الأمثال الشعبية

يعرف المثل الشعبي بأنه “تجربة إنسانية في لفظ وجيز ومعنى شامل، قيل في مناسبة ما، وينسحب على تجارب مماثلة” فحينما أطلق المثل: “لو يافا* بتخاف الموج  ما سكنت على شط البحر”، لأول مرة كان يصدر عن معنى الصمود، ثم صار هذا المعنى المختصر المعبر مجالاً للتمثل في كل تجربة مماثلة. ويطلق على الحالة الأولى مورد المثل وعلى الثانية مضرب المثل. وتعبر الأمثال الشعبية عن عبقرية الشعب، في اقتناص هذه الأمثال من التجارب الشخصية، وصياغتها صياغة مركزة موجزة، تعبر عن الواقعية، تعبيراً جيداً، فتبقى في الذهن إلى الأبد. وتمتاز الأمثال من بين فروع الأدب الشعبي، كالأغنية والحكاية والأسطورة واللغز، بعدة خصائص: 1- الإيجاز. ففي عدد قليل جداً من المفردات، التي يرتبط بعضها ببعض بنظام تأليفي معين، يرسم المثل إيحاءات كثيرة من المعاني والإرشادات، وذلك كقولهم: “النطق سعد” وقولهم “السعد وعد”. 2- إصابة المعنى. وفي المثل ما يدل على الفكرة الصائبة والرأي السديد، فقولهم: “إن غابت الخيل عد أرسانها” أي إذا اختلط عليك عدد الخيل المنطلقة في السباق فارجع إلى أمكنتها في الحظيرة. 3- حسن التشبيه. فقولهم “النوم سلطان” يدل على أن النوم يسيطر على النائم بشكل كامل، وقولهم “المعروف صيد” أي أن الخير يقتنص اقتناصاً. 4- جودة الكناية. والكناية، في مصطلحات البلاغة، “لفظ أطلق وأريد به ما يلازم معناه” وهي في المثل الشعبي ذات دلالة دقيقة على ما يراد منها فقولهم “القرد في عين أمه غزال” حكم على الأمومة واضح البعد والدلالة. وقولهم “(مراية) مرآة الحب عميا” كناية عن الهوى. الذيوع والانتشار. وحري بالتركيب الذي يشتمل على الخصائص السابقة أن يذيع في الناي، فهو يجمع أطراف الفهم والإفهام إلى اختصار المعنى ودلالته الدقيقة. وحسبك بالانتشار المثل قولهم: “أسير من مثل”. يلاحظ أحد الباحثين العالميين المعاصرين في المآثورات الشعبية (الفولكور) أن الأمثال الشعبية ذات طبيعة تعليمية إرشادية. يلاحظ باحث آخر، في الأمثال بوجه عام أنها تحاول أن تبني في الأمة أخلاقاً ينصح أن يتحلى بها الأفراد: كحفظ اللسان والصبر والقناعة والشجاعة والفروسية والعزة والمنعة. كما تحاول أن تبني فيه أخلاقاً اجتماعية كالكرم والوفاء والحلم والمروءة والدفاع عن المحرمات. ومجمل هذه الأخلاق، على الحالين، هي ما عليه الناس، منذ أن كانوا، يحملون معاني المجتمع العربي العريق. ومع هذا كله فالناظر في مجمل الأمثال الشعبية السائرة على ألسنة الناس في فلسطين والأردن، في هذه الأيام، يقع على قدر ليس بالقليل مما يدعو إلى التخاذل، والقبول بالأمر الواقع، وبضغوطه السياسية والاجتماعية. وذلك مثل قولهم: “حط راسك مع الروس وقول يا قطاع الروس”، و”الموت مع الجماعة رحمة”، و”الدنيا مع الواقف”، و”الكف ما بلاطم المخرز”، و”اللي ما بيجي معك تعال معه”. وربما عملت بعض عهود القهر والحكم الأجنبي على إيجاد هذه الأمثال الإنهزامية، حتى أن بعض الباحثين قد اعتبرها خصائص الأمثال في تلك البلدان، مع أنها لا تحمل صفة الدوام والثبات. بدليل أن لدينا في فلسطين والأردن أمثالاً شعبية تدعو إلى الضد مما تدعو إليه، تدعو إلى الصمود والعزة والمنعة. فقد أثبت أطفال الحجارة أن الكف يمكن أن يلاطم المخرز، وأنت تسمع الناس في الانتفاضة* وفي غيرها يقولون: “لا يفل الحديد إلا الحديد”، و”ما يجيب الرطل إلا الرطلين”، و”يا فرعون مين فرعنك؟ قال: من قلة حدا يقرعك”، و”يا ظالم لك يوم”، و”ما يضيع حق وراه مطالب”، و”ما حك جلدك مثل ظفرك”. ويلاحظ في الأشكال النحوية التي تصاغ عليها الأمثال الشعبية البساطة في التركيب والاختصار في الكلمات للتعبير عن الكثير من المدلولات، دون أدوات وصل أو أوصاف مطنبة. فقد يقع المثل في جملة واحدة: “الغلط مردود”، أو في جملتين: “صبرك على حالك، ولا صبر الناس عليك”، أو في ثلاث: “إن قوست (صنعت قوس قزح في أيام الشتاء) عصرية دور لك على مغارة دفية، وإن قوست صبحية إحمل عصاة الرعية”. وقد يرد المثل على صيغة الحوار مثل “قالوا: بتعرفه؟ قال: بعرفه. قالوا: جربته؟ قال: لا. قال: لا فيك ولا في عرفك”. ولا بد من مراعاة التوقيع الموسيقي في جمل الأمثال: “في آب إقطع القطف لا تهاب”، فالنغم الموقع ضروري في صياغة الأمثال كالقافية في الشعر، وهو مما يسهل حفظه وسيرورته. المراجع: –         اكسندر هجراتي كراب: علم الفلكلور، ترجمة رشدي صالح. –   حسين جمعة: مقالة الأشكال الفنية في الأمثال، مترجمة عن الروسية، مجلة الفنون الشعبية، عمان، العدد السابع، آب 1985، ص 59. –         نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار نهضة مصر، القاهرة. –         عايد محمد عودة أبو فروة: الأمثال الشعبية الفلسطينية، ط1، 1995. –         عبد المجيد قطامش: الأمثال العربية، دراسة تاريخية تحليلية، دار الفكر، دمشق، ط1، 1988. –         عبد الوهاب رشيد صالح أبو صفية: جولة في الريف الفلسطيني مع الأمثال الشعبية، ط1، 1987. –         محمد إبراهيم أبو سنة: فلسفة المثل الشعبي، دار الكاتب العربي، سلسلة المكتبة الثقافية، 1993، القاهرة. –   مجلة التراث الشعبي العراقية: العدد الخامس، السنة الثامنة، 1977 (عدد خاص بالتراث الشعبي الفلسطيني). والعدد الثالث، الرابع، السنة الثلاثون، 1999 (عدد خاص بالأمثال الشعبية).