التوسعية الصهيونية

التوسعية الصهيونية هي المصطلح الذي يطلق على مخطط الصهيونية العالمية الرامي إلى احتلال فلسطين بأسرها ثم التوسع إلى أراضي بعض الدول العربية المجاورة. ويسمى هذا المخطط التوسعي في المفهوم الديني “إسرائيل الكبرى” أي إقامة الدولة اليهودية الكبرى التي يتجمع فيها يهود العالم. وتتجلى الأهداف الصهيونية التوسعية باحتلال الأراضي الفلسطينية متجاوزة مفهوم “الوطن القومي” الذي أشار إليه وعد بلفور* (1917) ، وقرار التقسيم* (1947) وخطوط الهدنة الموقتة (1948) (رَ: الهدنة، اتفاقية). ولعل مصطلح “إسرائيل الكبرى” هو التجسيد الواقعي للتوسعية الصهيونية، لأن الصهيونية لم يكن لها دولة شرعية ذات حدود معترف بها دولياً وعربياً حتى تسعى إلى التوسع خارج حدود هذه الدولة. بل إن الصهيونية أرست مخططها منذ البداية على إقامة “إسرائيل الكبرى” تدريجياً دون الإعلان صراحة عن حدود الكيان الذي تسعى إلى تحقيقه. وتختلف الآراء حول تعيين هذه الحدود، على الرغم من أن بعضها يستند في ذلك إلى ما ورد في التوراة، لأنها مبهمة وغامضة في النصوص التوراتية ذاتها. أما المراحل التي مر بها مخطط إنشاء “إسرائيل الكبرى” قبل ظهور الصهيونية* كحركة سياسية وبعده فيمكن تقسيمها على النحو التالي: 1)   مرحلة الانتقال من الحنين الديني إلى “حرب صهيون”. وهي المرحلة التي امتدت عبر العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي: 1870 – 1900. 2) مرحلة تنظيم الوجود الصهيوني العالمي، وإرساء دعائمه، وتأسيس الأجهزة العاملة لتركيز النشاط الصهيوني في فلسطين من 1900 – 1920. 3) مرحلة تأسيس “الوطن القومي اليهودي” وترسيخ مقومات الوجود الصهيوني على أرض فلسطين في ظل الانتداب البريطاني: 1900 – 1948. 4) الوجود الصهيوني في العالم منذ قيام (إسرائيل) عام 1948 حتى الآن وما تخلله من حروب استطاعت (إسرائيل) خلالها اكتساب المزيد من الأراضي العربية والتوسع خارج خطوط الهدنة. وقد سعت الصهيونية وتسعى إلى تحويل حنين اليهود الديني إلى الأماكن المقدسة عن مقصده، وربطه بعجلة أطماعها السياسية والإقليمية تحت ستار الأحلام التي تسير إلى التحقيق، والأساطير التي تترجم إلى الواقع. وتستند الصهيونية إلى الحجج الدينية والتاريخية لتبرير اغتصابها فلسطين وتغليف أهدافها التوسعية في الوطن العربي. تقوم الذريعة الدينية على إبراز العلاقة التي تربط الديانة اليهودية القديمة بأرض فلسطين، وبالتالي على 1) 2)نأن أنأ  العلاقة الروحية التي تشد معتنقي هذه الديانة إلى “أرض فلسطين”. وزعم أصحاب هذه الذريعة أن الله وعد اليهود بفلسطين. وأعطاهم إياها ردحاً من الزمن. وحين طردوا منها وعدهم، على لسان الأنبياء، بالرجوع إليها في الوقت المناسب، حتى إن بعضهم يضع مسألة إرجاع اليهود إلى فلسطين في منزلة ممتازة من التدبير الإلهي للعالم والكون. ويدعي أصحاب الذريعة الدينية أن طقوس العبادة والصلوات اليهودية تركز كلها على فلسطين، وعبادة الله الحقة لا تتم إلا في الهياكل المقدس، ولا تكتسب الصلوات والطقوس والشعائر الدينية اليهودية معناها الكامل إلا وسط بيئتها الطبيعية في فلسطين. ثم يذهب هؤلاء إلى القول إن “إرجاع” اليهود إلى فلسطين يؤلف الشرط الضروري لنمو الديانة اليهودية وازدهارها، ويؤهل هذه الديانة للمساهمة بقسطها كاملاً في الحياة الروحية للجنس البشري. وهم يرون الديانة اليهودية “قومية” قبل ،ن تكون عالمية جامعة يعتنقها أناس من مختلف القوميات والجنسيات، سواء اكتسبوا الدين اليهودي بالوراثة أو اعتنقوه اعتناقاً. فاليهودية في نظر أصحاب هذه الذريعة تؤلف بطبيعتها ديناً ودنيا على السواء، وتعبر عن ذاتها في حياة مجتمع له كيان مستقل. تضم الصهيونية إذن عنصرا دينياً استغلته في محاولاتها الهادفة إلى تسخير الديانة اليهودية لخدمة أغراضها، ولحمل اليهود من جهة، والعالم المسيحي من جهة أخرى، على مسايرة أهدافها السياسية. وأهم جوانب هذا العمل الديني التركيز على ما يسمى “العلاقة التاريخية” بين اليهود و”أرض – إسرائيل” وعرضها بشكل يخدم المطامع الصهيونية. يطلق اسم “أرض – إسرائيل” (ايرتس – يسرائيل) وفقاً لما تزعمه التعاليم اليهودية على ذلك الجزء من العالم الواقع في جنوب غربي آسيا. وتضم هذه الأرض – حسب المصطلحات الجغرافية الحالية – فلسطين بحدودها أيام الانتداب البريطاني، وأجزاء من الدول الأخرى القريبة منها هي لبنان وسورية والأردن والعراق ومصر. ويعتبر اليهود واليهودية هذه المنطقة مهد تكونهم وتبلورهم. وتعود جذور عبارة “أرض – إسرائيل” إلى التوراة، رغم أن استعمالها، بمدلولها الحالي، بدأ على ما يبدو في نهاية عهد “مملكة إسرائيل” الثانية خلال القرن الأول للميلاد. وتوسع مفهوم هذه العبارة على مر السنين، مع ازدياد تشتت اليهود، ونتيجة لاجتهادات حكماء اليهودية، فأصبح يعني أيضاً علاقة وثيقة ودائمة بين اليهود و”أرض – إسرائيل”، واعتقاداً بوجوب عودة اليهود إليها مع ظهور المسيح المخلص. من جهة ثانية كان هذا في الأصل تعبيراً عن أماني سياسية كامنة أخذت تبرز وتختفي بحسب الأوضاع السياسية التي وجد اليهود يعيشونها في أي مكان أو زمان. إن العلاقة بين اليهود و”أرض – إسرائيل”، وفي تلك الحدود نفسها، ليست واضحة، وتختلف باختلاف ما جاء عنها في التوراة، أو في الكتب اليهودية