الإقطاع

لا يمكن الإلمام بالجوانب المختلفة لموضوع الإقطاع في فلسطين دون العودة إلى نظام الملكية الذي كان سائداً أثناء الحكم العثماني لفلسطين (رَ: الأرض، ملكية) فقد كانت الدولة العثمانية تملك أراضي أميرية شاسعة، وكانت السلطة تقسم هذه الأراضي إلى قطاعات تدعى “تيمار”، وهي الأراضي التي تدريجياً يراوح بين عشرين ألفاً ومائة ألف درهم. وكانت تهبها لكبار رجال الدولة من مدنيين وعسكريين لقاء خدمات ماضية أو آتية. وقد ألغي نظام المقاطعات بعد تنظيم الجيش العثماني على أسس حديثة، غير أنه بقي في فلسطين مالكون ورثوا مساحات شاسعة من الأراضي. وظل هؤلاء المالكون يؤجرون أراضيهم لقاء مبلغ عيني من الحاصلات أو لقاء أجر نقدي معين. وعندما يقوم المزارعون بدفع التزاماتهم كافة فإنهم يتمتعون بكل الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها أصحاب الملكية الفردية بحيث يخلفهم وارثوهم في المزارعة. وقد سجلت هذه الأراضي بأسمائهم عند صدور قانون التمليك (الطابو) سنة 1257هـ/1841م. ويمكن تقسيم ملكية الأراضي الفردية في فلسطين إلى نوعين رئيسيين: 1) الأراضي المملوكة التي يتصرف بها صاحبها كيفما يشاء، ويتصرف بالمنقولات فيجوز له بيعها أو رهنها أو الإيصاء بها، كما أنه يستطيع توريثها ورثته الشرعيين. 2)  الأراضي الأميرية التي تعود إلى الحكومة غير أن أصحابها يملكون التصرف بها كاملاً من خلال زراعتها. وفي ظل هذين النوعين من الأراضي ظهر ثلاثة أنواع من المزارعين العرب في فلسطين. 1)  المزارع الذي يملك حصة مشاعة من الأراضي لا يحق له بيعها أو فرزها فرزاً نهائياً. 2)  المزارع الذي يستأجر بعض مساحات من الأرض من ملاكي المساحات الشاسعة من السكان. 3)  المزارع الذي يعمل في أرضه الخاصة التي يملكها ويتصرف بها تصرفاً كاملاً. وكان القانون الذي حدد حقوق الأملاك غير المنقولة في فلسطين أيام الانتداب البريطاني هو قانون الأراضي العثماني المستوحي من الشرع الإسلامي، كما كان معمولاً به عام 1914 مضافاً إليه عدد من القوانين والملاحق والتعديلات التي أدخلتها عليه حكومة الانتداب البريطاني. ويمكن تقسيم الأراضي الزراعية في فلسطين من حيث طريقة التصرف بها واستغلالها بشكل عام إلى الأنواع التالية: 1)  الأراضي الملك: ويتمتع صاحبها بمختلف حقوق التملك والتصرف بها كيفما يشاء. وكانت هذه الأراضي منذ القدم تقسم إلى قسمين: الأراضي “العشرية” التي تدفع العشر، أي عشر المحصول، والأراضي”الخراجية” التي تدفع الخراج. 2)  الأراضي الأميرية: يستوجب التصرف بهذه الأراضي موافقة الحكومة، على أن يعطي المتصرفون بها سندات تمليك (طابو) لقاء رسم يدفع مقدماً للحكومة. 3)  الأراضي المحلولة: عندما تنتهي حقوق المتصرف المعطاة له بسند تفويض تصبح الأراضي محلولة، ثم يحق للدولة أن تفوضها إلى شخص آخر. ويحق للدولة أن تسترد الأراضي إذا أهملت دون زرع ثلاث سنوات متتالية. 4)  الأراضي الخالية (الموات): وهي الأراضي التي تبعد عن أقصى العمران مسافة ميل ونصف، وليست ملكاً لأحد. وكان معظم هذه الأراضي في منطقة بئر السبع، وفي بعض المناطق الجبلية. 5)     الأراضي المتروكة: وتشمل الطرق والمراعي وباقي الأراضي التي ينتفع منها الناس بشكل جماعي. 