التقسيمات الإدارية

أ- مقدمة: كانت سورية عامة، وفلسطين خاصة، تتألف في العصور القديمة من جماعات صغيرة من مماليك – مدن مستقلة، سواء في عهد العموريين* أو الكنعانيين*. ولم تبدل الأوضاع بعد استيلاء الحثيين* والمصريين (رَ: الفراعنة) على أجزاء كبيرة من هذه البلاد التي كانوا يسيطرون عليها عسكرياً من مراكز حصينة ويتركون إدارة شؤونها الداخلية لحكام محليين تابعين لهم. وقد ظلت هذه البلاد مقسمة إلى دويلات صغيرة في عهد الآراميين والعبرانيين. وكذلك كان الأمر في عهد الأشوريين (رَ: أشور) والكلدانيين الذي لم تنقطع فيه الحروب والثورات. ب- التقسيمات الإدارية في عهد الفرس والرومان والبيزنطيين: 1)   أيام الفرس (القرن 6 – 5 ق.م.): تمتعت سورية، وفلسطين ضمنها، بفترة من السلام والازدهار تحت الحكم الفارسي (رَ: البارثيون) بفضل الإصلاحات التي قام بها “داريوس”. فقد دمج هذا الملك الكبير كل سورية وفلسطين وقبرص في ولاية واحدة، هي الخامسة بين ولايات المملكة. وقد أطلق عليها اسم “عبر نهرا = ما وراء النهر” أي البلاد الواقعة غربي نهر الفرات، وجعل دمشق عاصمة لها وقسمها إلى ألوية أو “مرزبانات”. وقد منح هذه المقاطعات والمناطق قسطاً من الحكم الذاتي – المحلي مع إخضاعها إلى مراقبة مركزية، فكان يحرص على تعيين حكام من أهل البلاد، ولكنه كان يرفقهم بمستشارين، ويكثر من إرسال المفتشين الفرس للإشراف على الحالة. ويرجع الفضل إلى “داريوس” في إنشاء شبكة ممتازة من الطرق لتسهيل الحركة التجارية، وفي وضع القوانين الحقوقية والأنظمة النقدية اللازمة، وتدل الأخبار المأثورة على أن الإمبراطورية الأخمينية كانت تفوق كل الدول القديمة في حسن الإدارة وانتظام الحكم، وبذلك لم تحدث أية ثورات في البلاد ضد الفرس خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (رَ: الأخمينيون). أما التقسيمات الإدارية من ألوية ومقاطعات في سورية وفلسطين فكانت كما يلي: (1) حماة             (2) أرواد            (3) طرابلس        (4) جبيل (5) ماسياس          (6) صيدا            (7) صور          (8) دمشق (9) حوران          (10) قرنايم          (11) الجليل         (12) جلعاد (13) السامرة        (14) دور            (15) عمون         (16) مآب (17) يهودا          (18) ايدوميا          (19) أسدود         (20) النقب (21) الحديقة الملكية (للصيد). 2) العهد الهلنستي: بعد الاسكندر المقدوني* احتدمت الخلافات بين خلفائه البطالمة* والسلوقيين* في مصر وسورية وفلسطين فأصبحت هذه البلاد مسرحاً للحروب باستمرار. على أن أهمية هذا العهد ترجع إلى انتشار الحضارة الهلنستية خلاله، فقد تأسس عدد كبير من المدن اليونانية الجديدة، وانقلب كثير من المدن القديمة إلى مراكز ثقافية يونانية. وكانت كل واحدة من هذه المدن، أو كل مجموعة متحالفة منها تؤلف دويلة مستقلة، مثل تحالف المدن العشر (ديكابوليس*) أو مدن بيلا، اليوثيروبوليس (بيت جبرين)، وجرش، وبطلمايس (عكا)، وفيلادلفيا (عمان)، وسكيثوبوليس (بيسان)، ونيابوليس (نابلس). وقد اتخذ السلوقيون مدينة أنطاكية عاصمة لسورية وفلسطين وتجلب النزعة الاستقلالية لدى الجماعات المحلية أيضاً، فقام اليهود بالثورة بزعامة “المكايين”، وأخذوا يحاربون أنصار الحضارة الهلنستية من اليهود وسائر السكان من غير اليهود مثل الأدوميين* واليطوريين”. وفي الوقت نفسه برز الأنباط* العرب الذين انتزعوا “سورية المجوفة” من أيدي السلوقيين حوالي سنة 85 ق.م. وفرضوا حمايتهم على دمشق مدة من الزمن. 3) في أيام الرومان: استمرت الحضارة الهلنستية في سورية وفلسطين بعد استيلاء الرومان على البلاد في سنة 64 ق.م. إذ أصبحت (ولاية إمبراطورية) تابعة للامبراطور نفسه يعهد بإدارتها إلى نائب عنه برتبة قنصل. وتحت امرته قوة عسكرية مؤلفة من أربع فرق، وتساعده هيئة من الموظفين تعنى خاصة بجباية الضرائب (رَ: العصر الروماني). كذلك احتفظت الجماعات المحلية في عهد الرومان بنظام الحكم الذاتي، فكان هناك آراميون يسيطرون على شؤونهم الداخلية، وكان هناك أعراب بدو يخضعون لنظام قبلي، في حين كان لليهود رئيس طائفة تعينه الطبقات الأرستقراطية. وقد اهتم الرومان بتأبين حدود سورية وفلسطين وحمايتها من هجمات الفرس وغزوات القبائل البدوية. فأنشأ الامبراطور “تراجان” في سنة 105م “الولاية العربية” التي تضم بترا* وفلسطين وسورية، وأقام سلسلة من المراكز الحصينة على طول حدود الصحراء، ورصف الطريق العسكرية التي تربط مدن دجلة والفرات بمدن البحر المتوسط مروراً بتدمر، ثم تمتد من دمشق إلى حوران (جلعاد)، ومنها إلى مآب حتى تتصل بطريق القوافل إلى الجزيرة العربية. 4) في العهد البيزنطي: كانت سورية في العهد البيزنطي (رَ: البيزنطيين) تقسم إلى عدة محافظات هي: (1) ولاية سورية الأولى، ومركزها أنطاكية، وتتبعها مدن سلوقية وولاية اللاذقية وجبلة. (2) سورية الثانية، ومركزها آفامية، ومن مدنها ابيفانية (حماة) واريتوزة (الرستن) ولاريسة (شيزر). (3) فينيقية الأولى، ومركزها صور ومن مدنها بطلمايس (عكا) وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس. (4) فينيقية الثانية، ومركزها حمص، وتضم مدن دمشق وهليوبوليس (بعلبك) وتدمر. (5) فلسطين، وقد قسمت أجزاء ثلاثة: – فلسطين الأولى، ومركزها قيسارية*، ومن مدنها أورشليم ونيابوليس (نابلس) وجويا (يافا)، وغزة*، وعسقلان. – فلسطين الثانية، ومركزها سيكثوبوليس (بيسان)، ومن مدنها جدرة، وطبرية*. – فلسطين الثالثة المؤلفة من الولاية العربية ومركزها البترا. وكانت هناك في مناطق الحدود وحدات عسكرية سميت “البنود Thema ” أنشأها “هرقل” لنستوطن البلاد وتؤلف جيشاً شعباً دائماً. هذه الأوضاع كلها تغيرت بعد الفتح الإسلامي حيث قسمت البلاد إلى أجناد حسب مقتضيات الحركات العسكرية في بادىء الأمر. ج- التقسيمات الإدارية في الدولة الإسلامية: يرتبط ظهور التقسيمات الإدارية في دولة الاسلام بعصر الفتوح، فقد اتسعت رقعة الدولة بعد أن انضمت إليها أقطار وبلدان قبلت سيادة الدولة الإسلامية نتيجة أعمال عسكرية، أو بتوقعها على معاهدات صلح وولاء. وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب* بلغت الفتوحات أوجها، فأوجد عمر ما سمي بالأمصار، وهي الأقسام الإدارية التي اتسمت بالطابع العسكري، والتي بلغ عددها وفق ما ذهب إليه معظم المؤرخين سبعة، ولكنهم اختلفوا في تسميتها. وكانت الشام بين أمصار الدولة السبعة زمن ابن الخطاب، وفلسطين جزء منها. ويبدو أن استعمال كلمة “مصر” زمن الخليفة عمر كان مقتصراً على الأماكن