الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية

استطاعت (إسرائيل) منذ نشأتها أن تبني لنفسها نظرية عسكرية خاصة بها طبقتها في التخطيط الإستراتيجي العسكري وفي خطط العمليات الحربية. ومن المعروف أن القدرة العسكرية لأية دولة تقوم على حسن تنظيم وتشغيل واستغلال مجموعة من العناصر أهمها: الموقع الجغرافي، والقوى البشرية، والموارد الطبيعية والاقتصادية، والعلاقات الدولية، والروح المعنوية، والفكر التنظيمي وسلبيات الخصم.         وبالرغم من ضعف بعض هذه العناصر في (إسرائيل)، استطاعت القيادة العسكرية فيها أن تستغل الإمكانات المتاحة لها بشكل يخدم أهدافها. ومما ساعدها على ذلك أيضاً وجود بعض الثغرات في الجانب العربي عملت (إسرائيل) على استغلالها والاستفادة منها.         وتتصف الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بأنها ثابتة في جوهرها، صهيونية بطبيعتها، عدوانية بوسائلها، استعمارية توسعية في غاياتها. لذا فإن ما يطرأ عليها من تغييرات لا يعدو أن يكون تطويراً في الأسلوب يحقق لها القدرة على مواجهة مطالب مرحلة من المراحل. تستند (إسرائيل) في تخطيط استراتيجيتها على عدة معطيات تعتبرها وقائع أولية خاصة بها. وأهم هذه المعطيات: الوضع الجغرافي العسكري، وقلة سكانها بالنسبة إلى العرب، وعدم القدرة على تحمل حرب طويلة الأمد، وخطر الهزيمة على كيانها، وضرورة ربح معركة بعد معركة، وانعدام حرية المناورة لديها، والاعتماد على القوى الإمبريالية والاستعمارية.         وتتميز الاستراتيجية الإسرائيلية بأنها حددت أغراضها بدقة، ورسمت الطرائق والأساليب التي توصلها إلى تلك الأغراض، وعينت مراحل تحقيقها وفق الظروف المتاحة، وأهم هذه الأغراض. 1) الغاية القومية: فهي الهدف الأسمى الذي تسعى الدولة ومؤسساتها لبلوغه. وتشكل الغاية القومية لدى (إسرائيل) عنصراً ديناميكياً متحركاً متطوراً تتوالد فيه الأهداف بعضها من بعض، الواحد تلو الآخر. وكلما تحقق هدف ظهر آخر يتلوه. 2) تأكيد الوجود الإسرائيلي، وتثبيت دعائمه، وتحقيق أمنه وسلامته. 3) فرض السلام الإسرائيلي على المنطقة العربية. 4) حماية القاعدة الاقتصادية البشرية في الكيان الصهيوني. 5) الاحتلال والتوسع الجغرافي للوصول إلى (إسرائيل) الكبرى. 6) توسيع مجال المناورة، ونقل الحرب إلى أرض الخصم. 7) منع العرب من القتال بردعهم عنه أو شل قواهم بحرب وقائية أو ضربة استباقة. 8) منع ظهور المقاومة المسلحة وحرب التحرير الشعبية. 9) جعل ميزان القوى يميل دائماً إلى صالح (إسرائيل).         وبما أن (إسرائيل) ولدت نتيجة الغزو والاستيطان الاستعماري فإن “إرادة البقاء” هي التي تسيطر على جميع معطيات الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية وأغراضها وأسسها ومفاهيمها. وتتولد عن هذه الإرادة ثلاثة مفاهيم أساسية توجه الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية وترسم لها سبل العمل وطرائق التنفيذ. وهذه المفاهيم هي: 1) الأمن: فمشكلة (إسرائيل) الأولى هي “أن تكون أو لا تكون”. ومن هنا غدت هذه المشكلة محور تفكيرها وسلوكها. ومن هنا أيضاً نشأت تلك الثنائية التي يتصف بها مفهوم الأمن. فهو حركي – عدواني في آن معاً لأنه يجد مجاله الحيوي خارج (إسرائيل). 2) العنف: وهو وليد طبيعة الحركة الصهيونية ومبادئها، إذ أن حماية كيان قام على الغزو والعدوان لا بد أن تخلق عقلية تعتنق مبادىء العنف والقتل والإبادة. 3) حتمية الحرب: وهو مفهوم ينبثق من طبيعة إنشاء (إسرائيل). ولذا كان تاريخ هذا الكيان، وسيبقى، سلسلة متواصلة من الحروب العدوانية والاعتداءات والمعارك. وبذلك تصبح الحرب سلوكاً حتمياً يفرض نفسه على (إسرائيل) التي تؤمن. بالفكر والتطبيق، بأن السياسة هي امتداد للحرب على عكس المقولة المعروفة بأن الحرب هي امتداد للسياسة وأداة لها. وقد قال بن غوريون بعد العدوان الثلاثي على مصر 1956: “لقد أثبتنا قوتنا في عمليات سيناء. أما الآن فيجب أن نبرهن للعالم أننا على حق”.         