البحر الميت (مخطوطات)

“قمران” اسم مغارة عثر فيها عام 1947 على مخطوطات قديمة تعد من أروع المكتشفات في العصر الحديث. فقد وجد أحد رعاة عشيرة التعامرة العربية البدوية، مصادفة ربيع عام 1947، إحدى مخطوطات البحر الميت التي كتبت باللغات الآرامية* والعبرية واليونانية القديمة في كهوف ومغاور النهاية الشمالية الغربية للبحر الميت*، ومنها خربة قمران، ووادي المربعات، وخربة المرد (شمال وادي النار*)، وكهف الفشخة. وقد احتوت اللفائف الكتّانية المغلقة بعناية والمحفوظة في قدور كبيرة من الفخار لصيانتها من الرطوبة والعبث موضوعات غير معنونة وبدراستها تبين أنها أسفار أصلية من العهد القديم (التوراة*)، ومكتوبات أخرى أدبية مختلفة، وقد كشف حتى الآن عن أحد عشر كهفاً، واكتشف آخرها التعامرة أيضاً عام 1956. واحتوت المخطوطات على: 1)   كتاب النبي أشعيا: وقد نشرته المدرسة الأمريكية للدراسات الشرقية عام 1950. ويبلغ طول الرق المكتوب عليه نحو سبعة أمتار وأربعة وثلاثين سنتيمتراً مدونة بخط عبري قديم. وهو أقدم ملف للتوراة العبرية كتب في أربعة وخمسين عموداً بالخط المربع أو الحروف الآرامية. ويشبه نصه سفر أشعيا المألوف مع بعض الاختلافات. 2)    تفسير حبقوق والتعليق عليه: وهو صغير نسبياً ملىء بالفواجع التي ستحل بالجيل الأخير الذي يشهد نهاية العالم (حبقوق أحد أنبياء اليهود). 3)    كتاب النظام: وهو يمثل عقائد طائفة من اليهود فيما معاني التضحية وحب المساعدة. 4)    حرب أبناء النور مع أبناء الظلام: وفيه يبدو التشابه كبيراً بين صفات معلم الخير والصدق المختار من الله مخلّصاً للعالم، وصفات السيد المسيح المخلص وكيف حكم عليه اليهود والرومان. وهو قول بالرغم من تشابه ظواهره مختلف بالجوهر، فالقمرانية بقيت مذهباً يهودياً، ولم تخرج عن هذا الدور الخاص، في حين أن النصرانية رسالة إنسانية عالمية. 5)    مخطوط لامك باللغة الآرامية: فيه تسعة عشر عموداً تتضمن تعليمات لإدارة الحرب بين  أسباط لاوي ويهوذا وبنيامين المدعوين بأبناء النور، والإيدوميين* والمآبيين والعمونيين والفلسطينيين والإغريق المدعوين بأبناء الظلام (ولامك حفيد أخنوخ ووالد النبي نوح). 6)    مزامير التسبيح والشكران: وتبلغ عشرين مزموراً تشبه مزامير العهد القديم. 7)    قطع أخرى من أسفار متنوعة: شملت كتب الأبوكريفا Apochrypha، ويقصد بها كتب التوراة التي لم تثبت صحتها، والتي رفضتها الكنائس المسيحية، وكتابات تتعلق بمذهب سكان قمران. 8)    الوثيقة الدمشقية: وقد ظهر بين مخطوطات البحر الميت في كتابات الأسينيين* الذي امتد عهدهم من 150 ق.م. إلى 68 ب.م. ما يشابه إلى حد كبير محتويات وثيقة دمشق التي عثر عليها في كنيس يهودي بالجيزة قرب القاهرة. وهي خاصة بجماعة اعتقدوا أن الله أرسل إليهم معلم الحق ليخلصهم من ذنوبهم، فخرجوا إلى دمشق، وسموا أنفسهم  أبناء العهد الجديد. وليس هناك أي دليل يثبت أنهم وصلوا إلى دمشق. والأسينيون طائفة من اليهود عاشت قبل الميلاد. وكانت معيشتهم أضيق من معيشة الفريسيين* أقدم الطوائف اليهودية. ودل الكشف على أن سكان قمران كانوا يعنون باستنساخ الأسفار المقدسة وسواها، وأنهم خصصوا لهذه الغاية قاعة معينة. أقاموا فيها الموائد والمقاعد للكتابة، وأنشأوا المغاسل للتطهر قبل البدء بالعمل. نظراً لقدسية ما يفعلون. ويلاحظ أن محابرهم لا تزال موجودة حتى اليوم. يسّرت المخطوطات معلومات للدراسة المقارنة مع النصوص المتداولة للعهد القديم، ولدراسة نشأة العهد الجديد. وقد عكف كثير من العلماء والمعاهد العلمية على دراسة المخطوطات المكتشفة، ومنهم: 1)   الدكتور جون تريفر J.Trever من المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية بالقدس. 2)    الأثري الإنكليزي جيرالد. ل. هردينج G.L. Harding مدير الآثار بالأردن. 