السبعة التي اتخذها العرب قواعد عسكرية يقومون منها بحملاتهم الحربية وفتوحهم، وجعلوها مراكز لإدارة البلاد والأقاليم التي يفتحونها. وقد غلب الطابع العسكري على هذه الأمصار طوال القرن الهجري الأول. وكانت الأمصار، على سعة رقعتها الإدارية، تنبع الخلفاء الذين كانوا يقيمون في المدينة المنورة أولاً، ثم في دمشق بعد ذلك، وتخضع لسطانهم التشريعي والإداري. لما آل أمر الدولة إلى بني أمية كانت الشام من أهم أمصار دولة الإسلام. وكانت الشام في عرفهم المصر الذي يحده بحر الروم من الغرب، والبادية الممتدة من أيلة إلى الفرات شرقاً، وآخر حدودها مما يلي مصر رفح*، ومما يلي الروم الثغور. وبهذا التعريف تكون فلسطين ضمن مصر الشام (رَ: العصر الأموي). وهذا التعريف للشام، ويضمنها فلسطين، متفق عليه بين الجغرافيين العرب قاطبة، وما كان من خلاف بين هؤلاء الجغرافيين يتعلق فقط بموضوع الثغور، والتي اصطلح على تسمية بعضها باسم ثغور الشام، وبعضها الآخر ثغور الفرات، مما لا علاقة له بهذا البحث. ويرتكز هذا التحديد الجغرافي الإسلامي للشام، وبضمنها فلسطين، على ما كانت عليه الحال ابان الحكم البيزنطي لسورية قبل الفتح. وحين آل الأمر إلى المسلمين جعلتهم حاجات الفتح والإدارة يغيرون في التقسيمات بما يتناسب مع مراحل الفتح أولاً، ثم مع حاجات الدولة الطارئة بعد ذلك. ففي المصادر مثلاً ما يشير إلى أن عمر بن الخطاب في مراحل الفتح الأولى وقبل أن تستسلم له القدس* قسم فلسطين إلى نصفين: نصف مع أهل إيلياء، ونصف مع أهل الرملة، وعين على نصف حاكماً يصرف شؤونه الإدارية والعسكرية والمالية. وبعد أن مضت عملية الفتح قدماً وجد عمر بن الخطاب أن طبيعة البلاد والضرورات الإدارية والعسكرية، بالإضافة إلى انتشار القبائل وتنظيم توطينها، توجب تقسيم الشام إلى أقسام إدارية وعسكرية أصغر دعاها “الأجناد”. وكانت أجناد الشام زمن عمر أربعة هي: حمص ودمشق والأردن وفلسطين. وقد استقرت في هذه الأجناد فرق من الجيش الإسلامي لحمايتها. وفي نظام الأجناد هذا شبه كبير بنظام البنود البيزنطي. وقد أشار المسعودي إلى هذا التشابه بين البنود البيزنطية والأجناد الإسلامية فقال: “أرض الروم واسعة في الطول والعرض، آخذة في الشمال بين المشرق والمغرب، مقسومة في قديم الزمن على أربعة عشر قسماً مفردة تسمى البنود، كما يقال أجناد الشام، كجند فلسطين وجند الأردن وجند حمص، غير أن بنود الروم أوسع من هذه الأجناد”. وطبيعي أن عمر بن الخطاب لم يقسم الشام إلى هذه الأجناد لأنها كانت كذلك زمن الروم البيزنطيين ولكن لأن الضرورات العسكرية هي التي أوجبت هذا التقسيم. كذلك يلاحظ أن كل مراكز الأجناد في العصر الإسلامي كانت من المدن الداخلية كحمص ودمشق وطبرية واللد*، وفي حين كانت أهم مراكز الأجناد ابان الحكم البيزنطي هي المدن الساحلية كأنطاكية وصور وقيسارية، وذلك لأن العرب كانوا يعتمدون على القوات البرية في حين أن البيزنطيين كانوا يعتمدون في دفاعهم على الأسطول أكثر من القوات البرية. وفي العصر الأموي* انقسمت الشام إلى خمسة أجناد هي: جند دمشق وجند حمص وجند فلسطين وجند الأردن وجند قسرين. أما جند فلسطين فكان على ما يذكر الاصطخري في “المسالك والممالك” أول أجناد الشام مما يلي المغرب، وبينه وبين جند الأردن ثلاث مراحل، وكانت قصبته مدينة اللد “ولم تزل على هذا الشأن إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك* أخاه سليمان* جند فلسطين …. فأخذت مدينة الرملة* ومصرها واختط مسجدها … فصارت القصبة، وخربت اللد”. ومن كور فلسطين إيلياء، وهي بيت المقدس، وكورة اللد، ونابلس*، وعمواس. وسبسطية* وبيت جبرين*. أما مدن فلسطين الساحلية فهي قيسارية وهي مدينة الساحل وكانت من أمتع مدن فلسطين، وهي آخر ما افتتح من مدن البلد، افتتحها معاوية بن أبي سفيان* في خلافة عمر بن الخطاب، ويافا*وعسقلان وغزة*. ويذكر صاحب “الأعلاق الخطيرة” أن عسقلان لم تزل في يد من يلي فلسطين إلى أن صارت في أيدي المصريين. ويعتبر الجغرافيون العرب مدينة نابلس من أقدم مدن فلسطين، وفيها الجغرافيون العرب مدينة نابلس من أقدم مدن فلسطين، وفيها الجبلان المقدسان، وبها أختلاط من العرب والعجم والسامرة. وآخر مدينة من مدن فلسطين مما يلي جفار مصر مدينة غزة التي بها قبر هاشم بن عبد مناف. وأهل جند فلسطين عموماً أخلاط من العرب من لخم* وجذام* وعاملة* وكندة* وقيس* وكنانة. وقد استمرت فلسطين جنداً مستقلاً من أجناد بلاد الشام حتى كانت خلافة بني العباس الذين لم يغيروا التنظيم الإداري الذي وجدوا عليه فلسطين قبلهم في العصر الأموي. وكل ما في الأمر أن كلمة الجند التي كانت تستعمل لتقسيمات الشام الإدارية تحولت بالتدرج إلى كلمة “ولاية”. وكانت فلسطين تنبع ولاية الشام في مطلع الحكم العباسي، ثم ما لبثت بعد عهد أبي العباس السفاح أن سلخت عنها، وجعلت ولاية مستقلة مركزها الرملة، وتمتد من اللجون حتى رفح، وتقسم إلى اثني عشرة كورة، هي الرملة، وإيلياء – عمواس، واللد*، ويبنى *، ويافا، وقيسارية، ونابلس، وسبسطية، وعسقلان غزة، وبيت جبرين. أما ولاية الأردن فمركزها طبرية وتمتد من صور وعكا إلى البلقاء حتى أيلة على خليج العقبة*، وفيها ثلاث عشرة كورة هي طبرية والسامرة وبيسان* وفحل وجرش وبيت راس وجدر وآبل وسوسية وصفورية وعكا وقدس وصور. ويمكن القول إن بلاد الشام لم تجمع خلال دولة بني العباس تحت حكم وال واحد إلا في القليل النادر، وكان يعين في أغلب الأحيان وال لكل جند من أجنادها، ومن بينها فلسطين (رَ: العصر العباسي). وكان في أحيان كثيرة يجمع لوال واحد إدارة أكثر من جند. ومما يؤكد أن أجناد الشام وكورها وقصباتها لم تجمع لوال واحد زمن بني العباس، أو من حكم باسمهم فيما بعد، أن المصادر حين تتحدث عن موارد الدولة تتحدث عن ارتقاقات كل قصة على حدة مما يدل على استقلال إدارتها. وقد جرت في بلاد الشام بعامة، وفي فلسطين بخاصة، خلال العصر العباسي*، عمليات نقل سكان أكثر من مرة، وذلك بسبب الثورات التي كانت تنشب فيها. وفي إحدى هذه العمليات نقلت قبيلة لخم من موقعها في فلسطين إلى جبل لبنان. كما تكرر هذا الأمر بالنسبة إلى قبائل أخرى في فترات تالية. وحين حل الضعف بالدولة العباسية ونجمت فيها بدعة استقلال الأمراء والولاة بأقاليم الدولة التي كانوا يتولون حكمها، دخلت بلاد الشام، وبضمنها فلسطين، في هذه الدوامة، وأخذت تنبع إدارياً الدويلات والإمارات التي تقيم نفوذها على أنقاض سلطان بني العباس. ففي زمن الدولة الأخشيدية مثلاً عادت فلسطين، بجميع كورها وقصباتها، وحدة إدارية، إذ تذكر المصادر أنها عقدت لواب كافور بخمسمائة ألف دينار. وكذلك جند دمشق (رَ: الأخشيديين). د- النظام الإداري في عهد المماليك: كانت منطقة فلسطين زمن المماليك* هي القسم الجنوبي من بلاد الشام. وقد قسم المماليك بلاد الشام إلى وحدات إدارية عرفت الواحدة منها باسم “نيابة”، وكان نصيب فلسطين ثلاث بيانات هي: نيابة صفد، ونيابة غزة، ونيابة القدس. 