البحر الميت

من أهم المظاهر الجغرافية الطبيعية، لا في فلسطين وحدها بل في العالم أجمع. لما يتمتع به حوضه من وضع بنائي –  جيولوجي معين، ولما تتحلى به مياهه من صفات خاصة يندر وجودها في مكان آخر مشابه. وتنجلي الأهمية الاقتصادية لمياه البحر الميت في الثروات الطبيعية التي تحتويها، والتي بدىء باستغلالها منذ عام 1930. أ‌-    لمحة تاريخية: معرفة الإنسان بالبحر الميت قديمة قدم الحضارات التي قامت في المنطقة. فقد ورد ذكر البحر الميت، ورسمت له خرائط، فيما كتب عن فلسطين وبلاد الشام الأخرى في العهود اليونانية – الهيلينستية والرومانية والبيزنطية، ثم في العهد العربي الإسلامي والقرون الوسطى حتى الوقت الحاضر. 1)  في العصور القديمة: ورد ذكر البحر الميت في الكتاب المقدس تحت اسم بحر الملح (تكوين 14: 3) وورد ذكره مرة أخرى تحت اسم عمق السديم، أو بحر العربة. ولقد عرف الأنباط*، أبناء الموجة العربية الرابعة التي وصلت مشارف شبه الجزيرة العربية في حدود سنة 500 ق.م.، عرفوا طريقة استخراج البيتومين والقطران من مياه البحر الميت. إذ تذكر المصادر أنهم كانوا يصدرون هاتين المادتين إلى مصر حيث استخدمتا في التحنيط. ويذكر أرسطو البحر الميت في مؤلفه “الميتيورولوجيا”. وكذلك يذكره سترابون في “الجغرافيا”. وسترابون هو أول من وصف البحر الميت بشيء من التوسع، وتحدث عن عمق مياهه الكبير وكثافتها العالية، إلى جانب وصفه قطع الاسفلت الطافية على سطحها، وغازات البحر وينابيعه الحارة. أما بليني الذي نقل عن سترابون الكثير من المعلومات فهو أول من سمى البحر الميت باسمه اللاتيني القديم “بحيرة الإسفلت”. وظهرت تسمية البحر الميت لأول مرة في كتابات بوسانياس ثم غالين. ومنها انتقلت إلى المؤلفات الأوروبية المتأخرة والحالية. وتعد خريطة كنيسة مأدبا المرسومة بالفسيفساء في القرن السادس الميلادي من أهم الخرائط القديمة للبحر الميت، وتشتهر منطقة البحر الميت بالمخطوطات القديمة (رَ: البحر الميت، مخطوطات). وقد عثر على هذه المخطوطات داخل جرار فخارية في كهوف قمران التي تقع جنوب مدينة أريحا*. 2)  في العصور الوسطى: لم تستفض الكتابة عن البحر الميت إلا في العصور الوسطى مع ظهور المؤلفات التاريخية والجغرافية في العهد العربي حيث يندر ألا نجد ذكراً للبحر الميت في معظم المؤلفات المذكورة. وقد ورد ذكره تحت أسماء كثيرة منها “بحيرة زغر” نسبة إلى واحة نخيل جنوبية، ويظن أن مدينة زغر القديمة التي لها علاقة بالنبي لوط كانت تقع في غور الصافي بالقرب من مصب وادي الحسا. وقد وصف ابن حوقل بلدة زغر بقوله إنها مدينة حارة متصلة بالبادية صالحة الخيرات وبها النخيل الكثير ولها تجارة واسعة. وذكر الإصطخري أن بها تمراً عذباً حسن المنظر وله لون الزعفران. وذكرها المقدسي بقوله إن أهلها سودان غلاط، وماءها حميم، إلا أنها البصرة الصغرى والمتجر المربح. وقد تدهورت قرية زغر وزالت لفتك الحميات بأهلها ولتحول طرق التجارة عنها. وسمي هذا البحر “بحيرة سدوم وعمورة” و”البحيرة المقلوبة” و”البحيرة  المنتنة” كما يدعوه المسعودي وياقوت الحموي. أما تسميه “بحر لوط” فواردة في مؤلف ناصر خسرو. ويذكره ابن الفقيه والإدريسي. وهكذا لا تخرج المعارف عن البحر الميت في العصور الوسطى عن نطاق ما قدمه العرب بالدرجة الأولى إلى جانب اسم “بحر الشيطان” الذي أطلقه عليه بعض الحجاج الأوروبيين إلى الأراضي المقدسة. ومن الجدير بالذكر أن بعض المؤلفات العربية القديمة والوسيطة تحتوي على خرائط فيها البحر الميت. 3)   في العصر الحديث: كان الألماني زيتسن أول من قام بمحاولة لدراسة البحر الميت في مطلع القرن التاسع عشر عندما قام بجولة في سواحل البحر ووصف التضاريس المحيطة به، ودرس مناخه عام 1806 – 1807م. وتلاه الإيرلندي كوستيجان الذي أبحر في مياهه سنة 1837م. لكن بداية الدراسات الحديثة تأخرت حتى سنة 1852م عندما قامت بعثة تابعة للبحرية الأمريكية بدراسة البحر الميت ونهر الأردن*، وظهرت نتائجها في تقرير أصدره رئيسها لينش في السنة نفسها. وبعد ذلك تتالت الأبحاث وكثرت الدراسات على يد علماء أجانب. ولا تزال تتابع إلى اليوم. ب‌-            جغرافية البحر الميت: البحر الميت، وهو الاسم المتعارف عليه حالياً، كتلة مائية تحتل أخفض حوض في غور الانهدام السوري – الإفريقي الممتد مسافة تتجاوز 6.000 كم بين مرعش في تركيا شمالاً ونهر الزامبيري في إفريقية جنوباً. ويساير غور الانهدام هذا سواحل بلاد الشام على بعد يراوح بين 40 و 90 كم في سورية ولبنان وفلسطين. ويأخذ غور الانهدام شكلاً نموذجياً في غور (وادي) الأردن، ولا سيما في حوض البحر الميت ذاته حيث يظهر المفهوم الجغرافي والجيولوجي للأغوار الانهدامية بأجلى صورة. ويقع هذا البحر في العروض فوق المدارية شبه الصحراوية حتى الصحراوية. وهو يؤلف فاصلاً مائياً بين فلسطين في الغرب والأردن في الشرق. ويمتد متطاولاً من الشمال نحو الجنوب مسافة قدرها 78 كم، بعرض متوسط يبلغ 14كم. وينخفض هذا الرقم إلى 4 كم فقط لتقدم بروز أرضي نحو الغرب يعرف باللسان. ويكاد بروز اللسان يفصل الربع الجنوبي عن باقي كتلة البحر الميت في الشمال لولا هذا الضيق المائي الضحل الذي يصل بين ما يدعى بحيرة اللسان وبقية البحر الميت شماليها. وتشير الدراسات إلى أن بحيرة اللسان التي تشكلت بفعل هزة أرضية، والتي لا يتجاوز عمق مياها 4.5 م، لم تكن متصلة بجسم البحر الميت، ولم تتحد مياههما إلا قبل نحو 1.500 سنة. وتقدر مساحة البحر الميت بنحو 940كم2، أما حوضه فتبلغ مساحته نحو 40.000كم2. ينحصر حوض البحر الميت بين كتلتين من الجبال هما جبال القدس* والخليل* من الغرب، وجبال البلقاء والكرك (مؤاب) والطفيلة من الشرق. وترتفع قمم الجبال فوق مستوى سطح البحر الميت بين 1.250م و1.300م. وتتميز صفحات الجبال الفلسطينية المشرفة على البحر الميت بالانحدارات الشديدة والسفوج القاسية التي تنقلب جروفاً قائمة في معظم الأجزاء. وتنحدر هذه الجروف بعنف شديد على سواحل البحر دون أن تترك بين أقدامها وخط مياه البحر شريطاً سهلياً ساحلياً عريضاً إلا فيما ندر. وعند مخارج الأودية السيلية من الجبال  تتقدم دالاتها من المجروفات والأنقاض السيلية في البحر على شكل رؤوس صغيرة بارزة. وباقتراب المرء من نهايات البحر في الشمال والجنوب تبتعد الجبال الفلسطينية عن البحر لتفسح المجال لمساحات سهلية منبسطة صغيرة يحتل جبل أسدوم في أقصى الجنوب مساحة متطاولة منها مسايرة لساحل البحر الميت الجنوبي الغربي. أما في الشرق فلا يختلف الوضع اختلافاً جوهرياً إلا من حيث كون الانحدارات أضعف، والجروف القائمة أقل عدداً وارتفاعاً وأقصر امتداداً. ومما يميز الأطراف