المقدسة الأخرى. وهو اختلاف يعود إلى عامل الزمن، والتأثر بطابع العصر الذي كتبت فيه التوراة، أو أية أجزاء منها، أو العصور التالية التي كتبت خلالها الكتب اليهودية المقدسة الأخرى. فهناك أولاً العلاقة المنصوص عليها في الميثاق الذي قطعه الإله لإبراهيم عندما رحل من أور إلى كنعان كما جاء في التوراة. يرد ذكر الوعد الذي ينص صراحة على إعطاء نسل إبراهيم “أرض كنعان” ابتداءاً من سفر التكوين (13/ 17) وحتى نهاية الاصحاح السادس والعشرين من سفر التكوين من الكتاب المقدس. يقول سفر التكوين (15/ 18): “في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلا لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”. وقد ورد في سفر التكوين أيضاً (17/ 8) أن الرب عاد وقطع الوعد لكل من اسحق* ويعقوب*، كما أبرم الميثاق مع إبراهيم بطريق الختان مخاطباً إياه على النحو التالي: “وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً …” إلا أن هناك “أرض ميعاد” أخرى، وهي التي وعد الإله موسى* بها بعد خروج اليهود من مصر: “وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة الذي قبالة أريحا، فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان وجميع نفتالي وأرض أفرليم ومنسى وجميع أرض يهودا إلى البحر الغربي والجنوب والدائرة بقعة أريحا مدينة النخل إلى صوغر. وقال له الرب: هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها” (سفر التثنية 34/ 1 – 5). ولكن هذه الحدود أيضاً غير واضحة رغم إسهاب التوراة في وصفها. فقد رسمت حدود أرض الميعاد، مرة أخرى، واستناداً إلى تفسيرات واجتهادات عديدة، بشكل يضم المنطقة الواقعة بين البحر غرباً والصحراء شرقاً، بما في ذلك القسم المأهول من شرقي الأردن كله. أما حدودها الجنوبية فتمتد على خط يصل بين العريش والعقبة في حين أن الحدود الشمالية غير واضحة وتشير إلى جبل الشيخ (حرمون) فقط. وقد جاء في سفر يشوع (الاصحاح الأول/ الآية 3): “كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيه كما كلمت موسى. من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى البحر الكبير (البحر المتوسط) نحو مغرب الشمس يكون تخمكم”. وجاء أيضاً في سفر يشوع (الاصحاح الثالث عشر/ من الآية 1 حتى الآية 6): “وقد بقيت أراض كثيرة جداً للامتلاك. هذه هي الأراضي الباقية: “كل دائرة الفلسطينيين، وكل أرض الجشوريين من الشيحور (الفرع الشرقي من النيل) الذي هو أمام مصر إلى تخم عقرون (مدينة على بعد 15 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة يافا) شمالاً تحسب للكنعانيين …. من التيمن كل أرض الكنعانيين ومغارة التي للصيدونيين (غار جزين – لبنان) إلى أفيق (أفقا – لبنان) إلى تخم الأموريين، وأرض الجبلين (نسبة إلى جبيل) وكل لبنان نحو شروق الشمس من بعل جاد تحت جبل حرمون (مدينة حاصبيا على سفح جبل الشيخ) إلى مدخل حماة. جميع سكان الجبل من لبنان إلى مسرفوت مايم ( المشيرفة بين عكا ورأس الناقورة) جميع الصيدونيين أنا أطردهم من أمام بني إسرائيل، إنما أَقْسِمْها بالقرعة لإسرائيل كما أمرتك”. وتقوم الصهيونية بتفسير نصوص التوراة على هواها وتبعاً لمصالحها وأطماعها المعروفة. على أن فحوى الذريعة الدينية التي تتوسل بها الصهيونية تتعلق مباشرة بالزعم القائل إن إقامة دولة يهودية مستقلة في فلسطين قد تنبأت بها وأعلنتها نصوص الكتاب المقدس. أي أن ذريعة الصهيونية في الاستيلاء على فلسطين وإنشاء “الوطن القومي اليهودي” على أرضها هي وليدة الزعم القائل إن الرب وعد شعبه المختار بإعطائه هذه الأرض، وبذلك منحه “الحق الإلهي” في فلسطين. إن النظر السريع إلى جميع هذه النصوص يثير مجموعة من الملاحظات: 1)   إن هناك مصدرين فقط أوضحت فيهما بالتفصيل الخطوط التي تسير فيها حدود “أرض الميعاد” الأربعة، وهما سفر العدد (34/ 1 – 12)، وسفر حزقيال (47/ 15 – 20). 2)   إن بقية المصادر تحدد أرض الميعاد تحديداً عاماً، كأن تعتبرها تمتد من النيل إلى الفرات، أو من سيناء إلى نهر الفرات، أو من البحر الأحمر إلى بحر فلسطين، أو من الفرات إلى البحر الغربي (المتوسط). 3)   إن حدود أرض الميعاد كما هي مرسومة في سفر العدد (34/ 1 – 12) أصغر منها في أي نص آخر. 4)   إن رسم الحدود في النصوص المفصلة يعتمد على تسميات لمراكز قديمة بعضها غير معروف في الجغرافية الحديثة. وبالنسبة إلى الحدود الشمالية فإن أبرز حد هو خط يمتد من المتوسط إلى جبل هور، فمدخل حماة، فصدد (مكان قرية حثيالا بين النهر الكبير ونهر عكار)، كما هو في سفر العدد (34/ 7) أو من حثلون إلى صدد، كما هو في سفر حزقيال (47/ 15). وتستخدم بعض النصوص أحياناً للدلالة على الحد الشمالي بالإشارة إلى مدخل حماة وجبيل، كما هو سفر يشوع (13/ 1 – 6) . ولقد أدى ذلك إلى اجتهادات صهيونية مختلفة في رسم الحد الشمالي لأرض الميعاد. بيد أن جميع هذه الاجتهادات اعتبرت أن لبنان هو جزء من التصور التوراتي لأرض الميعاد، سواء أكان الاعتماد على النص الذي يتصور حدوداً مثالية للدولة اليهودية، كما هي الحال في سفر التكوين (15/ 18 – 20 من النيل إلى الفرات) أو النص الذي يتمثل فيه الحد الأدنى لحدود الدولة اليهودية كسفر العدد (34/ 1 – 12). وتضم “أرض إسرائيل”، بحسب هذه الحدود نحو 43 ألف