الجمعيات الأدبية

كانت الجمعيات الأدبية في فلسطين عاملاً من العوامل البارزة في نهضة هذا القطر العربي الثقافية. ومما يلاحظ على هذا العامل الثقافي أنه لا يخلو من بذور سياسية ناعمة تظهر في العناصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأنه كان باعثاً على وعي التيارات السياسية التي كان المستعمر يخلقها لدفع هذا القطر وجرفه نحو نهاية بعيدة عن مصلحة الشعب العربي فيه. غير أن الجمعيات الأدبية لم تكن مقصورة على فترة الانتداب الإنكليزي في فلسطين، بل سبقت هذه المرحلة. فكان في فلسطين جمعيات أدبية زمن الحكم العثماني. منها في القدس جمعية “سوسة صهيون” فرع جمعية “اتحاد الشبان المسيحيين” بلندن سنة 1877م، وكان أعضاؤها عشرين. ومنها في هذه الفترة جمعية “الغيرة المسيحية” لشبان الروم الأرثوذكس في القدس أيضاً. وكان من جمعيات هذه الفترة المبكرة ثلاث جمعيات أنشئت في عكا* وهي: “شعبة المعارف”، و”جمعية الأدبية الخيرية”، و”جمعية مار منصور”. وكانت هذه الجمعيات الثلاث تجمع الأموال وتنفقها على تعميم المعارف والثقافة، وكذلك على مشروعات خيرية. وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر عرفت فلسطين نشاط “الجمعية الألمانية الفلسطينية” التي عينت بنشر المباحث المطبوعة ذات العلاقة بمختلف شؤون فلسطين. وقد وقفت على نشر المطبوعات الفلسطينية في سنة 1894 -1895. ولكن الجمعية لم تكف عن نشر بحوثها الخاصة بشؤون فلسطين. وفي سنة 1882 أنشئت “الجمعية الارثوذكسية الفلسطينية” التي كان لها مدارس،وكان لها كذلك عناية بدرس أحوال فلسطين درساً تفصيلياً، ووضعت كتباً كثيرة. وقد تأسست أيام الحكم العثماني “جمعية ترقي الآداب الوطنية” في يافا سنة 1908، وكان من أهدافها تربية الشبيبة وتهذيبها، وكانت تصدر نشرة تضمنها خلاصة أعمالها السنوية. وقد عرفت بعض الأوساط في فلسطين الدواوين أو المجالس العائلية التي تشبه الجمعيات الأدبية وغير الأدبية في بعض ما تؤثره في المجتمع. ومن أمثلة هذه المجالس الذي كان يتنتظم في دار عثمان بن سليمان النشاشيبي، والد الأديب الفلسطيني المشهور محمد اسعاف النشاشيبي*. وقد كانت أصداء الفقه واللغة تتردد في ذلك المجلس وأمثاله، وكان ينتظم في ذلك المجلس محمد جار الله، وعارف الحسيني، وموسى عقل، وأسعد الامام، وراغب الخالدي*، وكامل الحسيني المفتي، ورشيد النشاشيبي، وعبد السلام الحسيني وغيرهم، وكان محمد إسعاف النشاشيبي في صغره يتسلل إلى ذلك المجلس، ويسمع هؤلاء الشيوخ يتفاوضون الشعر، ويتذكرون الأدب وسائل الفقه. ورد في مجلة النفائس العصرية (الجزء الرابع – سنة 1911) ما يدل على ظاهرة بارزة في تلك الأوساط الفلسطينية المشار إليها سابقاً كان لها آثار في حياة المجتمع الفلسطيني لا تقل أهمية عن آثار الجمعيات الأدبية المؤسسة بقواعد وأنظمة معروفة. ولعل ذلك يتضح من حكاية رواها الكاتب الروسي المعاصر ثيودورف في جريدة (ريتش)، وهي من الجرائد اليومية المشهورة التي كانت تصدر في بطرسبرغ، قال فيها: “اجتمعت ببعض أدباء القدس في منزل الخواجا بندلي الجوزي* أستاذ الآداب العربية في كلية قازان، وكان معي الخواجا كراتشكوفسكي المستشرق الروسي. وكان قد جاء إلى الشرق في مهمة علمية فأقام في مصر وسورية وفلسطين لهذه العناية سنة ونصف السنة فأتقن اللغة العربية، وتحلى بأخلاق العرب وعاداتهم. أما الأدباء الذين أشرت إليهم فهم الأستاذ خليل السكاكيني* والشاعر الكاتب محمد إسعاف النشاشيبي، وارستقراطي من سلالة الفاتحين جميل الخالدي*. وكان حديثاً بعضه بالفرنسية، وبعضه بالإنجليزية، وأكثره بالعربية، وكان رفيقي المستشرق وصاحب المنزل يترجمان الحديث، وكنت أسمع وأنا مسرور مرتاح، حديث هؤلاء الشبان المتقدمين ذكاء وحماسة ووطنية. وقد علمت أموراً كثيرة مما لا نعلمه نحن الأوروبيين عن هذه الأمة العظيمة بتقاليدها وتاريخها وآدابها، ولا يخفى أن جمهور السياح الأوروبيين إذا كتبوا شيئاً عن سورية وفلسطين إنما يلتقطون ذلك من أفواه الحوذيين والحمالين والباعة المتجولين ….” إلى أن يقول: “كنت جالساً أسمع اللهجة العربية وكأني أسمع أنغاماً موسيقية جميلة يستشف منها القوة والعناد وكأن تلك الألفاظ نار تستعر حدة ….”