الجماعة الاقتصادية الأوروبية وفلسطين

لا يمكن البحث في موقف مشترك محدد للجماعة الاقتصادية الأوروبية إزاء قضية فلسطين إلا بعد أن أقرت مؤتمرات قمة الجماعة في لاهاي (كانون الأول سنة 1969) ثم في باريس (سنة 1972) أشكالا متقدمة من التعاون في السياحة الخارجية لأعضائها إلى جانب تعاونها الاقتصادي الذي كان قائماً منذ الخمسينات. وقد وضعت الجماعة في تقرير لكسمبورغ الصادر في 20/7/1970 أهداف التعاون العملي في السياحة الخارجية ووسائل هذا التعاون، من اجتماعات دورية للمديرين السياسيين في وزارات الخارجية، إلى اجتماعات “فرقاء العمل” الذين يتم تأليفهم لمعالجة موضوع محدد، ومن اجتماعات دورية لوزراء الخارجية إلى مؤتمرات القمة. وقد أنشأ مؤتمر القمة المنعقد في كانون الأول سنة 1974 “المجلس الأوروبي” الذي يضم رؤساء الدول والحكومات يرافقهم وزراء الخارجية، ويجتمع ثلاث مرات في السنة ليدرس مشكلات أوروبا الداخلية والخارجية وكل المسائل الدولية التي تمس مصالح الجماعة سعياً لاتخاذ مواقف مشتركة وقد تبلور أول موقف موحد للجماعة إزاء أزمة الشرق الأوسط وقضية فلسطين بعد أن أرست قواعد هذا التعاون السياسي وأنشأت أجهزته في الإعلان الصادر عن وزراء خارجيتها في 6/11/1973، على أثر حرب تشرين (رَ: حرب 1973). وقد نصت الجماعة في هذا الإعلان على أن اتفاق السلام يجب أن يبنى على المبادىء التالية: “1) عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة. 2) ضرورة إنهاء إسرائيل احتلال الأراضي الذي ما زال مستمراً منذ نزاع سنة 1967. 1)   احترام السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال لكل دولة من دول المنطقة وحقها في العيش في سلام ضمن حدود آمنة معترف بها. 2)   الاعتراف بأنه في حال إقامة سلام عادل ودائم يجب أن تؤخذ بالحسبان الحقوق المشروعة للفلسطينيين”. كانت هذه المرة الأولى التي تخص فيها الجماعة بالذكر الصريح “الحقوق المشروعة للفلسطينيين”، رغم ما في هذا التعبير من غموض. وكان ذلك تطوراً ملحوظاً ايجابياً نحو القضية الفلسطينية دفع مؤتمر القمة العربي* المنعقد في الجزائر في تشرين الثاني 1973 إلى الترحيب بإعلان الجماعة، وإلى إرسال وفد من وزراء الخارجية العرب ليبلغ وزراء خارجيتها الذين كانوا مجتمعين في مؤتمر القمة الأوروبي في كوبنهاغن التقدير العربي لهذه المبادرة، ويقترح على الجماعة الدخول في حوار عربي – أوروبي يهدف إلى تعزيز العلاقات في كل المجالات. وقد أسفرت هذه الزيارة آنذاك عن ولادة الحوار العربي – الأوروبي. أن هذا الحوار لم يبدأ في أوائل سنة 1974، كما كان متوقعاً له. لأن الجانب الأوروبي عد اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية* في الوفود العربية اعترافاً من الجماعة الأوروبية بالمنظمة، أمر لم تقرره. حين أصر الجانب العربي على اشتراك المنظمة كعضو من أعضاء جامعة الدول العربية، وكاد الحوار يتعطل بسبب هذه الحقبة لولا أن اقترحت الحكومة الفرنسية صيغة وسط للحوار، فيجري بين وفد أوروبي ووفد عربي، ولا يحمل أعضاء كل من الوفدين أسماء البلاد التي ينتمون إليها. وبذلك يحق لكل وفد إدخال من يشاء بين أعضائه من الخبراء، ولا تعود قضية الاعتراف مطروحة. وقد قبل الجانبان هذا الحل الوسط تيسير البدء الحوار. غير أن الجانب العربي ظل يطالب الجانب الأوروبي بالاعتراف اعترافاً كاملاً بالمنظمة، ويصر على أن يكون الحوار شاملاً للنواحي السياسية والاقتصادية ولا مقتصراً على الأخيرة فقط. وبالفعل تميزت الدورة الأولى للجنة العامة للحوار العربي – الأوروبي المنعقدة في لكسمبورغ في أيار سنة 1976 على مستوى السفراء بتطرقها للقضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط، وجاء البيان المشترك الصادر عنها يقر، إلى جانب ارتباط الأمن الأوروبي بأمن منظمة البحر المتوسط والمنظمة العربية، بأن “حل القضية الفلسطينية المبني على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هو عامل حاسم