البريد

عني خلفاء المسلمين وحكامهم بالبريد، وأقاموا لنقله الخيول، ورتبوا له الأميال (منارات يهتدي بها أصحاب البريد) والمحطات، ومهدوا طرقه وشادوا عليها الخانات، ونصبوا ألواحاً لتقدير الأميال بين المواقع. وقد عثر المنقبون في فلسطين على بعض تلك الألواح التي يعود تاريخها إلى عصر بني أمية، منها لوح حجري مستطيل الشكل وجد بين بيت المقدس وأريحا* نقش بداخله ستة اسطر نصها: “أمر بعمارة هذا الطريق وصنعة الأميال عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين رحمة الله عليه، من إيلياء إلى هذا الميل ثمانية أميال”. كما عثر على لوح مماثل في طريق يافا يعود لذلك العصر. استمرت عناية الأمويين، ثم العباسيين، بالبريد. ودأب بنو زنكي في الحفاظ على البريد ونقله بالجمال والحمام. كما استعان به الأيوبيون في أثناء حربهم للصليبيين. وفي عهد المماليك* كانت إعادة تنظيم البريد من أهم وسائل السلطان الظاهر بيبرس* في ربط أجزاء دولته بحاضرتها، فأقام الغلمان والخيول على مراحل معينة من سائر طرق البريد في السلطة. وبلغت عناية المماليك بالبريد في فلسطين أن جعلوا مراكزه سلطانية ذات اصطبلات وخدم، وبها خيل السلطان تشترى من ماله وتصرف لها العلوفات. ولا شك في أن الفتن والحروب التي تعرضت لها البلاد قد أعاقت النظام سير البريد. فأدت الحروب الصليبية إلى هجر طرق البريد المعتادة في فلسطين، كما تسبب غزو تيمورلنك لبلاد الشام في بطلان البريد من سائر الممالك الشامية. إلا أن البريد سرعان ما كان يعود إلى سابق عهده بزوال أسباب انقطاعه. وقد تميز رسل البريد بعلامات خاصة تسهيلاً لمهماتهم، وكانت شارة البريدي في العصر العباسي* قطعة من فضة بقدر الكف يعلقها العامل على كتفه كتب على إحدى صفحتيها البسملة واسم الخليفة، وعلى الصفحة الأخرى: “إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً”. وفي عصر المماليك كانت لوحاً من الفضة منقوشاً على أحد وجهيه: “لا اله الا الله ، محمد رسول الله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون”، وعلى الوجه الآخر “عز لمولانا السلطان الملك الفلاني… “وفي اللوح ثقب معلق به شرابة من حرير أصفر ذات بندين يجعلها البريدي في عنقه. فيصبر اللوح أمامه تحت ثيابه، والشرابة الصفراء خلفه من فوق ثيابه، فكل من رآها علم أنه بريدي. وقد انتشرت طرق البريد ومراكزه في فلسطين، وتشعبت بين مدن وقرى البلاد، واجتازتها إلى الأمصار المجاورة نظراً لأهمية موقع فلسطين بين أقاليم العالم الإسلامي. وفي كل مركز بريد عدد من الخيول المعدة للركوب تعرف بخيل البريد. فإذا وصل البريدي إلى مركز منها وقد تعب فرسه ركب غيره، وكذلك يفعل في الأماكن التالية حتى يصل بسرعة. وفي أكثر المراكز أقيمت خانات لمبيت البريديين كخان بيت داراس وخان الطيرة، وخان جنين. وبعض الخانات بفلسطين ما تزال آثارها باقية حتى اليوم. وتوزعت مراكز البريد في فلسطين من غزة* إلى جهات القاهرة وصفد* ودمشق والكرك. أما مراكز البريد من غزة إلى القاهرة فكانت: الدّاروم (دير البلح)، والسلقة (خان يونس)، ورفح*، والزَّعقة (الشيخ زويد)، والخرُّوبة، والعريش، وبئر القاضي، والورَّادة، والسوادة، والمطيلب، وصبيحة نخلة معن، وقطيا، والغرابي، وحبوة، والقصير، وبئر غذى، والصالحية، وقبر