البنادقة

كانت مدينة البندقية الإيطالية تتبع رسمياً الإمبراطورية البيزنطية ويحكمها نائب بيزنطي. وقد استطاعت البندقية، هي وعدد من المدن الإيطالية الأخرى، أن تحصل على استقلالها من الإمبراطورية نتيجة للضعف الذي أصابها أواخر القرن العاشر الميلادي، وأن تؤلف “جمهورية مستقلة”. وقد سعت هذه الجمهورية ومثيلاتها الإيطاليات لبسط سيادتها على الملاحة في البحر المتوسط، ولإقامة قواعد وأسواق تجارية لها.                                  وكانت البندقية أعظمها دوراً وأثراً، فصار لها جاليات تجارية مقيمة في عدة موانىء على البحر المتوسط، وحصلت على امتيازات كثيرة من بيزنطة، وضربت نقوداً خاصة بها، وحسنت سفنها تحسيناً كبيراً. وكانت أوروبا آنذاك بشطريها الغربي والشرقي تعيش أجواء دعوة صليبية متوقدة، كانت مظاهرها الأولى الحج وزيارة الأماكن المقدسة. وقد شجعت القوى الإيطالية، ومنها البنادقة، الحجاج الأوروبيين على القدوم إلى فلسطين، ونقلتهم أساطيلها البحرية، وقدمت لهم الخدمات المتنوعة. ولما بدأت الحروب الصليبية لبى البنادقة دعوتها وكان لهم دور بحري كبير فيها. وقد حصلوا بنتيجة ما قدموه من المساعدات والخدمات على امتيازات تجارية وقضائية. ففي سنة 535هـ/1140م نالوا من صاحب أنطاكية امتيازاً بتخفيض الرسوم الجمركية على بضائعهم، مع وعد بحماية سفنهم ومتاجرهم، وحق في المحاكمة وفقاً لقوانينهم الخاصة. وعقد غودفري ملك مملكة القدس اللاتينية* سنة 494هـ/1100م معاهدة معهم تضمنت إعفاءات جمركية وضريبية داخل المملكة، ومنحهم ثلث المدينة التي يساعدون في احتلالها، وحماية ممتلكاتهم وسفنهم، وقد أسهم أسطول البنادقة في احتلال مدينة حيفا* بعد قرابة شهرين من تاريخ عقد هذه المعاهدة. ومنحهم الملك بلدوين الأول سنة 505هـ/1111م امتيازات تجارية في القدس وحياً خاصاً بهم في عكا مقابل مساعداتهم له في احتلال مدينتي صيدا وبيروت سنة 504هـ/1110م. ووقعت مملكة القدس مع البنادقة عام 518هـ/1124م معاهدة نالوا بها كثيراً من الامتيازات والإعفاءات الجمركية، فأعطوا الحق في امتلاك أحياء لهم في المدن، والحق في استخدام مقاييسهم ومكاييلهم في معاملاتهم التجارية. وفي وجود محاكم خاصة بهم، وأعفوا من الضرائب والرسوم الجمركية، ونالوا ثلثي مدينة صور لمساعدتهم في احتلالها. وكان للبنادقة شأن كبير في تاريخ الحروب الصليبية، إذ حرفوا الحملة الصليبية الرابعة عن اتجاهها المرسوم لها وهو مصر ووجهوها إلى القسطنطية، فاحتلها الصليبيون وأقاموا فيها الحكم اللاتيني أمداً طويلاً.                         وبذا نال البنادقة أرباحاً وامتيازات كبيرة، وقاموا بطرد الجنويين* منافسيهم من بيزنطية، فوجه هؤلاء جهودهم إلى بلاد الشام، وحملوا العداء للبنادقة.  وكان نتيجة ذلك نشوب النزاع وحدوث الكثير من الاصطدامات بين البنادقة والجنويين في أكثر من مكان، وكان أشهرها وأطولها في مدينة عكا فيما عرف “بحرب دير القديس سابا” سنة 648هـ/1250. ودامت سنوات، وكان كل طرف يهاجم حي الطرف الثاني ويسلب ممتلكاته ويدمر سفنه، ولا ريب في أن هذا الصراع بين القوى البحرية الإيطالية الذي جاء في المرحلة الأخيرة من وجود الفرنجة* في فلسطين وبلاد الشام قد عجل في إنهاء وجودهم في هذه المنطقة سياسياً واقتصادياً. المراجع: – Ashtor, – Ashtor, E.: A Social and Economic History of the Near East in the Middle ages, London 1976. – Atiya, A.S.: Crusade, Commerce and Culture, Bloomington 1962. – Brown, H.F.: Venice, A Historical Sketch of the Republic, London 1893. – Hodgson, F.C.: Venise in the Thirteenth and Fourteenth Centuries, London 1910. – Pirenne. H.,: Medieval Cities (Eng. Trans.), Princeton 1939. – Runciman.S.: A History of the Crusades, 3 vols., Cambridge 1957. بن برق (قرية -) : ر: الحيرية (قرية-)