1)   نيابة صفد: ظهرت أيام السلطان الملك الظاهر بيبرس* البندقداري (658 – 676هـ/ 1659 – 1277م)، عقب الانتهاء من تحريرها من الصليبيين عام 664هـ/ 1266م. وقد امتدت حدودها من منطقة نهر الليطاني شمالاً إلى منطقة الغور جنوباً، ومن منطقة الملاحة الفاصلة بين بلاد الشقيف وحولة بانياس شرقا إلى البحر المتوسط غرباً. ضمت هذه النيابة أحد عشر عملاً، هي: بر صفد (أي ضواحي مدينة صفد)، والناصرة*، وطبرية، وتبنين وهونين، وعثليت، وعكا، وصور، والشاغور، والإقليم، والشقيف، وجنين . 2) نيابة غزة: ظهرت إبان سلطة الملك الناصر محمد بن قلاوون* الثالثة (709 – 741هـ/ 1309 – 1340م)، وذلك عام 711هـ/1311م. وتأتي في الأهمية والحجم بعد نيابة صفد. أما حدودها فيمكن تقسيمها إلى قسمين: الأول حدود ثابتة تشمل مدينة غزة وقراها، وتمتد من قرية يبنى شمالاً إلى خط البريد الواصل بين السكرية ورفح جنوباً، ومن قرية عجور* شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً. والثاني حدود غير ثابتة، تتجاوز فيها أحياناً حدود القسم الأول إلى المناطق المجاورة مثل القدس والخليل* ونابلس وقاقون* واللد والرملة. وكان هذا المد والجزر في حدود الولاية راجعاً إلى مقدار قوة نائب السلطة في نيابة غزة. 3) نيابة القدس : استحدثت هذه السياسة عام 777هـ/ 1375م أيام السلطان الملك الأشراف أبي المعالي (764 – 778هـ/ 1362 – 1376م)، وشملت منطقتي القدس والخليل. ضمت كل نيابة من البيانات الثلاث نائباً للسلطة تحت إمرته عدد من الموظفين من الأصناف الثلاثة التي كانت سائدة في التصنيف الإداري المملوكي: أرباب السيوف، وأرباب الأقلام، والموظفين الدينيين (رَ: المماليك). هـ- التقسيمات الإدارية في العهد العثماني: لما انتصر العثمانيون على المماليك في مرج دابق (942هـ/ 1516م) واحتلوا فلسطين، وأزالوا دولتهم من قاعدتها الرئيسة في مصر في العام التالي، عين السلطان سليم الأول (1512 -1520م) جان بردي الغزالي* (من القادة المماليك الذين ساعدوا السلطان على احتلال البلاد) والياً على دمشق، وجعل جميع سورية الجنوبية، وفيها فلسطين، تحت نفوذه. أبقى السلطان العثماني التقسيمات الإدارية على ما كانت عليه أيام المماليك، ولم يحدث فيها تغييراً، عدا اتخاذ الوحدة الإدارية العثمانية: السنجق (اللواء) أساساً للتقسيم بدلاً من الوحدة الإدارة المملوكية: النيابة، وعدا رفع شأن بعض المدن ومن بينها القدس، بتحويلها مراكز إدارية، وتعيين حكام أتراك عليها من درجة “بكوات”. وبعد حركة التمرد الفاشلة التي قام بها جان بردي الغزالي في عهد السلطان سليمان القانوني (1520 – 1566م) وضع نظام جديد لإدارة بلاد الشام هدفه تقوية السلطة العثمانية، وقسمت بلاد الشام ثلاث باشويات أوإيالات (ولايات) هي: إيالة دمشق، وإيالة حلب، وإيالة طرابلس. وقد ألحقت بكل إيالة من هذه الإيالات الثلاث وحدات إدارية كثيرة اسمها “ساجق”. وقد كانت ساجق نابلس وغزة والقدس واللجون* وصفد* الفلسطينية تتبع إيالة دمشق. ووضعت كل إيالة تحت سلطة “بكلربك” أي زعيم، ووضعت الوحدات الإدارية الملحقة بالإيالة تحت سلطة أحد البكوات. وكانت المنطقة التي مركزها جنين* ذات وضع خاص، فقد أقطعها العثمانيون آل طراباي*، وهم من أمراء البدو، وصار يطلق على المنطقة اسم “إقطاع آل طراباي”. لكن السلطات العثمانية عمدت إلى تصفية هذا الاقطاع وإلحاقه بسنجق اللجون بعد أن ثارت القلاقل في هذه المنطقة في الربع الأخير من القرن السادس عشر الميلادي. ظل التقسيم الإداري لبلاد الشام إلى ثلاث إيالات قائماً حتى سنة 1071هـ/1660م حين أحدثت إيالة صيدا لمراقبة الاقطاعات المسلحة في جبل لبنان. وتكونت الإيالة الجديدة من أجزاء من إيالتي طرابلس ودمشق، من بينها صفد. ويعني ما مضى أن فلسطين كلها (ما عرف بفلسطين بعد الحرب العالمية الأولى) كانت في مطلع القرن الثامن عشر تابعة لإيالة دمشق (الشام)، وأنها لم تكون وحدة إدارية مستقلة بذاتها، ثم أصبح بعضها تابعاً لإيالة صيدا (ولاية بيروت فيما بعد) وبعضها الآخر تابعاً لولاية سورية، إلى جانب لواء القدس الذي غدا فيما بعد متصرفية القدس. وقد عمد العثمانيون إلى تصفية سنجق اللجون تركيزاً للسلطة في هذه المنطقة القبلية. وقد نقل مركز إيالة صيدا عام 1184هـ/ 1777م من صيدا إلى عكا. وظل الأمر على هذه الحال حتى احتلال إبراهيم باشا بلاد الشام عام 1247هـ/ 1831م. أصبح لواء القدس في الثلث الأول من القرن التاسع عشر تابعاً لإيالة صيدا، وكان والي صيدا يوجه المتسلمين إلى مدن اللواء، مثل القدس وغزة ويافا. وقد استقل هؤلاء المتسلمون، رغم ذلك، بتصريف أمور متسلمياتهم، وكانت لهم سلطات واسعة. ويدل هذا على ضعف الوحدة الإدارية للواء القدس. وكان قرار السلطان العثماني إحالة الأجزاء الجنوبية من بلاد الشام المتاخمة لمصر إلى عهدة والي صيدا كي يواجه تهديد محمد علي والي مصر، ولكن ذلك لم يحل دون سقوط بلاد الشام في قبضة والي مصرٍ ألغى الحكم المصري لبلاد الشام (1831م – 1840م) التقسيمات الإدارية العثمانية السابقة، وأصبحت بلاد الشام في عام 1248هـ/ 1832م وحدة إدارية واحدة يديرها حاكم عام (حكمدار) مقره دمشق مرتبط بإبراهيم باشا ابن محمد علي، وعين إبراهيم باشا* متسلمين من أبناء البلاد، في حين ظل هو ممسكاً بزمام السلطتين المدنية والعسكرية معاً. وقد استثني من ذلك جبل لبنان فقط فوضعت إدارته تحت إشراف الأمير بشير الشهابي التالي*. لم تستمر هذه الوحدة الإدارية طويلاً، واضطر الحكم المصري، بسبب اضطراب الأمن وبتأثير الثورات، وإلى إعادة التشكيلات الإدارية العثمانية، وغدت بلاد الشام مؤلفة من ست إيالات، بعد أن ظهرت للوجود إيالة حيفا التي تبعتها عكا( بعد فصلها عن إيالة صيدا) والقدس. ولعل اختيار الحكم المصري يافا مركزاً للإيالة الجديدة بدلاً من القدس يرجع إلى عدم استقرار الأحوال في المدن الداخلية، وإلى وجود أسطول مصري قوي في شرق البحر المتوسط. ولما عاد العثمانيون إلى الحكم في بلاد الشام عام 1256هـ/ 1840م أرجعوا تقسيماتهم الإدارية. وربطوا لواء القدس بإيالة صيدا. ولم يكن الوضع الإداري في بلاد الشام مستقراً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فكثرت