البيان الأنكلو – فرنسي (1918)

حاول فيصل بن الحسين أن يشمل لبنان بسلطته العربية فأرسل شكري الأيوبي ممثلاً عنه إلى بيروت فاستلم الحكم فيها من عمر الداعوق. وعمد الوطنيون العرب إلى رفع العلم العربي هناك يوم 3/10/1918 تأكيداً لعروبة لبنان، وانضوائه تحت لواء الدولة العربية المستقلة. وكان رفع العلم قبل دخول القوات البريطانية والفرنسية إلى بيروت ببضعة أيام، فأثار ذلك غضب فرنسا التي ضغطت على الجنرال اللنبي ودفعته إلى الأمر بإنزال العلم. وقد ولّد ذلك هياجاً في صفوف الجيش العربي والشعب. وزاد في غليان النفوس ما ذاع من أن بيروت ومدن الساحل السوري ستوضع تحت الاحتلال الفرنسي، وما شاع عن تزايد نشاط الصهيونيين في فلسطين. فاحتج فيصل لدى أللنبي وأعلن أنه لن يستطيع كبح جماح القوات العربية وتهدئة النفوس إلا إذا أصدرت الدولتان المتحالفتان على الفور تحديداً رسمياً يتضمن صدق نياتهما. أصبح لحادثة العلم صدى واسع بين الأوساط العربية التي اعتبرتها تأكيداً للنيات الشريرة التي بيتها الحلفاء للمشرق العربي وأفصحت عنها اتفاقية سايكس -بيكو* ووعد بلفور*. وأمام تطور الوضع الذي أصبح ينذر بالخطر أجرت فرنسا وإنكلترا مشاورات سريعة، واتفقتا على إصدار بيان يشكل مذكرة تطمئن العرب في العراق وسورية وفلسطين. وعرفت المذكرة فيما بعد باسم البيان الأنكلو – فرنسي الصادر في 7/11/1918. وقد روج الحلفاء لهذا البيان بشكل جماهيري واسع، فطبعت كميات كبيرة منه علقت في كافة الأماكن العامة، ونشر في الجرائد المحلية، بل تلي شفهياً على جماهير الأميين من قبل الموظفين العرب في الإدارة العسكرية. لذا يعدّ هذا البيان أكثر إلزاماً وفاعلية من العهود التي أعطيت بصورة سرية وفردية إلى شخص الشريف حسين (رَ:الحسين – مكماهون، مراسلات). والبيان الذي يظهر أنه كتب أصلاً باللغة الفرنسية ثم ترجم إلى الإنكليزية والعربية وصدر عن المقر العام في القاهرة يؤكد عزم الحلفاء على تحرير الشعوب من ربقة الأتراك. وتأليف حكومات وإدارات وطنية “تستمد سلطتها من الممارسة الحرة لمبادرات السكان المحليين وخيارهم”. ويضيف أن فرنسا وإنكلترا قد اتفقتا على السعي لهذا الغرض بإقامة حكومات وإدارات من السكان المحليين في سورية وبلاد الرافدين. واستعرضت الفقرة الأخيرة منه رغبة الدولتين في مساعدة هذه الإدارات، وتحقيق العدالة للجميع، ونشر التعليم، وتسهيل مهمة الحكومات التي ينتخبها الشعب بحرية. والواضح أن إنكلترا وفرنسا قد اعترفتا هنا بحق تقرير المصير في إطار الانتخاب الديمقراطي للسلطة. ومن هذه الزاوية جاء البيان الأنكلو – فرنسي أيضاً أبلغ دلالة وأبعد مدى من تعهدات إنكلترا السابقة. وبعبارة أخرى يتضمن التصريح فيما يشير به إلى سورية وفلسطين والعراق تأكيدين بالغي الأهمية: أولهما أن بريطانيا كانت وستظل تعمل لتنال تلك البلاد حريتها واستقلالها فضلاً عن تحريرها من الحكم التركي. وثانيهما أنها تعهدت بأنها لن تقيم في تلك البلاد أي نظام من أنظمة الحكم لا يقبله السكان فيها. وترجع خطورة التأكيدين إلى أنهما صدرا بعد اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور. ولذا صدق العرب أن بريطانيا مصممة على أن يكون مبدأ حق تقرير المصير الذى نادى به الرئيس الأمريكي ويلسون قبل بضعة شهور هو السياسة التي ستلتزم بها مستقبلاً لتسوية شؤون بلدان آسيا العربية بعد الحرب. ولهذا ركز الأمير فيصل على هذا البيان في طرحه للقضية العربية أمام مؤتمر الصلح بباريس والمفاوضات التالية له. ويعتبر إدخال فلسطين في إطار البيان وتوزيعه فيها حجة قوية في جانب الصف العربي بأن البيان كان إجراء دعائياً أملته ظروف الحرب دون أي عزم على تطبيقه، كما اعترف بلفور شخصياً بذلك في مذكرته المؤرخة في آب 1919. المراجع: –         جورج أنطونيوس: يقظة العرب، (مترجم)، بيروت 1966 –         أحمد طربين: الوحدة العربية، دمشق 1961. –         محمد عزة دروزة: حول الحركة العربية الحديثة، بيروت 1960. – Sykes, C.: Cross Roads to Israel, London 1965.