الشرقية من الغربية بروز وتقدم شبه جزيرة اللسان السهلية، وتقدم لسان سهلي أصغر هو غور النميرة الواقع جنوبي شبه جزيرة اللسان عند مصب وادي حديرة. وينتهي البحر الميت في الشمال بأراضي غور الأردن* في منطقة سهل أريحا، وفي الجنوب بسبخة واسعة منبسطة تمتد 20 كم وتحتل معظم سهل غور الصافي، نهاية وادي عربة*. ج – جيولوجية وأصل البحر الميت: نشأ غور الانهدام السوري – الإفريقي نتيجة الحركات البنائية (التكتونية) التي أصابت القشرة الأرضية فكسرتها على امتداد خطوط صدوع أو انكسارات سببت خفس أجزاء منها طغت عليها مياه البحار (البحر الأحمر وخليج عدن وخليج العقبة وخليج السويس)، أو أمتلأت بالبحيرات الطولية في إفريقيا الشرقية وبلاد الشام. والبحر الميت واحد من الكتل المالية الكبرى التي ملأت أخفض حوض لا في غور الأردن وحده ، بل في العالم كله، إذ يقع مستوى سطح مياهه على ارتفاع – 402م دون مستوى سطح البحر. وقد أخذ الغور شكله الحالي في البليوسين المتأخر وحتى مطلع البلايستوسين. وتدل الدراسات الجيولوجية على أن حوض البحر الميت محصور بين محورين للإنكسارات يتفقان مع السواحل الشرقية والغربية. وتظهر على مرآة الصدع (الانكسار) الغربية منهما طبقات من صخور الكلس والدولوميت القاسية العائدة للعمر السينوماني والتوروني، في حين تظهر على المرآة الشرقية مجموعة صخور أقدم عمراً ترجع إلى الكريتاسي الأدنى والفترة الباليوزويكية – الميزوزويكية وتتألف في معظمها من الحجر الرملي النوبي المتعدد الألوان. أما في الطبقات العليا فتظهر صخور السينوماني والتوروني أيضاً. وتظهر في أقصى الجنوب الشرقي صخور عائدة إلى ما قبل الكامبري تغلب عليها الكونغلوميرا (رَ: الصخور). وعند أقدام هذه الطبقات الصخرية، وعلى امتداد الساحلين توضعت رسوبات رباعية طرية مؤلفة من مواد لحقية – نقضية وبحرية الأصل. كما تظهر ترسبات ثلاثية العمر (نيوجينية) قارية الأصل شرقي شبه جزيرة اللسان وفي جسم جبل أسدوم المؤلف في معظمة من صخور ملحية. ويكثر ظهور الملح في الترسبات الساحلية الحديثة، كما في سبخة الجنوب (غور الصافي)، وأطراف البحر الذي تراجع فانحسر عنها الماء المالح. وهناك آراء مختلفة حول الأصل الانهدامي لغور الأردن والبحر كنظرية غريغوري المعروفة بنظرية الشد، ونظرية الضغط لويلز، ونظرية الانزياح لكونيل. د- التغذية المائية للبحر الميت: يقدر حجم مياه البحر الميت بـ 142كم3 تقريباً. وهو حجم يبذل تبعاً لكمية المياه التي تغذيه من حوض التصريف والأنهار والأودية السيلية والينابيع، وتبعاً لمقادير المياه المتبخرة من سطحه والخاضعة للأوضاع المناخية المتميزة بالحرارة المرتفعة والأمطار القليلة. فالحرارة السنوية المتوسطة لمنطقة البحر الميت 25، والحرارة القصوى المتوسطة لفصل الصيف 40، ويحوم متوسط الأمطار السنوية حول 50 مم. وهذا كله يشير إلى نسبة تبخر عالية تدخل المنطقة في نطاق المناخ الجاف وشبه الجاف (رَ: المناخ). يشكل نهر الأردن بصبيبه المتبدل والبالغ متوسطه السنوي العام 1.2×10م3 أهم مصدر لمياه البحر الميت. ويساعده عدد من السيول والمياه القادمة من الجبال. ولا سيما من الجبال الشرقية. أهم الأودية السيلية الشرقية وادي الموجب الذي الذي تصل الغزارة السنوية المتوسطة لصبيبه 30×10م3 منها 18×10م3 من ينابيع الوادي المذكور