استخدمت (إسرائيل) في تطبيق استراتيجيتها العسكرية مبدأ الهجوم استخداماً واسعاً. فالهجوم هو الصورة المثلى للحرب الناجحة في المذهب العسكري الإسرائيلي. وجوهر الهجوم عنصران هما المبادأة والعمل التعرضي، فعليهما ترتكز نظرية الحرب الوقائية، والهجوم الاستباقي، والردع، والضربة الأولى، والحرب الخاطفة، وغير ذلك من أشكال الأعمال الهجومية.         وكان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 (رَ:حرب 1956) تجربة خرجت منها(إسرائيل) بدرس هام فحواه أن القوة العسكرية الإسرائيلية ليست بقادرة على غلبة القوة العسكرية العربية التي تواجهها إلا إذا تحققت لها عدة شروط لا غنى عنها، منها الشرطان الهامان التاليان: 1)  تطبيق نظرية “الهجوم غير المباشر” استراتيجياً وتكتيكياً وتمثل هذه النظرية منهجاً عاماً للأعمال الهجومية التي تعتمد على تجنب الهجوم الجبهي على الخصم، وعلى الاقتراب منه من الاتجاه الذي لا يتوقعه، وبالأسلوب الذي لم يأخذه في حسابه. ومن هنا جاء تركيز المذهب العسكري الإسرائيلي على عمليات التسلل، والمباغتة، والتوغل العميق، وتجنب المواجهة المباشرة في القتال، والالتفاف، والسرعة في الضرب والحركة، والترهيب، والتأثير على الروح المعنوية لدى الخصم، وغير ذلك من المظاهر والأساليب المرتبطة بنظرية “الهجوم غير المباشر”. 2) تطبيق فكرة “الهجوم الإجهاضي الاستباقي” بحيث يقوم الجيش بعملية هجومية شاملة أو محدودة يتم فيها إجهاض خطة الخصم، وإحباط نيته في الهجوم، وأخذه على حين غرة، وتعطيل ردود الفعل المعادلة للفعل أو المتفوقة عليه، وبث الفوضي والرعب في صفوفه، وجعل جميع التدابير والردود والاستعدادات والتدخلات الداخلية والخارجية متأخرة، وفي غير وقتها المناسب.         تبنت (إسرائيل) في استراتيجيتها “الهجوم الإجهاضي الاستباقي”، أو ما تسميه “الحرب الوقائية”. ويثبت تاريخ (إسرائيل) أنها كانت تلجأ إلى هذا النوع من الحرب كلما اختل توازن القوى بينها وبين الدول العربية المحيطة بها، (مثل قيام وحدة عربية، أو توحيد جيوش عربية، أو تسلح حديث واسع لدى هذه الجيوش، أو امتداد المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة أو خارجها، أو إحكام الحصار الاقتصادي، وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى إحداث ذلك الخلل). وقد وجد المذهب العسكري الإسرائيلي في نظرية الهجوم غير المباشر أسلوباً جديداً، وبخاصة أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الهجوم غير المباشر والهجوم الإجهاضي الاستباقي؛ فجوهر نظرية الهجوم غير المباشر أن النصر يمكن أن يتحقق بصورة أفضل وأسرع مما يحققه الهجوم المباشر بسبب الانهيار المعنوي الذي يحدثه في الخصم. في حين يسعى الهجوم المباشر لإحداث دمار مادي قد ينعكس فيما بعد على الروح المعنوية للخصم. ولا يمكن أن يحدث الانهيار المعنوي إلا بالمفاجأة، والمناورة السريعة، والحسم الواضح. وهي عناصر ثلاثة تمثل جوهر الهجوم الإجهاضي الاستباقي. ويمكن اعتبار حربي 1956 و1967* مثلين على ذلك.         وقد لجأت (إسرائيل) دائماً في الحروب التي شنتها إلى أسلوب استفراد الجبهات العربية، الواحدة تلو الأخرى، مستخدمة في ذلك المناورة السريعة والضربة القوية الحاسمة. ويعتبر أسلوب الاستفراد من أنجع الأساليب التي استعملتها (إسرائيل) في استراتيجية الهجوم غير المباشر. ففي عدوان 1967 بدأت هجوماً كاسحاً وخاطفاً على القوات المصرية في سيناء، ثم انتقلت بقواتها إلى الجهة الأردنية. وبعد أن احتلت الضفة الغربية بسرعة خاطفة هاجمت الجولان بمعركة قصيرة واحتلته. وبذلك طبقت أسس استراتيجيتها العسكرية في الهجوم غير المباشر.   المراجع: –         مجموعة من الكتاب: المعركة بين العرب وإسرائيل، القاهرة 1967. –         انجيلينا الحلو: عوامل تكوين إسرائيل السياسية العسكرية والاقتصادية، بيروت 1967. –         محمد فاروق الهيثمي: في الاستراتيجية الإسرائيلية، بيروت 1968. –         مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية: العسكرية الصهيونية، القاهرة 1972. –         المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن (بالإنكليزية): المنشورات الدولية للمعهد. –         هيثم كيلاني: المذهب العسكري الإسرائيلي، بيروت 1969.