الجَنَوِيُّون

شهدت إيطاليا حركة إحياء للتجارة، ولا سيما في حوض البحر المتوسط، فنمت بعض المدن التجارية الإيطالية نمواً تجارياً وبحرياً خاصاً، ودخلت في صراع مع الكنيسة والإقطاعية والإمبراطورية، ربحت معظم جولاته، وحصلت على بعض الامتيازات. وكانت مدينة جنوة من بين هذه المدن. وقد نال أهل جنوة بعض الامتيازات الجمركية منذ عام 1056م، فكان ذلك خطوة على طريق تكوين دويلتهم. ونشطت تجارة الجنويين في موانىء حوض البحر المتوسط ومدنه. ولا سيما في بلاد الشام. وعندما بدأت الحروب الصليبية تهيأت لتجارة جنوة ومثيلاتها من المدن الإيطالية منافذ جديدة للعمل والنشاط التجاري. قدم أسطول الجنويين مساعدات هامة للحملات الصليبية المختلفة التي كانت تحتاج ايها (رَ: الفرنجة)، فالصليبيون لم يكونوا يمتلكون أساطيل بحرية تساعدهم في الاستيلاء على مدن الساحل السوري من جهة، وكانوا من جهة أخرى بحاجة إلى موارد مالية لموانىء إماراتهم التي أسسوها في المدن السورية، وما كان لهذه الموارد أن تتوافر بدون نشاط تجاري يعوض المقاطعة الاقتصادية الإسلامية للصليبيين. لهذا كله، اعتمد الصليبيون على أساطيل الجنويين وغيرهم من الإيطاليين، وكان لوجدوهم أثر كبير في تنشيط التجارة. وبالمقابل، نال الجنويون امتيازات تجارية خاصة في مدن ساحل بلاد الشام كأنطاكية واللاذقية، وغدت لهم، مع الزمن، أسواقهم وأحياؤهم وكنائسهم ومحاكمهم الخاصة بهم، وأعفوا من الرسوم الجمركية، ومنحوا قسماً من دخل الموانىء التي ساعدوا الصليبيين على احتلالها. وذكرت المصادر اللاتينية المبكرة أنه عندما كان الصليبيون عام 493هـ/ 1099م يحاصرون القدس*، وصل مركبان جنويان إلى يافا* محملان بالمواد الغذائية وأدوات الحصار، ومقابل هذا نال الجنويون حصة وافية من مغانم القدس بعد سقوطها بأيدي الصليبيين. وفي سنة 503هـ وقع ملك القدس بغدوين الأول معاهدة مع الجنويين في مدينة يافا قضت بمنح الجنويين ثلث أسلاب وغنائم أية مدينة يتم احتلالها بمساعدتهم، مع امتلاك شارع واحد خاص فيها. وعلى أساس هذه المعاهدة أسهم الجنويون في احتلال مدينتي أرسوف* وقيسارية*. وفي سنة 506هـ وقع الملك نفسه معاهدة ثانية مع الجنويين قضت بأنه يحق للجنويين امتلاك ثلث دخل ميناء عكا*، وامتلاك كنيسة في المدينة مع السيادة الكاملة على شارع واحد من شوارعها، وبأن يعفى الجنويون من الرسوم والضرائب، وأن يمتلكوا ثلث كل من مدينتي أرسوف وقيسارية مع ثلث أية مدينة يساهمون في احتلالها في المستقبل، وأن يمنح الجنويون شارعاً في كل من القدس ويافا. وقد تعهد الملك بتسليم الجنويين أملاك أي جنوي يموت في مملكة القدس اللاتينية*، كما تعهد بمنح الحماية والأمان للتجار الجنويين وبضائعهم، وأن يدفع للجنويين مبلغاً سنويا قدره 300 قطعة نقدية ذهبية. وكانت هذه المعاهدة قد أبرمت قبل احتلال الصليبيين عكا، وبالفعل أسهم الجنويون في احتلال عكا عام 506هـ، ثم بيروت عام 512هـ. وفيما بعد جدد ملوك الفرنجة في القدس هذه المعاهدة أكثر من مرة، وسمحوا للجنويين بمحاكم خاصة في عكا وصور. وفي مدينة بيروت