الإسلام

كان من الطبيعي أن تنداح هذه الرسالة في دوائر رويداً رويداً بدء من الجزيرة العربية، مروراً بالمناطق العربية المحيطة في بلاد الشام والعراق فلقد كانت بلاد الشام (ومنها فلسطين) موطن العرب قبل الفتح الإسلامي بـ (44) قرناً، إذ كانت موطن الكنعانيين الذين إليها من جزيرة العرب، وكان يقطنها عند الفتح الإسلامي قبائل عربية منها قضاعة، وجذام، والغساسنة، واللخميون. تحت السيادة الرومانية، فقد كانت فلسطين أشبه بمستعمرة رومانية، ولم تكن قطراً رومانياً في الأساس. وهكذا فإن المسيرة الإسلامية في تعاملها مع العمق العربي في محيط الجوار، في فلسطين وما حولها، لم تكن سوى حركة طبيعية تقتضيها طبائع الأمور. لقد جاء الفتح الإسلامي تحريراً للمنطقة العربية من قوى الاستعمار الروماني، ولم يكن في ذاته استعماراً كما حلا لبعض المؤرخين المعاصرين وصفه. لقد كان لفلسطين اعتبارها الخاص في المنظور الإسلامي، ويتمثل ذلك في أمور عدة أهمها: 1) إن فلسطين كانت مثوى سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو النبي الذي جاء الإسلام إحياء لملته ووارثاً له. قال تعالى: “قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً ؟؟؟؟؟؟ وما كان من المشركين”. 2) ثم إن فلسطين أرض الإسراء والمعراج بكل ما تحمله هذه الواقعة من دلالات عبرت عنها سورة الإسراء، إذ بينت أهمية المسجد الأقصى، ورسمت للمسلمين صورة الصراع القادم بخصوصه بينهم وبين اليهود، ذلك من قبل أن يكون هنالك مسجد فعلاً، ومن قبل أن تدخل بيت المقدس تحت السيادة الإسلامية. وكان المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى فترة من الزمن، ولم يكن تحويل القبلة إلى الكعبة تهويناً من شأنه كما حاول بعض الكتاب اليهود تصوير ذلك، كما قلنا – إحياء لملة إبراهيم، وكانت قبلته الكعبة الشريفة. أما فلسطين فكانت موطنه ومثواه، ونحن في ذلك على الأثر. ومن هنا حث الرسول صلى الله عليه وسلم على زيارة المسجد الأقصى، والاعتكاف فيه، ووضعه على قدم المساواة في الاهتمام مع الحرمين الشريفين. قال صلى الله عليه وسلم: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى”. وقد أعلى الرسول صلى الله عليه وسلم من شأن المرابطين في بيت المقدس و ما حولها، ومنحهم تقديراً خاصاً في صبرهم على ما يصيبهم من نكبات (لأواء)، وتمسكهم بحقهم. قال صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”. بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أقطع بعض أراضي فلسطين لبعض خواصه من الصحابة، فعندما أسلم تميم الداري سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهب له منطقة بيت لحم والخليل، فوهبه إياها وكتب له بذلك كتاباً. فلما استخلف عمر وظهر على الشام جاء تميم الداري بالكتاب، فقال عمر: أنا شاهد ذلك فأعطاها إياه ولم تزل هذه المناطق وطناً لذريته من بعده من آل التميمي حتى اليوم. أرسل أبو بكر رضي الله عنه جيوشه إلى الشام، فكان عمرو بن العاص إلى فلسطين، وشرحبيل بن حسنة إلى الأردن، ويزيد بن أبي سفيان إلى دمشق. وكانوا إذا اجتمع لهم العدو اجتمعوا عليه، وإذا احتاج أحدهم إلى معاضدة صاحبه سارع إلى ذلك. وعندما شخص عمرو إلى أرض فلسطين كتب إلى أبي بكر يعلمه بكثرة العدو، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد أن يتحرك من العراق لنجدة عمرو في فلسطين. وقد  حدثت معارك محدودة في وادي عربة وقرية دائن بقرب غزة. أما المعركة الكبرى فكانت في أجنادين سنة 13هـ (634م)، والواقعة إلى الغرب من مدينة الخليل، وإلى الشمال من بيت جبرين. وقد انتصر فيها المسلمون انتصاراً ساحقاً مهد الطريق لضعضعة القوات الرومانية في بلاد الشام. وقد تتابع بعد ذلك فتح المدن الفلسطينية، ففتح شرحبيل بيسان* وطبرية* صلحاً. وفتح علقمة بن مجزر غزة* عنوة، وفتح