6)  أملاك الدولة: هذه الأراضي خاضعة لمراقبة سلطات الانتداب البريطاني. وحسب القانون الذي كان سارياً في فلسطين يناط بالمندوب السامي جميع الحقوق في الأراضي العمومية أو الحقوق المتعلقة بها. وله ان يمارس تلك الحقوق بصفته ممثلاً لحكومة الانتداب. وتشمل هذه الأراضي كل ما له علاقة بالمعادن والمناجم سواء أكانت في البر أم البحر. لذلك يمكن القول إن اسم الأراضي العمومية يشمل جميع الأراضي التي تستثمرها الدولة بالطريقة التي تشاء دون مراقبة أو تشريع. وقد بلغت مساحة أراضي الدولة حسب القيود الرسمية قرابة 1.410.000 دونم. 7) أراضي الوقف: ينص القانون الذي كان معمولاً به في فترة الانتداب البريطاني على حظر وقف أرض ما في فلسطين إلا بوصية، وبشرط أن يكون “الواقف” قد حصل مسبقاً على إجازة خطية من حكومة الانتداب البريطاني. وقد عهد القانون إلى المحاكم الشرعية الإسلامية، وكذلك إلى المحاكم الدينية المسيحية والمحاكم الدينية اليهودية، بصلاحيات مماثلة. 8) أراضي المشاع: اعترف القانون المعمول به في فلسطين أثناء الاحتلال العثماني اعترافاً كاملاً بملكية الأملاك غير المنقولة (مثل الأراضي) من قبل شخصين أو أكثر. وليست هنالك معلومات وإحصاءات موثوقة عن مساحة الأراضي المشاع في فلسطين. هذه هي أهم أنواع الأراضي في فلسطين كما نص عليها القانون المعمول به في فترة الانتداب البريطاني (1917 – 1948). ويلاحظ في هذا الصدد تنوع الأراضي ووجود تعقيدات فيما يتعلق بالنصوص القانونية التي تنظم طريقة الامتلاك والاستثمار والتصرف لمختلف أنواع الأراضي في فلسطين. كما يلاحظ وجود ثغرات قانونية كثيرة مكنت السلطات والجهات الصهيونية فيما بعد من وضع يدها على مساحات كبيرة من الأراضي تحت ستار القانون. والسؤال الذي كان دوماً مثار التعليق والتأمل هو: مدى وجود إقطاع زراعي في فلسطين، وإمكانية مقارنته بالإقطاع الذي كان سائداً في مصر وسورية والعراق ولبنان. إن الإجابة على هذا التساؤل بشكل علمي دقيق يتطلب دراسة الجوانب المختلفة لقوانين التملك، وعلاقة المالك بالفلاحين، وغيرها من الأمور قبل إعطاء رأي نهائي في الموضوع. ولكن يمكن القول إن الإقطاع بالمعنى المتعارف عليه لم يكن موجوداً بشكل حاد في فلسطين كما هي الحال في كثير من البلدان العربية والآسيوية والإفريقية. ويقصد بالإقطاع في هذا السياق متوسط حجم الحيازات الزراعية وطريقة ونمط توزع الملكيات بين السكان لمعرفة وجود أو عدم وجود تفاوت كثير في الثروة المتاحة للسكان. والدراسات الاختبارية حول هذا الموضوع إما قليلة، وإما ناقصة، وإما غير موثوقة بالنسبة إلى المساحات الفعلية التي تصرفت بها مختلف فئات السكان في فلسطين. تعود أقدم المعلومات المتوفرة عن توزع الملكية في فلسطين إلى العام 1882م، وتدل المعلومات على أن متوسطي الملاك وصغارهم كانوا يملكون 25% من أراضي الجليل و50% من أراضي فلسطين الجنوبية. وإذا ما كانت هذه المعلومات صحيحة فإن ذلك يعني ازدياد ملكية كبار الملاك على حساب ملكية متوسطي الملاك. ويمكن القول إن السبب الرئيس لهذا التطور هو طبيعة القوانين العثمانية التي أباحت مصادرة الأراضي التي تبقى ثلاث سنوات متتالية دون زراعة، والتي أجبرت في الوقت نفسه الملاكين على تسجيل أراضيهم، بينما لم يقم عدد كبير من صغار الملاك بذلك لارتفاع رسوم التسجيل وتهرباً من دفع الضرائب*، مما أدى إلى سقوط حقهم في ملكية أراضيهم. وجاء في أحد التقارير التي نشرتها السلطات التركية في عام 1909 أن هنالك 16.910 عائلات في مناطق القدس ونابلس وعكا تعمل في الزراعة*، وأن هذه العائلات تملك ما مجموعه 785.000 