3)   الأثري الأمريكي وليم. ف. أولبرايتWilliam F.Albright  مدير المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية بالقدس والأستاذ بجامعة هوبكنز الأمريكية. 4)   الأثري وليم هـ. بروانليWilliam H. Brownlee   من كلية كليرمونت للدراسات العليا بالولايات المتحدة الأمريكية. 5)   الدكتور بيرنبوم Birnbaum  الأستاذ بجامعة لندن. 6)   الأب رولان دي فوR. De. Vaux   رئيس مدرسة الأبحاث التوراتية الفرنسية في بيت المقدس. 7)   الدكتور بلندرليث H. Plenderleith   مسؤول مختبر الأبحاث الكيميائية في المتحف البريطاني. وتم تقدير عمر المخطوطات بدراسة اللغة والخطوط والمادة المكتوبة عليها وبها، وشكل الحروف والصياغة والرق والكتّان والنحاس وقطع الفخار والنقود التي وجدت معها. وقد نجح البحث الأثري، باستخدام طريقة الكربون المشع 14  لفحص الكتّان (التيل) الذي لفت به الوثائق والجرار الفخارية، نجح في إعطاء معلومات تقديرية تقريبية عن عمر المخطوطات وزمانها، فكان ما بين السنة 300 قبل الميلاد والسنة 68 أو 70 بعد الميلاد. ويمكن جمع شطر كبير من التوراة من مخلفات هذه الكهوف، باستثناء سفر أستير الذي استبعد لأسباب طقوسية، لأن الأسينيين لا يعترفون بالعهد العبري “فوريم” الوارد اسمه في السفر المذكور. وقيمة المخطوطات أنها وردت بلغتها الأصلية، وأنها أقدم بحوالي 1.000 سنة من أقدم مخطوطات للعهد القديم معروفة من قبل. ولكنها تختلف عنها في عدة مواقع ومواضيع. وإجراء تعديلات أو تغييرات جوهرية في نصوص العهد القديم، أو تأويلات حول نشوء المسيحية نتيجة لاكتشاف مخطوطات قمران، مسألة تنتظر إجابات الدراسات النهائية الكاملة المقارنة بالنصوص العبرية (المسوّرة) المعتمدة لدى اليهود المحافظين. إضافة إلى ثلاثة آلاف دراسة كتبت وصنّفت حول مضامين المخطوطات وتفسيرها وشرحها وتأويلها. وقد جرى تهريب بعض المخطوطات المكتشفة من الأراضي العربية، والاتجار بها بصورة غير شرعية. وتملّكت الحكومة الإسرائيلية، بالشراء والإرهاب، بعض المخطوطات المعروضة للبيع غير المشروع في الولايات المتحدة الأمريكية. وتملكت الحكومة الأردنية بالقانون عام 1957 المخطوطات الأثرية المكتشفة في منطقة البحر الميت بكافة أنواعها وبكل اللغات المكتوبة بها. وقد سمحت الحكومة الأردنية بعرض بعض المخطوطات في عدة متاحف في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وإنكلترا. وقد خالفت (إسرائيل) اتفاقية لاهاي (1954) لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح عندما نقلت، أثناء معركة القدس في 6/6/1967 كميات كبيرة من مخطوطات البحر الميت القيّمة الباقية في المتحف الفلسطيني إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ما قبل عام 1967 بدعوى الحفاظ عليها بصفة مؤقتة. وحتى اليوم لم تتم إعادة مخطوطات البحر الميت إلى مكانها الأصلي في المتحف الفلسطيني.   المراجع: –         أحمد فتحي سرور: ملف القدس 1977. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. –         أسد رستم: مخطوطات البحر الميت وجماعة قمران، هدايا مجلة المسرة السنوية، لبنان 1959. –         وليم أولبرايت: آثار فلسطين، القاهرة 1971. –         ليونارد كوتربل: الموسوعة الأثرية العالمية، القاهرة 1977. –         محمود العابدي: مخطوطات البحر الميت، عمان 1967. –         موريس بوكاري “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، القاهرة 1978. –        Burchard, C.: Bibliographie zu den Handschriften vom Toten Meer, Berlin 1957 – 1965. –        Carmignac, J. and Guilbert, P.: Manuscrits de la Mer morte, les textes de Qumran, Paris 1962 – 1964. –        De Vaux, R.: L’Archeologie et les manuscrits de la Mer morte Londres 1961. –        Milik J.T.: Dix ans de decouvertes dans le desert de Juda, Paris 1957.