في تحقيق سلام عادل”. وهكذا طرأ عامل جديد على موقف الجماعة الأوروبية، إذ أصبحت “الحقوق المشروعة” التي تعترف بها حقوقاً “للشعب الفلسطيني”. أي أنها اعترفت للمرة الأولى بهوية الشعب الفلسطيني. تقدمت الجماعة الأوروبية خطوة أخرى إلى الأمام في الصف الثاني من سنة 1976، فوضحت بعض جوانب الهوية التي أصبحت تعترف بها للشعب الفلسطيني. وأعلنت في 28 أيلول خلال المناقشة العامة أمام الجمعية العامة على لسان مندوب هولندا – وكانت لها رئاسة المجموعة آنذاك – أن “حلاً للنزاع في الشرق الأوسط لن يكون ممكناً إلا إذا ترجم إلى الواقع حق الشعب الفلسطيني بالاعراب الفعلي عن هويته الوطنية”. واعتبر هذا التصريح في اتجاه الاستجابة للمطلب العربي الذي كان الجانب العربي يؤكده في كل مناسبة في الحوار العربي – الأوروبي، وهو أن يكون الاعتراف الأوروبي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مقروناً بموقف عملي لتحقيق هذه الحقوق فعلاً. وجاء نعت الهوية بالوطنية تقدماً آخر نحو الاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة لهذا الشعب، لأن تعبير الحقوق المشروعة يحتمل الكثير من التأويل، وترجمة هذه الهوية الوطنية إلى واقع معناه أن يكون لهذا الشعب كيانه الخاص. وقد تبلور هذا الايضاح بكلمة أخرى ألقاها مندوب هولندا أمام الجمعية العامة ابان مناقشتها لقضية الشرق الأوسط، إذ أعلن أن الجماعة الأوروبية ترى أن “ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في الاعراب الفعلي عن هويته الوطنية يمكن أن يضم قاعدة على الأرض في إطار تسوية متفاوض عليها”. ومعنى ذلك أن الجماعة أصبحت تعترف بإمكان أن يقوم هذا الكيان الفلسطيني الخاص على وطن للشعب الفلسطيني، وإن تحاشت تعبير “الوطن”. وقد سارت مواقف الجماعة الأوروبية خلال سنة 1977 خطوات جديدة نحو تفهم القضية العربية العادلة، لولا أن انتهت السنة بإقدام الرئيس المصري أنور السادات على زيارة القدس المحتلة ثم دخوله في مباحثات منفردة مع (إسرائيل)، فنعقد الموقف بعد أن كاد يجنح إلى الوضوح والاقتراب من توافر العناصر النظرية للحل الشامل العادل. 1)   ففي الدورة الثانية للجنة العامة للحوار العربي- الأوروبي التي عقدت في تونس في أوائل شباط 1977 لم يكرر الجانب الأوروبي موقفه فقط من “أنه لا يمكن حل النزاع في الشرق الأوسط، ما لم تتم ترجمة حق الشعب الفلسطيني في التعبير الفعال عن هويته الوطنية إلى واقع”، بل تعدى ذلك إلى الاعراب عن “قلق الدول التسع إزاء استقرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية منذ عام 1967″، وعن تمسكها بأن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق على الأراضي العربية المحتلة”، وعن “معارضتها لسياسة إقامة المستعمرات لأنها لا بد أن تلحق الضرر بإمكانات السلام”، وعن “معارضتها لأي عمل من طرف واحد لتغيير الوضع في القدس”. ولم يسبق للجماعة الأوروبية أن اقتربت إلى هذا الحد من إدانة (إسرائيل) بسبب استمرار الاحتلال وممارستها في الأراضي العربية المحتلة. 2)   وفي 29/6/1977 أصدرت الجماعة الأوروبية بعد اجتماع مجلس وزرائها بياناً يعد الوثيقة الأساسية الجديدة التي تحل محل بيان 6/11/1973. إذ يفسر بتفصيل مواقف الجماعة من أزمة الشرق الأوسط، ويطور البيان الأسيق تطويراً ملموساً. فإلى جانب المطالبة بالمبادىء الأساسية التي تضمنها بيان 6/11/1973 ذكر البيان الجديد أن “الدول التسع مقتنعة بأن حلاً للنزاع في الشرق الأوسط غير ممكن إلا إذا ترجم إلى الواقع الحق للمشروع للشعب الفلسطيني بالإعراب الفعلي عن هويته الوطنية، وأن (هذا الحل) يجب أن يأخذ بالحساب ضرورة وأن يكون للشعب الفلسطيني وطن. وهي (أي الدول التسع) تعتبر أن ممثلي أطراف النزاع، بما فيهم الشعب الفلسطيني، يجب أن يشتركوا في المفاوضات بشكل مناسب يحدد بالتشاور بين جميع الأطراف المعنية. وفي إطار تسوية شاملة يجب أن تكون إسرائيل مستعدة للاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وكذلك