دونم، أي بمعدل 46 دونماً للعائلة الواحدة. وجاء في التقرير نفسه أن 67% من عائلات منطقة القدس و63% من عائلات نابلس تملك أقل من 50 دونماً للعائلة الواحدة. وجرى زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين تقدير للملكية الزراعية تبين منه أن هناك 144 مالكاً يملكون 3.130.000 دونم، أي بمعدل 22.000 دونم للمالك الواحد، وأن 250 أسرة فلسطينية كانت تملك 4.143.000 دونم، بمعدل قدره 16.572 دونماً للأسرة، في حين يملك باقي الفلاحين مساحة مقاربة للمساحة التي تملكها هذه الأسر. وفي تقرير أعده جونسون كروسبي عام 1930 اتضح أن حوالي 66% من الفلاحين يملكون أراضي، و54% منهم لا تتجاوز ملكيتهم أربعة دونمات، وأن 4.29% من الفلاحين هم شركاء أو عمال زراعيون لا يملكون شيئاً. ويملك الأراضي التي يعملون بها ملاكون يسكنون خارج القرية. وجاء في تقرير جون هوب سمبسون حول وضع المزارعين في فلسطين أن الأراضي المشاع كانت تؤلف نحو 56% من مجموع أراضي القرى، وأن نسبة 44% الباقية كانت مفرزة (رَ: سمبسون، تقرير). وكان هذا الوضع سائداً في مطلع العشرينات، أما في مطلع الثلاثينات فقد انخفضت نسبة الأراضي المشاع إلى 54%، وارتفعت نسبة الأراضي المقررة إلى 46% وقدر التقرير عدد الأسر التي تعيش على الزراعة بنحو 61.408 أسرة تزرع ما مجموعه 5.644.000 دونم، بمعدل قدره 92 دونماً لكل منها. كانت الإحصاءات الزراعية عام 1941 تشير إلى أن 30% من الفلاحين لا يملكون أية أرض، وأن 50% من الفلاحين يملكون أراضي صغيرة لا تكفيهم. أما خبير الأراضي “غرانوت Grannot” فيؤكد أن الملكية الزراعية في فلسطين كانت تتركز في أيدي عدد قليل من الملاكين حتى إن 116 مالكاً كانوا يملكون 1.133.000 دونم، بمعدل قدره 9.750 دونماً للفرد الواحد، وأن 28 مالكاً في قطاع غزة ومنطقة بئر السبع كانوا يملكون 2.000.000 دونم، ويملك 11 منهم 1.000.000 دونم، ويراوح ملكية سبعة أفراد منهم ما بين 30.000 و100.000 دونم، في حين أن 16.910 أسرة من الفلاحين في مناطق نابلس وعكا والخليل يملكون فقط 785.000 دونم، بمعدل 46 دونماً للأسرة الواحدة. وتوضح هذه الأرقام أن هنالك تفاوتاً في حجم الحيازات الزراعية التي كانت سائدة في فلسطين خلال حكم الانتداب البريطاني والاحتلال العثماني قبله. ولعل أكثر الدراسات دقة حول حجم الإقطاع في فلسطين هي تلك التي قامت بها دائرة الأراضي والمساحة في حكومة الانتداب البريطاني، وكانت تلجأ إلى أسلوب “العينات” لدراسة هذا الموضوع. فقد قامت الدائرة المذكورة في عام 1936 بانتقاء عينة عشوائية من القرى في فلسطين بلغ عددها 322 قرية. وعدد سكانها 242.000 نسمة. وقد اتضح من دراسة هذه العينة أن الملكية الصغيرة تؤلف أغلبية الملكية، مع وجود فروق في حجم الملكية، فقد بلغ عدد المالكين في تلك القرى 71.789 مالكاً يملكون 3.252.753 دونماً، بمعدل 45.3 دونم للفرد. أما معدل توزيع الملكية فكان على النحو التالي: 150 مالكاً يملك الواحد منهم 1.000 دونم. 58 مالكاً يملك الواحد أكثر من 3.000 دونم. 20 مالكاً يملك الواحد أكثر من 4.000 دونم. 13 مالكاً يملك الواحد أكثر من 5.000 دونم. وتبين من الدراسة أن فئة الملاكين الكبار التي تضم 13 مالكاً تملك 624.435 دونماً، أي حوالي 19.2% من مجموع مساحة القرى المدروسة. أما صغار الملاكين والذين تبلغ نسبتهم 91.8% فإنهم لا يملكون سوى 36.7% من مجموع المساحة موضع الدراسة.