البطالمة

توزعت امبراطورية الإسكندر الأكبر بين قادته عقب وفاته، وذلك في المؤتمر الذي عقده هؤلاء القادة في مدينة بابل. وبمقتضى هذا التوزيع آلت ولاية مصر إلى القائد بطليموس بن لاغوس (ولد سنة 364 ق.م. بمقدونيا وتوفي سنة 282 ق.م. في مصر). سرعان ما اشتعلت الحرب بين خلفاء الإسكندر الذين كان كل واحد منهم يتطلع إلى الاستقلال بولاياته وفي مقدمتهم بطليموس، وكان النصر من نصيب هذا وحلفائه. وعلى أثر ذلك عقد مؤتمر جديد في مدينة تريباراديسوس بسورية لإعادة توزيع ولايات الإمبراطورة وتعيين وصي جديد. وانتهى المؤتمرون إلى تكليف أنتيباتروس مهمة الوصاية، على أن يكون مركز الإمبراطورية في مقدونيا. وإلى تثبيت بطليموس في ولايته، وتعيين سلوقس والياً على بابل وأنتيغونوس قائداً عاماً للجيش المالكي مع احتفاظه بولايته في آسيا. واستقرت الأوضاع بعض الشيء فتفرغ بطليموس لدعم استقلال ولايته وتوسيع نطاقها، فأقام التحالفات مع عدد من الجزر الكبرى في شرقي البحر المتوسط واستولى عام 319 – 318 ق.م. على فينيقية وجوف سورية، وهو اسم يطلق على فلسطين وجنوب سورية فيما بين جبل الشيخ شمالاً ونهر الأردن* شرقاً والبحر المتوسط غرباً. وهكذا أمّن بطليموس حدود ولايته من ناحية الشرق، وكان قد أمنها قبل ذلك من ناحية العرب حين استولى على إقليم برقة. وحاول أنتيغونوس أن يعيد لإمبرطورية الإسكندر وحدتها تحت سلطانه فعارضه الولاة ووقفوا في وجهه. وفي صيف عام 316 ق.م. لجأ سلوقس إلى مصر فراراً من أنتيغونوس ولقي من بطليموس كل ترحيب وإكرام، بل تحالف معه ومع بعض الولاة الآخرين على أنتيغونوس، ووقعت الحرب في عام 315 ق.م. وانتصر بطليموس وحلفاؤه على جيش أنتغونوس في غزة* واسترد جوف سورية، فعاد سلوقس إلى ولايته سنة 312 ق.م. وبدأ بذلك العهد السلوقي (رَ: السلوقيون)، ثم انتصر بطليموس مع حلفائه انتصاراً حاسماً على أنتغونوس في معركة أبسوس عام 301 ق.م. وقتله. وكانت هذه المعركة بداية ما يسمى بالمشكلة السورية، أو مشكلة جوف سورية، لأن حلفاء بطليمويس استاؤوا منه أثناء هذه الحروب وأبوا بعد النصر أن يمنحوه جوف سورية الذي وعدوه به من قبل في حين منحوا سورية كلها وشرقي آسيا الصغرى سلوقس. وكان جواب بطليموس على تصرف حلفائه هذا أن أحتل إقليم جوف سورية عنوة ورفض التنازل عنه. وحين جاء سلوقس ليضع يده على الإقليم وجد أن بطليموس قد سبقه إليه، فلم يشأ أن يثير معه المتاعب، ولم ينس اليد التي قدمها له بطليموس حين لجأ إليه فارأ من ولايته ويوم سهل له سبيل العودة إليها، فاكتفى بالمطالبة بحقه. وهكذا أورث سلوقس خلفاءه مشكلة كبيرة مع البطالمة أدت إلى سلسلة من الحروب بين الدولتين هي التي تعرف في التاريخ باسم “الحروب السورية”. وكانت الحرب السورية الأولى أيام بطليموس الثاني (فيلادلفوس) سنة 276 ق.م. وقد هزم الملك البطلمي أنطيوخوس الأول السلوقي واستولى على الشاطىء الفينيقي. ثم صالحه. أما الحرب الثانية فقد كان مسرحها بعيداً عن سورية في غربي آسيا الصغرى. وقد حاول بطليموس الثاني (فيلادلفوس) أن يقيم علاقات ودية مع الملك السلوقي أنطيوخوس الثاني (تولى الملك عام 262 ق.م.). فزوجه ابنته على ألا يطالب الملك السلوقي بإقليم جوف سورية. فثبت فيلادلفوس أقدامه في فلسطين وشرق الأردن وفينيقيا. اعتلى بطليموس الثالث العرش عام 246 ق.م. وتوجه بقواته إلى سورية لمساعدة أخته في صراعها على الملك بعد وفاة زوجها السلوقي أنطيوخوس الثاني. وانتصر الملك البطلمي على السلوقيين وبلغ سلوقية على الدجلة وقدم له حكام الولايات السلوقية الشرقية ولاءهم. ثم عاد إلى مصر. ولما حاول الملك السلوقي الثاني غزو جوف سورية عام 243 ق.م. تصدى له بطليموس ورده إلى أنطاكية، وبقيت فلسطين والشاطىء السوري في قبضة البطالة. واشتعلت الحرب السورية الرابعة في عهد بطليموس بعد أن كرر السلوقيون* محاولة غزو جوف سورية، وانتصر الملك البطلمي على قوات السلوقيين بقيادة أنطيوخوس الثالث جنوب مدينة رفح*، واسترد البطالة جوف سورية مرة أخرى. تولى الملك بعد ذلك بطليموس الخامس عام 203 ق.م. وكان حدثاً أثناء الوصاة عليه إدارة شؤون الدولة فشاعت فيها الاضطرابات والقلاقل، واقتطعت منها ممتلكاتها الخارجية، ثم غزا السلوقيون جوف سورية فيما يعرف بالحرب السورية الخامسة، واستطاعوا بقيادة ملكهم أنطيوخوس الثالث أن ينزلوا بالبطالمة هزيمة حاسمة في معركة بانيون عام 200 ق.م.، ثم استولوا على صيدا وبيت المقدس وبسطوا نفوذهم على فلسطين كلها. وفي عام 198 ق.م. فقد البطالمة جوف سورية نهائياً. المراجع: –         فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين (مترجم)، بيروت 1958. –         إبراهيم نصحي: مصر في عهد البطالة، القاهرة 1946.