يجب أن يكون الجانب العربي مستعداً للاعتراف بحق إسرائيل في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها فأمن دول المنطقة لا يقوم عن طريق اكتساب الأراضي بالقوة، بل على تعهدات سلام تتبادلها كل الأطراف المعنية في إطار عن تصور إنشاء علاقات سلمية حقيقية”. هذا ما ورد في بيان 29/6/1977، ويلاحظ أن فيه تجنباً لذكر منظمة التحرير الفلسطينية التي استمر أعضاء الجماعة على موقعهم من عدم الاعتراف بها اعترافاً كاملاً إلا إذا كانت المنظمة مستعدة للاعتراف بحق (إسرائيل) في الوجود، أو تعديل ميثاق المنظمة، فلا تدعو إلى إزالة (إسرائيل). كما يلاحظ أن عبارات البيان تحاشت ذكر حق تقرير المصير صراحة، وإن كان الاعراب الفعلي عن الهوية الوطنية، وشمول التسوية لقاعدته أرضية، يعدان خطوة نحو تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير والعودة. ومعروف أن (إسرائيل) تقف عقبة في وجه التمثيل الفلسطيني المستقل. ولكن البيان على كل حال يعترف للشعب الفلسطيني بهوية وطنية،ووطن، وممثلين، وبحق الشعب الفلسطيني، بل بضرورة اشتراك ممثليه في المفاوضات. وأخيراً تبدو التسوية الشاملة في نظر الجماعة الأوروبية غير ممكنة بدون مراعاة هذه العناصر الأساسية المتركزة على القضية الفلسطينية وتفرعاتها. 3)   أكدت دورة اللجنة العامة للحوار العربي – الأوروبي المنعقدة في بروكسل في تشرين الأول 1977 هذا البيان الذي تناولته (إسرائيل) بالنقد العنيف. وتصاعد في بيانات رئيس الجماعة الأوروبية شجب ممارسات (إسرائيل) في الأراضي العربية المحتلة. وظل العرب يطالبون الأوروبيين بالأعتراف صراحة بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره دون موارية، وبكل ما يتبع هذا الحق من إجراءات، وبالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. أتت زيارة الرئيس المصري للقدس في تشرين الثاني من سنة 1977 عوناً (لإسرائيل) في إحباط ما يقع عليها من ضغط متزايد. وكان من الطبيعي أن يستنير نبأ الزيارة في البدء بعض الحماسة في أوساط الجماعة الأوروبية. ولكن لم يمض سوى وقت قصير حتى بدأت حكومات الجماعة الأوروبية بالتزام الحذر في حكمها عليها وعلى نتائجها. فلقد جاء خطاب مناحيم بيغن في الكنيست* يؤكد بعد (إسرائيل) عن الأخذ بمبدأ الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وإصرارها على إنكار وجود الشعب الفلسطيني، بل أن تكون له حقوق وهوية ووطن. أعرب البيان الذي أصدرته الجماعة الأوروبية إثر الزيارة عن الأمل بأن يفتح “هذا الحوار الذي يبدأ في القدس الطريق إلى مفاوضة شاملة تؤدي إلى تسوية شاملة عادلة دائمة تأخذ بالحساب الحقوق والاهتمامات لكل الأطراف المعنية”. ولكنه أكد أن “من الملح أن يقوم في النهاية سلام لكل شعوب المنطقة، بما فيها الشعب الفلسطيني، على الأسس التي اعترفت بها الجماعة الأوروبية والتي ذكرت على الأخص في تصريح المجلس الأوروبي في 29/6/1977”. وأخيراً كان إعراب الجماعة عن أملها بأن “يكون من الممكن جمع مؤتمر جنيف في مستقبل قريب” استبعاداً منها لقدرة المفاوضات الجزئية على تحقيق أي تقدم على طريق الحل الشامل. وقد تبلور عدم تغيير موقف الجماعة بسبب ما تم من مفاوضات ثنائية بشكل أوضح في التصريح الصادر عن مجلسها الوزاري في 19/9/1978، على أثر التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد*. فهذا التصريح، وأن هنأ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر على شجاعته وقدر جهود السادات وبيغن، ذكر بأن الدول التسع “كانت لسنوات عديدة تدعو إلى تسوية سلمية عادلة شاملة ودائمة على أساس قراري مجلس الأمن رقم 242 و338، وأنها ما زالت ثابتة على تصريح المجلس الأوروبي الصادر في 19/6/1977”. لكن الجماعة ظلت تهمل في تصريحاتها ذكر منظمة التحرير الفلسطينية، مما دفع الجانب العربي في الدورة الرابعة للجنة العامة للحوار العربي – الأوروبي التي عقدت في دمشق في كانون الأول 1978 