عمرو سبسطية* ونابلس*، واللد*، والرملة*، ويبنى*، وعمواس* وبيت جبرين* وفتح معاوية بن أبي سفيان وأخوه يزيد قيسارية (بين حيفا*ويافا*) سنة 24هـ. كما فتح يافا (وقيل فتحها عمرو)، وفتح عمرو رفح*. كما أعاد فتح أجنادين بعد استيلاء الرومان عليها إبان انشغال المسلمين بتحرير المحور الشمالي من بلاد الشام. وكان فيها القائد الروماني المحنك المسمى (الأرطبون) الذي فر إلى القدس*. أما فتح بيت المقدس فقد تم في عهد عمر رضي الله عنه، وكان قائد الجيوش أبو عبيدة عامر بن الجراح بعد عزل خالد بن الوليد، وبعد حصار للمدينة قدر أهلها أن اللجوء إلى الحرب كما أراد الأرطبون لا يأتي بثمرة مرجوة، ولهذا انسحب الأرطبون من المدينة وطلب البطريرك صفرونيوس أن يتم تسليمها إلى أمير المؤمنين، فكتب أبو عبيدة إلى عمر أن يقدم، فجاء (ر: إيلياء، عهد) ر: العهدة العمرية وكتب لأهلها كتاب أمان. (ر: إيلياء، عهد) (ر: العهدة العمري). لقد كان لسياسة التسامح هذه أثرها في وقوف أهالي البلاد المفتوحة مع الجيش المسلم في حمص، وفي غور الأردن، فعندما بلغ المسلمين نبأ جموع هرقل باتجاه حمص قرروا الانسحاب منها ورد الجزية، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل من المدينة مع عاملكم. ونهض اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن من النصارى واليهود. كذلك أثمرت هذه السياسة في إقبال الناس على الإسلام، فبعد أن كان المسيحيون يشكلون الأغلبية طوال القرون الثلاثة التي أعقبت الفتح، وجدنا أن كثيراً من القبائل العربية القديمة في الشام قد أعلنت إسلامها، مثل بني كلاب، وبني جذام، وبني عاملة، ولقد رأينا أن عدد المسلمين في مدينة القدس مثلاً، في منتصف القرن الخامس الهجري، قبيل الغزو الصليبي، يبلغ حوالي ثمانين ألفاً من أصل مائة ألف من سكانها ومما أسهم في هذا التحول توافد أعداد كبيرة من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى هذه المناطق، فضلاً عن هجرة عدد من القبائل العربية، إلى فلسطين لملء الفراغ الذي تركه رحيل الرومان عن المنطقة. ومن الصحابة الأوائل  الذين وفدوا إلى فلسطين عبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء. ومن التابعين وتابعيهم: أوس بن عامر القرني، ويعلى بن شداد، وقبيصة بن دويب، وعبد الله بن فيروز الديلمي، إلى قوافل كثيرة منها ما استقر في فلسطين، ومنها ما اقتصر على زيارة الأقصى والتدريس في مدارس فلسطين المشهورة. لقد كانت فلسطين عبر تاريخها الإسلامي مركز إشعاع في مختلف العلوم الشرعية، ونبغ منها علماء كبار احتضنتهم الأقطار العربية المجاورة، منهم الإمام الشافعي، وابن حجر العسقلاني، والرملي صاحب كتاب (نهاية المحتاج)، والطبراني المحدث، وابن قدامة من علماء الحنابلة. ويكفي دلالة على انتشار الحركة العلمية أن مجير الدين الحنبلي أورد أسماء (437) عالماً عملوا في بيت المقدس في الحقبة الأيوبية المملوكية (583-922هـ) (1187-1516م). وكان هنالك عدد كبير من المدارس التي يعمرها الفقهاء، والمحدثون، ورجال التفسير من أمثال الصلاحية والفاضلية والناصرية والطولونية والخاتونية. أما بالنسبة للتقسيمات الإدارية لفلسطين، فقد قسّمها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى جندين، والجند عبارة عن منطقة إدارية في كل منها جيش له ديوان منفرد عن باقي الولايات، واستعمل على الجند الأول علقمة بن مجزر وجعل مقره إيلياء (بيت المقدس) وعلى الثاني علقمة بن حكيم، وجعل مقره الرملة. ولكن هذا التقسيم لم يراع في الأحقاب الزمنية اللاحقة، فقد رأينا أن هذا الإقليم لم يعامل في إبان الخلافة العثمانية على أنه وحدة إدارية قائمة بذاتها، بل قسم إلى مناطق خضعت أحياناً لأقاليم خارج فلسطين. وقد خضع جنوب فلسطين منذ عام 1874م إلى الباب العالي، تحت اسم متصرفية القدس. وكانت