كم2. إلا أن هناك حدوداً أخرى تدعى “الحدود الطبيعية لأرض إسرائيل”، وهي أكبر قليلاً من الحدود “الأصلية” وتصل مساحتها إلى نحو 59 ألف كم2 نصفها تقريباً غربي نهر الأردن “أرض – إسرائيل الغربية” والنصف الآخر شرقي النهر “أرض – إسرائيل الشرقية”. ويلاحظ أن التعريف الثاني “لأرض إسرائيل” بالحدود التي وعد موسى بها شائع أكبر من الأول. وتجدر الإشارة إلى أن حدود المنطقة التي طلبت المنظمة الصهيونية العالمية* من مؤتمر الصلح في باريس 1919 الاعتراف بها على أنها “وطن قومي” لليهود متنافسة مع التعريف الأخير لحدود “أرض – إسرائيل”. وإذا كانت الذريعة الدينية تقوم على مطالبة الصهيونيين بفلسطين انطلاقاً من الزعم “بحقهم الالهي” في “الأرض الموعودة” واستناداً إلى الميثاق المبرم بين الرب وإبراهيم*، والعهد المقطوع لنسل إبراهيم وذريته، ف،ن الذريعة التاريخية تستمد مقوماتها من مفهوم ينطوي على ادعاء الحق التاريخي لليهود في فلسطين، فقد وصف هرتسل فلسطين بقوله: “موطننا التاريخي الماثل في الذاكرة على مرور الزمن”. وتضمنت توطئة إعلان قيام (دولة إسرائيل) عبارة “أرض إسرائيل مهد الشعب اليهودي”. إذن فالصهيونية تقرن رغبتها في الاستيلاء على فلسطين بزعم وجود حقوق تاريخية لليهود فيها لأن أجدادهم الغابرين سكنوها قبل ستة وعشرين قرناً من الزمن، وسرعان ما تتحول الروابط التاريخية إلى تأكيد الحق التاريخي لليهود في فلسطين. وتصبح بلاد الآخرين في نظرهم “الاقليم الطبيعي لإقامة شعب الله المختار في أرض الله المقدسة”. ويزعم أصحاب هذا الادعاء أن الحياة اليهودية في فلسطين لم تقطع “من أيام الرومان إلى العصور الحديثة بل استمرت طوال القرون الماضية وحافظت على صلاتها الفريدة باليهود المنتشرين في مختلف أنحاء العالم”. انطلقت الصهيونية من هذه الذرائع الدينية والتاريخية مستمدة منها وجودها، ومستغلة الظروف التي كانت تحيط باليهود وأوضاعهم الذاتية خلال القرن التاسع عشر في روسيا وأوروبا الشرقية وأوروبا الغربية. وساعدتها عوامل أخرى مثل تبلور الفكرة القومية وقيام الكثير من الدول القومية، ثم اتساع نفوذ الاستعمار الأوروبي من جهة، وظهور العداء للسامية من جهة أخرى (رَ: اللاسامية). وليست الفكرة الصهيونية، بمفهومها الداعي إلى جلب اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولة لهم فيها يعترف بها دولياً من خلال نشاط سياسي واستيطاني يقومون به، ليست وليدة القرن التاسع عشر، بل يرجع تاريخها إلى نحو قرنين قبله. فخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر وجد أشخاص كثيرون، من بين اليهود وغيرهم، يعتنقون تلك الفكرة ويدعون إلى تحقيقها بدوافع متباينة. لكن الفشل كان من نصيبهم بسبب اتعدام الظروف الملائمة، يهودياً وعالمياً، لتحقيق مثل هذه الفكرة. وقد ظهرت بين اليهود خلال العصور الوسطى من حين إلى آخر، وفي هذا البلد أو ذاك، حركات دينية تدعوهم للهجرة إلى فلسطين “أرض – إسرائيل” أو زعماء دينيون هاجروا إلى هناك. ومن الشخصيات اليهودية الأولى التي نادت بإقامة دولة يهودية في فلسطين الحاخام يهودا الكلعي (1798 – 1878) السفاردي الأصل من يوغسلافيا، إذ دعا إلى توطين اليهود في فلسطين. ويعتبر الكلعي، بسبب كتاباته، واحداً من رواد الفكر الصهيوني، وبتأثيره أصدر الحاخام الألماني تسفي هيرش كاليشر سنة 1862 كتاباً بالعبرية عنوانه “البحث عن صهيون”، طور فيه الآراء التي دعا إليها الكلعي. وفي السنة نفسها أصدر موشي هيس كتاباً آخر بالألمانية بعنوان “روما والقدس” ودعا فيه لآراء مماثلة. وفي مطلع الثلاثينات من القرن التاسع عشر توجه كاليشر إلى أحد أبناء عائلة روتشيلد اليهودية الثرية في باريس مقترحاً عليه شراء فلسطين من حاكمها محمد علي لإقامة مستعمرات فيها للمهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية. وعرض الفكرة نفسها أيضاً على اليهودي البريطاني مونتفيوري. وحين فرضت السلطات الروسية القيصرية مزيداً من القيود على يهود روسيا، وحصرت اقامتهم في أماكن معنية، وجد بعض دعاة “التحرر والتنوير” (رَ: التنوير والاندماج اليهودي، حركة) من المثقفين اليهود ذريعتهم المنشودة لمحاربة الاندماج والتفتيش عن حل عملي للمسألة اليهودية. فظهر بيرتس سمولينسكين (1842 – 1885م) وأخذ ينشر آراءه الخاصة بأوضاع اليهود ومشكلاتهم في روسيا داعياً إلى هجرتهم من موطنهم إلى المكان الوحيد الذي يستطيعون العيش فيه وهو “أرض – إسرائيل”. وانضم إليه موشيه ليف ليلينبوم (1843 – 1910م) فأصدر كراساً عنوانه “بعث الشعب اليهودي في أرض أجداده المقدسة” دعا فيه إلى إنشاء جمعية للاستعمار. وسارع الحاخام صموئيل موهيليفر (1824 – 1898م) إلى تأسيس أول جمعية لأحباء صهيون* أصدقائها في سنة 1882م. وكان من بين المفكرين الصهيونيين الأوائل أيضاً أليعزر بن يهودا (1857 – 1922م) الذي دعا إلى “استيطان أرض – إسرائيل” وإحياء اللغة العربية لغة قومية، وكان له التأثير الأكبر في تحديث اللغة العبرية. ترعرعت فكرة التوسعية الصهيونية في عهد الصهيونية الهرتسلية (1895 – 1905م). ويعتبر الصحافي النمساوي تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة والأب الروحي لها بلا منازع، فهو الذي وضع الأسس العقائدية للصهيونية السياسية، وكرس العقد الأخير من حياته لنقل أفكاره إلى صعيد العمل والتنظيم. وإليه يعود الفضل في توحيد الصفوف الصهيونية تحت راية المنظمة الصهيونية العالمية عن طريق الدعوة التي وجهها لعقد أول مؤتمر صهيوني على مستوى يهود العالم. ففي سنة 1896 أصدر هرتزل كتاب “دولة اليهود” واصفاً إياه بأنه “محاولة لإيجاد حل عصري للمسألة اليهودية”. واعتبر أن المسألة اليهودية هي “مسألة قومية” وأن “الدولة اليهودية ضرورة لا بد منها للعالم، لذلك سوف يتم خلقها”، وأن “الوحدة التاريخية للشعب اليهودي حقيقة لا سبيل إلى نكرانها”. ولا تقتصر أهمية التفكير والنقاش اللذين دارا داخل الحركة الصهيونية حول تحديد الأرض الملائمة للدول اليهودية على الناحية التاريخية، بل إن هذا النقاش يساعد على تفهم الدوافع الحقيقية الكامنة في الحركة الصهيونية، ويوفر الجواب على كثير من الادعاءات الصهيونية. حين نشأت فكرة الدولة اليهودية عند هرتزل لم تكن مرتبطة بفلسطين ارتباطاً وثيقاً. وهو يعلن في كتابه “دولة اليهود” أنه لا يفضل بلداً على آخر. ويتساءل: أتختار فلسطين أم الأرجنتين ؟ ويقول: “سنأخذ ما يعطي لنا وما يختاره الرأي العام اليهودي … فالأرجنتين من أخصب بلاد العالم، وهي ممتدة على رقعة شاسعة قليلة السكان معتدلة المناخ. وستحصل جمهورية الأرجنتين على أرباح كبيرة من جراء التنازل عن قسم من أراضيها لنا … وفلسطين وطننا التاريخي الذي لا ينسى، وإن مجرد اسم فلسطين يجتذب شعبنا بقوة ذات فاعلية عجيبة”. ثم يقول: “إذا منحنا جلالة السلطان فلسطين فستعهد بحل مشاكل تركيا المالية بأكملها. ولم يقتصر تفكير هرتزل على الأرجنتين، بل فكر في جزيرة موزمبيق التي كان يحتلها البرتغاليون، وفي أفريقيا الشرقية (أوغندا). كذلك تقدم هرتزل بطلب إلى وزير المستعمرات البريطاني في 22/10/1902 لاستيطان اليهود وإقامة دولتهم في قبرص وسيناء والعريش. لكن استقر رأي الحركة الصهيونية في نهاية الأمر على أن يكون هدفها إقامة الدولة اليهودية في فلسطين. وعلى الرغم من أن هذه الحركة استعملت اسم فلسطين في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، نجحت في نهاية الأمر بالحصول على وعد بلفور من الحكومة البريطانية بإنشاء “وطن قومي” لليهود في فلسطين، على الرغم من ذلك لم يكن اسم فلسطين في ذلك الوقت اسماً دولياً محدداً، وإنما كان اسما جغرافياً وتاريخياً، ولم يعط هذا الاسم صفة دولية سياسية محددة إلا بعد الحرب العالمية الأولى، وكجزء من التسوية التي جرت بين الحلفاء في تلك الحرب. ومن هنا فإن اسم فلسطين الدولي لم يكن مطابقاً لاسم فلسطين حسب المفهوم الصهيوني. وقد أحدث هذا الاختلاط في التسمية تشويشاً خلق الانطباع بأن أطماع الصهيونية العالمية تقتصر على أرض فلسطين ضمن الحدود الدولية التي استقرت عليها بعد الحرب العالمية الأولى. وكان هذا التشويش سبباً في عدم التبين الصحيح لأهداف (إسرائيل) التوسعية الحقيقية. حدد برنامج بازل* الذي أقره المؤتمر الصهيوني* الأول أن “غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام”. وأقر المؤتمر الصهيوني الثاني (1898م) تأسيس “المصرف اليهودي الاستعماري” ومزاولة النشاط “الاستيطاني” بصورة منظمة. وفي المؤتمر الثالث (1899) تم تأسيس هذا المصرف تحت اسم “صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار” بغية تأمين النشاطات الاستيطانية في “فلسطين والبلاد المحيطة بها” وأقر المؤتمر السابع (1900م) إعداد مسودة المشروع المتعلق بإنشاء الصندوق القومي اليهودي وتبني شعار “العمل اليهودي على الأرض اليهودية”.المؤتمر الصهيوني الخامس (1901م) تأسيس الصندوق القومي اليهودي، وقرر المؤتمر استخدام الأموال المتوفرة في الصندوق لغاية واحدة هي شراء الأراضي في فلسطين. أما المؤتمر الصهيوني السابع (1905م) فقد قرر تعديل قانون “صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار” بحيث تأتي الفقرة المتعلقة بإعطاء الأفضلية لفلسطين وسورية لتكونا مسرحاً لتنفيذ المشاريع الاستعمارية اليهودية كما يلي: “في فلسطين وسورية وأي قسم آخر من تركيا الآسيوية وفي شبه جزيرة سيناء وجزيرة قبرص”. إن التحديد الصهيوني لفلسطين، أي للأراضي التي تطمع الصهيونية العالمية في امتلاكها وإقامة الدولة اليهودية عليها، معروف منذ سنة 1919م، إذ إن الجمعية الصهيونية العالمية كانت قد تقدمت بمذكرة إلى المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح في باريس، في 3/2/1919، أوضحت فيها معالم الحدود التي تريدها لفلسطين، أي للأراضي التي سيجري تحويلها إلى دولة يهودية. وقد طالبت هذه المذكرة الدول المجتمعة في مؤتمر السلام في باريس بأن تعترف بما أسمته “الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين، وحق اليهود في أن يعيدوا إنشاء وطن قومي لهم فيها”. أما فلسطين هذه فقد حددتها المذكرة على الصورة التالية: “إن حدود فلسطين يجب أن تتبع الخطوط العامة المبينة فيما يلي: “في الشمال تبتدىء الحدود بنقطة تقع على ساحل البحر المتوسط بجوار صيدا وتتبع مجاري مياه الجبال اللبنانية حتى جسر الفرعون، ومنها إلى البيرة متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي اليتم، ثم نسير في اتجاه جنوبي متبعة الخط الفاصل بين السفوح الشرقية والسفوح الغربية لجبل الشيخ حتى تصل إلى جوار بيت دجن، ثم تتجه شرقاً متبعة الضفة الشمالية لنهر مغنية حتى تحادي الخط الحديدي الحجازي، غرباً منه. “وفي الشرق خط محاد للخط الحديدي الحجازي وغرباً منه ينتهي في خليج العقبة”. “إلى الجنوب خط يتم الاتفاق عليه مع الحكومة المصرية. “إلى الغرب البحر المتوسط. “ويجب أن تسوى أية تفاصيل للحدود أو أية تعديلات تفصيلية عليها بواسطة لجنة خاصة يكون لليهود تمثيل فيها”. وجاء في المذكرة أيضاً: “وجبل الشيخ هو بالنسبة إلى فلسطين أبو المياه الحقيقي. ولا يمكن فصله عنها بدون انزال ضربة جذرية بحياتها …. فيجب إذن أن تبقى تحت سيطرة أولئك الذين هم أرغب وأقدر على إعادته إلى نفعه الأقصى. ويجب وضع ترتيبات دولية لحماية حقوق المياه للسكان الذين يعيشون إلى الجنوب من نهر الليطاني. واذا ما لقيت هذه المنابع عناية كافية فمن الممكن استخدامها لتنمية لبنان وكذلك لتنمية فلسطين. “والسهول الخصبة الواقعة إلى الشرق من الأردن كانت منذ أقدم عصور التوراة مرتبطة اقتصادياً وسياسياً بالأراضي الواقعة غربي الأردن. وهذه البلاد التي يقطنها الآن سكان قليلون كانت أيام الرومان تعيل سكاناً كثيرين. وهي تصلح الآن بصورة مدهشة للاستيطان على نطاق واسع. والمراعاة العادلة للحاجات الاقتصادية لفلسطين وشبه جزيرة العرب تتطلب حرية الوصول إلى الخط الحديدي الحجازي على طول امتداده للحكومتين. “وإن التنمية الكثيفة للزراعة وغيرها من الفرص في شرق الأردن لتستوجب أن يكون لفلسطين حرية الوصول إلى البحر الأحمر، وفرصة تطوير الموانىء الجيدة على خليج العقبة”. لقد برزت معالم التوسعية الصهيونية، واتخذت لها شكلاً محدداً في القرار الخاص الذي أصدره المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1921) بشأن مسألة الحدود. فقد أعلن المؤتمر باسم “الشعب اليهودي” ما يلي: “يأخذ المؤتمر علماً، وسط شعوره بالارتياح، بأن منطقة شرقي الأردن التي ينظر إليها الشعب اليهودي كجزء متمم من أرض إسرائيل سوف تدمج في منطقة الانتداب الفلسطيني. ويجدر المؤتمر نفسه ملزماً بالإعراب عن أسفه على أن مسألة الحدود الشمالية لأرض – إسرائيل لم تجد سبيلها إلى حل مرض حتى الآن… كما يطالب المؤتمر اللجنة التنفيذية بألا تترك في المستقبل أية خطوة. للحؤول دون التخلي عن الوحدة الإدارية والاقتصادية الفلسطينية – أي في ضفتي الأردن – لمصلحة سياسة مناطق النفوذ، لئلا يؤدي ذلك إلى تقلص إمكانات الاستيطان والاستعمار في وجه الجماهير اليهودية الباحثة عن عمل. ويأمل المؤتمر أن تستجيب حكومة الجمهورية الفرنسية لمصالح الشعب اليهودي وتفي بها”. وفي مطلع عام 1919م أصدر الكابتن نورمان بنتويش الذي جاء مع القوات البريطانية من مصر إلى فلسطين كتاباً بعنوان “فلسطين اليهود: الماضي والحاضر والمستقبل” صدره بخريطة لفلسطين تمتد من “بيروت إلى الخليج” وجاء في هذا الكتاب: “لا حاجة بفلسطين المستقبل أن تبقى محصورة ضمن حدودها التاريخية، فالاستعمار الاستيطاني يمكنه أن يمتد حتى يشمل تلك الرقعة بأكملها التي تضمنها الوعد (من الفرات إلى النيل) من البحر المتوسط إلى نهر الفرات، ومن جبال لبنان إلى نهر مصر، هذه هي الأرض التي أعطيت للشعب المختار”. أما آرثور روبين (1876 – 1943م) الذي كلفه المؤتمر الصهيوني الثامن (1907م) دراسة أوضاع اليهود الاجتماعية والمستعمرات الصهيونية في فلسطين فقد أصدر في سنة 1919 دراسة مفصلة عن “بناء أرض – إسرائيل” دعا فيها إلى “توحيد فلسطين ضمن حدودها التاريخية والاقتصادية الطبيعية، وجعلها تؤلف منطقة إدارية واحدة”، ورسم هذه الحدود على النحو التالي: “وفيما يتعلق بالحدود الشمالية التاريخية فقد شملت هذه دون جدال أحد المنبعين الرئيسين لنهر الأردن*، أي المنبع الواقع عند بانياس (بالقرب من بلدة دان القديمة). غير أن الأسباب الاقتصادية تتطلب بالضرورة أن تمتد فلسطين صوب الشرق لتشمل المنبع الآخر لنهر الأردن عند حاصبيا (الحاصباني). فالأردن هو النهر الرئيس لفلسطين، ومياهه بالغة الأهمية في حقلي الري وتوليد الطاقة. والاستغلال المناسب والمؤمن لمياهه في فلسطين لا يمكنه أن يتم إلا متى أصبحت ينابيعه ملكاً لفلسطين. إن منبع الأردن عند حاصبيا (الحاصباني) يقع عند خط العرض 33 – 27. لذلك تتجه حدود فلسطين الشمالية من منبع الأردن هذا على امتداد خط العرض المذكور حتى تصل البحر المتوسط. وإلى الشرق من حاصبيا تسير الحدود الشمالية على خط نفسه (33 – 27) حتى تصل إلى قمة حرمون (الواقعة عند 35 – 55 شرقي غرينيش) ومنها إلى درعا. “وفي الشرق تفرض علينا وجهة النظر التاريخية ضم كل من موآب وآمون القديمتين اللتين كانتا فيما مضى جزءاً من الدولة اليهودية داخل الحدود الشرقية وتوسيع الحدود بالتالي حتى الصحراء”. وهنا يتنبه روبين إلى المعارضة المتوقعة في أوساط عرب سورية والحجاز لضم ذلك القسم الكبير من الخط الحديدي الحجازي إلى أراضي فلسطين فيتخوف من اشتداد تلك المعارضة لكون الخط المذكور يؤلف الاتصال الوحيد بين سورية والحجاز. وينصح بعدم الدخول في نزاع حول هذا الموضوع لأن الحكمة السياسية تقضي بذلك، ويفضل البحث عن حل يرضي جميع المنتفعين الشرعيين. ويعثر على ذلك الحل في جعل الخط محايداً، أو اخضاع المنطقة التي يمر بها لإدارة مشتركة. وحين يتعذر اعتماد هذا المخرج، ويتحتم على الصهيونيين إرجاع الحدود الشرقية إلى غربي الخط الحديدي، فلا بد من وصل فلسطين بالخط المذكور عند نقاط معينة مثل معان وعمان ودرعا. كما يستلزم ذلك الحصول على حق الأفضلية في استخدام الخط. ثم ينتقل روبين إلى الحدود الجنوبية فيقول: “تتعين الحدود في الجنوب بخط يسير من رفح* على الحدود المصرية إلى العقبة، ذلك المرفأ الذي كان يعرف أيام سليمان* باسم عصيون جابر، ومن هذا مروا بمحطة معان على الخط الحديدي الحجازي حتى الصحراء. ومن المسائل البالغة الأهمية لو أمكن التوصل عن طريق الاتفاق مع الحكومة البريطانية – المصرية إلى توسيع الحدود الجنوبية حتى العريش لأن هذه الرقعة القاحلة حتى الآن تصلح على ما يبدو للتشجير، وبذلك تصبح ملائمة جداً للاستعمار التوطيني اليهودي. والحكومة البريطانية لم تظهر ميلاً حتى الآن لتوطين هذه الرقعة لأنها رأت في هذا الحزام الصحراوي سداً طبيعياً يقيها الهجوم المفاجىء من الجهة التركية. ومع زوال هذا الخطر بقيام فلسطين مستقلة قد تعطي الحكومة البريطانية موافقتها على توطين يهود في هذه الرقعة وضمها إلى فلسطين بعد أن كانت جزءاً منها في قديم الزمان”. وهكذا خرج روبين بصورة لفلسطين كبرى يبلغ طول رقعتها تحو 260كم وعرضها 115كم. وأصبحت حدود فلسطين المنشودة تضم، بالإضافة إلى فلسطين الانتداب، الأقضية التالية: قضاء صور التابع لمتصرفية بيروت، وقضاءي الكرك والسلط (متصرفية الكرك)، وقضاء عجلون (متصرفية حوران)، وقضاء القنيطرة (متصرفية دمشق). ويبلغ عدد سكان هذه الرقعة التي رسم روبين حدودها استناداً إلى المعلومات الرسمية التي حصل عليها من السلطات العثمانية عام 1915 حوالي 880 ألف نسمة. وقد وزع السكان حسب مذاهبهم على الشكل الآتي: 710 آلاف من المسلمين، و90 ألفاً من اليهود، و80 ألفاً من المسيحيين. تمثلت المجاهرة بالتوسعية الصهيونية في الحركة التصحيحية بزعامة فلادمير جابوتنسكي. فقد برزت خلال انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1921) معارضة للسياسة التي اعتمدها حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية. وتزعم هذه المعارضة جابوتنسكي. وقد تمثلت فكرته التوسعية خلال المدة التي قضاها في عضوية اللجنة التنفيذية في الاهتمام الذي أعاره للمشكلات المتعلقة بما أسماه “قضية أمن اليهود في فلسطين”. وقد تطور نشاط جابوتنسكي الذي امتد عشرين عاماً (1920 – 1940) إلى ظهور “المنظمة الصهيونية الجديدة” القائمة على دعوة الصهيونية الكبرى التي نادى هو بها. وتستند هذه الدعوة إلى تنظيم جيش صهيوني، وإقامة الدولة اليهودية على ضفتي نهر الأردن ضمن الحدود التاريخية القديمة لمملكتي إسرائيل ويهودا. لقد أصبح التيار الذي تزعمه جابوتنسكي يعرف باسم “الحركة التصحيحية”. والتصحيحية التي نادى بها جابوتنسكي وأتباعه قامت على الدعوة إلى تصحيح برنامج المنظمة الصهيونية، وتسيير السياسة الصهيونية على خط يكفل قيام الكومنولث اليهودي في فلسطين. ويقف في وجه التفسير الذي أورده ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني آنذاك للانتداب في الكتاب الأبيض* الصادر سنة 1922 والمتضمن فيما تضمنه إخراج شرقي الأردن من نطاق سياسة “الوطن القومي اليهودي”. أما المبادىء الأساسية في برنامج الحركة التصحيحية فقد عددها جابوتنسكي على النحو التالي: هدف الصهيونية                      الدولة اليهودية ساحة الدولة                          على ضفتي الأردن الأسلوب                              الاستعمار الجماعي النظام المالي                          القرض القومي وأشار إلى أن “عسكرة” الشباب اليهودي في فلسطين والشتات (الدياسبورا) من المهام الضرورية والمباشرة للصهيونية. وهكذا برزت الحركة الصهيونية التصحيحية إلى حيز الوجود فجاء تصحيحها لبرنامج بازل على الشكل التالي: “إن غاية الصهيونية هي تحويل فلسطين تدريجياً (مع شرقي الأردن) إلى كومنولث يهودي، أي كومنولث يحكم نفسه بنفسه في ظل أكثرية يهودية قائمة. وكل تفسير آخر للصهيونية، خصوصاً ما صدر في الكتاب الأبيض عام 1922، لا بد من اعتباره غير صحيح”. وتضمنت هذه المبادىء أيضاً الدعوة للمضي في تشكيل جيش يهودي مستقل، والمادة بتنفيذ الإصلاح الزراعي في فلسطين، على أن يؤول هذا الإصلاح إلى نزع ملكية الأراضي العربية بحجة كونها تخص “طبقة الأفندية” ولأنها متروكة دون حراثة أو زراعة في حين تعمل الصهيونية ويسعى المنتمون إلى الحركة العمالية للاستيلاء على تلك الأراضي عن طريق الشراء بالأموال المجبية من يهود العالم. وعلى الرغم من التباعد والاختلاف الظاهر بين الصهيونيتين الرسمية والتصححية فإن نقاط التلاقي بينهما أكثر من أن تحصى، وعلى مستويات كثيرة. وربما كان مرد الخلاف بينهما إلى العوامل الشخصية والوسائل المتبعة أكثر منه إلى خلاف حول جوهر الصهيونية وهدفها النهائي. فالتوسع ليس وقفاً على الصهيونية المتطرفة التي يعتبرها الصهيونيون الآخرون مجرد نزعة تحريفية تتجاذبها الأهواء الشخصية وتسيطر عليها النزعة “المحاربة” لجابوتنسكي، بل هو مرتكز أساسي في الفكر الصهيوني. فالصهيونية في نزعتها التوسعية، وبجناحيها التصحيحي والرسمي العلني، لم تنحرف عن صراط جابوتنسكي بل سارت في اثر خطواته واقتدت به. ولا عجب في أن يتبنى برنامج بلتمور* (1942) آراء التصحيحين التي طالما دعوا إليها ونادوا بها. فقد