لمطالبة الجانب الأوروبي بأن تتخذ الجماعة الأوروبية الخطوة المطلوبة بالاعتراف الكامل بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد “آن آلاوان لهذا الاعتراف”. وقد أراد الجانب العربي بذلك إشعار الجماعة الأوروبية بأن الحوار سيتوقف إن لم يتحقق هذا الاعتراف. غير أن الحوار العربي- الأوروبي تجمد سنة 1979 بسبب ما أصاب الموقف العربي من نكسة بتوقيع معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية* في 26/3/1979، ثم كان انتقال مقر جامعة الدول العربية إلى تونس ومصادرة الحكومة المصرية لأموال الجامعة ووثائقها وما تركته هذه المصادرة من آثار سلبية على قدرة الجامعة على التحرك السريع. في تلك الأثناء كانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تضغط على الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية كي تصدر تصريحاً بتأييد المعاهدة. إلا أن التصريح الصادر عن الجماعة في 26/3/1979، بالرغم من تقديره للجهود التي بذلت للتوصل إلى المعاهدة المصرية – الإسرائيلية، أصر مجدداً على التذكير بيان الجماعة الصادر في 29/6/1977، والتشديد على أنه “لا يمكن إحلال سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط إلا في إطار تسوية شاملة ترتكز على قراري مجلس الأمن 242 و338، وتجسد في الواقع حق الشعب الفلسطيني بوطن له”، ولهذا يجب أن تشترك في الاتفاق الشامل “كافة الأطراف المعنية، بما فيها الشعب الفلسطيني”. وانتهى البيان إلى الإعراب عن الأمل “في أن تتحاشى كافة الأطراف المعنية أي تصريح أو عمل يناقض البحث عن السلام، كسياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي المحتلة” فبين هذا التخصيص ابتعاد السلوك الإسرائيلي عن المقتضيات الجوهرية للسلام الشامل، وهو الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وعدم الانتقاص منها. فسياسة الاستيطان الإسرائيلي مثلاً تعارض هذه الحقوق في الجوهر. خلاصة القول إن مواقف الجماعة الاقتصادية الأوروبية تدرجت في التقدم منذ سنة 1973 حتى آخر سنة 1979، فأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاعتراف صراحة بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، وبتكوين كيان خاص له، والتمتع بوطن. ولكن الجماعة ككل، والدول التسع الداخلة فيها على انفراد، ظلت حتى نهاية سنة 1979 تتجنب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية اعترافاً كاملاً كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وحجتها في ذلك أن سياستها في التوازن بين العرب و(إسرائيل) تقتضي منها مطالبة المنظمة بالاعتراف (بإسرائيل) حتى يكون بامكانها هي الاعتراف بها، والضغط على (إسرائيل) للاعتراف بها. فهي تأخذ بالتوازن الذي أقامه قرار مجلس الأمن رقم 242 بقرنه الانسحاب من الأراضي المحتلة بالاعتراف بأن “لكل دولة من دول المنطقة الحق بالعيش داخل حدود آمنة معترف بها” وتضيف إليه أنه، لكي تطالب باستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة، يجب أن يعترف ممثلو هذا الشعب (لإسرائيل) بحق الوجود. واستناداً إلى هذا المفهوم أخذت الجماعة تفكر في ابتداع عملية سلام يكون فيها الاعتراف متزامناً، متبادلاً، قائماً في الوقت نفسه على مبادىء الانسحاب والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والاعتراف بحق كل دولة في المنطقة، بما فيها (إسرائيل)، بالوجود والاستقلال والسلامة الإقليمية. ولهذا فقد كان الحديث في مطلع سنة 1980 عن إمكان قيام الجماعة الأوروبية بمبادرة مستقلة للخروج من جمود الوضع، ولا سيما أن ما سمي بمفاوضات الحكم الذاتي بين مصر و(إسرائيل) والولايات المتحدة لم يسفر عن أي تقدم في اتجاه حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية وفي طليعتها حقه في تقرير المصير. ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، أثناء زيارته بعض الأقطار العربية في آذار 1980، واعترافه بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي لهذا الشعب، تشكل مؤشراً لتلك البادرة المتوقعة من الجماعة الاقتصادية الأوروبية. وقد جاء “بيان البندقية” الصادر عن مجلس وزراء الجماعة الذي اجتمع في مدينة البندقية في 12و13/6/1980 يبلور آخر تطور لموقف الجماعة من القضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط، دون أن يتضمن ذلك مبادرة محددة سوى الإعراب عن نية الجماعة في القيام باتصالات لاحقة مع كل الأطراف المعنية للاستغلام عن مواقفها بالنسبة إلى المبادىء التي تضمنها الاعلان، تمهيداً لإقرار شكل المبادرة الأوروبية المتوقعة. وقد كرر البيان اعتبار قراري مجلس الأمن 242 و338 أساساً المحلي، وركز على المبدأين اللذين “قبلتهما الأسرة الدولية بالإجماع” فطالب بوضعهما موقع التنفيذ، وهما “الوجود والأمن لكل دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، والعدالة لكل الشعوب، وهذا يتضمن الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”، مضيفاً إلى ذلك أن تسوية يجب أن تكون مضمونة بضمانات “تقدمها الأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن، وفي حالة اللزوم، على أساس إجراءات متفق عليها بالتبادل”. ويقر البيان بأن المشكلة الفلسطينية ليست مجرد مشكلة لاجئين، وأن الشعب الفلسطيني “يجب أن يتمكن، بطريقة ملائمة في إطار تسوية شاملة للسلام، من ممارسة حقه في تقرير مصيره ممارسة كاملة”، كما ينص على أن موضوع منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن “يربط بالمفاوضات”. وأخيراً يعلن البيان عدم قبول الدول التسع “أية مبادرة وحيدة الطرف تهدف إلى تغيير وضع القدس”. وعلى هذا يقترب موقف جماعة التسع – بعض الاقتراب ولو يشكل ناقص ومفيد – من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ولكنه ما زال يقيد ممارسة هذا الحق بطريقة ملائمة تتحدد في إطار تسوية شاملة للسلام، وهذا يعني اخضاع هذه “الطريقة الملائمة” لموافقة (إسرائيل)، لأنها طرف في التسوية الشاملة، فممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره ليست مطلقة من القيود كما ينبغي أن تكون عليه وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. كذلك يشير البيان إلى منظمة التحرير الفلسطينية دون أن يعترف بها بعد، ويطالب “بربطها” بالمفاوضات، ولكنه لا ينص صراحة على مشاركتها الكاملة. أما الاتصالات التي أزمعت الجماعة إجراءها فقد تبلورت بايفاد وزير خارجية اللوكسمبورغ، رئيس مجلس وزراء الجماعة آنذاك، ليزور عواصم بلاد المنظمة خلال شهري تموز وآب 1980، ويستفضي مواقفها، ويقدم تقريراً عن مهمته إلى مؤتمر رؤساء دول الجماعة. وقد قدم وزير خارجية اللوكسمبورغ تقريره إلى مؤتمر القمة الذي عقد في لوكسمبورغ يوم 2/12/1980، وضم رؤساء دول الجماعة ورؤساء حكوماتها، وأشار هذا المؤتمر في بيانه الختامي إلى “أن مبادىء إعلان البندقية تتضمن العناصر اللازمة لتسوية شاملة وعادلة ودائمة يتم التفاوض عليها بين الأطراف المعنية”. وأوضح البيان أن المشكلات الأساسية في تحقيق تسوية شاملة تتدرج “تحت العناوين الرئيسة التالية: الانسحاب، وتقرير المصير، والأمن في الشرق الأوسط، والقدس”. كما أكد “أن التدابير المتوخي اتخاذها في ظل هذه العناوين الأربعة ينبغي أن تشكل كياناً مترابطاً”. وأعلن المؤتمرون عزمهم على القيام باتصالات جديدة مع الأطراف المعنية”، وكلفوا رئيس الجماعة هذه المهمة. ولم يحدث أي تطور جديد في موقف الجماعة الاقتصادية الأوروبية من قضية فلسطين خلال عام 1981 والنصف الأول من عام 1982. المراجع: –         وثائق الجماعة الأوروبية. –         محاضر اللجنة العامة للحوار العربي – الأوروبي. –         وثائق الأمم المتحدة الجماعيلي: رَ: عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي. رَ: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي. رَ: محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي.