الجمعيات الإسلامية – المسيحية

جمعيات بدأ تشكلها منذ منتصف عام 1918، بعد زمن قصير من احتلال البريطانيين القسم الجنوبي من فلسطين، وقبل جلاء الأتراك العثمانيين عن سائر أنحائها. وكانت مظهراً مبكراً للوعي السياسي المنظم في مواجهة النشاط المنظم للجمعيات واللجان الصهيونية. ظهرت فكرة الجمعية الإسلامية المسيحية إلى الوجود بعد أن بلغ أهل فلسطين نبأ وعد بلفور*، ومع قدوم البعثة الصهيونية إليها برئاسة وايزمان في أوائل نيسان 1918، وأثناء سعي السلطات البريطانية إلى خلق جو من الوفاق العربي – الصهيوني، مما زاد في مخاوف العرب من الصهيونية*، وصعد المعارضة لها والتنديد بأطماعها. كان تأسيس “الجمعية الأهلية” في يافا – وقد انتخب لإدارتها اثنا عشر عضواً، نصفهم من المسلمين ونصفهم من المسيحيين – أسبق في الظهور من الجمعيات الإسلامية المسيحية. ثم قرر زعماء القدس في أيار 1918 تشكيل جمعية عربية يجتمع فيها شملهم، وينشطون في نطاقها في سبيل الدفاع عن كيانهم ومركزهم، والسعي لربط مصير فلسطين بمصير سورية الاستقلال الوحدوي. وقد رفضت السلطات البريطانية الاقتراح بتسميتها “الجمعية العربية الوطنية” حتى لا يكون ذلك اعترافاً منها بحركة عربية. وألزمت زعماء القدس بتسميتها “الجمعية الإسلامية المسيحية” لتظل محلية منقطعة عن الحركة العربية وثورتها القائمة. وكان في ذلك الخير، لأنه قطع الطريق على دسائس الإنكليز الذين تظاهروا بالعطف على المسيحيين. تم في حزيران 1918 تسجيل “الجمعية الإسلامية المسيحية” في القدس* وفقاً لقانون الجمعيات العثماني الذي كان ساري المفعول آنذاك. ومن أعضاء الجمعية موسى كاظم الحسيني* رئيس بلدية القدس، وعارف الدجاني، وجميل الحسيني، وأنطوني الغوري، وخليل سكاكيني*، وشبلي الجمل، وجودة النشاشيبي. وإبراهيم شماس. ثم حذت يافا* وغزة* حذو القدس في تشكيل الجمعية الإسلامية المسيحية. وبعد جلاء الأتراك عن فلسطين وإعلان الهدنة تبعت مدن فلسطينية أخرى القدس ويافا وغزة فأسست جمعيات إسلامية مسيحية (ما عدا مدن المناطق الشمالية التي تأسست فيها فروع للحزب العربي* المعروف بموالاته لبريطانيا). وكانت جمعية نابلس من أفواها وأكثرها وتأثيراً في الحركة الوطنية. اتخذت الجمعيات الإسلامية المسيحية رمزاً لها شارة الهلال وبداخله الصليب، وأخذت على عاتقها مسؤولية المطالبة بحقوق عرب فلسطين في وطنهم، ومناهضة وعد بلفور، والوقوف في وجه الهجرة الصهيونية، والدفاع عن عروبة فلسطين والحيلولة دون عزلها عن الحركة العربية المتمثلة بالثورة العربية وقيادة فيصل. وكان أسلوبها في العمل قائما على الاحتجاجات الرسمية، ورفع العرائض إلى الجهات الدولية وإلى السلطات البريطانية، والمظاهرات وعقد الاجتماعات. وتولت الجمعيات، بهذا الاسلوب السلمي، قيادة الحركة الوطنية خلال شهري تشرين الأول وتشرين الثاني 1918. ومن أمثلة نشاطها الاحتجاجات الخطية والمظاهرة الكبرى التي قادها في القدس موسى كاظم الحسيني في الذكرى الأولى لوعد بلفور 2/11/1918،  ومذكرة جمعية يافا إلى الحاكم العسكري في ذكرى احتلال الجيش البريطاني ليافا في 16/11/1918. في أواخر عام 1918، ومع توارد الأخبار عن قريب عقد مؤتمر الصلح في باريس، وإمكانية عرض المشكلة عليه، ومع ازدياد نشاط الصهيونيين، اقتضت الأسباب إعادة تشكيل الجمعية الإسلامية المسيحية في القدس على أسس جديدة تجمع القوى الوطنية في المدينة وقراها، واقتضت أيضاً العمل على توحيد الجمعيات الإسلامية المسيحية في جمعية واحدة (أو مؤتمر عام) تضع برنامجاً موحداً، وتتبنى أهدافاً واحدة تتقدم بها إلى