التلال

التلال في فلسطين تلال طبيعية وتلال اصطناعية تتوزع في أنحاء شتى من البلاد، ولا سيما في تلك البقاع القليلة الارتفاع التي لا يزيد علوها على 400 –500م عن سطح البحر. لكن هناك تلالاً في أجزاء تقع دون مستوى سطح البحر أيضاً، كما هي الحال في منطقة غور الأردن والأغوار الثانوية المتفرعة منه (رَ: الغور). والتل من الناحية الجغرافية يعني مرتفعات وعلوات قبابية أو مخروطية أو غير ذلك من الأشكال التي لا يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر أو السطح العام المحيط بها مقدار 300 م على الأغلب، وإن كان هناك من يرفع الرقم الأكثر من ذلك، أما الارتفاع الأدنى فقد لا يزيد على بضعة أمتار. وقد يكون لهذا المفهوم معنى نسبي، فبعض الجبال تسمى تلالاًً، كما هي الحال بالنسبة إلى تل عاصور* الواقع شمال – شمال شرق مدينة القدس*، إذ تصل أعلى قمة فيه إلى 1.016م عن سطح البحر. كما يطلق على بعض الكثبان الرملية أو الربى التي لا يزيد ارتفاعها على 2 – 5 م اسم التلال أيضاً في بعض أجزاء فلسطين. من جهة ثانية لا بد من معرفة أن ما يميز التلال الاصطناعية من التلال الطبيعية هو إنهاء، أي التلال الاصطناعية، في أصولها ذات قاعدة طبيعية تلية قليلة العلو زادت أعمال الإنسان ومخلفاته الحضارية من ارتفاعها يتراكم وتكدس الخرائب والأنقاض فوق التل (رَ: الخرب والأماكن الأثرية). قدر عدد القرى التي كانت قائمة في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر بنحو 700 قرية منها قرابة 600 قرية قامت ونمت أصلاً فوق علوات أو مرتفعات معظمها تلال طبيعية أو تلال طبيعية – اصطناعية. وكان السبب في نشأة القرى فوق التلال والمرتفعات الأخرى الابتعاد عن السهول والمنخفضات لتوفير الأرض الزراعية والمرعى من جهة، ولتجنب أخطار الفيضانات والمستنقعات* من جهة ثانية، ولتأمين الحماية وسهولة الدفاع تجاه أي اعتداء على السكان من جهة ثالثة. لكن القرى والتجمعات السكانية الأخرى الأحداث لم تعد تتقيد بما تقدم من أسباب، فانتشرت في السهول والمنخفضات ومن المدن الفلسطينية القديمة التي قامت على التلال: مجدو وأريحا* وجازر (تل الجزر) وبيسان* ولاخيش* (تل الدوير)، وغزة القديمة (تل العجول)، وتل الحسي. ومن المدن التي قامت على مرتفعات جبلية: صفد* والناصرة* والقدس وبيت لحم* والخليل* وغيرها. وقد دخلت كلمة “تل” العربية اللغات الأجنبية كمصطلح علمي يقصد به التل الأثري الاصطناعي. وجرت حفريات أثرية في الكثير من التلال الفلسطينية كشفت عن حضارات قديمة في البلاد. أما التلال الطبيعية فهي أكثر انتشاراً، وتكثر في الشريط الساحلي، أي في السهل الساحلي الفلسطيني* وسهل عكا* حتى حدود فلسطين مع لبنان. وتنتشر أيضاً في نطاق قواعد جبال فلسطين الوسطى وسفوحها الغربية، وفي وادي الأردن والغور*، ولا سيما في منطقة (الكنار). وتوجد أيضاً في النقب* جنوبي فلسطين. وتختلف أشكال وبنية التلال في كل منطقة من المناطق الأربع المذكورة. أ‌-       تلال السهل الساحلي الفلسطيني: تمتاز تلال السهل الساحلي الفلسطيني بكونها رملية البنية والتركيب مؤلفة من كثبان ورواب رملية ثابتة قديمة ذات حبات وذرات رملية يربطها ملاط كلسي يمنع انتقالها مع الرياح. ويغلب اللون الأحمر على هذه الرمال، وتعرف في فلسطين باسم الكركر أو الكركار (رَ: التربة). والسائد في أشكال تلال الكركر الشكل الطولي المؤلف من سلاسل متوازية تتفق مع محور سير الساحل. وعدد هذه السلاسل ثلاث متتالية من الغرب باتجاه الداخل. ويرى بعض الباحثين أن هذه السلاسل التلية شواهد على تغيرات في مستوى البحار والمحيطات في الفترات الرباعية الجليدية والفترات الدافئة البينية (أي بين الفترات الجليدية الباردة). وقد يصل ارتفاع بعض التلال الكركر إلى أكثر من 100 م، ويراوح عرضها بين 300 و500م ، أما أطوالها فقد تصل إلى أكثر من كيلومتر. ولولا قيام أنهار الساحل والأودية السيلية المنتهية في البحر المتوسط التي تمر خلال فتحات شقتها ضمن سلاسل الكركر لشكلت هذ التلال أشرطة مستمرة على طول الساحل دون انقطاع تقريباً. وتتقارب سلاسل الكركر بعضها من بعض مسافة بضع مئات الأمتار في الشمال، ومسافة 1 – 3كم في سهل سارونة*، و3 – 5كم في الجنوب. إلى جانب تلال الكركر الثابتة توجد في السهل الساحلي الفلسطيني، قريباً من الساحل، تلال رملية أخرى هي الكثبان الرملية الحديثة التكوين. وهي كثبان منتقلة تتحرك باتجاه الداخل، لذا فإنها ما تطغى على تلال الكركر وتغطيها، وتزحف على السهول المنبسطة وتضر بالحقول والبساتين والمنشآت الاقتصادية والطرق*. وقد عمل الإنسان على تثبيت هذه الرمال بالنباتات، وقام بتجفيف المستنقعات التي تتكون خلف تلال الكركر نتيجة تجمع مياه السيول والأنهار وعدم تمكنها من الوصول إلى البحر المتوسط. ب‌- تلال قواعد الجبال: تنتشر هذه التلال عند نهايات السفوح الغربية لجبال فلسطين الوسطى (جبال الخليل، وجبال القدس – رام الله، وجبال نابلس)، ونطاق التقائها بالهوامش الشرقية للسهل الساحلي الفلسطيني. وهي تلال متفرقة ذات أشكال متعددة وارتفاعات متفاوتة. وهي من الناحية العددية أقل من تلال السهل الساحلي الفلسطيني، لكنها أعلى منها بصورة عامة. ونشوء هذه التلال مرتبط بالأعمال الجيومورفولوجية، أي أعمال الحث والحفر والتعرية في الصخور* ذات القساوات المتباينة. لذا تنتشر في الأماكن التي ترتفع فيها كثافة أودية شبكة مائية (نهرية دائمة أو سيلية مؤقتة) حيث تتعمق الأودية مكونة التلال في المساحات الواقعة بين الأودية وروافدها. إن الارتفاع العام القليل (300 -400م)، وطراوة الصخور على الغالب، وانخفاض شدة انحدار السفوح والمجاري المائية الذي يقلل أعمال الحفر والتعمق، كلها عوامل ساعدت على نشوء التلال في هذا النطاق الأرضي. يتصل معظم هذه التلال بجسم قواعد الجبال، وتتقدم نحو الغرب على شكل مهاميز تلية، استغل الانسان موقعها وارتفاعها عما حولها فأقام قراه وتجمعاته السكانية الأخرى على قممها المطلة على أراضي السهل الساحلي في الغرب. ج- تلال غور الأردن: تميل السفوح الشرقية لجبال فلسطين على أرض الغور بانحدارات شديدة قاسية ومن ارتفاعات كبيرة نسبية لا تسمح بتكوين التلال إلا ما ندر. لكن أرض الغور نفسها مكونة من ترسبات بحرية طرية من المارن والمواد الرخوة الأخرى، تعرف بتكوينات اللسان (نسبة إلى شبه جزيرة اللسان في البحر الميت*) وتقع على مستويات متدرجة فوق أرض نهر الأردن (أو سهله الفيضي). وقد أثرت السيول والروافد الهابطة من الجبال، الصابة في نهر الأردن* في هذه الأراضي الطرية الصخور، فتخددت تكوينات اللسان بشدة وتجزأت إلى تلال محروطية لا حصر لها، تعرف في غور الأردن باسم الكنار (جمع كنر)، وتعني: سنام الجميل. وهي ما يعرف في الجغرافيا الطبيعية باسم الأراضي الرديئة. وتلال الكنار هذه صغيرة، بيضاء اللون، قليلة الارتفاع (15 -30م)، طرية المواد، ذات مظهر جاف لانعدام الغطاء النباتي، ولقلة الأمطار الهاطلة عليها (أقل من 200 مم). د- تلال جنوب فلسطين: تتنوع تلال جنوب القطر فتشمل على الأنواع السابقة إلى جانب التلال ذات المظهر الصحراوي الجاف، والمعروفة بالقارات أو القور (جمع قارة) في المناطق العربية المتشابهة. والقارة تل مرتفع عما حوله من أرض يغلب عليها الأنبساط، وجوانب القارة شديدة الانحدار، وقمتها مستوية وجوانب القارة شديدة الانحدار، وقمتها مستوية على شكل مائدة منفردة. وقد تكون القارة ذات شكل غريب يعرف بالتل القطري لكونه شبيها بنبات القطر العريض في الأعلى الضيق المخصور في القاعدة. والغالب على التلال القطرية والقارات كون أعاليها وسطوحها مؤلفة من طبقات صخرية قاسية دونها طبقات أقل قساوة أو طرية. كما عي الحال في التلال المنتشرة شمال غرب خليج العقبة عند قواعد جبال النقب الجنوبي، والمنتشرة في وسط النقب بين حوض وادي الذانا* ووادي جرافي* وتمتاز القارات بمواقعها القريبة من حافات جروف صخرية وأطراف هضاب كانت تتصل بها ثم انفصلت عنها نتيجة أعمال الحت والتعرية. أما التلال الرملية، وكذلك التلال الشبيهة بتلال الغور من نوع الكنار (الأراضي الرديئة ) فتنتشر في شمال وشمال شرق النقب، وغرب وجنوب غرب بئر السبع*، وبشكل خاص جنوب غرب بئر السبع حيث تمتد مساحات واسعة من الأغشية الرملية أهمها رمال الخلصة. وتختلف التلال الرملية هنا عن التلال الكركر بأنها أقل تماسكاً، ومحاورها تكاد تكون شرقية غربية، وبأنها قليلة الثبات نسبياً. أما تلال الكنار فمشابهة لمثيلاتها في الغور مع اختلاف المادة المكونة لها هنا والمؤلفة من تربة اللوس المتصلبة المتماسكة التي حفرت فيها السيول والرياح مساراتها وخلفت وراءها تلال الكنار الطرية المواد. وأخيراً فإن تلال قواعد الجبال في جنوب فلسطين متعددة، وتؤلف مظهراً انتقالياً بين تلال أقدام السفوح الغربية لجبال فلسطين الوسطى الآنفة الذكر، والتلال من نموذج القارات. وكثيراً ما يتداخل النموذجان على امتداد حضيض الكثير من الجبال والمرتفعات في النقب، وعلى جوانب وادي عربة* الغربية. وتكون التلال في فلسطين، بأنواعها السابقة الذكر، نطاقاً انتقالياً بين تضاريس الجبال والهضاب من جهة، والسهول والمنخفضات من جهة ثانية، باستثناء التلال الرملية ذات الأصل الكلثيبي بصورة خاصة. لذلك فإنها كانت بالغة الأهمية كمواقع لإقامة التجمعات السكانية والقرى والمدن عليها منذ القدم وحتى مطلع القرن العشرين للأسباب التي وردت في بداية الحديث عن التلال.