. ثم يقول: “وبعد أن مضى هزيع من الليل اقترحت على النشاشيبي أن يسمعنا شيئاً من شعره، فأنشدنا قصيدة في الحرية (ذكرى فتاة مكدونيا) ارتحت إليها كل الارتياح، وأكبرت المعنى العربي العظيم في اللفظ العربي الفخيم، وخلت كأني أسمع أصوات جمهور لا فرد. كان هذا الشاعر يقرأ قصيدته وفي كل نبرة من نبراته معان عظيمة. وقد ظهر لي وهو يقرأ نشيطاً عنيداً متحمساً. هذا الشاعر عربي قبل كل شيء، ومسلم، ولكنه ممتزج مع إخوانه المسيحين امتزاج الراح والماء”. وقد استمر هذا اللون من المجالس في المجتمع الفلسطيني، وبخاصة في المدن. وقد عرف من بعض الأدباء، مثل خليل السكاكيني، واسحاق موسى الحسيني، وعادل جبر* وغيرهم اللقاء المتواصل في هذا النوع من المجالس. على أن فلسطين عرفت أيضاً الجمعيات الأدبية المنظمة ذات النشاط المرموق في معظم مدنها ومراكزها البارزة. وحتى في بعض قراها. فكانت في القدس مثلاً “جمعية الآداب الزاهرة” تمارس نشاطها الأدبي منذ سنة 1898م. وكان رئيسها داود الصيداوي، وأعضاءها عيسى العيسى*، وفرج فرج الله، وأفتيم مشبك، وشبلي الجمل، وجميل الخالدي، ونخلة ترزي، وخليل السكاكيني. وفي سنة 1908 سعى خليل السكاكيني في اجتماع عقد في منزل موسى شفيق الخالدي إلى تأسيس فرع لجمعية الإخاء العربي، وانتخبوا نحو خمسة عشر شخصاً ليؤلفوا هيئتها العامة، منهم حنا العيسى*، والمعلم نخلة زريق*، وكان تأسيسها للعمل النافع. ويقول سليم سركيس حسين زار القدس* سنة 1920، في رسالة منه لخليل بيدس: “وقد سرني من القدس الشريف أن فيها “جامعة للأدباء” لم أوفق إلى مثلها في دمشق أو حيفا”. فقد قضيت نحو أربعين يوماً في عاصمة المملكة السورية، وقابلت فيها عدداً كبيراً من الأدباء، ولكن شملهم متفرق، فلا يجتمعون في مكان معين أو زمان، شأننا في مصر. وأما في القدس فإن ليوث الأدب يأوون إلى عرين خاص يتهيبه من لم يكن في طبقتهم …”. إلى أن يقول: “وقد بلغ من إعجابي بمجلسهم في القدس أنني، كما تعلم، كنت أول من حضر وآخر من انصرف”. وكان النادي العربي* في القدس يقيم المساعدات الأدبية، ويسميها “سوق عكاظ” سنة 1924، ويوزع الجوائز على الفائزين في الشعر في مواسم النبي موسى. وقد تأسست “لجنة الثقافة العربية في فلسطين” صيف 1945 لخدمة الثقافة العربية بمختلف الوسائل، وللتعاون مع المؤسسات الثقافية في البلدان العربية. وقد نظمت سلسلة محاضرات، وكان سكرتير هذه اللجنة اسحق موسى الحسيني، ولعل أهم ما قامت به من نشاط معرض الكتاب العربي الفلسطيني الأول الذي أقيم في نادي الاتحاد الأرثوذكسي العربي بالقدس من 11-20/10/1946، وأثمر كتاباً بأسماء الكتب الفلسطينية التي أمكن جمعها في ذلك المعرض، وطبع بمطبعة اللواء التجارية بالقدس. وكان “الجمعية الشبان المسيحية” في القدس نشاط ثقافي واجتماعي ورياضي. أما حيفا فقد تأسست فيها، على أثر الاحتلال البريطاني لفلسطين، جمعيتان هما: “الجمعية الإسلامية” ورئيسها مفتي حيفا الشيخ محمد مراد، و”الجمعية المسيحية” ورئيسها الوجيه فؤاد سعد. وكان لهاتين الجمعيتين الفضل في عقد أول مؤتمر فلسطيني رسمي عام مثل جميع طبقات الشعب من جميع جهات فلسطين، وأقرت الحكومة أنه لسان حال الشعب عموماً، وقد عقد في حيفا من 13-19/12/1920 وهو المعروف بالمؤتمر الفلسطيني الثالث العام الذي ترأسه موسى كاظم الحسيني*. وكان نواة العمل والحياة للأمة. وقد عقد هذا المؤتمر باقتراح الشيخ سليمان التاجي