الجفاف

الجفاف مصطلح نسبي، فنقص الأمطار في سنة ما بمقدار 100 مم مثلاً قد لا يكون له تأثير يذكر على الأجزاء الشمالية من فلسطين ذات الأمطار الكثيرة، في حين تشعر به الأجزاء الجنوبية قليلة المطر. ومن جهة ثانية يتغير تأثير المطر في المناطق الجافة وشبه الجافة بارتفاع درجات الحرارة وقيم التبخر والنتح، وبزيادة سرعة الرياح وغيرها من المؤثرات. ويصبح أثر الأمطار في تلك المناطق ضعيفاً إذا قورن بأثره في المناطق الرطبة وشبه الرطبة. ولذا فإن الشعور بالجفاف يكون قوياً في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، وتقل شدته في المناطق الجبلية والساحلية شبه الرطبة. أ- أسبابه: للجفاف علاقة كبيرة بكمية الأمطار التي تهطل على فلسطين، ويقيم التبخر والنتح التي تحدد مدى تأثير هذه الأمطار. وترتبط معظم الأمطار التي تهطل على فلسطين بمرور المنخفضات الجوية التي تعبر البحر المتوسط متجهة نحو الشرق. فإذا توقف مرور هذه المنخفضات لفترة قصيرة أو طويلة أدى هذا الموقف إلى انحباس الأمطار وقلة كميتها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ترتبط قيم التبخر والنتح بدرجات الحرارة وسرعة الرياح، إذ تكبر هذه القيم عندما ترتفع درجات الحرارة وتقوى سرعة الرياح (رَ: المناخ). فإذا انخفضت كميات الأمطار الفصلية أو السنوية وارتفعت قيم التبخر والنتح ضعفت فاعلية هذه الأمطار وحدث الجفاف. والنظر في السنوات الجافة التي مرت بها فلسطين خلال القرن الحالي يبين أن فترات الجفاف كانت تتخلل موسم الأمطار، بل كانت تحدث أيضاً في منتصف موسم الأمطار، أي في فصل الشتاء الحقيقي. وقد تتعاقب السنوات الجافة بشكل مستمر، فقد عانت فلسطين من فترات جفاف امتدت من عام 1869 إلى عام 1873، ومن عام 1924 إلى عام 1936، ومن عام 1958 إلى عام 1963. وكان عام 1950 – 1951 من أكثر الأعوام جفافاً في فلسطين. والأمطار التي تهطل على فلسطين غير منتظمة، ويختلف مدى التغيير من إقليم لآخر باختلاف معدلات الأمطار، وبعوامل أخرى كالمنسوب (أي الارتفاع) والموقع ودرجة التأثر بمرور المنخفضات الجوية، وتتناقص قيم معامل التغير مع الاتجاه نحو الشمال والغرب، وتتزايد بالاتجاه نحو الجنوب والشرق. وتبلغ قيم معامل التغير في الأمطار في عكا*20%، وفي نابلس* 23%، وفي القدس* 25%، وفي بئر السبع* 35% وفي علوج*70%. أي أن درجة الاعتماد على الأمطار في الأقاليم المناخية الرطبة وشبه الرطبة أعلى منها في الأقاليم الجافة وشبه الجافة. ففي إقليم النقب* الصحراوي يكون هطول المطر غير مضمون في معظم السنوات. ويغلب الجفاف فيه، ولا سيما في النقب الجنوبي. وقد أوضحت نتائج الدراسات التي قامت حول هذا الموضوع عام 1966 أن كميات الأمطار في مرتفعات النقب الوسطى تتذبذب حول معدل 86 مم في السنة، وأنها تمر بدورة مدتها خمسون عاماً، وأن الأمطار تزيد أو تقل خلال كل دورة من هذه الدورات المناخية عن المعدل العام للأمطار بمقدار 28مم. وبتعبير آخر فإن هناك خمسين عاماً تزيد فيها الأمطار عن المعدل العام، تتلوها خمسون عاماً أخرى تقل فيها الأمطار عن هذا المعدل. واتضح من هذه الدراسة أن صحراء النقب تمر الأن بفترة تنتاقص فيها الأمطار عن المعدل العام، وسوف تستمر حتى نهاية هذا القرن. ب- توزيع الجفاف: بتطبيق معادلة عامل المطر (التي وضعها لانغ عام 1920) والتي يحسب بموجبها عامل المطر على أساس قسمة المتوسط السنوي لكمية الأمطار بالملمتر على المتوسط السنوي لدرجة الحرارة المئوية، يتبين أن عامل المطر يتفاوت من 5 إلى 50 داخل فلسطين، وأنه يراوح بين 5 و14 في الأقاليم الجافة، وبين 15 و29 في الأقاليم شبه الجافة، وبين 30 و50 في الأقاليم شبه الرطبة. وينخفض عامل المطر في الأقاليم الجافة دون 15، لأن الأمطار السنوية ذات كميات قليلة نسبياً، ودرجات الحرارة ذات قيم مرتفعة نسبياً. وعلى سبيل المثال يبلغ عامل المطر في أسدوم – جنوب البحر الميت* 2، وفي أريحا* 6، وفي غور الفارعة 9، وفي بئر السبع 11. وفي المقابل يرتفع هذا العامل في الأماكن المرتفعة شبه الرطبة إلى 32 في القدس، وإلى 35 في الناصرة*، وإلى 49 في صفد*. فالجفاف يتزايد بالاتجاه نحو الجنوب، ويتزايد أيضاً بالاتجاه نحو الشرق. إن إلقاء نظرة على خريطة توزيع الأمطار السنوية في فلسطين كفيل بتحديد مناطق الجفاف وشبه الجفاف. فخط المطر 350مم هو الحد الفاصل بين المناطق الرطبة وشبه الرطبة، وخط المطر 200مم هو الحد الفاصل بين المناطق الجافة وشبه الجافة. ويمكن الفصل بين الإقليمين الصحراوي الجاف والمتوسطي الرطب بخط مطر 350مم الذي يبدأ من غزة* ويسير شرقاً حتى يصل إلى جنوب الخليل*. وإلى الشرق من الخليل يتخذ اتجاها نحو الشمال، ويسير موازياً لخط تقسيم المياه لجبال فلسطين الوسطى على مسافة 10كم إلى الشرق منه، ثم يعبر سهل مرج ابن عامر* في طريقه إلى مرتفعات الجليل (رَ: الجليل، جبال -)، ثم ينتهي بالقرب من طبرية*. ويعتقد “غوتمان” أن فلسطين تشتمل على إقليمين مناخيين كبيرين ومتساويين في المساحة، الأول في شمالي غرب فلسطين ومساحته 13.000 كم2، والثاني في الجنوب والجنوب الشرقي. ويسود في الأول مناخ البحر المتوسط، ويتلقى ما يزيد على 350مم من الأمطار السنوية، في حين يسود المناخ الصحراوي في الثاني، ويتلقى في معظم أجزائه كمية أمطار تقل في متوسطها عن 200مم في السنة. لكن من الصعب تحديد إقليم المناخ الصحراوي الجاف وشبه الجاف كما حدده “غوتمان”، لأن مساحة هذا الإقليم تختلف من سنة لأخرى تبعاً لتغير الأمطار. ولا تستقر أطرافه الهامشية على حال معينة، بل تتقدم نحو الشمال والغرب في السنوات الجافة، وتتقهقر نحو الجنوب والشرق في السنوات المطيرة. ويتبع ذلك تغير استخدام الأرض وعدم استقراره. ففي السنوات الجافة تترك المناطق الهامشية للصحراء دون زراعة وتستغل في الرعي* فقط. وفي السنوات المطيرة تزرع الحبوب في هذه المناطق الحدية، ولا سيما الشعير. وفي فصل الصيف الجاف ينتقل الرعاة البدو بمواشيهم من حافات الصحراء إلى الأرض الزراعية لرعي ما فيها من بقايا المحاصيل الزراعية بعد حصادها. ج- الآثار الناجمة عن الجفاف: تنتج عن الجفاف آثاراً كثيرة يشعر بها جميع سكان فلسطين من بدو وفلاحين وحضر، وينتابهم القلق الشديد لما يلحق بهم من خسارة فادحة. فالمحاصيل الزراعية تتلف، أو تنضح قبل مواعيدها المقررة، ويكون الانتاج الزراعي قليلاً في كميته، رديئاً في نوعه. ويفضل المزارعون في الغالب إطلاق مواشيهم في المزارع، تأكل المحاصيل وهي قائمة على سوقها. وأما سكان النقب من البدو فانهم يهاجرون نحو الشمال بحثاً عن الماء والكلأ لمواشيهم التي يتعرض عدد كبير منها للموت عطشاً أو جوعاً. ولا يتدنى دخل مختلف المزارعين فحسب، بل يتدنى أيضاً دخل أصحاب الحرف الأخرى ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بحرفة الزراعة*. وتتراكم الديون على الفلاحين ويعجزون عن سدادها. ويضطر بعضهم إلى بيع أراضيه بأسعار منخفضة من أجل سداد ديون التجار أو المرابين. ويؤثر الفقر الناجم عن الجفاف في مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان،فتتوقف المشروعات الاقتصادية، أو تنفذ ببطء شديد، وتعم البطالة، ويزداد الطلب على الماء فتعرض مستويات المياه الجوفية في الآبار* للهبوط. المراجع: –         حسن عبد القادر صالح: الأساس الجغرافي للنزاع العربي – الإسرائيلي حول مياه نهر الأردن، مجلة كلية الآداب، الجامعة الأردنية، عمان، كانون الثاني 1972. –        Gottaman, J.: Etudes sur l’Etat d’Israel et le Moyen Orient, Paris 1959. –        Neumann, J.: On the Incidences of Dry and Wet Years, 1956. آل جفنة: رَ: الغساسنة جفني (لجنة -): رَ: القدس(تهويد -) جلال الدين الصفوري: رَ: محمد العمري