قام صاحبها حنا إبيلين سنة 618هـ/ 1221م بمنح الجنويين امتيازات تجارية مدينة تضمنت إعفاءهم من الرسوم والضرائب على جميع متاجرهم الصادرة والواردة، مع حق إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الرعايا الجنويين وسوق خاص للسلع الجنوية. ولم تؤثر التقلبات السياسية داخل الوسط الصليبي كثيراً على الامتيازات الممنوحة للجنويين. فعندما كانت تتغير السلطة في مدينة من المدن كان الحكم الجديد يقوم بتأكيد الامتيازات الممنوحة أو بزيارتها. وعندما انفجر الصراع حول عرش القدس بين غي دو لوزنيان وكونراد مونتفرا في سنة 586 – 588هـ/ 1190 – 1192م. (رَ: القدس، مملكة – اللاتينية) سعى كل من الطرفين المتنازعين إلى كسب تأييد إحدى الجماعات الإيطالية ومساندتها، وذلك عن طريق زيادة الوعود بالمنح والامتيازات. ووقف الجنويون إلى جانب كونراد، والبيازنة* مع خصمه. وحصل هذا النزاع في منطقة عكا، لأن القدس كانت قد تحررت على يد صلاح الدين (رَ: حطين، معركة)، ونتيجة لهذا الصراع طرد كونراد البيازنة من صور وثبت الجنويين فيها. وعندما سقطت عكا إثر الحملة الصليبية الثالثة (583هـ/ 1187م)، حدثت مصادمات دموية بين البيازنة والجنويين داخل عكا، ودبر الجنويين مؤامرة للاستيلاء على عكا وتسليمها لكونراد، لكن ريتشارد قلب الأسد تمكن مع البيازنة من كشف المؤامرة وإحباطها، ثم دبر المصالحة بين الجنويين والبيازنة خشية أن ينضم أحد الطرفين إلى المسلمين. ولم يطل عمر هذا الصلح لأن غي لوزنيان صار حاكماً لقبرص، وآلت مقاليد صور إلى حاكم صليبي جديد هو هنري شمباني. ومن جديد تصارع حاكم صور مع غي من أجل عرش القدس، ووقف الجنويون إلى جانب صور، وأدى هذا إلى طرد البيازنة من صور وعكا. لم يتوقف صراع الجنويين وغيرهم من الإيطاليين، ولم ينحصر في البيازنة، بل كان أشد عنفاً مع البنادقة* الذين تمكنوا في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي من السيطرة على القسطنطينية بمساعدة الحملة الصليبية الرابعة، وطردوا الجنويين من الأراضي البيزنطية. لذلك اضطر هؤلاء إلى تركيز نشاطهم التجاري في الشام ونافسوا البنادقة هناك بشدة وعنف، وشهدت عكا في القرن الثالث عشر الميلادي مصادمات دموية بين الجنويين والبنادقة، وقادت هذه المصادمات إلى انقسام الصليبيين في المشرق، وتورطت فيها قوى في أوروبا نفسها، إلى حد أدى إلى تدخل البابوية. وعندما لم تفلح جهود المصالحة تحالف الجنويون مع السلطان المملوكي بيبرس* وتعهدوا بأن يساعدوه على احتلال عكا. وفي الحقيقة، كان أثر الدويلات الإيطالية في الحملات الصليبية كبيراً، وكانت دوافع اسهامهم الأولى الحصول على المزيد من الامتيازات الاحتكارية التجارية. المراجع:   – Atiya, A. S. Crusade, Commerce and Culture, Bloomington 1962. –        Latouche, R.: The Birth of Western Economy, London 1961. –         Pirenne, H.: Medieval Cities, Princeton 1939. –         Pounds, N.J.G: An Economic History of Medieval Europe.   جنيف (مؤتمر -): رَ: السلام للشرق الأوسط (مؤتمر -)