الدستور العثماني (1908)

كان لاصدار الدستور العثماني بعد ثورة 1908 أثر في الأوضاع السياسية والاجتماعية والعسكرية في مختلف أنحاء الدولة العثمانية. ولما كانت فلسطين في عداد البلدان العثمانية فقد كان من الطبيعي أن تتأثر بأحداث الثورة وإعلان الدستور، ولا سيما أن أسباب وملابسات الثورة تتعلق مباشرة بمستقبل فلسطين. وبلغ الاهتمام بأحد السياسيين الفلسطينيين، وهو روحي الخالدي*، وأن دوّن أحداث الثورة ونشرها تباعاً في الصحف العربية المعاصرة يومئذ. والحقيقة أن عرب فلسطين أيدوا ثورة الاتحاديين لأن ذلك يؤدي إلى تحقيق مطالبهم، وعبروا بطرق مختلفة وبمناسبات عدة عن شكرهم لهذه الثورة وأملهم بألا تنحرف إلى المنطقة التي كانوا يشكون منها في السابق. هذا وقد صدرت الإرادة البريطانية بإعادة عمل مجلس المبعوثان* (النواب) وجرت انتخابات جديدة في الولايات العثمانية أسفرت عن انتخاب ستين عربياً بينهم خمسة فلسطينيين لهم: روحي الخالدي، وسعيد الحسيني، وحافظ السعيد* عن متصرفية القدس، والشيخ أحمد الخماش عن لواء نابلس، وأسعد الشقيري* عن لواء عكا. حاولت الأوساط الصهيونية في فلسطين تثبيت قدميها من الناحية السياسية والقانونية فدعت اليهود للانتساب إلى فرع جمعية الاتحاد والترقي* في القدس. وكانت تلك الأوساط قد رشحت للانتخابات أخذ الصهيونيين وهو المسيو ليفي مدير بنك أنجلو – فلسطين في القدس، ولكنه أخفق لمعارضة العرب في فلسطين هذا الترشيح ولضآلة الناخبين اليهود. إلا أن النتائج العامة للانتخابات في مختلف المناطق العثمانية أسفرت عن نجاح خمسة ممثلين عن اليهود. والظاهر أن اجتماعاً عقد بين القنصل البريطاني في القدس وبعض الزعامات الإسلامية والمسيحية العربية لإفهام القنصل أن أهدافهم هي المناواة وعدم التمييز بين مختلف فئات الشعب. ويؤكد القنصل البريطاني تحرر الزعامات الفلسطينية من العقد الطائفية ومن التعصب الديني والثقافي. ويؤكد هذا الاجتماع من ناحية أخرى أن المسلمين والمسيحين في فلسطين ليسوا متعصبين بالنسبة للطوائف الأخرى، والمقصود هنا الطائفة اليهودية التي أخذت بريطانيا على عاتقها حمايتها. وقد عقد اجتماع آخر بين القنصل البريطاني ونائب القدس روحي الخالدي الذي أبلغه أن رأيه هو أن يبحث “المبعوثان” في أول جلسة يعقدها مسألة تعديل الدستور، وأوضح ما سبق أن أعلنته زعماء المسلمين والمسيحين من أنه “لا يعترف بامتيازات المسلمين وأنه في حال وجود مثل هذه التشريعات فإنها تكون نتيجة للجهل”. وأما فيما يختص بالهجرة اليهودية إلى فلسطين فليس هناك مجال للشك في أن زعماء فلسطين الجدد، وفي مقدمتهم روحي الخالدي وسعيد الحسيني وحافظ السعيد، قد أبدوا معارضتهم الشديدة لها، وألقوا في مجلس المبعوثان خطباً كثيرة في هذا الشأن كان لها صدى واسع وناجح ومؤثر في وقف الهجرة اليهودية ولو إلى حين. وكان نواب القدس الشريف قد واصلوا جهودهم لدى الدوائر الحكومية العثمانية للعمل على وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين لأن اليهود باتوا خطراً على المواطن الفلسطيني. والحقيقة أن إدخال الحياة النيابية إلى الإمبراطورية العثمانية قد هيأ منصة هامة للتعبير عن معارضة الفكرة الصهيونية وتوضيح أخطارها وضرورة إيقاف أعمالها في فلسطين. ويقود الحديث عن نشاط نواب فلسطين في مجلس المبعوثان بعد إعلان الدستور العثماني عام 1908 إلى تأكيد ناحية هامة في تاريخ القضية الفلسطينية، وفي دحض الاتهامات الصهيونية القائلة إن الفلسطينيين لم يكونوا يؤثران في مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل الدولة العثمانية. فالواقع يثبت عكس ذلك تماماً، إذ لم يقتصر الأمر على حصول المواطنين العرب، ومنهم