وحوض تصريفه وشبكة أوديته الصابة فيه. تليه في الأهمية منطقة تغذية وادي زرقاء ماعين ذات الغزارة السنوية المتوسطة البالغة 4×10م3. وهناك عدد آخر من الأودية السيلية يأتي وادي الحسا في طليعتها. هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الينابيع الباردة والحارة المرتصفة على امتداد خط الصدع (الانكسار) الشرقي، كمياه الينابيع زرقاء ماعين الحارة. وتغذية البحر الميت بالمياه من الغرب ضعيفة نسبياً، ولا تتغذى مياه سيول الأودية الهابطة من جبال القدس والخليل وامتدادتها جنوباً، إلى جانب عدد من العيون والينابيع المنبثقة من أقدام الجدار الصدعي للجبال المذكورة (رَ: عيون الماء). إن المتوسط السنوي للمياه التي يتلقاها البحر الميت يقدر بـ 1.6×10م3. وهي كمية معرضة للتبدل والزيادة والنقصان حسب الأوضاع المناخية وتبدلها السنوي، أو على مر السنين. وهذا يفسر التغيرات الطارئة على مستوى البحر الميت وعمق المياه. هـ- الخصائص الفيزيائية لمياه البحر الميت: لمياه البحر الميت خصائص فيزيائية يندر وجودها في بحر داخلي آخر له هذا الاتساع والحجم. فالوزن النوعي للمياه يبلغ على السطح متوسطاً عاماً قدره 1.206سم3، ينخفض في فصل الصيف إلى 1.201 سم3، ويرتفع في الشتاء إلى 1.210غ /سم3. وتزداد هذه القيمة في بحيرة اللسان الجنوبية حتى تصل إلى 1.2301 غ /سم3. وباستطاعة المرء أن يستلقي على المياه الكثيف ويطالع أثناء ذلك كتاباً أو صحيفة يومية. وهذا يعطي البحر الميت ميزة سياحية ترويحية غير معروفة في مكان آخر (رَ: السياحة) والكثافة في الأعماق شبه ثابتة لا تتأثر بالتغيرات الفصلية، لكنها تتزايد من 1.226 غ /سم3 على عمق 50 م إلى 1.234 غ/ سم3 على عمق 100م فما فوق. إلى جانب هذه الكثافات العالية المتزايدة باتجاه قاع البحر الميت تتميز المياه بحرارات عالية أيضاً، إذ تراوح حرارة الطبقة المائية العليا من السطح وحتى عمق 40م بين 35 في الصيف، و21 في الشتاء. أما أدنى درجة حرارة معروفة فلم تنحفض دون 10، وأقصى درجة لم تتجاوز 38. وتصبح الحرارات ثابتة ومتزايدة بانتظام في الأعماق التي تزيد على 40 – 50م، وترتفع من 19 إلى 22 باتجاه أعمق المياه. وتتأثر حركة مياه البحر الميت بالرياح ويفوق كثافة المياه فتتولد بفعل الرياح أمواج صغيرة أو متوسطة الارتفاع، وقد تعلو إلى متر واحد وعشرة سنتمترات حين تشتد حركة الرياح. لكن هذا قليل، فالأمواج شبه معدومة معظم أيام السنة عدا فصل الشتاء حين تنشط الرياح بين الحين والآخر. أما التيارات المائية فهي مسيرة بعامل فروق الكثافة المائية في الدرجة الأولى . وتبين أن لحوض بحيرة اللسان الصغيرة التي تحتل نحو ربع مساحة البحر الميت، 0.5% فقط من حجم الكتلة الإجمالية لمياه البحر، تبين أن لهذا الحوض دوراً هاماً في نشأة التيارات وحركة الماء الأفقية. فمن حوض بحيرة اللسان القليلة العمق العالية الكثافة يخرج تيار من المياه الدافئة المرتفعة الكثافة مساير للشواطىء الشرقية عن طريق مضيق اللسان إلى الشواطىء الأردنية في البحر الميت حيث الأعماق الأكبر والكثافة المائية الأقل. وتتم عملية تعويض فاقد بحيرة اللسان بتيار قادم من الشمال مساير للشواطىء الغربية للبحر الميت يدخل عن طريق المضيق المذكور إلى البحيرة. ومياه هذا التيار أقل دفئاً وأدنى كثافة من مياه التيار المقابل