الفاروقي*. كانت في حيفا، عدا هاتين الجمعيتين وتلك الجمعيات الطائفية الخيرية، والأخوات الدينية الكثيرة العدد “جمعية الشبيبة المسيحية”، وهي جمعية أدبية أنشئت من أجل بحث الأمور الأدبية وتمثيل المسرحيات، وكان رئيسها الشاب أديب الجدع. وقد أعيد تأسيس هذه الجمعية في 17/11/1979. وهي الجمعية نفسها التي كانت معروفة قبل الحرب باسم “نهضة فتيان الروم الكاثوليك”. وكان في حيفا جمعيتان نسويتان: الأولى “جمعية السيدات” (مسيحية)، والثانية “جمعية تهذيب الفتاة” (إسلامية). ولعل من أبرز ما أسس في حيفا “جمعية النهضة الاقتصادية العربية” وكان من أعضائها علماء وأدباء ومحامون ومفكرون وصحفيون. وكانت غايتها النهوض بالبلاد علمياً وتهذيبياً واقتصادياً وأخلاقياً. وكان من المنادين بتأسيسها نجيب نصار* صاحب جريدة الكرمل*، وقد احتفل بافتتاحها في 22/2/1922. وكان لهذه الجمعية الحق في تكوين هيئات فرعية في القرى، وبدأت تؤسس نقابات لكل مهمة وصنعه وفن. وكان من بين هذه النقابات “حلقة الأدب”، وغايتها تعزيز اللعة العربية، وتشجيع فن الخطابة، والنظر في كل قضية من نقائص مجتمع حيفا الأدنى وإصلاحه، والعناية بالتعليم، ونشر الكتب الأدبية. وقد قامت فكرة تأسيس الحلقة في رأس توفيق زيبق. وأحدثت هذه الحلقة نشاطاً كبيراً بالحفلات والمحاضرات والمسابقات للتأليف المسرحي وغيره. وهناك نواد أخرى أنشئت في حيفا. كالنادي المختلط للعائلات، وكالنادي العربي، ونادي موظفي السكة الحديدية، والنادي الكاثوليكي. أما يافا* فقد عرفت الجمعية الإسلامية المسيحية* والنادي القومي اللذين كانا دائبي النشاط في المناسبات الأدبية. وقد أسس محمد أديب العامري* مع مجموعة من مواطنيه في يافا “نادي الطلبة” الذي كان فرعاً لمؤتمر الطلبة العربي العام المنعقد في بيروت سنة 1925. وكان يطلق على شباب هذه الحركة اسم “حملة الفكرة الاستقلالية” مما كون نواة لدعم العمل السياسي الذي كانت تقوم به الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا آنذاك، ويشاركها فيه المجلس الإسلامي الاعلى* وبعض الهيئات السياسية والاجتماعية الفلسطينية. وقد اتجه عمل هذه المجموعة النشطة الحرة من الشباب في الدرجة الأولى إلى فتح العيون على النشاط الاستعماري البريطاني وأحابيل الصهيونية. وبذلك نظمت هذه المجموعة المظاهرات والمحاضرات والرحلات لفضح التواطؤ بين الاستعمار البريطاني والصهيونية في عدوانها على فلسطين بالهجرة واختلاس الأراضي وبالشاذ من القوانين. ولعل من أنشط النوادي الفلسطينية “النادي العربي” في يافا. فقد كان أعضاؤه من الشبان الواعين الذين اهتموا بنقل مسؤولية التعليم في المدارس العربية من الإدارة البريطانية إلى إدارة عربية لأن اليهود كان لهم إدارة مستقلة في مدارسهم (رَ: التربية والتعليم). وكان هذا النادي جم النشاط في الحقول الأدبية والثقافية والاجتماعية، وخاصة في السنوات التي سبقت نكبة فلسطين سنة 1948. ولم يقتصر نشاط الجمعيات والأندية على القدس وحيفا ويافا بل عرفته غزة* “في النادي الأرثوذكسي” وغيره، وعرفته الناصرة* في “النادي الأدبي”، وعرفته بيت لحم* في “نادي الشبيبة التلحمية” الذي كان يغتنم الفرص لإقامة حفلات تكريم كبيرة للأدباء والشعراء وكبار المستشرقين حين يمرون بالبلاد. فحين أراد خليل مطران الاصطياف في رام الله* سنة 1925 أقيمت له حفلات التكريم في القدس وبيت لحم، ويافا، والبيرة، وطولكرم*، وقلقيلية*، ورام الله نفسها. المراجع:   –         عبد الرحمن ياغي: حياة الأدب الفلسطيني الحديث، بيروت 1968. –         هاشم ياغي: محمد أديب العامري، عمان 1979. –         ناصر الدين الأسد: الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن، القاهرة 1957. – يعقوب العودات: من أعلام الفكر والأدب في فلسطين، عمان 1976.