الفلسطينيون، على حقوق معينة، ولا سيما المتعلقة بالتمثيل النيابي، بل اشتركوا فعلياً في إدارة البلاد. وكان منهم من تقلد المناصب التنفيذية العليا والمناصب التشريعية والإدارية. ومن آثار إصدار الدستور العثماني وصول بعض الشخصيات اليهودية إلى المبعوثان. وقد أعطي ذلك دفعاً جديداً للحركة الصهيونية في السعي لتحقيق أهدافها في فلسطين. إذ استمر النشاط الصهيوني لاستيطان فلسطين، وعين فيكتور جاكوبسون مدير فرع شركة أنجلو – فلسطين الصهيونية في بيروت ممثلاً للمنظمة الصهيونية في القسطنطينية. وهناك قام بالاتصالات مع اليهود الخمسة للممثلين في البرلمان العثماني الجديد واتفقوا جميعاً على تسهيل مهمة الحركة الصهيونية في فلسطين والسعي للحصول على تأييد الاتحاديين. ولكن الصهيونيين أدركوا بعد فترة قصيرة أن إصدار الدستور العثماني ووصول الاتحاديين إلى الحكم لن يعطيا استيطانهم الشرعية، ولن يقدما لهم وسائل الأمن والاستقرار بالقدر الذي تصوروه ما دام العرب الفلسطينيين يعارضون هذا الاستيطان. وقد عبر الفلسطينيون عن معارضتهم للاتحادين بردود فعل عنيفة تعدت التظاهرات إلى تدمير المصالح الاتحادية. وبعد إعلان الدستور تزايد الوعي الوطني فتكونت في حيفا* مثلاً جمعية من الأعيان تمثل أهالي عدة قرى في قضاء حيفا هدفها الدفاع عن حقوق سكان هذه القرى وحماية أراضيهم من أي تدخل أو اعتداء واتخاذ الاجراءات للوقوف في وجه الحكومة إذا ما تدخلت في شؤونهم. وكان من آثار إعادة إصدار الدستور العثماني 1908 السماح بصدور عدد من الصحف الفلسطينية منها: “النفير العثماني” و”العصا لمن عصى” وكانتا من الصحف المؤيدة للحركة الصهيونية، في حين كانت الأصمعي* والكرمل* من الصحف الوطنية الداعية إلى الاحتراز ومجابهة النشاط الصهيوني. وقد أوردت “الأصمعي” مقالاً هاجمت فيه الوجود الصهيوني المغتصب الغريب ودعت إلى بذل الجهد القومي لبعث التراث والتقاليد الثقافية والحياتية حتى لا تقع فلسطين فريسة بأيدي اليهود. وأعلنت “الكرمل”، أو صحيفة الشعب كما سمت نفسها: أنها “لخدمة الشعب الذي أذلته الحكومة الظالمة. وستنقل شكاويه من أعوان الاستبداد إلى مراجعها الرئيسة، وستنتصر للشعب في كل المطالب العادلة”. ورأى الشعب الفلسطيني في “الكرمل” وصاحبها نجيب نصار* منبراً معبراً عن آرائه وردود فعله تجاه الصهيونية، فتوالت الرسائل عليها تكشف الافتراءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني، وتشكو من الاضطرابات التي تسببها الهجرة الصهيونية في البلاد. ويلاحظ أن الاتحاديين الذين نادوا بالحرية بعد إعلان الدستور سرعان ما قضوا على الحريات، ولا سيما إذا كانت مخالفة لاتجاهاتهم وميولهم السياسية، لأن نشر تلك الشكاوى في الصحف يظهر النفوذ الصهيوني في أوساط الاتحاديين. فسعى كبار الصهيونيين لدى المتصرف فعطل صحيفة الكرمل مدة شهرين لأنها كانت تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني. ولم تصدر الكرمل بعد ذلك إلا بأمر المتصرف ذاته. وهكذا كان الدستور 1908 آثار سياسية ووطنية وثقافية واجتماعية في فلسطين يومذاك، وفي المستقبل، في الوقت الذي تزايد فيه العمل الصهيوني في فلسطين بسبب قوة النفوذ الصهيوني بين أوساط الاتحاديين.   المراجع: –         روحي الخالدي المقدسي: الانقلاب العثماني وتركيا الفتاة، مجلة الهلال، كانون الأول 1908. –         هنري كتن: فلسطين في ضوء الحق والعدل (مترجم)، بيروت 1970. –          Neville Mandel: Turks, Arabs, and Jewish Immigration into Palestine 1882 – 1914, Oxford 1965. –         Yacov, R.: The Zionist Attitude to the Arabs 1908 – 1914.     الدفاع: رَ: “جيش الدفاع الإسرائيلي”