التغييرات فيه، لكن لواء القدس بأقضية السبعة ظل تابعاً لإيالة صيدا، كذلك لواء عكا بأقضية الأحد عشر، ولواء البلقاء (نابلس) الذي استحدث عام 1267هـ/ 1850م وكان يتبعه تسعة أقضية. أصدرت الدولة العثمانية في عام 1281هـ/ 1864م نظام إدارة الولايات الجديد. وقد قسمت البلاد العثمانية بموجبه إلى ثلاثين ولاية، تتألف كل واحدة منها من ألوية يترأسها متصرفون، وتتألف الألوية من أقضية يترأسها قائمقامون، وتتألف الأقضية من نواح يترأسها مديرو نواح. قسمت بلاد الشام ولايتين هما: ولاية سورية وولاية حلب. وقد ضمت إيالة صيدا، وفيها ألوية القدس وعكا والبلقاء إلى ولاية سورية. ولما أنشئت ولاية بيروت عام 1305هـ/ 1887م فصل لواء عكا والبلقاء وثلاثة ألوية أخرى عن ولاية سورية لتكوين الولاية الجديدة. وكان يقوم على رأس كل لواء من الألوية الثلاثة في فلسطين متصرف يدير شؤونه، ويشرف على تنفيذ أوامر الدولة، ويتولى أمور الضابطة (الشرطة)، وله حق تعيين مواعيد اجتماع مجالس النواحي والأقضية، والتفتيش في جميع أنحاء المتصرفية. وفي كل لواء “مكتوبجي” يحرر المعاملات الإدارية ويحافظ على القيود الرسمية، وينشر أوامر الحكومة. وكان إلى جانبه في الجهاز الإداري للواء مدير للمعارف، ومدير للأمور الأجنبية، ومدير للزراعة والتجارة، ومحاسب، ومدير للأوقاف، ومدير لقوة الأمن، ومدير للنافعة مسؤول عن الطرق والمعابر، ومدير للدفتر الخاقاني (الطابو). وقد حرصت الدولة على أن تتوفر في موظفي “الطابو” العفة والاستقامة، لكن عدداً منهم فتنتهم الرشاوي التي كانت تغدقها عليهم الجهات الصهيونية في فلسطين فتصرفوا بالأراضي، ونقلوا الملكية، وباعوا بيوعاً غير قانونية. لذلك كثيراً ما كان بعضهم ينقل، أو يعزل ويحاكم لما جنى. أما الجهاز الإداري في القضاء فقد تألف من القائمقام، ومدير المال، ومن الموظفين من مختلف الاختصاصات. وتتألف في الناحية من مدير الناحية وفي القرية من المختار. وكان لكل متصرفية “مجلس إدارة المتصرفية” الذي ضم بالإضافة إلى المتصرف والمديرين المسؤولين في المتصرفية عضوين منتخبين من المسلمين، وعضواً منتخباً من كل طائفة من الأربع الأرثوذكس واللاتين والأرمن واليهود. ومهمة هذا المجلس تنظيم مختلف أمور المتصرفية واتخاذ القرارات بشأنها والنظر في كل ما له صلة بالإدارة المحلية. وكان مجلس إدارة متصرفية القدس يسمى “مجلس القدس الكبير”. ولكل قضاء “مجلس إدارة القضاء”، ولكن ناحية “مجلس إدارة الناحية” وفي القرية “مجلس اختيارية القرية”. لم تكن هذه المجالس كلها ذات نفع كبير بسبب سيطرة السلطة التنفيذية عليها ، أو بسبب احتكار العائلات الغنية لعضويتها. وكان من سياسة الدولة العثمانية فصل بعض الألوية عن الولايات وتسميتها متصرفيات وربطها بالعاصمة ربطاً مباشراً للوقوف على أحوالها والإسراع في إنجاز معاملاتها نظراً لأهمية اللواء الجغرافية، أو لمواجهة التدخل الأحنبي، أو لطبيعة التكوين الاجتماعي لسكانه. لهذا أولت الدولة العثمانية لواء القدس اهتماماً خاصاً بعد أن رأت كثرة أعداد الزائرين الأجانب للقدس، ولمست اهتمام الدول الأجنبية بالمدينة وتدخلهم في شؤونها وفصلته عن ولاية سورية، وأعلنته متصرفية مستقلة باسم “قدس شريف متصرفلغي إدارة مستقلة” في عام 1291هـ/ 1874م. وقد حافظت متصرفية القدس على وحدتها الإدارية حتى نهاية العهد العثماني، فيما عدا السنوات التي ألحق بها قضاء الناصرة بعد فصله عن لواء عكا (1325 – 1328هـ/ 1906 – 1909م). وضمت المتصرفية أقضية القدس ويافا وغزة والخليل. وفي عام 1328هـ/ 1909م أنشىء قضاء بئر السبع، وكان من قبل جزءاً من قضاء غزة.  وكان متصرف القدس ذا نفوذ في لواء نابلس، على الرغم من انفصال هذا اللواء إدارياً عن القدس وإلحاقه بوالي صيدا أو بوالي الشام. حتى إن الحكومة المركزية ألحقت لواء نابلس بمتصرفية القدس أكثر من مرة. ويعود ذلك إلى قوة مركز ورتبة متصرف القدس الذي كان في الغالب من الموظفين الأتراك. مارس متصرف القدس سلطات الوالي في جميع الأمور، كان يرفع الأوراق المتعلقة بقضايا المتصرفية إلى الباب العالي في استانبول مباشرة، في حين كان متصرفاً لوادي نابلس وعكا تابعين لولاية سورية ثم لولاية بيروت. وكان متصرفو القدس أيام السلطان عبد الحميد* من الموظفين الكبار في قصر يلدز حتى يمكن للسلطان الاعتماد عليهم في مواجهة تيار الهجرة الصهيونية المتدفق إلى فلسطين آنذاك، وفي مواجهة الضغوط الأجنبية المختلفة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين). وقد ضمت متصرفية القدس المستقلة في أواخر العهد العثماني أقضية يافا وغزة والخليل وبئر السبع. في حين ضم لواء عكا الذي كان يتبع آنذاك ولاية بيروت أقضية حيفا وصفد والناصرة وطبرية. أما لواء البلقاء الذي كان مركزه نابلس فقد كان يتبع ولاية بيروت، وضم أقضية جنين وبني صعب وجماعين والسلط. و – النظام الإداري في عهد الإدارة العسكرية البريطانية (1918 -1920): أتمت القوات البريطانية، بقيادة الجنرال اللنبي، احتلال فلسطين ووضعت الإدارة العسكرية المباشرة في تشرين الأول 1918. والقاعدة الدولية التي يجب أن يعمل بها المحتل في إدارة المناطق المحتلة هي إقامة “الإدارة العسكرية التي تدير شؤون البلاد، مع المحافظة على أوضاعها قبل الحزب، إلى أن يتم تقرير مصيرها السياسي”. لكن الاحتلال البريطاني لم يسر على هذه القاعدة، لأنه قد بيت النية لتنفيذ سياسة مرسومة من قبل، تهيىء فلسطين بالتدريج كي تصبح وطناً قومياً لليهود، عملاً بما جاء في وعد بلفور* الذي صدر عام 1917. لذلك لم تبق الإدارة العسكرية البريطانية المحتلة التقسيمات الإدارية العثمانية، بل أعادت تقسيم البلاد إلى ثلاثة عشر لواء، على رأس كل لواء حاكم عسكري بريطاني، وجمعيهم مرتبطون بحاكم عسكري في القدس كان بدوره مرتبطاً بالقيادة العامة للجيش البريطاني في القاهرة. ثم خفض العدد إلى عشرة عام 1919. وكان يساعد هؤلاء الحكام العسكريين العشرة 59 ضابطاً معظمهم بريطانيون. وقد تولوا إلى جانب قضايا الأمن العام مهمات قضائية. ومن الطبيعي أن تستفيد الإدارة العسكرية البريطانية من النظام الإداري العثماني السابق، وتبقي على معظم الدوائر التي كانت في العهد السابق، وعلى كثير من الموظفين والمستخدمين. لكنها ذهبت في محاباة الصهيونية إلى حد كبير، فكان من بين كبار الموظفين، وجميعهم بريطانيون، تسعة يهود: ولم يسند إلى أي من العرب مركز تنفيذي كبير. ومن غير منهم في مناصب استشارية كان من العرب الذين جاؤوا مع الجيش البريطاني من خارج فلسطين. وعلاوة