مؤتمر الصلح. ولتحقيق الهدف الأول أعيد تشكيل الجمعية الإسلامية المسيحية في القدس، وصادقت الحكومة على قانونها. وتبع هذه الخطوة إجراء الاتصالات بين الجمعيات الإسلامية المسيحية، واستجابت كلها للدعوة التي وجهتها جمعية القدس أوائل كانون الثاني 1919 لتكوين الجمعية الفلسطينية، واتفق أن تكون هذه الجمعية الفلسطينية مؤتمراً عاماً ينظر في توحيد النضال والموقف. وقد أخذت الجمعيات الإسلامية المسيحية تختار مندوبيها إلى المؤتمر، وقررت لجنة إدارة “الحزب العربي” في حيفا تحويل الحزب وفروعه في المدن الشمالية، كالناصرة، وطبرية* وصفد*، إلى جمعيات إسلامية مسيحية “توحيداً للقوى والمساعي، ورغبة في التفاهم والتعاضد”. أسفرت عمليات الترشيح عن ايفاد 27 عضواً من الرجال البارزين العاملين في الحقل السياسي وأعضاء الحركات العربية يمتلون الجمعيات الإسلامية المسيحية في مدن فلسطين. وقد انعقد مؤتمرهم الذي يعد المؤتمر العربي الفلسطيني* الأول، في القدس بتاريخ 27/1/1919، وانتخب عارف الدجاني رئيسا له، ومحمد عزة دروزة سكرتيراً. وكان أول أعمال المؤتمر، بعد الموافقة على القانون الداخلي، اقتراح تسمية فلسطين “سورية الجنوبية”. ثم رفع مندوبو الجمعيات برقية احتجاج إلى مؤتمر الصلح في باريس، جاء فيها “واننا نرفع إلى المؤتمر بياناً مفصلاً بالحيف الذي سيلحق بمصالح سكان هذا البلد من مسلمين ومسيحيين، وهم يشكلون الأكثرية المطلقة، من جراء هجرة الصهيونيين إليه واستعمارهم اياه وجعله وطناً قومياً لهم. فنرجو من مؤتمرهم العالي عدم اتخاذ أي قرار يتعلق بهذا البلد، إلا بعد الوقوق على رغباتنا وأمانينا التي سنعرضها”. وقد وضع مؤتمر القدس ثلاثة تقارير بين في أولها وهن دعاوي الصهيونيين، وتحدثت في الثاني عن مصير البلاد الأسود إذا فصلت “مقاطعهم عن سورية العربية المستقلة”، وكان الثالث عن الأراضي، وطالب بمنع بيع وشراء الأراضي حتى ينتهي مؤتمر السلم من أعماله. حدد مؤتمر الجمعيات الإسلامية المسيحية (أو المؤتمر العربي الفلسطيني الأول) مبادىء الحركة الوطنية في ميثاق قومي تفيد به عرب فلسطين ثلاثين عاما.وقد تضمن الميثاق رفض وعد بلفور،والهجرة اليهودية،وللاستقلال التام ضمن الوحدة العربية، وتسمية فلسطين باسم “سورية الجنوبية”. وقرر المؤتمر إرسال وفد إلى دمشق في سبيل تحقيق الميثاق، وآخر إلى مؤتمر الصلح في باريس للدفاع عن حقوق البلاد، وتبليغ الميثاق مدعوماً بالحجج إلى دول الحلفاء. وقد حاول الإنكليز صرف أعضاء المؤتمر عن هذا الميثاق، أو تعديله بما يتفق وسياستهم، خشية أن يكون له تأثير في مصير فلسطين الذي لم يكن قد تقرر رسمياً بعد. أنهى مؤتمر القدس جلساته في 9/2/1919 مقرراً عقد الاجتماع الثاني في نابلس بعد ثلاثة أشهر، ومرسلاً برقية إلى الصحف الأوروبية والأمريكية باسم “مندوبي بلدان سورية الجنوبية العاقدين مؤتمرهم في القدس من مسلمين ومسيحيين” يعلن لجميع الأمم المتحدة في أوروبا وأمريكا عن أمل الأمة العربية في “أن تجد من رجال السياسة العظماء في أوروبا وأمريكا عدلاً وانصافاً”. اشتد نشاط الحركة الوطنية داخل فلسطين في النصف الأول من عام 1919 وفق الخطوط التي رسمها الميثاق القومي، وبأساليب الاحتجاج والمظاهرات. وعلى الرغم من بروز عناصر ومجموعات من الشباب من أعضاء الجمعيات والنوادي الأدبية والفرق الكشفية الأخرى الذين أخذ نشاطهم الوطني يتضح ويقوى، على الرغم من ذلك، ظلت الجمعيات الإسلامية المسيحية تتزعم قيادة الحركة الوطنية، وتبرز في ميادين العمل الوطني، ولا سيما جمعيتي القدس ونابلس. وكانت ترسل العرائض والقرارات