أكد الاجتماع الصهيوني في فندق بلتمور في نيويورك “الصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وفلسطين”. ورفض الكتاب الأبيض* الصادر في سنة 1939، وأيد تأسيس كومنولث يهودي. وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى كانت جميع المنظمات الإرهابية والعسكرية والصهيونية تعمل “يدأ واحدة في جو من التنسيق والتعاون بغية تصعيد الإرهاب واللجوء إلى العنف والقوة في سبيل تحقيق المخطط الصهيوني” كما جاء في البيان الذي أصدرته الحكومة البريطانية في تموز 1946. وأما الأسباب التي انتهجتها المنظمات السرية الإرهابية الصهيونية لحمل العرب على مغادرة فلسطين فهي: الإرهاب الذي بدأ بعد التقسيم بتنفيذ المذابح الجماعية كما حدث في دير ياسين (رَ: دير ياسين، مذبحة – 1948) وناصر الدين (رَ: ناصر الدين مذبحة)، ونشر الاشاعات والرعب والضغط النفسي بين أهالي القرى العربية العزل لحملهم على مغادرة قراهم إلى البلاد المجاورة، وضرب الحصار الطويل وعزل السكان العرب عن سائر أجزاء البلد، وقطع جميع الامدادات عنهم كما حدث في طبرية، والاعتداءات المباشرة على المدنيين لطردهم من قراهم كما حدث في عين الزيتون* وصفورية* والصفصاف*. وبعد إقامة (إسرائيل) في سنة 1948 حلت جميع المنظمات الإرهابية وأدمجت في الجيش الإسرائيلي. إلا أن منظمة الإتسل أو الآرغون* “المنظمة العسكرية” التي قادها مناحيم بيغن منذ سنة 1943م تحولت سنة 1948م إلى حزب سياسي هو حرب حيروت* بزعامة بيغن، وهو امتداد للحركة التصحيحية. وقد عارض حزب حيروت قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين* انطلاقاً من ادعائه المستمر أن لليهود الحق في استعادة “أرض – إسرائيل” “بحدودها التاريخية”. لقد أسست الصهيونية العالمية (الدولة) التي أرادتها، وعملت من أجل إنشائها بعد نصف قرن من الجهود المتواصلة بموجب قرار التقسيم الذي اتخذته منظمة الأمم المتحدة في 29/11/1947 ورفضه العرب منذ البداية. وقد كان واضحاً لدى زعماء الصهيونية العالمية أن الدولة اليهودية التي نشأت بقرار التقسيم سنة 1947، أو الدولة الأوسع التي نشأت عقب التوسع الإسرائيلي سنة 1948، لن تكون سوى رأس جسر يمثل في مساحة جزءاً صغيراً من أطماعهم الأرضية، لكنه يهىء لهم الفرصة للاندفاع نحو تحقيق هذه الأطماع. ولقد بدأت (إسرائيل) منذ قيامها تعد نفسها للتوسع. فأخذت تتحين الفرصة للتوسع نحو الشرق منذ سنة 1955. فمهدت في سنة 1956 جديا لاحتلال الضفة الغربية للأردن في سلسلة من الهجمات التي قامت بها القوات الإسرائيلية النظامية على المواقع والقرى الأمامية في الضفة. ففي 13 أيلول من تلك السنة هاجمت القوات الإسرائيلية قرية الرهوة وقتلت 15 عربياً، وفي 14 أيلول قامت بهجوم ثان على قرية الغرندل وقتلت 15 عربياً، وفي 16 أيلول قامت بهجوم ثالث على قريتي حوسان ووادي فوقين وقتلت 31 عربياً، وفي 11 – 12 تشرين الأول هاجمت مدينة قلقيلية* (رَ: قلقيلية  – مذبحة) وقتلت 50 عربياً. وقد رافقت هذه الهجمات دعاية واسعة قامت بها الصهيونية لتهيئة الرأي العام العالمي لهجوم إسرائيل على الأردن، لكن يبدو أن الغرض الذي تقدمت به * فرنسا وبريطانيا (لإسرائيل) للقيام بهجوم مشترك على سيناء هو الذي غير وجه الاعتداء الإسرائيلي على الأردن، كما كان مخططاً، إلى مصر. وكان هدف (إسرائيل) في سنة 1956 احتلال شبه جزيرة سيناء وضمها إليها، إلا أن الظروف لم تكن مواتية في سنة 1956، فتكررت المحاولة سنة 1967. أما بالنسبة إلى الحدود الشمالية فقد بدأت (إسرائيل) تطالب منذ شهر آذار 1951 بالسيادة على المنطقة المنزوعة السلاح بينها وبين سورية، ثم استولت على هذه المنطقة. ولم تستجب (إسرائيل) لقرار مجلس الأمن الصادر في 18/5/1951 للانسحاب منها. وفي مرحلة ثانية أخذت (إسرائيل) تهاجم المخافر السورية المتقدمة في عمليات متعددة (رَ: المناطق المنزوعة السلاح). لقد كان عدوان حزيران 1967 (رَ: حرب 1967) مرحلة من مراحل التوسع الصهيوني. فقد أسفرت هذه الحرب عن احتلال أراض عربية جديدة وواسعة لا تتضمن فلسطين بحدودها الدولية المرسومة في فترة الانتداب البريطاني فحسب بل أقساماً من فلسطين الأوسع التي رسمت الصهيونية العالمية حدودها لتكون الدولة اليهودية المنشودة. وبدأت (إسرائيل) تتقدم نحو الهدف – هدف الاغتصاب الصريح بالضم – عندما أعلنت ضم الجزء العربي من مدينة القدس*. وكانت تلك أولى مراحل الضم تلاها في مرحلة ثانية ضم مرتفعات الجولان* السورية. ثم جاء الغزو الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 مرحلة جديدة من مراحل تطبيق خطط التوسعية الصهيونية. وقد سعت (إسرائيل) إلى تغليف نيتها ضم الأراضي العربية المحتلة بالمطالبة بحدود “آمنة ومعترف بها” وهذه الحدود الآمنة في نظرها ليست حدود الهدنة التي كانت قائمة قبل عدوان 1967. ولكنها في الوقت ذاته رفضت ولا تزال ترفض توضيح مفهومها لهذه الحدود الآمنة، وتكتفي بالادعاء أنها تعني حدوداً جديدة أوسع من الخطوط السابقة. وما زال الموقف الإسرائيلي في هذا الصدد يقوم على نقطتين: الأولى تقرير سلبي بأن الحدود الآمنة ليست هي خطوط  4/6/1967. والثانية تقرير إجرائي بأن الحدود الآمنة والقابلة للدفاع عنها يتم تحديدها عن طريق التفاوض المباشر بين الأطراف المعنية. وفي الوقت نفسه صدرت عن