المتجة شمالاً. وهكذا فإن دورة التيارات المائية في البحر الميت متكاملة، حركتها عكس حركة عقارب الساعة. وإلى جانب فرق الكثافة بين مياه الحوض الرئيس للبحر الميت ومياه بحيرة اللسان تساهم الرياح على امتداد المحور الشمالي الجنوبي للبحر في تنشيط حركة المياه الأفقية هذه. و- الخصائص الكيميائية والترسبات: الملوحة الزائدة هي الميزة الكيميائية الرئيسة التي تميز مياه البحر الميت من أي بحيرة داخلية في العالم، إذ يبلغ مقدار الملوحة المتوسطة 31.5% تنخفض باتجاه المياه السطحية إلى 28%، وتزداد باتجاه الأعماق إلى 32.7%. ويعطي الجدول التالي التركيب الكيميائي ومقادير العناصر البارزة المؤلفة لهذه النسبة العالية جداً من الملوحة: Cl- Mg2+ Na+ Ca2+ K+ Br- الكلور المغنزيوم الصوديوم الكالسيوم البوتاسيوم البروم 208 42 35 15.8 7.56 5.92 مغ / ل مغ / ل مغ / ل مغ / ل مغ / ل مغ / ل ويبلغ مقدار هذه العناصر المذكورة في الجدول مع بعض العناصر الأقل أهمية نحو 315مغ/ ل. وتنخفض هذه المقادير في المياه السطحية فلا تتجاوز 273.350 مغ/ ل. ومياه البحر الميت فقيرة بالأوكسجين، إذ لا يجاوز الأوكسجين الحرّ في المياه السطحية 1.6 مل/ ل. ولم يسجل له أي وجود أو أثر في الأعماق الزائدة على 50 مم. وهكذا فإن مياه البحر الميت منقع ملحي كبير يسود فيه الكلور والمغنزوم والصوديوم والكالسيوم. والمركبات الملحية الناتجة عن هذه العناصر تقدم الثروات الطبيعية التي يكنزها هذا البحر من كلورات المغنزوم وكلور الصوديوم والبوتاس وغيرها من الأملاح المنحلة في الماء. أما بالنسبة إلى المواد المترسبة في أرض البحر الميت فالغالب عليها الوحل الذي تراوح سماكته بين 10 – 50سم في الحوض الواقع شمال اللسان. ويتركز هذا الوحل على قاعدة من الملح الصخري ذات سماكة غير معروفة. وتتألف ترسبات حوض بحيرة اللسان من تعاقب سافات من الملح والطين والمارن. وتتناوب ترسبات المارن والوحول الأخرى عامة مع الأراغونيت والكالسيت والجص. وتختلط هذه الترسبات بما يصل البحر الميت من الحصباء الدقيقة التي تحملها مياه نهر الأردن والسيول الأخرى من أراضي حوض البحر. وكذلك تختلط بالرمال وفتات البازلت والصوان وغيرها من مواد الصخور المحيطة بالبحر. ويفسر العلماء ظاهرة التلون بالبياض التي ينقلب فيها اللون الأزرق للمياه إلى لون أبيض حليبي مرة كل 4 – 5 سنوات، وفي أشد أوقات السنة حرارة، يفسرونها بالترسيب المفاجىء لمادتي الأراغونيت والجص. وما تقدم من الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه البحر الميت هو السبب في انعدام الحياة في مياه البحر المذكور. وإن وجدت بعض الأسماك* الصغيرة القليلة العدد إلى جانب بعض أنواع الطحالب فعند مصبات ينابيع المياه العذبة على الشواطىء فقط حيث تتعدل خصائص المياه. ز- تغيرات مستوى البحر الميت: إن جميع الأرقام السابقة عن مياه البحر الميت من حيث الحجم والمساحة والنسب المئوية وغيرها عرضة للتبدل لعدم ثبات مستوى مياه البحر. وقد لاحظ الدارسون هذه الحقيقة من خلال الشواهد الجيومورفولوجية، ولا سيما المصاطب الساحلية للبحر والمصاطب النهرية لنهر الأردن، وكذلك من خلال القياسات المختلفة لمستوى مياه البحر، وتذكر الأبحاث   المختلفة أن المستوى كان في أوائل القرن العشرين على انخفاض 392 م تحت مستوى سطح