المختلفة، وتنظم المظاهرات السلمية وتقودها. من ذلك عريضة الجمعية الإسلامية المسيحية في القدس إلى سكرتير مؤتمر الصلح في باريس احتجاجاً على التصريحات الصهيونية وتفنيداً لحججها التاريخية، وقرارها إلى الحاكم العسكري البريطاني (في الشهر نفسه) بالمطالبة بإعادة المهاجرين اليهود إلى أماكنهم التي قدموا منها. ومن ذلك أيضاً المظاهرتان الكبيرتان اللتان نظمتهما هذه الجمعية في آذار ونيسان 1919 للاحتجاج على وعد بلفور واستمرار الاحتلال البريطاني، وللاعراب عن تمسك الشعب بمطالبة وعروبة وطنه. وقادت الجمعيات الإسلامية المسيحية الحملة من أجل تأكيد الميثاق القومي أمام لجنة كينغ كرين* (وصلت إلى فلسطين في 11/6/1919). واستعدت الجمعيات لمقابلة اللجنة وتقديم العرائض لها، فعقدت الاجتماعات السرية والعلنية لتوحيد مطالب البلاد. وكان أهم هذه الاجتماعات ذلك الذي عقد في منزل اسماعيل الحسيني في القدس بتاريخ 12/4/1919، والذي ضم عدداً من أعضائه جمعية القدس وغيرها من المدن غلى جانب عدد من الزعماء من خارج الجمعيات الإسلامية المسيحية، وانتهى بتوحيد المطالب أمام اللجنة في: “1) أن تكون سورية التي تمتد من جبال طوروس شمالاً إلى ترعة السويس جنوباً مستقلة استقلالاً تاماً ضمن الوحدة العربية. “2) أن تكون فلسطين التي هي جزء لا ينفك عن سورية مستقلة استقلالاً داخلياً، تختار حكامها من الوطنيين حسب رغائب أهلها وحاجات البلاد. “3) نرفض مهاجرة الصهيونيين، ونجتج على أماليهم في فلسطين بكل قوانا. وأما اليهود الأصليون الذين كانوا في البلاد قبل الحرب، فإننا نعتبرهم وطنيين، لهم مالنا، وعليهم ما علينا”. وقد اتفقت الهيئات والجمعيات الوطنية على تكليف الجمعية الإسلامية المسيحية تقديم طلبات الأمة هذه إلى لجنة كينغ كرين التي تبنتها مع بعض التعديلات الطفيفة. وكانت جميع العرائض التي رفعت إلى اللجنة، واجابات جميع الوفود التي قابلتها، متفقة مع قرارات القدس. على صعيد آخر، ظهرت آثار جهود رجال الجمعيات الإسلامية المسيحية في قرارات المؤتمر السوري العام* الذي افتتح في دمشق في تموز 1919، وحضره 23 مندوباً فلسطينياً من أصل 69 مندوباً شاركوا في المؤتمر، وكان معظم المندوبيين الفلسطينيين من رجال الجمعيات الإسلامية المسيحية. فقد عملوا عن إدخال مقررات القدس في قرارات المؤتمر السوري التي قدمت إلى لجنة كينغ كرين، وعلى إثباتها فيما بعد في قرار إعلان الاستقلال وملكية فيصل (8 آذار 1920). ولما رحلت اللجنة الأمريكية، وتأخر البت بإصدار قرار حول مصير البلاد، ونشطت الدعاية الصهيونية، ازدادت المعارضة العربية في فلسطين، وتولت جمعيتا القدس ونابلس الإسلاميتان المسيحيتان، التعبير عن هذه المعارضة بسلسلة من مذكرات الاحتجاج إلى جميع الجهات، وبتنظيم المظاهرات الاحتجاجية ضد البعثة الصهيونية سنة 1920 وضد تعيين هربرت صموئيل مندوباً سامياً، وينشر المقالات في الصحف والمجلات. وكانت مذكرات الجمعيات الإسلامية المسيحية تعبير عن وعي وطني لما يدور في فلسطين وخارجها. وتربط بين المصالح الاستعمارية وقضية تجزئة العالم العربي. وقد ساد البلاد جو من التوتر السياسي ارتفعت حدته بعد صدور قرار إعلان استقلال سورية الطبيعية وملكية فيصل في 8/3/1920. وخشيت السلطات العسكرية أن يتحول التوتر إلى أعمال عنف مسلحة فأصدرت في 11/3/1920 أمراً بحظر المظاهرات. ولما قررت الجمعيات الإسلامية المسيحية عقد مؤتمر ثان لها، منعته السلطات لأسباب أمنية. عقدت الجمعيات الإسلامية المسيحية، اثر صدور مؤتمر سان ريمو*، سلسلة اجتماعات سياسية لتقديم احتجاجات