الوايلي، والخطّارة، والسعيدية. وعلى طريق بريد غزة – صفد كانت مراكز في: الجيتين، وتبنين، وحطين*، ثم صفد. ومنها إلى دمشق مراكز: لغران، وأرينبة، وبزبج الفلوس. وانتشرت مراكز البريد من غزة إلى دمشق على النحو التالي: الجيتين، وبيت داراس، وقطرة*، ولد، والعوجاء، والطيرة*، وقاقون*، وفحمة، وجنين*، وزرعين، وعين جالوت*، وبيسان*، والمجامع – جسر المجامع الحالي، والقصير، وزحر، وإربد، وطفس، والجامع، والصنمين، وغباغب، والكسوة. تقع بين غزة والكرك مراكز البريد في كل من: ملاقس، والخليل* وجنبا، والصافية، فالكرك. وإذا كانت مواقع مراكز البريد على عهد القلقشندي على تلك الصفة فما لا ريب فيه أن بعض تلك المواقع قد غيرت أثناء الحكم الإسلامي وفقاً لما اقتضته مصلحة البريديين من تقريب مسافة، أو اختيار مكان أكثر أمناً. كما روعي أن يكون مركز البريد قرب قرية، أو بجوار نبع ماء. وأدت عوامل اختيار تلك المواقع إلى اختلاف المسافات بينها، فالمسافة من العريش إلى غزة أربعة وعشرون ميلاً، ثم إلى أسدود* عشرون ميلاً، ثم إلى الرملة* إثنا عشر ميلاً. أما البريد الطائر فقد شاع استخدامه في العصر العباسي، وخطت الحكومات الإسلامية خطوات واسعة في تنظيم نقل البريد بالحمام الرسائلي المعروف بحمام الزاجل. وبالغ الفاطميون* في الاهتمام به، وأفردوا للحمام ديواناً وجرائد بأنسابه. وفي عهد الدولتين النورية والأيوبية زاد الاهتمام بالحمام، واشتدت الحاجة إليه لاستفحال الخطر الصليبي. كما عني سلاطين المماليك عناية كبيرة بتنظيم استخدام الحمام في حمل المكاتبات بين نيابات دولتهم. وامتاز التراسل بواسطة الحمام باختيار نوع من الورق الخفيف والكتابة بخط دقيق إضافة إلى الإيجاز في مضمون الرسالة وصغر حجمها. وتثبت الرسالة تحت جناح الحمامة، أو تشد إلى ذيلها. ولزيادة الاطمئنان ترسل الرسالة مع حمامتين، تطلق إحدهما بعد ساعتين من إطلاق الأخرى، حتى إذا ضلت إحداهما أو قتلت أمكن الاعتماد على الأخرى. وقد اقيمت للحمام أبراج موزعة على الطرق الرئيسة، والمسافة بين البرج والآخر أطول من المسافة التي تكون بين مركزي بريد. وحين تحط الحمامة بأحد الأبراج يقوم البراج الموكل بخدمة الحمام بإخراج الرسالة وربطها بحمامة أخرى من حمام المركز التالي. وهكذا يفعل البراجون حتى تصل الرسالة إلى غايتها. وكان هناك نوع من الحمام أقدر على قطع المسافات الطويلة من سواه. فإذا أطلق من دمشق وصل القاهرة دون توقف. وقد انتشرت في فلسطين شبكة متداخلة من أبراج الحمام امتدت من غزة في جنوب البلاد إلى صفد في شمالها، إلى جانب الأبراج التي وصلت غزة بمصر ودمشق والكرك. وتوزعت محطات الحمام بين غزة ومصر على النحو التالي: الورّادة، وقطيا، والصالحية، وبلبيس، وأبراج قلعة الجبل بالقاهرة. بينما كانت مطارات الحمام تتوزع من غزة إلى دمشق في: لد، وقاقون، وجنين، وبيسان، وإربد، وطفس، والصنمين، ودمشق. أما مراكز الحمام من غزة إلى الكرك فهي: الخليل، والصافية، والكرك. كما ارتبطت غزة بأبراج مدينتي بيت المقدس ونابلس. وقد استعمل العرب وسائل أخرى في نقل الأخبار كنظام المناور، ونجحوا في تطوير هذا النظام، واستخدموه بفعالية في نقل الأخبار بسرعة ودقة. فكان البريد يأتي من سرعة الخبر بما لا يأتي به غيره، والحمام يأتي من الخبر بما هو أسرع من البريد، والمناور تأتي من الخبر بما هو أسرع من الحمام. والمناور أو المنائر أبراج تقام في الأماكن المرتفعة، وتشحن بالحراس والمرابطين الذين يرصدون ما حولهم، فإن كشفوا عدواً أشعلوا النار ليلاً، أو أثاروا الدخان نهاراً، ضمّاً للأطراف وإنذاراً باقتراب العدو، فتنقل الإشارات عبر المناور لتصل إلى الجهة المقصودة. وقد استخدم الصليبيون في فلسطين نظام المناور بمهارة، فاختاروا إقامة قلاعهم في الأماكن المرتفعة تسهيلاً للاتصال فيما بينها عن طريق الإشارات الضوئية. وعندما حاصر صلاح الدين الأيوبي* الكرك سنة 579هـ/1183م اتصل الفرنج بإخوانهم في بيت المقدس عن هذا الطريق طالبين منهم النصرة. واختلفت رموز وإشارات المنورين عند نقل الخبر من جهة إلى أخرى باختلاف حال النار من شدة توهجها أو ضعفه إلى تعداد مشاعلها في الموضع الواحد ومدى ارتفاعها في السماء. وكانت نساء الخيالة من النصارى العرب المقيمين في عكا* يبعثن بالإشارات للمسلمين بإيقاد الشموع من نوافذ بيوتهن المقابلة لجبل الكرمل* المطل على عكا، ويخبرنهم عن حركة الفرنج وعددهم واتجاههم. فإذا عزموا على مهاجمة المسلمين تفتح المرأة الطاقة وتشعل بها شموعا تدل الشمعة منها على مائة فارس، فإذا كانوا يريدون قصد ناحية أشارت إليها. وكان المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب* يضع عيوناً لتلقي هذه الإشارات وإرسالها إلى دمشق، فيأخذ المسلمون حذرهم ويخرجون لملاقاة العدو. وقد تطلب الإيقاد والمراقبة ذكاء نادراً ويقظة تامة، ولا سيما أن المناور استعملت في أكثر من غرض منها أن سفن الروم كانت تقلع إلى سواحل فلسطين بالأسرى، فإذا تراءت مراكبهم قام المرابطون بإيقاد النار أو إثارة الدخان. “ومن كل رباط إلى القصبة عدة منائر شاهقة، فإذا أوقدت أولاها أوقدت التي تليها ثم الأخرى، فلا يكون ساعة إلا وقد أنفر بالقصبة وضرب الطبل على المنارة، ونودي إلى ذلك الرباط وخرج الناس بالسلاح والقوة، ثم يكون الفداء”. ورباطات فلسطين اللاتي يقع بهن الفداء: غزة، وميماس، وعسقلان، وماحوز، وأسدود، ويبنة*، ويافا*، وأرسوف. ونظم المماليك استخدام المناور وعمّموها ما بين الفرات وحاضرتهم في مصر عندما أخذ التتار* يهددون أمن دولتهم وسلامتها. ورتبوا في كل منور الديادب والنظارة لرؤية ما وراءهم وإيراء ما أمامهم، فكانت تلك المناور ترسل إشاراتها من البيرة والرحبة، فإذا ما وصلت الإشارة إلى جبال إربد انتقلت عبر منائر فلسطين في: بيسان، وجنين، وفحمة، وشرفة قاقون، وأطراف أعمال نابلس، والجبل المصاقب لمجدل يابا، وياسور، وحدب غزة، وهي آخر المناور، وترسل منها الأخبار إلى القاهرة على الجناح والبريد. وبلغت فعالية هذا النظام في عهد المماليك أن الخبر إذا أرسل من الفرات صباحاً وصل القاهرة عشاء، وإذا أرسل عشاء وصل صباحاً. المراجع: –         ابن فضل الله العمري: التعريف بالمصطلح الشريف، القاهرة 1312هـ. –         القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة 1331-1338هـ. –         محمود العابدي: الآثار الاسلامية في فلسطين والأردن، عمان 1973. –         المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1909. –         المقريزي: الخطط المقريزية، القاهرة 1326هـ. –         نظير حسان سعداوي: نظام البريد في الدولة الإسلامية، القاهرة 1953.