القدس تعامل على أنها عاصمة فلسطين، فمن على منبر المسجد الأقصى أعلن معاوية خلافته وتمت مبايعته. وفيها بويع عبد الملك بن مروان بالخلافة أيضاً، وظل الولاة يقيمون فيها إلى أن انتقلوا إلى مدينة الرملة فيما بعد أيام سليمان بن عبد الملك. وفي العهد الأموي، وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، تم بناء الصخرة والمسجد الأقصى. لقد بقيت فلسطين منذ الفتح الإسلامي بلداً إسلامياً سنياً، فيما عدا فترات قصيرة تولى فيها الفاطميون الحكم بعد أن تغلبوا على بني العباس، واحتلوا مصر سنة 358 ثم مدوا نفوذهم إلى الشام واستولوا على بيت المقدس سنة 489هـ وفي أيام المستعلي بأمر الله الفاطمي، دخل الصليبيون بيت المقدس وذلك عام 492هـ (1099م)، واستمر حكمهم لها حتى 583هـ (1187)، وذلك بعد أن قام صلاح الدين الأيوبي بتدميرهم في موقعة حطين. كانت موقعة حطين قرب طبرية مقدمة لتحرير الأراضي الفلسطينية والشامية من الصليبيين الذين اقترفوا مجازر رهيبة لدى احتلالهم القدس، إذ قتلوا من المسلمين زهاء سبعين ألفاً غير ما قتلوه من اليهود. تقدمت قوات صلاح الدين* الظافرة بعد حطين ففتحت عكا*، والناصرة*، وقيسارية*، ونابلس*، وعسقلان*، وغزة، والرملة*، ثم توجه صوب القدس، فدخلها في 27 رجب عام 583هـ، وقد وافق ذلك ذكرى الإسراء والمعراج المجيدة. لم يعاقب صلاح الدين الصليبيين على فعلتهم النكرة بمثل ما فعلوا، فها هو يسمح لهم بالخروج إلى بلادهم، ووقعت المسامحة في كثير منهم، وشفع في أناس كثيرين فعفا عنهم، وليكون الفتح الصلاحي كالفتح العمري أنموذجاً حياً للخلق الإسلامي في الحرب والسلام. لم تقبل أوروبا بهزيمتها في الحروب الصليبية التي انتهت عام 1291م  فها هي تعود إلى المنطقة في أواخر عهد الدولة العثمانية “الرجل المريض”، ضمن حملتها الاستعمارية، لتسقط دولة الخلافة أولاً، ثم لتبدأ بترتيب المنطقة بما يحقق أهدافها، فراحت تنسق مع الدوائر الصهيونية لإقامة دولة اليهود في فلسطين، وهم الذين طاردوا اليهود قبل الإسلام وبعده، فكان وعد بلفور عام 1917م خطوة متقدمة لتنفيذ مخططاتهم. وبدأ ترتيب الأوضاع في فلسطين تحت الإنتداب البريطاني لاستقبال أفواج اليهود المهاجرين، حتى تم لهم إعلان دولتهم عام 1948م، وما زال حبل الهجرة ممتداً. ومن الجدير بالذكر أن عدد اليهود لم يكن يزيد على (50) ألف يهودي عام 1918م أي ما نسبته 7.2% من مجموع سكان فلسطين، فاذا به يقفز عام 1948م إلى (750) ألفاً أي ما نسبته 31.48%. وكان من الطبيعي أن يقابل الهجرة اليهودية إلى فلسطين بعد إنشاء دولتهم تهجير للأهالي الأصليين، فطردت القوات الصهيونية حوالي (850) ألف فلسطيني حتى عام 1948م كانوا يشكلون آنذاك حوالي 50% من مجموع الشعب الفلسطيني. وتعززت الهجرة كذلك بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م، ويظهر من تقرير المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لعام 1999م، أن عدد اللاجئين الفلسطينيين بلغ (3.625.502) في العام المذكور وما زال الشعب الفلسطيني ينتظر الخلاص لتعود فلسطين بلداً إسلامياً كما كانت، وكما ينبغي لها أن تكون. المراجع: –         أبو عبيد القاسم بن السلام: كتاب الأحوال. –         البلاذري: فتوح البلدان. –         بيان نويهض الحوت: القدس هي القضية، المستقبل العربي، العدد 253، آذار 2000. –         خليل عتامنة: فلسطين في خمسة قرون من الفتح الإسلامي حتى الغزو الفرنجي. –         زياد المدني: مدينة القدس وجوارها. –         الطبري: تاريخ الطبري، 449/2. –         ظفر الإسلام خان: تاريخ فلسطين القديم. –         مجير الدين الحنبلي: الانس الجليل. –         محمد سلامة النحال: سياسة الانتداب البريطاني في أراضي فلسطين العربية. –         نبيل محمود السهلي: تقرير الأونروا لعام 1999.