على ذلك هيأت هذه الإدارة العسكرية السبيل لقدوم البعثة الصهيونية العالمية برئاسة وايزمن إلى فلسطين في أواخر الحرب العالمية الأولى لإرساء أسس إقامة الوطن القومي اليهودي. وقد زاد ذلك المخاوف العربية وحرك الاضطرابات، وأثار المشاعر العربية ضد هذه الزيارة المقبلة، مما دفع لويس بولز، أول حاكم عسكري عام في فلسطين، إلى إرسال تقرير إلى حكومته ذكر فيه أن 90% من سكان فلسطين المسلمين والمسيحيين يعادون الصهيونية بقوة، وطلب إلغاء زيارة لجنة وايزمان الصهيونية. ز- النظام الإداري في عهد الانتداب: تم الانتقال من الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية سميت “حكومة فلسطين” في تموز 1920. وأصبح اليهودي  الصهيوني البريطاني هربرت صموئيل أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، وعين اليهودي الصهيوني نورمان بنتوتش مستشاراً قضائياً للحكومة، واستبدل بالعسكريين في المناصب الكبيرة موظفون مدنيون من وزارة المستعمرات البريطانية. قررت الإدارة الجديدة، استباقاً لما سيكون عليه صك الانتداب*، أن تتخذ المبادىء التي كان مقدراً لها أن تعلن فيما بعد. فوضع هيكل جديد للحكومة، وسنت تشاريع وأنظمة جديدة، وخول المندوب السامي، بمساعدة مجلس تنفيذي، سلطة إصدار القوانين بعد استشارة مجلس استشاري كان في ذلك الحين مؤلفاً من عشرة موظفين وعشرة أعضاء معينين، أربعة منهم مسلمون وثلاثة مسيحيون وثلاثة يهود. وأعلن المندوب السامي أن تلك الخطوة هي الأولى في سبيل الحكم الذاتي، وأصدر في السنة الأولى زهاء 38 قانوناً، وفي السنة الثانية 26 قانوناً و6 قوانين معدلة، واعترف بثلاث لغات رسمية وهي الإنجليزية والعربية والعبرية، قبل أن تقر ذلك المادة 22 من صك الانتداب. وبتاريخ 9/2/1922 نشر مشروع الدستور في فلسطين (القانون الأساسي) الذي وضعته الإدارة المدنية، ووافقت عليه الحكومة البريطانية بعد التشاور مع ممثلي الحركة الصهيونية دون أخذ رأي اللجنة الاستشارية الإسلامية المسيحية التي ألفت لهذا الغرض. وتضمن مشروع الدستور إنشاء المجلس التشريعي. وقد استقبل العرب نصوص الدستور باستياء شديد، وكانت أهم مسببات الاعتراض على هذا الدستور اعترافه بوعد بلفور، وكون أكثرية الأعضاء في المجلس التشريعي معينين لا منتخبين، وتركيز السلطة في يد المندوب السامي، ومنحته سلطة مطلقة لنقض أي قانون يقره المجلس التشريعي وحقاً في إبطال مواد الدستور وفي الإضافة إليها، وحرمان الشعب وممثليه من أية سلطة حقيقية، ادارية كانت أو تشريعية. وطالب الوفد العربي في لندن أن يكون الدستور ضامناً لحقوق الأهالي السياسية والمدنية والاقتصادية وأن يهىء إنشاء حكومة وطنية مستقلة بمقتضى روح البند الرابع من المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم (رَ: عصبة الأمم). أصدر وزير المستعمرات البريطاني تشرشل الكتاب الأبيض في 22/6/1922 لتهدئة مخاوف العرب على شكل بيان رسمي يوضح الأهداف البريطانية في فلسطين، وأعلن أن الحكومة تعتزم تبني التطور التدريجي نحو الحكم الذاتي بإنشاء مجلس تشريعي أكثرية أعضائه منتخبة على أساس انتخابي واسع، ويترأس المجلس المندوب السامي ويضم اثني عشر عضواً منتخباً وعشرة أعضاء من الموظفين. ووعد وزير المستعمرات أن تمنح فلسطين قسطاً أكبر من الحكم الذاتي، وأن يتولى المجلس أمر الإشراف على السلطة التنفيذية بعد انقضاء مدة من الزمن تكون خلالها تشكيلات البلاد قد توطدت وتمكن الموظفون الفلسطينيين من اكتساب الخبرة في أساليب الحكم. رفض العرب بيان الحكومة، إذ كان مبنياً على وعد بلفور، وأصرت اللجنة التنفيذية على إقامة حكومة وطنية مستقلة ودستور يمكن العرب من الإشراف على شؤونهم الخاصة بصورة كاملة. وهذا ما رفضته الحكومة البريطانية لأنه يحول دون إيفائها بوعد بلفور. وبتاريخ 24/7/1922 أقر مجلس عصبة الأمم صك الانتداب، مخولاً في مادته الأولى الدولة المنتدبة السلطة التامة في التشريع والإدارة، مؤكداً في مادته الثانية مسؤولية الدولة المنتدبة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، معترفاً في مادته الرابعة بالوكالة اليهودية* هيئة عمومية لاسداء المشورة إلى الإدارة، وللتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي، وتساعد وتشترك في ترقية البلاد تحت رقابة الإدارة. ومن خلال الوثائق الثلاث: دستور فلسطين، والكتاب الأبيض 1922، ومواد صك الانتداب يمكن رسم صورة للإدارة في فلسطين على النحو التالي: 1)   الإدارة المركزية: في قمة الهرم الحكومي يشرف المندوب السامي المدني على تطور الإدارة المدنية. وكان واسطة اتصال المندوب السامي والدوائر المدنية هو السكرتير العام الذي يعتبر الموظف الإداري الأعلى في الحكومة وتشرف دائرته على أعمال بقية الدوائر. وباتساع أعمال الحكومة الأخرى وايجاد دوائر خاصة اتسعت دائرة السكرتارية اتساعاً كبيراً، وان ظل يرأسها موظف واحد. وقد اشتملت هذه الدوائر عام 1937 على مساعد للسكرتير العام، وتسعة سكرتيريين مساعدين، سبعة بريطانيون وواحد يهودي وآخر عربي، ورئيس كتبة. أشارت اللجنة الملكية في تقريرها 1937 (رَ: لجنة بيل) إلى أنه لم تكن لمعظم السكرتيرين المساعدين خبرة سابقة في الأعمال الإدارية، كما لم يسبق لموظفي السكرتارية أن كانوا في الألوية. واعترفت اللجنة بوجود شكاوى من الإسراف في المركزية، فهناك رجوع دائم إلى الحكومة المركزية في مختلف المسائل، وتدخل مستمر فيما يجب أن يترك أمر البت فيه للموظف المحلي ووجهت اللجنة النقد إلى النظام الذي يقضي بجعل موظف واحد، هو السكرتير العام الذي قد لا يكون له خبرة سابقة بالبلاد، واسطة الاتصال الوحيدة بالمندوب السامي، وهو نظام غير مرض من وجهة نظر الشعب ورؤساء الدوائر المختلفة وموظفي الألوية. ولما باءت محاولة الحكومة إجراء انتخابات المجلس التشريعي عام 1922 بالفشل أوجدت مجلساً استشارياً كان من المفروض أن يتألف من أعضاء من غير الموظفين، على أسس انتخاب المجلس التشريعي نفسها. لكن الحكومة عدلت عن هذه المحاولة بعد انسحاب الأعضاء العرب العشرة، وخول المندوب السامي عام 1923 حق تعيين مجلس استشاري يوافق عليه وزير المستعمرات، ويقتصر على أعضاء من الموظفين فقط، ويتألف من السكرتير العام، والنائب العام (وهو المشاور القانوني للحكومة)، ومدير المالية (وهو الموكل بمسائل المالية والحسابات)، وعشرة من رؤساء الدوائر، ومستشار الري، وثلاثة من حكام الألوية. واستخدم المجلس لإعطاء الموافقة الصورية على التشاريع أكثر مما استخدم للاستنارة برأيه. كان في القدس عدد كبير من الدوائر