وقد عرف الرعي الحديث عند الصهيونيين المستعمرين الأوائل لفلسطين منذ أوائل القرن الحالي. وانتشر تدريجياً ليعم كثيراً من المستعمرات الصهيونية التي يعمل سكانها في الزراعة وتربية المواشي في حين اعتمد معظم الفلاحين العرب على الرعي الطبيعي مع الاستعانة أحياناً بالرعي الحديث. ولكن الرعي الحديث أخذ يدخل بعض المزارع العربية وينتشر تدريجياً في المناطق العربية المحتلة عام 1948 وفي الضفة الغربية. وبالرغم من ذلك إدخال نظام الزراعة المختلطة بين المزارعين في المناطق العربية المحتلة يمثل عبثاً كبيراً على المزارعين العرب لما يتطلبه من نفقات كبيرة واستثمار رؤوس أموال ضخمة لشراء الأبقار اللازمة للمزرعة. ولذلك فإن الرعي الحديث يمارس بصورة قليلة من قبل المزارعين العرب في المناطق المحتلة. كما أن الرعي الطبيعي انكمش في السنوات الأخيرة بسبب التقييدات والعراقيل التي تضعها سلطة الاحتلال الصهيوني للحد من هذه الحرفة.   المراجع:   –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، بيوت 1973. –         Abel; F. M: Geographie de la Palestine, Paris 1933. –         Eig, A.: The flora of Palestine, in Palestine Guide Book, Jerusalem 1941. –         Reifenberg, A.: The Struggle Between the Desert and the Sown, Jerusalem 1955. –         Whyte, R. O: The Fodder Resources of Palestine, Geog., Rev Vol. 39, 1949. –         Whyte, R. O: The Phytogeographical zones of Palestine, Geog, Rev, 1950.