الجليل (انتفاضة)

خصص قرار تقسيم فلسطين* لعام 1947 منطقة الجليل الغربي للغرب، وشملت المنطقة قضائي عكا والناصرة وترشيحا امتداداً لحدود لبنان الجنوبية. وقد سقطت مدينة عكا في الجولة الأولى من القتال الذي جرى بعد انتهاء الانتداب، وبقيت الأقسام الأخرى من الجليل الغربي بيد العرب. وقد احتلت (إسرائيل) هذه الأقسام يومي 30 و31/10/1948 وضمتها إليها. وكانت هذه المنطقة ذات أغلبية سكانية عربية. ولتغير هذا الواقع طرح حكام (إسرائيل) تنفيذ مشروع التهويد تحت أسماء مختلفة مثل “التطوير” و”توزيع الأرض”، وأخيراً برز مشروع تحت اسم “مشروع تطوير الجليل”، وجاء في نصه ما يلي: “القضية الخاصة بالجليل هي قلة السكان اليهود بالنسبة إلى غير اليهود الذين يؤلفون 70 بالمئة من مجموع السكان. وفي أطراف الجليل هناك 40 ألفاً من السكان غير اليهود يقطنون ضواحي حيفا وعكا وطمرة وشفا عمرو”. ويظهر جلياً أن هذا المشروع يهدف إلى تحويل إقليم الجليل الجبلي إلى منطقة ذات أكثرية يهودية. وقد تقرر تنفيذ المشروع على مرحلتين: المرحلة الأولى تنتهي عام 1980، وتنتهي المرحلة الثانية عام 1990. وهكذا بدأت الحكومة الإسرائيلية زحفها لمصادرة أراضي منطقة الجليل. ففي يوم 12/2/1976 صدر أمر الشرطة الإسرائيلية بمنع دخول السكان إلى المنطقة المعروفة بالمنطقة التاسعة. وتتألف هذه المنطقة من أرض معظمها سهلي صالح للزراعة. وتزرع بأشجار الزيتون*، والفواكه المختلفة، ويزرع في أقسام منها جميع أنواع الحبوب* والخضر*. وتبلغ مساحة الأرض الزراعة التي تقع ضمن المنطقة التي أعلفت حوالي 17 ألف دونم، وهي ملك لأصحابها العرب بموجب شهادات تسجيل صادرة عن دائرة تسجيل الأراضي في (إسرائيل). وقد نص أمر الشرطة الإسرائيلية على “أن من يدخل إلى المنطقة المذكورة، ولأي غرض كان، يعرض نفسه لطائلة القانون، وحكمه كحكم من يدخل ثكنة عسكرية دون إذن”. وأحس المواطنون العرب بالخطر الدائم للاستيلاء على أراضيهم فتنادوا إلى رفع احتجاج صارخ ضد السلطة المحتلة تجسيد في مؤتمر سخنين – قضاء عكا – الذي انعقد يوم 14/2/1976. صيحات الاحتجاج بلسان جميع سكان الجليل، في جميع وسائل الإعلام، مما اضطر وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى دعوة ممثلي السكان، وانتهى الأمر إلى حل وسط، فجرى تقسيم المنطقة إلى قسمين، قسم يستطيع فيه العرب ممارسة عمالهم الزراعي، ولا تجري فيه المناورات العسكرية، ويدخله الأهالي بموجب تصريح لممارسة الأعمال الزراعية، وقسم ثان تجري فيه المناورات العسكرية ولا يدخله إلا من يحمل تصريحاً خاصاً من الجيش. وعلى ذلك فقد بقيت الأرض لأصحابها، ولم تتم مصادرة أي أرض في أي من القسمين. غير أنه ثبت أن الوعود التي تلت مؤتمر سخنين كانت وعوداً كاذبة، فلم ينقض أسبوعان على هذا المؤتمر حتى بدأت (إسرائيل) بمصادرة الأراضي في الجليل لإقامة مستعمرات جديدة ومعسكرات للجيش. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها ستنفذ خطط لاستملاك حوالي 1.500 فدان من الأرض في المنطقة التاسعة. عندئذ دعت “لجنة الدفاع عن الأراضي العربية” إلى اجتماع في مدينة الناصرة يوم 6/3/1976 حضره رؤساء المجالس البلدية والمحلية. وقرر المجتمعون إعلان يوم 30/3/1976 اضراباً عاماً للعرب في (إسرائيل) احتجاجاً على سياسة الحكومة بإعلان مصادرة أراض عربية في الجليل (رَ: يوم الأرض). ولما دعا اجتماع الناصرة إلى الاضراب يوم 30/3/1976 كانت السلطات الإسرائيلية تدرك أن عرب المناطق المحتلة عام 1948 سيقومون باضراب سلمي تعبيراً عن عدم رضاهم عن سياسة الحكومة الإسرائيلية في مصادرة الأراضي العربية، ولكنها كانت تبيت لهم الشر، فأرسلت ليلة 30 آذار قوات كبيرة من الشرطة والجيش تمركزت في مدن وقرى الجليل. شمل الاضراب عرب الأرض المحتلة عام 1948، وعرب الضفة الغربية وقطاع غزة الذين هبوا لمؤازرة إخوانهم عرب الجليل، وسارت مظاهرات صاحبة في القدس ونابلس ورام الله والخليل وبيت لحم وجنين وطولكرم. وفي القدس جرت مظاهرات أمام الكنيست* الإسرائيلي، وفي نابلس ألقيت قنبلة على سيارة دورية إسرائيلية، وهاجم المتظاهرون جنود العدو بالحجارة، وجرت مصادمات عنيفة في جميع مدن الضفة والقطاع، وفرض العدو حظر التجول في القدس والأماكن الأخرى. أما في منطقة الجليل فقد جرى تسلسل الحوادث كما يلي: اقتحمت القوات الإسرائيلية في الناصرة منزل توفيق زياد رئيس البلدية، وأحرقته، وأصابت أفراد أسرته بجروح. وهاجم المتظاهرون جنود العدو في كافة الشوارع بالحجارة. وكانت جماعات الطلاب تتصدى للعدو في جميع الأماكن، فقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وأصيب 12 جندياً إسرائيلياً بجروح مختلفة، واستشهد ثلاثة مواطنين عرب، وأصيب 27 بجروح مختلفة. وفي بلدة شفا عمرو قتل جنديان إسرائيليان وأصيب تسعة آخرون، واستشهد أربعة مواطنين عرب وجرح 18 مواطناً عربياً. اعتقلت السلطات الإرائيلية حوالي عشرين عربياً من الزعماء الذين دعوا للاضراب. أما في بلدة سخنين فقد استمر اشتباك عنيف لمدة ساعة، استشهد أربعة مواطنين عرب بينهم سيدة، وجرح 17 مواطناً، قتل أربعة من جنود العدو وجرح ستة. وقد قذف أبناء سخنين قوات العدو بالقنابل البترولية والحجارة. عمت المظاهرات والاشتباكات باقي قرى الجليل مثل عرابة البطوف، ودير حنا، ومجد الكروم، من قضاء عكا. وفي قرية قانا بالجليل الأعلى كانت حصيلة الاشتباكات قتل جنديين إسرائيليين وجرح خمسة، على حين استشهد ثلاثة عرب وجرح 12 آخرون. وقد أصيب قائد القوات الإسرائيلية في الجليل بجراح خطيرة وهو يشارك جنوده اطلاق الرصاص على العرب، ونقل إلى المستشفى. واعترف البيان الرسمي الإسرائيلي بهذه الأحداث وأشار إلى مقتل 7 أشخاص، وإصابة أكثر من مئة بجراح، ثلثهم من قوات الأمن، وتم إلقاء القبض على مئتين وخمسين عربياً. وكانت أعمال العدو سلسلة من الفظائع، وتصرف جنوده بكل قسوة ووحشية، تؤكد عنصرية النظام (والدولة). أما الانتفاضة العربية في الجليل فجاءت لتؤكد للعالم كله رفض الاحتلال الإسرائيلي مهما مر عليه من الزمن. هذا، وقد أصبحت انتفاضة 30 آذار عيداً وطنياً ثورياً تحتفل به المقاومة الفلسطينية والأمة العربية باسم يوم الأرض*. المراجع:   –         دائرة المطبوعات، وزارة الإعلام الأردنية: سجل الرصد الصحفي. الجليل (بحر -): رَ: طبرية (بحيرة -)