التي تشرف عليها السكرتارية، ولكنها بعيدة عنها، كدوائر الزراعة والآثار القديمة والمعارف والجمارك والمكوس والصحة والأراضي والمساحة والغايات وجمعيات التعاون والمهاجرة والإحصاء والأشغال العامة. وقد وسعت هذه الدوائر على حساب إدارة الألوية. وقد أقرت اللجنة الملكية في تقريرها بأن صلة هذه الدوائر بإدارة الألوية لم تكن متبينة، إذ مال رؤساء الدوائر إلى الاستئثار بالعمل دون الاستنارة برأي حكام الألوية، ولم يكونوا مثلاً يطلبون من حكام الألوية أو إلى القائمقامين أن يزودوا تلك الدوائر بالمعلومات عن العدد الذي يمكن قبوله من المهاجرين، أو عن عدد العمال العاطلين، أو عن التوسع في أعمال الري. 2)   إدارة الألوية: في عام 1920 خفض عدد الألوية العشرة التي كانت في عهد الإدارة العسكرية إلى سبعة. ثم إلى أربعة، ثم صدر في عام 1922 منشور التشكيلات الإدارية (المادة 11 من مرسوم دستور فلسطين)، فقسمت فلسطين إلى ثلاثة ألوية: (1)      لواء القدس: قاعدته القدس، ويضم أقضية بيت لحم والخليل والقدس وأريحا ورام الله. (2)      اللواء الشمالي: قاعدته حيفا: ويضم أقضية عكا وبيسان وجنين ونابلس والناصرة وصفد وطبرية وطولكرم. (3)      اللواء الجنوبي: قاعدته يافا، ويضم أقضية بئر السبع وغزة ويافا والرملة. كان يدير شؤون كل لواء مسؤول بريطاني أطلق عليه اسم “حاكم اللواء”، يستمد سلطته من المندوب السامي، ويرجع إليه في الأمور الهامة والخطيرة. وكان مركز اللواء هم أهم أو أكثر مدينة فيه، وفيها مقر الحاكم ورجال إدارته. وقد قسم كل لواء إلى عدد من الأقضية يترأس الإدارة في كل منها موظف كبير من أهل البلاد، أطلق عليه اسم “قائمقام”، يمثل السلطة الرسمية في القضاء، ويرجع في الأمور الهامة إلى حاكم اللواء الذي يتبعه. وفي كل مدينة مجلس بلدي له رئيس ينتخبه سكان المدينة، ويشرف رئيس البلدية على المرافق والخدمات العامة داخل حدود منطقة البلدية. أما القرى الكبرى فلها مجالس قروية تدير شؤونها. وفي القرى وأحياء المدن أفراد ذوو مناصب شبه رسمية، وهم “المخاتير” الذين يكونون همزات الوصل بين الإدارة المحلية والأهالي. وجد في فلسطين عام 1937 ثلاثة حكام للألوية، واثنا عشر مساعداً لحكام الألوية كلهم من الموظفين البريطانيين، وسبعة وثلاثون قائمقاماً. زيدت ألوية فلسطين إلى ستة ألوية في 1/7/1939. وهي ألوية: الجليل، وحيفا، ونابلس، والقدس، واللد، وغزة. وقد ظل هذا التقسيم قائماً حتى نهاية الانتداب عام 1948. 3)   الاستقلال المحلي: جاء في المادة الثانية من صك الانتداب أن على الدولة المنتدبة ضمان ترقية مؤسسات الحكم الذاتي، ونصت المادة الثالثة على أن تعمل الدولة المنتدبة على تشجيع الاستقلال المحلي على قدر ما تسمح به الظروف. وكذلك فإن المبدأ الأساسي الذي انطوى عليه نظام الانتداب هو أن الانتدابات بمنزلة “أمانات” ينتهي أجلها عندما يصبح سكان البلاد المنتدب عليها قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم. وكان قد أعلن في الفترة الأولى للإدارة المدنية “أنه عندما ينتهي العمل التمهيدي ويصبح في الإمكان انتخاب الفلسطينيين الحائزين المؤهلات اللازمة، ويتسنى تدريب هؤلاء الموظفين البريطانيين وزيادة عدد الموظفين الفلسطينيين”. وعلى الرغم من ذلك لم يتح لعرب فلسطين الاشتراك الفعلي في إدارة شؤون بلادهم أو في سن القوانين، على الأقل على النحو المتبع في أقطار مماثلة. وأشارت اللجنة الملكية في تقريرها إلى أن رؤساء الدوائر والموظفين الكبار والخبراء، سواء في المركز أو في الألوية هم من البريطانيين، وجميعهم من موظفي المستعمرات الذين لا يملكون خبرة بأحوال البلاد. ولم تنجح محاولات الحكومة البريطانية إنشاء مؤسسات الحكم الذاتي، أو على الأقل إقامة حكم ذاتي كامل في أدوار تدريجية، لأن الحكومة رفضت مراراً ما طلبه العرب من إقامة حكومة وطنية مستقلة، ووضع دستور يمكنهم من الإشراف على شؤونهم الخاصة، بحجة أن تشكيل حكومة وطنية من شأنه أن يحول دون الإيفاء بالعهد الذي قطعته الحكومة البريطانية للشعب اليهودي. واعترف الحكومة صراحة بأن موقف العرب العدائي من الوطن القومي يقف عقبة في سبيل إنشاء الحكم الذاتي في فلسطين. وعلى نقيض ذلك خول مضمون المادة الرابعة من صك الانتداب الوكالة اليهودية حق إسداء النصح للحكومة، والتعاون معها في معظم الأمور التي تؤثر في مصالح السكان اليهود في فلسطين. وقد استغلت الوكالة اليهودية المركز الذي منحها اياه صك الانتداب إلى أقصى حد ممكن، واستطاعت ان تكون لها تنظيماً إدارياً كاملاً. وقد أقر تقرير اللجنة الملكية أن هذه المؤسسة هي في حكم الواقع حكومة تقف جنباً إلى جنب مع الحكومة المنتدبة، وأنه ليس هناك فرع من فروع الإدارة لا تتدخل الوكالة به. ولا تقتصر أعمالها على شؤون الهجرة بل تدعي أن من حقها أن تستشار في مختلف المسائل الأخرى من إدارية ومالية. ويظهر البون شاسعاً بين الوكالة اليهودية بتشكيلاتها المنظمة ودوائرها وموظفيها الذين ينتمون إلى الطوائف اليهودية في العالم وأية أداة كان يملكها العرب. استبقت الإدارة البريطانية في القرى العربية شكلاً واضحاً من أشكال الاستقلال المحلي كان متبعاً في العهد العثماني هو نظام المختار. وقد ظل انتخابه يجري حسب الأصول المتبعة في السابق. وكان المختار الصلة الوحيدة التي تصل موظفي الحكومة بالفلاحين، والمشرف على أعمال مجلس القرية. وللتقليل من احتكار المختار لأعمال مجلس القرية، كما كان في العهد العثماني، بادرت الإدارة البريطانية إلى إنشاء هيئة محلية تتوفر فيها صفة تمثيلية، فصدر سنة 1921 قانون المجالس المحلية الذي قرر تأليف مجلس محلي لكل مجموعة من القرى، وخوله بعض السلطات. وفي عام 1937 كان هناك عشرون مجلساً محلياً تختلف فيما بينها من حيث عدد أعضائها ومواردها المالية والأنظمة التي تنظم أعمالها طبقا للأحوال المحلية. وقد أظهر التحقيق الذي أجرته اللجنة الملكية أن النجاح لم يكن من نصيب المجالس العربية المحلية، وأن إدارة فلسطين لم تراع التقاليد القديمة حول حكم القرية من قبل شيوخها، فجاءت المجالس تحمل طابع نظام أجنبي فرض على القرى فرضاً، وغدت آلة في يد الإدارة المركزية، لا مؤسسة حقيقية من مؤسسات الحكم الفصلي فقد كانت سلطة القائمقام في الإشراف على ميزانية المجالس مثلاً، سلطة كبيرة جداً، لذلك لم يعن القرويون بمجالسهم المحلية لأنها لم تكن تقوم بعمل في صالجهم، ولم يكن فيها ما يجذبهم إليها. وقد ألغي منها قرابة سبعة مجالس بناء على طلب أهل القرى أنفسهم. بالمقابل، تركت إدارة الانتداب للصهيونيين حرية مطلقة