البحر، وأن أكبر عمق لمياه البحر الميت هو 401 م، أي أن قاعه يقع على عمق 793م تحت سطح البحر المتوسط، وأن كمية المياه قد تزايدت عما كانت عليه قبل ربع قرن، وأن مستوى المياه قد ارتفع مترين. وقد رأى ماسترمان عام 1901 أن التبدلات السنوية القصوى (الدنيا والعليا) تبلغ 96.36 سم. والجدول التالي يرينا تذبذب المستوى منذ سنة 1865 حتى 1980. مستويات البحر الميت من عام 1865 – 1980 السنوات المستوى السنوات المستوى 1865 1910 1912 1915 1928 1933 1938 -393.8م -392م -391م -387م -393م -394م -395م 1944 1946 1961 1963 1966 1971 1973 1980 -395م -394.29م -395م -398.5م -399م -399م -398م -402م ويتبين من هذا الجدول أن الفرق بين أدنى مستوى وصلت إليه المياه وأعلى مستوى هو 15م خلال هذه الفترة الزمنية. وتؤكد بعض الدلائل والأبحاث أن مستوى مياه البحر الميت كان أعلى من مستواه الحالي بنحو 220م، أي أنه كان على انخفاض 182م. وبالتالي فإن المياه كانت ممتدة على طول غور الانهدام، من أطراف بحيرة طبرية* في الشمال وحتى موقع عين حصب* في وادي عربة* على بعد 38 كم جنوبي البحر الميت الحالي، وذلك في الحقبة الواقعة بين 20.000 و70.000 – 100.000 سنة سابقة. وترى هذه الدراسات أن عمر البحر الميت الحالي نحو 120.000 سنة. ترجع أسباب تغيرات مستوى مياه البحر الميت إلى التغيرات المناخية التي تعرضت، وتتعرض لها المنطقة، واختلاف نسب التبخر. لكن يجب أن يضاف إلى الأسباب المناخية الأسباب البنائية (التكتونية) التي لا بد أن تكون قد لعبت دورها أيضاً إلى جانب العامل البشري ومدى استغلال الإنسان لمياه الأنهار والينابيع المغذية للبحر، خاصة مياه نهر الأردن في الأغوار الشمالية لوادي الأردن نفسه، وتحويل قسم كبير منها إلى الأراضي الغربية في فلسطين مما يقتطع جزءاً كبيراً من حصة البحر الميت من مياه هذا النهر. ح – الإنسان وثروات البحر الميت: لا تشجع سواحل البحر الميت ولا مياهه على السكنى والاستقرار. فالأرض الصالحة للزراعة صغيرة المساحة ومحصورة في نقاط معينة، والمياه الصالحة للري قليلة الكمية. والحرارة عالية، والأمطار قليلة والمناخ قاس، حتى الأسماك التي يمكن أن تجتذب السكان إلى البحر غير متوفرة في مياهه. كما أن الصخور الجرداء العارية تحيط البحر بجدران عالية تجعل من الحوض حفرة خانقة تعيق المواصلات وتقيد نشاط الإنسان. لذلك كانت سواحل البحر الميت من المناطق القليلة الكثافة البشرية، وكانت ملجأ لمجموعات بشرية صغيرة جداً جاءتها هاربة لأسباب مختلفة. وأول السكان الذين ارتبط وجودهم في شرقي البحر الميت باستغلال بعض ثرواته من الأملاح وغيرها هم الأنباط. حتى هؤلاء لم يفعلوا على ما يظهر سواحل البحر، بل أقاموا في الجبال الشرقية حيث عاصمتهم سلح (البتراء). وكانت فئات منهم تأتي البحر لاستخراج مادة البيتومين. أما جبال غربي البحر الميت فكانت موطناً لقبائل فلسطينية مختلفة أقتصر نشاطها وتحركها على المرتفعات الغربية، ولم تول البحر الميت أي اهتمام. وبرغم عداء الطبيعة للإنسان قامت بعض المراكز البشرية الصغيرة جنوبي البحر حيث كانت تقوم واحة نخيل (زُغَر) التي أعطت البحر اسمها العربي القديم. وكذلك الواحة الصغيرة التي قامت عند عين جدي على الساحل الغربي. وقد بقي الإنسان جاهلاً بثروات البحر الميت الطبيعية، أو