ضد السياسات البريطانية التي ساعدت على تقسيم سورية. ورفعت إلى مؤتمر السلم مذكرة مشتركة تحتج فيها على قرار مجلس الحلفاء الأعلى بفرض الانتداب وادماج وعد بلفور في صكه خلافاً للعهود المقطوعة للعرب. بعد عام 1920 ضعفت الجمعيات الإسلامية المسيحية، وصارت ميداناً للتنافس بين الفئات الحزبية، وانتقلت قيادة الحركة الوطنية عملياً إلى اللجنة التنفيذية التي انبثقت عن المؤتمرات الفلسطينية (رَ: المؤتمر العربي الفلسطيني). وعلى الرغم من ذلك ظلت الجمعيات الإسلامية المسيحية، حتى نهاية العشرينات، من أبرز التنظيمات السياسية في هذه المرحلة، ومن أكثرها تماسكاً. وظلت كممثلة لشعب فلسطين منذ بداية الاحتلال البريطاني، تمارس دورها في اختيار الممثلين أو المندوبين إلى المؤتمرات الفلسطينية المتعاقبة، وترسل المذكرات إلى الحكومة وإلى عصبة الأمم* في جميع المناسبات، وتنظم حملات التبرعات وحركة المقاطعة وعقد الاجتماعات وتقديم الاحتجاجات. وأقدمت سلطات الانتداب، أكثر من مرة، على زج رجال الجمعيات في السجون، واقتحام اجتماعاتها، وإقفال مقراتها أحياناً. وبنتيجة ذلك الاضطهاد أو الملاحقة جددت فروع كثيرة نشاطها وألفت قيادات جديدة لها. وقد تخلى بعضها عن الأسم القديم، للمعنى الطائفي الذي يحمله، فأطلقت جمعية نابلس على نفسها اسم “الجمعية الوطنية العربية”. لقد كان للجمعيات الإسلامية المسيحية أثر في إبراز عدد من الرجال تولوا زعامة الحركة الوطنية في فلسطين آنذاك. ولكن هذه الجمعيات كانت تحرص على تجنب الصدام المباشر بالسلطات البريطانية، لاعتقادها بصعوبة مواجهة قوتها، وكانت تسعى إلى أحداث تغيير في السياسة البريطانية من خلال الاقناع الوطني من شباب الأندية والهيئات والجمعيات الأخرى تتجه إلى الدعوة إلى أسلوب جديد لمواجهة نشاط الجمعيات الصهيونية، وهو إنشاء الجمعيات السرية التي تعد للثورة المسلحة. وقد قادت هذه العناصر عمليات مسلحة ضد المستعمرات الصهيونية في شمال فلسطين. وبلغ العنف المسلح أوجه في انتفاضة القدس التي مهد لها الجو السياسي السائد في البلاد في مطلع نيسان 1920 (رَ: ثورة 1920). المراجع:   –         عيسى السفري: فلسطين بين الانتداب والصهيونية، يافا 1937. –         أميل الغوري: فلسطين عبر ستين عاماً. –         كامل محمود حلة: فلسطين والانتداب البريطاني 1922 – 1939، بيروت 1974. –         محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، ج1، بيروت وصيدا 1959. –         أكرم زعيتر: وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918 – 1939، بيروت 1979. –         عبد الوهاب الكيالي (جمع وتصنيف) وثائق المقاومة الفلسطينية العربية ضد الاحتلال الصهيوني 1918 – 1939، بيروت 1968. –         بيان نويهض الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1918 -1948، بيروت 1980. –         أعداد من جرائد فلسطين، والكواكب والمقطم لأعوام 1918 و1919 و1920. الجمعيات الإسلامية الوطنية: رَ: الحزب الوطني الجمعيات النسائية: رَ: الحركة النسائية جمعية: رَ: الاتحاد والترقي         رَ: الإخاء والعفاف         رَ: الاستعمار اليهودي         رَ: الأمريكيين من أجل تفهم الشرق الأوسط         رَ: إنقاذ فلسطين         رَ: إيحود         رَ: تعاون القرى         رَ: الشبان المسلمين         رَ: الشبان، المسيحية         رَ: العربية الفتاة         رَ: الفدائية         رَ: المشروع الإنشائي العربي         رَ: مقاومة الصهيونية         رَ: مكافحة الصهيونية         رَ: الهلال الأحمر الفلسطيني