في تكوين نظام شامل للاستقلال المحلي في مناطق المستعمرات الصهيونية. ولاحظت اللجنة الملكية أن الحكم عن طريق الجمعية العمومية هو المبدأ الرئيس لكل جماعة تقريباً في هذه المستعمرات. وتناولت الجمعيات كثيراً مما يدخل في العادة في أعمال الدولة، وما يتصل بالأشغال العامة والخدمات الاجتماعية. ولم يكن للجمعيات مركز قانوني، وبذلك لم تخضع ميزانيتها وسياستها لمراقبة الحكومة، كما هي الحال في المجالس المحلية العامة. وكانت، رغم ذلك، تتهرب من أي إشراف لإدارة الألوية، وتدعي أن السلطة المخولة لها لا تفي باحتياجاتها المتزايدة في تخطيط المستعمرات واحتكار المدافع العامة كالماء والإنارة والمسائل المالية. وفي عام 1937 وجد خمسة مجالس محلية صهيونية كانت من حيث المال وعدد السكان في الدرجة الثانية بعد البلديات الأربع الكبرى. القدس وحيفا ويافا وتل أبيب. أما في المدن فقد كانت البلديات هي الصيغة المتبعة للاستقلال المحلي. وقد ظلت تؤدي أعمالها وفقاً للقانون العثماني في الغالب، ولم يتم وضع قانون جديد لها إلا عام 1934. وكان أعضاء البلديات يعينون تعييناً إلى أن جرت الانتخابات البلدية لأول مرة عام 1926. وقد حددت الغاية من وجود البلديات المختلفة طبقاً للتقرير السنوي الأول لإدارة فلسطين عام 1920 بما يلي: “ممارسة الحكم المحلي في المدن، والقيام بالخدمات التي تتطلبها الجماعات التابعة لها، وهي أيضاً لسان حال الشعب لدى حكام الألوية، وواسطة لتنفيذ مطالب الإدارة العامة”. وأباح التقرير السنوي للبلديات” أن تؤدي أعمالها بكل ما يكن من حرية، غير أنه من الضروري في الوقت نفسه أن تكون أعمالها منسجمة انسجاماً تاماً مع أعمال إدارة الألوية، ولهذه الغاية فإن كل حاكم لواء يعتبر مسؤولاً عن عمل السلطات المحلية الواقعة في لوائه”. وفي كانون الثاني 1934 وضع قانون البلديات موضع التنفيذ، وأجريت بموجبه الانتخابات لعشرين مجلساً بلدياً، وكانت الحكومة تراه خطوة لتحسين التعاون بين العرب واليهود، توطئة لتأسيس مجلس تشريعي (تجدد اقتراح إنشاء مجلس تشريعي عام 1935). وكانت بلدية تل أبيب هي البلدية الوحيدة لمدينة سكانها كلهم من اليهود، ثم رفعت بتاح تكفا (مليس) إلى مصاف البلديات أواسط الثلاثينات. ويبين قانون 1934 طريقة السير بأعمال البلديات، ويحدد سلطات المجالس البلدية ووظائفها والحد الأعلى للعوائد والرسوم التي يحق لها أن تفرضها، والخدمات التي يصبح لها أن تقوم بها، والموظفين الذين يجوز أن تعينهم. وبموجب هذا القانون جعلت مشاريع الميزانية السنوية للبلديات ومشاريع القروض خاضعة لموافقة حاكم اللواء، واشترط أن يدقق حساباتها فاحص حسابات تعينه الحكومة. وقدر القانون كذلك ضرورة وجود هيئة من موظفي البلدية يضطلعون بأعمالهم طيلة الوقت. ونص القانون على أن لكل بلدية أن تعيين عدداً من الموظفين المحليين، كمدير الإدارة ومهندس وطبيب وغيرهم، لكن هذا لم يطبق إلا في المدن الثلاث الكبيرة المختلطة السكان وهي حيفا ويافا والقدس. أما معظم المدن العربية فلم تكن تستطيع أن تتحمل نفقات أكثر من موظف واحد. أشار تقرير اللجنة الملكية إلى أن الخدمات العامة التي تؤديها البلديات (عدا المجاري والطرق وتوزيع المياه وإنشاء المسالخ وتنظيم الأسواق) قليلة بسبب نقص موظفيها المدنيين، ويسبب سيطرة إدارة اللواء والإدارة المركزية الشديدة على هذه البلديات، والتأخر في إقرار دائرة السكرتير العام في القدس مشاريع ميزانيات البلديات السنوية، وعدم كفاية المنح المالية التي تقدمها الإدارة المركزية، وسياسة الحكومة بمنح الامتيازات لشركات خصوصية، وتمركز الدوائر الرئيسة، كالمعارف والصحة العامة، في القدس، واحتكار الحكومة لبعض الخدمات العامة. واعترفت اللجنة الملكية بأن هذه العوامل هي السبب في عدم اهتمام سكان المدن بأكثر المجالس البلدية. ويدل على ذلك إحصاء الأصوات في الانتخابات البلدية والانتخابات بالتزكية التي أصبحت أمراً مألوفاً، مما يشير إلى إخفاق المجالس البلدية في الفوز بثقة الرأي العام، وإلى أن المجالس التي قصد بها أن تكون تجربة في الحكم الذاتي وتوطئة لا بد منها لتأسيس مجلس تشريعي، لم تملك من السلطة ما يخولها أن تكون هيئة فعالة. أما بلدية تل أبيب فقد شهدت نمواً عجيباً بسبب سبيل المهاجرين اليهود الذين تدفقوا إليها مما زاد الحاجة إلى الخدمات العامة الأساسية. وقد اتبع المجلس البلدي فيها سياسة مشبعة بالطموح – على حد قول تقرير اللجنة الملكية – فبلغت ميزانية عام 1937 نصف مليون جنيه، أي أكثر من ثلاثة أمثال ميزانية أي مدينة من مدن فلسطين. وكان المجلس البلدي فيها، بالرغم من أخذه نفسه بالتزامات تعتبر خارجة عن نطاق سلطاته من الوجهة الفنية، وبالرغم من وضع السلطات أمام الأمر الواقع لإجبارها على الموافقة على أعمال سابقة، يتهرب من الحصول على موافقة حاكم اللواء، ويتجاهل قانون البلديات، ويتهم الإدارة بأنها لا تدرك تطور الخدمات الاجتماعية على الأسس الغربية، ويشكو من عدم كفاية الإعانة الحكومية. 4)   ألوية فلسطين: قسمت إدارة الانتداب فلسطين، منذ تموز 1939، إلى ستة ألوية هي: (1)      لواء الجليل: في أقصى شمال فلسطين قرب الحدود اللبنانية والسورية، ومركزه مدينة الناصرية. يتألف من خمسة أقضية هي: عكا، وبيسان ، والناصرة، وصفد، وطبرية. بلغت مساحة هذا اللواء، بموجب آخر إحصاء أجرته حكومة الانتداب البريطانية في فلسطين عام 1945 نحو 2.801.383 دونماً، منها نحو 576.028 دونماً امتلكها اليهود، أي نحو 20.5% من مجموع أراضي اللواء. أما عدد سكانه فقد بلغوا آنذاك نحو 230.840 نسمة، وكان عدد العرب منهم قرابة 193.490 عربياً، أو 83.8% من مجموع سكان اللواء. وبلغ عدد اليهود 37.350 شخصاً، أو نحو 16.2% من هؤلاء السكان. وقد تركز الاستيطان الصهيوني داخل لواء الجليل في سهل الحولة* لخصوبة تربته وتوافر مصادر المياه فيه. ومعظم أراضي هذا اللواء جبلية وخصبة، عدا منطقتي بيسان وعكا حيث الأرض سهلية وخصوبتها عالية. (2)      لواء حيفا: مركزه مدينة حيفا. ويتألف من قضاء حيفا فقط. وتبلغ مساحته 1.031.700 دونماً، امتلك اليهود منها نحو 364.276 دونماً، أو نحو 35.3% من جملة أراضي اللواء. عدا مرتفعات الكرمل التي تطل على البحر المتوسط مباشرة، جيدة الخصوبة، وبخاصة سهل مرج ابن عامر* الذي يعد من أجود أراضي فلسطين. وقد بلغ عدد سكان لواء حيفا سنة 1945 نحو 224.630 نسمة. وبلغ عدد العرب 120.120 نسمة، أي 53.5% من مجموع السكان. أما اليهود فبلغوا 104.510 نسمة، أو 46.5% من عدد السكان. وقد تركز استيطانهم في جبل الكرمل* وسهل