عاجزاً عن استغلالها استغلالاً صحيحاً حتى الربع الأول من القرن العشرين حين واكبت تطور العلوم والصناعة الدراسات والأبحاث حول البحر الميت، وازدادت الحاجة إلى الأملاح المختلفة في الصناعات الكيميائية. فقامت شركة بوتاس فلسطين عام 1929 بإنشاء معمل شمالي البحر الميت عام 1930. ثم الحقت به سنة 1934  فرعاً بنته جنوبي غرب البحر الميت في أسدوم. وقد تعطل المعمل الشمالي في أحداث 1948. وجميع الأرقام التي تشير إلى ما يستخرج من ثروات البحر الميت أرقام صغيرة جداً إذا ما قورنت بمخزون هذا البحر من الأملاح المعدنية التي تدخل في صلب الكثير من الصناعات الهامة. يضاف إلى ذلك أن بعض ما يفقده البحر من الأملاح يتحدد ويتعوض بما تحمله إليه المياه الصابة فيه. وتقدر كمية الثروة المعدنية بنحو 45 مليون طن من الأملاح يتوزع أهمها على الشكل التالي: 1)    كلوريد المغنزيوم 2)    كلوريد الصوديوم 3)    كلوريد الكالسيوم 4)    كلوريد البوتاسيوم 23.00 مليون طن 12.65 مليون طن 6.119 مليون طن 2.05 مليون طن وقد تأسست عام 1976 في الأردن شركة البوتاس العربية لاستخراج البوتاس وغيره من المواد مثل كلوريد المغنزيوم وكلوريد الصوديوم والكلورين والبرومين من الجزء الجنوبي الشرقي من البحر الميت، وقد بدأ الإنتاج عام 1981. يضاف إلى هذا بعض النشاط الزراعي المتواضع الذي يستفيد من المساحات الصغيرة المروية الصالحة للزراعة، ولا سيما في منطقة الأغوار الجنوبية على الساحل الشرقي جنوبي شبه جزيرة اللسان، وكذلك في سهل أريحا شمالي البحر الميت، وواحة عين جدي على الساحل الغربي. وتمتاز هذه الواجبات المتفوقة بزراعة البواكير وفواكه المناطق فوق المدارية.   المراجع: –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، بيروت 1965. –         الأب مرمرجي الدومنيكي: بلدائية فلسطين العربية، بيروت 1948. – – – -ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج1 وج3، بيروت 1955 و1975. – – – – – – – – – -الاصطخري: المسالك والممالك، القاهرة 1961. –          المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1877. – – – – -إبراهيم شريف: نهر الأردن ومشاريع الري، بغداد، 1962.  – هاردنغ لانكستر: آثار الأردن (مترجم)، عمان 1965. –         العهد الجديد: انجيل مرقس. –          العهد القديم: سفر نشيد الإنشاد، وسفر يشوع، وسفر التثنية، وسفر الملوك الأول. –         Blancknhorn, M.: Entstehung und Geschichte des toten Meeres, Zeitschr. Deutsch – Palaest. Vereins 1896. –         Blankenhorn, M.: Naturwissenschaft Studien am Toten Meer und in Jordantal, Berlin 1912.     –         Burrows.M.: The Dead Sea Scrolls, London 1956. – – – – – – – – -Garstang, J: The Story of Jericho, London 1940. -The Encyclopedia Americana, Vol. 8, 1976. – – -The Encyclopedia Britannica, Vol III, 1974. – -Lynch, W.F.: Official Report of the U.S. Expedition to Explore the Dead Sea and the River Jordan, Baltimore 1852. – -Quennell, A.M.: The Structural and Geomorphic Evolution of the Sea Rift, London 1959. – – -Willis, B.: Dead Sea Problem: Rift Valley or RampValley, 1928. البحر الميت ( أملاح -): رَ: المعادن.