المسؤولين الإسرائيليين عشرات التصريحات المتضاربة حول حدود (إسرائيل) ومصير الأراضي المحتلة. ولعل أهم هذه التصريحات ما ورد في برنامج حزب العمل* الحاكم قبل انتخابات تشرين الأول 1969 من أنه إلى جانب القدس العربية، يجب أن تضم سيناء وقطاع غزة ومرتفعات الجولان بصفة دائمة إلى (إسرائيل)، على أن يكون نهر الأردن “حدود أمن” بحيث لا يجوز عبوره غرباً بقوات أجنبية. ثم عاد المؤتمر العام الأول للحزب نفسه وأكد في 6/4/1971 ضرورة إجراء “تغييرات هامة” في حدود (إسرائيل) ما قبل 4/6/1967 فتحتفظ بالمرتفعات السورية، والقدس، والقطاع غزة، وشرم الشيخ مع شريط ساحلي في سيناء يربطها (إسرائيل) وتتحدد مساحته وفق مقتضيات الأمن، إلى جانب حظر عبور نهر الأردن غرباً على أية قوات عربية. كذلك اجتهد بعض المسؤولين الإسرائيليين في تفسير عبارة “الحدود الآمنة” باستخدام ألفاظ جديدة غير واردة في قرار مجلس الأمن 242* فاستعمل وزير الخارجية الإسرائيلي آبا ايبان عبارة “الحدود التي يمكن الدفاع عنها”. ثم أضافت غولدا مائير رئيسة الوزراء (1971) عبارة “الحدود الرادعة”. وواضح من التصريحات الأكثر تحديداً حول الأراضي المرغوب في ضمها، وما تم فعلاً من ضم القدس والجولان وبناء المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، أن هذين الوصفين الجديدين يمثلان محاولة للقول إن الحدود التي تريدها (إسرائيل) لنفسها هي تلك الحدود التي لا تضمن لها التوسع فيما وراء حدود الكيان الصهيوني في قرار التقسيم (1947) فحسب وإنما أيضاً وراء خطوط الهدنة لسنة 1949، مع المكاسب الإقليمية التي حصلت عليها بالقوة في عدوان حزيران 1967. وهكذا بقيت (إسرائيل) تتمسك بالأراضي العربية التي احتلتها في حرب 1967 وفي الوقت ذاته تقيم حقائق الأمر الواقع بإنشاء المستعمرات الإسرائيلية في جميع المناطق المحتلة. وقد زاد إنشاء المستعمرات بمجيء الليكود* إلى الحكم بزعامة مناحيم بيغن في سنة 1977. وفي ذلك العام زار الرئيس المصري أنور السادات القدس وتلا زيارته توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. (رَ: كامب ديفيد) مع الكيان الصهيوني (1978). وقد تضمنت الاتفاقيات ما سمي “الحكم الذاتي” في الضفة الغربية. والمفهوم الإسرائيلي لهذا الحكم هو إضفاء الشرعية على احتلال (إسرائيل) للضفة الغربية تحت ستار منح العرب الفلسطينيين في الضفة الغربية بعض الصلاحيات المدنية في ظل سيادة (إسرائيل) ووجودها العسكري والاستيطاني. وتبع ذلك توقيع مصر و(إسرائيل) “المعاهدة المصرية – الإسرائيلية*” في 26/3/1979، وبموجبها تعترف مصر (بإسرائيل)، وتقيم معها علاقات طبيعية متخلية بذلك عن أهداف الأمة العربية والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني مقابل انسحاب (إسرائيل) من سيناء. تعرز الاتجاه التوسعي وترعرع في ظل حكومة الليكود بظهور حركات “استيطانية” توسعية جديدة. ومن أبرز الحركات الصهيونية التي تجاهر بالتوسع الصهيوني على حساب الأرض العربية والتي ظهرت بعد حرب حزيران 1967 “حركة أرض – إسرائيل الكامنة*”. وقد تشكلت هذه الحركة من العناصر المتطرفة في مختلف الأحزاب الصهيونية، ولا سيما حيروت. وجاء ظهورها بعد الحرب في أوج الموجة الشوفينية حين ساد الاعتقاد بأن الفرصة مواتية أمام (إسرائيل) كي تتوسع وتكبر فتحقق أهداف الاستراتيجية الصهيونية التوسعية. وقد رفعت هذه الحركة شعار عدم الانسحاب من “شبر واحد” من الأراضي العربية المحتلة، ونادت بالاستمرار في إنشاء المستعمرات في جميع هذه الأراضي، ورفعت شعار “عودة صهيون وجميع المنفيين” واستيطان شعب إسرائيل في أرض إسرائيل”. وأكدت الحركة أن هدفها أكبر من تحقيق السلام مع العرب، وهو: “إعادة شعب إسرائيل إلى أرض إسرائيل، وإعادة أرض إسرائيل إلى شعب إسرائيل”. وقد ظهرت حركات توسعية أخرى مثل حركة “غوش ايمونيم” أو “رابطة الإيمان”، وهي حركة جماهيرية دينية متطرفة ظهرت سنة 1974. ومعظم أعضاء هذه الحركة من شبيبة المدارس الدينية التابعة لحزب المفدال* ومن طلاب جامعة بار – ايلان. وترفع هذه الحركة شعار “الاستيطان في كافة أرجاء أرض إسرائيل”. وقامت هذه الحركة منذ أواخر حكم المعراخ* وخلال حكم الليكود بإنشاء الكثير من المستعمرات في الضفة الغربية. وتعارض هذه الحركة معاهدة الصلح التي أبرمت بين إسرائيل ومصر، وترفض الانسحاب من أي جزء من المناطق العربية المحتلة. وتتعاون مع غوش ايمونيم حركة أخرى تدعى “كاخ”، وهي أيضاً مجموعة دينية فاشية صغيرة تشكل امتدادا لعصبة الدفاع اليهودية* الإرهابية. وهي تتعاون مع غوش ايمونيم في نشاطاتها الاستيطانية وتدعو إلى طرد العرب من فلسطين بالقوة. المراجع: –         أسعد رزوق: إسرائيل الكبرى، دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، بيروت 1968. –         صبري جريس: تاريخ الصهيونية 1862 – 1917، بيروت 1977. –         وزارة الدفاع الوطني – الجيش اللبناني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية: القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، بيروت 1973. –         إبراهيم شحاتة: الحدود الآمنة والمعترف بها، بيروت 1974. –         الكتاب المقدس: العهد القديم، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1960. توفة: رَ: ابن هدوم (وادي-)