مرج ابن عامر. (3)     لواء نابلس: مركزه مدينة نابلس. ويتألف من ثلاثة أقضية هي: نابلس، وجنين، وطولكرم* ومعظم أراضيه جبلية صخرية عدا بعض المناطق حول مدينتي طولكرم وجنين حيث الأراضي سهلية خصبة. ويشتهر هذا اللواء بزراعة أشجار الزيتون*. مساحته نحو 3.262.292 دونماً امتلك اليهود منها 145.627 دونماً أو نحو 4.4% من مجموع أراضي اللواء. بلغ عدد سكان اللواء 232.220 نسمة منهم 217.320 عربياً، أو 93.6% من مجموع السكان. أما اليهود فكانوا أقلية لم يرد عددهم على 14.900 نسمة، أو 6.4% من جملة السكان. (4)      لواء القدس: يتوسط فلسطين، ومركزه مدينة القدس عاصمة البلاد. ويتألف من خمسة أقضية هي: القدس وبيت لحم وأريحا والخليل ورام الله. أرضه جبلية وتربته فقيرة، عدا الأودية حيث التربة خصبة. وقد بلغت مساحة أراضي اللواء نحو 4.333.534 دونماً، امتلك اليهود منها 39.679 دونماً، أو اليهود نحو 0.9% فقط من مجموع أراضي اللواء. أما السكان فقد بلغ عددهم 384.880 نسمة معظمهم من العرب، أي قرابة 284.600 عربي، ألفوا 73.9% من مجموع السكان. وكان عدد اليهود نحو 100.280 صهيونياً أي نحو 26.1%. وقد تركز الاستيطان الصهيوني داخل القدس الجديدة. (5)      لواء اللد: مركزه مدينة يافا. ويتألف من قضائي يافا وتل أبيب وقضاء الرملة. ومعظم أراضيه سهلية لأنها جزء من السهل الساحلي الفلسطيني*. ولون التربة ضارب إلى الحمرة لارتفاع نسبة أكاسيد الحديد. وتجود فيها زراعة الحمضيات* (الموالح). بلغت مساحة أراضي هذا اللواء 1.205.558 دونماً امتلك اليهود منها نحو 251.598، أي قرابة 20.8% من مساحة أراضي اللواء. كان عدد السكان في عام 1945 نحو 501.070 نسمة، منهم نحو 207.550 عربياً، أي 41.4% من مجموع السكان. أما اليهود فبلغ عددهم 293.520 صهيونياً، أي قرابة 58.6%. وفي هذا اللواء تقع مدينة تل أبيب، أكبر المدن اليهودية، وكثير من المستعمرات اليهودية، مما رفع عدد اليهود في هذا اللواء، وجعلهم يفوقون السكان العرب عدداً. وقد كان لخصوبة الأرض، وتوافر المياه، وأهمية الموقع، أثر في جذب الاستيطان اليهودي إلى هذا اللواء. (6)      لواء غزة: يقع في جنوب فلسطين، ويشمل جزءاً من السهل الساحلي الفلسطيني ومنطقة النقب* التي تعادل وحدها نصف مساحة فلسطين تقريباً. ومركز اللواء مدينة غزة، ويتألف من قضاءي غزة وبئر السبع. أراضي هذا اللواء – عدا القسم الشمالي من مدينة غزة – رملية خشنة الذرات، ذات تربة مفككة جافة، والمناخ يميل إلى النظام الصحراوي. وتبلغ مساحة أراضي لواء غزة نحو 13.688.501 دونم، امتلك اليهود منها قرابة 114.491 دونماً، أي نحو 0.08% فقط من مجموع أراضي اللواء. أما عدد السكان فبلغ 190.880 نسمة، غالبيتهم من العرب الذين قدر عددهم بنحو 187.840 نسمة، أي 98.4% من مجموع السكان، في حين بلغ عدد اليهود 3.140 نسمة، أو 1.6% من مجموع سكان اللواء. ح- التقسيمات الإدارية بعد عام 1948: تمخض عن حرب 1948* اغتصاب العدو الصهيوني نحو 30.000 كم2 من فلسطين، وقيام مصر بإدارة قطاع غزة حتى عام 1967 (رَ: الإدارة المصرية لقطاع غزة)، وضم الضفة الغربية إلى الأردن ضمن إطار المملكة الأردنية الهاشمية (رَ: مؤتمر نابلس 1948، ومؤتمر أريحا 1948، ومؤتمر غزة 1948). وقد تم تقسيم فلسطين المحتلة عام 1948 إلى ثلاث مناطق إدارية كبرى هي المنطقة الشمالية، والمنطقة الوسطى، والمنطقة الجنوبية. وتضم كل منطقة من هذه المناطق وحدات إدارية صغرى تسمى مقاطعات. فالمنطقة الشمالية تضم مقاطعات عكا، والناصرة، وصفد، وطبرية، وحيفا، وبيسان، وناثانيا*، والخضيرة*. والمنطقة الوسطى تضم مقاطعات تل أبيب – يافا، والرملة وهودهاشارون*، وروحوبوت*، والقدس، وبتاح تكفا. وتضم المنطقة الجنوبية مقاطعات عسقلان وبئر السبع وايلات*. أما قطاع غزة فيضم المنطقة الشمالية وقاعدتها غزة، والمنطقة الوسطى وقاعدتها دير البلح*، ومنطقة خان يونس وقاعدتها خان يونس*. وتشتمل الضفة الغربية على ثلاث محافظات رئيسة هي: نابلس، والقدس، والخليل. وفي محافظة نابلس قضاء جنين وقضاء طولكرم، في حين تضم محافظة القدس أقضية رام الله وأريحا وبيت لحم. أما الخليل فمحافظة وقضاء في الوقت نفسه. وقد انكمش قضاء الخليل عما كان عليه أثناء الانتداب، وكذلك قضاء جنين وقضاء طولكرم. في حين زادت مساحة قضاء رام الله يضمه بعض قرى قضاء الرملة المحتل منذ سنة 1948. قسمت السلطة الوطنية الفلسطينية المناطق التابعة لها الى محافظات وهي: أولاً: محافظات الضفة الغربية وعددها تسع محافظات هي: محافظة جنين، محافظة طولكرم، محافظة نابلس، محافظة أريحا، محافظة رام الله والبيرة، محافظة القدس، محافظة بيت لحم، محافظة الخليل، محافظة طوباس. ثانياً: محافظات قطاع غزة وعددها خمس محافظات هي: محافظة شمال غزة، محافظة غزة، محافظة دير البلح، محافظة خان يونس، محافظة رفح. المراجع: –         أحمد عزة عبد الكريم: التقسيم الإداري لسورية في العهد العثماني، القاهرة 1932. –         ابن رستة: الأعلاق النفسية، ليدن 1891. –         ابن شداد: الأعلاق الخطيرة، دمشق 1962. –         البعقوبي: كتاب البلدان، ليدن 1891. –         السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي. –         الطبري: تاريخ الرسل والملوك، القاهرة 1357هـ. –         تقرير اللجنة الملكية لفلسطين سنة 1937. –         عبد العزيز محمد عوض: الإدارة العثمانية في ولاية سورية (1864 – 1914)، القاهرة 1969. –         عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1970. –         فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت 1958. –         كامل محمود خلة: فلسطين والانتداب البريطاني، بيروت 1974. –         مجموعة سالفات الدولة العثمانية من العدد 3 إلى 68، إستانبول. –         محمد سلامة النحال: سياسة الانتداب البريطاني حول أراضي فلسطين. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1974. –         نجاة الخماش: الإدارة في العصر الأموي، دمشق 1980. –        Bowen, H. and Gibb, H. A. R.: Islamic Society and the West London 1951 – 1957. –         Heyd, U.: Ottoman Documents on Palestine, Oxford 1960. –         Holt, P.M.: Egypt and the Fertile Crescent, London 1966. –         Jones, A.H.M.Cities of the Eastern RomanProvinces, London 1971. –        Le Strange. G.: Palestine under the Muslims, London 1890.       تقي الدين الجماعيلي: رَ: عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي