البيان الثلاثي

صدر هذا البيان في 25/5/1950 عن كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا إثر اجتماع عقده وزراء خارجيتها من أجل وضع أسس جديدة لسياسة موحدة للدول الثلاث إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي والمنطقة العربية بأسرها. وقد تضمن البيان ثلاثة بنود نص الأول منها على أن الدول المذكورة “تعترف بحاجة الدول العربية و(إسرائيل) إلى رفع مستوى تسليحها بنسبة معينة لتعزيز أمنها الداخلي، وتأمين دفاعها الشرعي عن الذات، والدفاع عن المنطقة بأسرها”. أما البند الثاني فقد أكد على وجود تعهد مسبق من الدول المعنية في المنطقة بعدم استعمال السلاح المصدر إليها لأية “أغراض عدوانية”. بينما نص البند الثالث على ضرورة ترسيخ “فكرة عدم اللجوء إلى القوة بين بلدان المنطقة” وعلى عزم الدول الثلاث “بوصفها أعضاء في الأمم المتحدة” على التصدي لأية محاولة اعتداء على “الحدود أو خطوط الهدنة”. كان الهدف المباشر لإصدار هذا البيان هو وضع حد للصراع العربي -الإسرائيلي بالحيلولة دون قيام أي نزاع مسلح بين الطرفين، وإيقاف عملية سباق التسلح بينهما، وفرض وجود الكيان الصهيوني كأمر واقع في المنطقة العربية. وقد شكل اتفاق الدول الثلاث المذكورة على هذه السياسة أول خطوة عملية لإزالة خلافاتها وتناقضاتها السياسية السابقة إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي من خلال تنسيق عمليات شحن الأسلحة إلى دول المنطقة باعتبارها الدول الوحيدة المصدرة للسلاح حتى ذلك الحين، ومن خلال إخضاع هذه الشحنات لمتطلبات مصالحها الاستراتيجية المشتركة التي تبلورت نتيجة التطورات السياسية العالمية واشتداد الحرب الباردة. وفي أعقاب التوقيع على اتفاقيات الهدنة بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني سنة 1949 أخذت كل من فرنسا وبريطانيا ترسل بعض الشحنات الرمزية إلى سورية والأردن ومصر والعراق بموجب الاتفاقيات المعقودة بينها في السابق، بينما أخذ الكيان الصهيوني في الحصول على كميات كبيرة من الأسلحة من مختلف المصادر بطرق  سرية نظراً لعدم وجود أية اتفاقية مماثلة بينه وبين الدول المذكورة. كما كانت الولايات المتحدة قد أعلنت على لسان الرئيس ترومان في 15/5/1948، وبعد يوم واحد من إعلان قيام الكيان الصهيوني، عن رغبتها في إعادة النظر في الحظر الأمريكي المفروض على شحن الأسلحة إلى المنطقة، وتغاضت عن شحنات الأسلحة التي أخذت الشركات والمؤسسات الأمريكية المختلفة تصدرها إلى الكيان الصهيوني بشكل سري. أما المتطلبات الجديدة للمصالح الاستراتيجية لدول البيان الثلاثي فقد تمثلت في ضرورة شحن نسبة معينة من السلاح إلى دول المنطقة شرط عدم استعمال هذا السلاح في النزاع العربي – الإسرائيلي بل في أغراض ثلاثة هي: الأمن الداخلي، والدفاع عن اللذات، والدفاع عن المنطقة بأسرها. وقد انطلقت الدول الثلاث تعمل على تعزيز الأمن الداخلي للدول المذكورة من الخوف الذي بدأ يساورها إزاء بوادر التحول السياسي التي أخذت تظهر في الساحة العربية نتيجة قيام الكيان الصهيوني، واشتداد المطالبة بالسلاح لاسترداد الحق العربي في فلسطين، والدعوة إلى التوجه السياسي نحو الاتحاد السوفييتي. كما ارتبط شرط الدفاع عن الذات باتفاق الدول الثلاث على ضمان بقاء الوضع الراهن، وعدم السماح بحدوث أي تغيير في الحدود أو خطوط الهدنة القائمة في المنطقة، والتصدي لأية محاولة بهذا الشأن من أي طرف من الأطراف. وتمثل الشق الثالث من هذه المتطلبات في إزالة التناقض القائم بين الدول العربية والكيان الصهيوني بهدف تعاون دول المنطقة كافة في الدفاع المشترك عن مصالح الدول الثلاث إزاء تنامي وانتشار ما ادعت أنه الخطر المنطلق من الاتحاد السوفييتي. وهذا يقتضي في نظرها احتواء المنطقة العربية في إطار منظمة دفاعية غربية. ضمن البيان الثلاثي للكيان الصهيوني مكاسب كبيرة أولها تأمين إمداده بالسلاح بشكل رسمي وعلني من قبل الدول الثلاث، وثانيها تثبيت خطوط الهدنة حدوداً جديدة له بحماية الدول الثلاث (غير الحدود التي رسمها قرار التقسيم)، وثالثها التزام الدول الثلاث بالسعي إلى تحويل هذا الكيان إلى أمر واقع ومقبول من الدول العربية وتطوير هذا الواقع إلى تعاون للدفاع عن المصالح الغربية. أما بالنسبة إلى الجانب العربي فقد نص البيان على ضمان عدم حدوث أي تغيير في الحدود القائمة بالقوة أو بالتهديد بها. كما يقال إنه ضمن ضم القطاع الشرقي من فلسطين إلى الأردن في ضوء المرسوم الأردني الذي صدر بهذا الشأن والذي كانت الخلافات ما زالت قائمة بشأنه داخل جامعة الدول العربية. يضاف إلى ذلك تطويق أية محاولة عربية للتوجه إلى الاتحاد السوفييتي طلباً للسلاح عن طريق الوعد بتقديم السلاح للدول العربية، وإضعاف معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم عقدها قبيل صدور البيان في نيسان سنة 1950. كما جاء التأكيد على ضرورة عدم اللجوء إلى القوة بين بلدان المنطقة تلويحاً للدول العربية يفهم منه إصرار الدول الثلاث على وضع حد للصراع العربي -الإسرائيلي في سبيل تشكيل جهة عربية – إسرائيلية واحدة للدفاع عن المنطقة بأسرها. أما بالنسبة إلى الدول الثلاث ذاتها فقد كان دخول الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة، طرفاً رئيساً وعلنياً في تقرير مصير المنطقة العربية محاولة لإنقاذ الوضع المتردي لبريطانيا في هذه المنطقة. كما كان من شأن الدور الأمريكي أن يعزز عملية تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ للدول الثلاث. وقد اتضحت هذه العملية بالطريقة التي تم فيها إبلاغ البيان لدول المنطقة من قبل سفراء الدول الثلاث المذكورة. وقد أشار إلى ذلك بيان الجامعة العربية الصادر حول البيان في 21/6/1950 معبراً عن أمل الجامعة العربية في ألا تعني طريقة تقديم البيان “تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ”. كذلك ارتأت الدول الثلاث وفق استراتيجيتها العالمية الجديدة ضرورية الحيلولة دون نشوب أي نزاع في المنطقة لضمان استمرار تدفق النفط إلى أوروبا الغربية وإلى دول حلف الأطلسي (ناتو) خاصة، هذا الحلف الذي كان قد تم إنشاؤه سنة 1949، إضافة إلى تأمين سلامة خطوط المواصلات لصالح هذه الدول، وتوفير الإمكانيات لتطوير مبدأ ترومان الصادر سنة 1947 ليشمل منطقة الشرق الأوسط بهدف تحويلها إلى جزء من حزام مطوق للاتحاد السوفييتي. وقد تجاوزت الدول الثلاث في إصدار هذا البيان صلاحياتها كأعضاء في هيئة الأمم المتحدة جاء إقرارها لخطوط الهدنة بين الدول العربية والكيان الصهيوني كحدود أمر واقع إلغاءً للاعتراف بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947 وتثبيتاً لوضع جديد خارج المنظمة الدولية في حين تذرعت بعضوية المنظمة الدولية لتشير إلى عزمها على التدخل في حال حدوث أية محاولة لتغيير الحدود أو خطوط الهدنة. أدى صدور البيان إلى بروز ردود فعل مختلفة، فقد التزم الكيان الصهيوني الصمت رسمياً في حين رحب به ضمنياً ترحيباً كبيراً. أما بيان جامعة الدول العربية حوله فقد أشار إلى وجود بعض التحفظات العربية عليه دون رفضه كلياً. ثم إنه لم يكن للبيان أية صفة إلزامية. غير أن التطورات التي حدثت على الصعيدين العربي والعالمي ما لبثت أن نسفت الكثير من أسس البيان. ثم أضحى هذا البيان أثراً بعد عين عندما تآمرت دولتان من الدول الثلاث هما فرنسا وبريطانيا مع (إسرائيل) في عدوانها المدبر على مصر في 29/10/1956 (رَ: حرب 1956). المراجع: –         خالد العظم: المذكرات، بيروت 1973. –         عارف العارف: النكبة، ج4، بيروت 1956. – Elkashef, A.: United States Policy towards Arab Israeli Arms Race, Beirut 1969. – Safran, N.: The United States Policy and Israel, Cambridge (Mass) 1963.