الأسوار

كانت مدن فلسطين، كسائر المدن القديمة، محصنة بأسوار متينة. ومعظم هذه الأسوار دمرها الإهمال والحروب وعوادي الزمن. لكن بعضها ظل قائماً صامداً رغم الأحداث والكوارث. ويدل التاريخ على أن الأسوار كانت تحيط بالقدس* وطبرية* وقيصرية واللد* ونابلس* وسبسطية* وعسقلان وغزة*. كما أن جميع المدن التي بنيت بين الألف الثالث قبل الميلاد والعهد الروماني كانت محصنة بالأسوار. وقد عثر على آثار بعضها أثناء الحفريات التي أجريت منذ أكثر من ستين عاماً. من هذه المدن “لاخيش” التي تدعى اليوم تل الدوير*، و”بيت شمش” واسمها الحالي عين شمس، و”جيزر” أو تل الجزر* الآن، و”تعنّك” التي تعرف اليوم بتل تعنك، و”مجدو”* وهي تل المتسلم حالياً، وأريحا* القديمة، واسمها تل السلطان، و”شروحن” التي تدعى اليوم تل الفارعة، و”مزفا” وهي تل النصبة، و”دبير” أو تل بيت مرسيم حالياً، و”حاصور”* و”عاي”* وتدعى الأولى اليوم تل القاضي، والثانية التل. وكانت أريحا وعاي من المدن الأولى ذوات الأسوار إذ أقيم السور حول كل من المدينتين في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. وقد بني من اللبن والطوب غير المشوي فوق أسس من حجارة الحقول على مرحلتين: فبني سور قائم في المرحلة الأولى، ثم زيد عليه في المرحلة الثانية حائطان مائلان من الداخل والخارج حتى يدعما القسم القائم من جهة، ويمنعا تقدم الأعداء ونقب السور من أسفله من جهة ثانية. ظل بناء الأسوار يجري على هذا الأسلوب قرابة خمسمائة سنة. ثم تغير الوضع سنة 2600 ق.م. تقريباً، وأقيمت الأسوار الحجرية، وجعلت قائمة من الداخل مائلة من الخارج. واستمر البناء على هذا النمط سنة 2300 ق.م. حينما داهم العموريون* المدن الفلسطينية ودمروها شر تدمير. وعندما عادت الحضارة إلى فلسطين بعد مضي أربعمائة سنة من الدمار والفوضى، بنيت مدن جديدة على أنقاض المدن السابقة. وقد حصنت هذه المدن جميعها بأسوار منيعة من الحجارة الضخمة التي وصفها المؤرخون اليونانيون بالحجارة ” الكيكلوبية” لضخامة حجمها. وكانت هذه الأسوار عائلة من الخارج قائمة من الداخل. وقد يكون القسم العلوي منها مبنياً باللبن. وقد زودت هذه الأسوار، على عكس سابقاتها، بأبراج كثيرة. وكان للسور باب واحد فقط مكون من مدخل تحصنه أربع غرف للحراسة، غرفتان في كل جانب. وهذا المدخل مزود بثلاثة أبواب متتالية لإعاقة المهاجمين. وقد عثر على مثل هذا النوع من الأسوار في “شكيم” التي هي اليوم بلاطة* قرب نابلس، وفي أريحا، ومجدو وأماكن أخرى. وظلت المدن الفلسطينية تعتمد هذا الأسلوب في تحصين أسوارها مدة تزيد على سبعمائة سنة. وتعرضت فلسطين في القرون الرابع عشر والثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد إلى غزوات كثيرة انقضت كثيرة عليها من الشرق من قبل أقوام تسميهم النصوص المصرية “الخبيرو”. ومما لا شك فيه أن بعض القبائل الإسرائيلية كانت بين هؤلاء الأقوام. وقد تمكن هؤلاء من السيطرة على القرى غير المحصنة، لكن المدن المحصنة تمكنت من صد الهجمات. وبعد قرنين ونيف، أي في أوائل الألف الأول، تمكن الغزاة الإسرائيليون، بعد نزاع عنيف مع الفلسطينيين من جهة، والكنعانيين من جهة أخرى، تمكنوا من احتلال المدن المحصنة على البلاد. وكان الإسرائيليون عندما استوطنوا فلسطين غير متحضرين، ولم يكن في وسعهم بناء أو ترميم الأسوار التي تهدمت بالحروب أو بسبب الإهمال. لذلك التجأ ملوكهم إلى الفينيقيين* في صور لتزويدهم بالمهندسين والبنائين، وأقاموا الأسوار حول القدس والسامرة (سبسطية حالياً) وغيرهما. وكانت تبنى بحجارة نحتت أطرافها نحتاً ناعماً في حين ظلت واجهاتها خشنة. وطرأ بعض التغيير على أسلوب بناء الأسوار كما هي الحال في سبسطية ومدينة مجدو، فقد بنيت قائمة من دون حيطان الدعم المائلة. لكنها ظلت كما كانت مزودة بأبراج كثيرة. أما المدخل المحصن فقد جعلت فيه غرفتان، واحدة من كل جانب بدلاً من الغرف التي كانت، في الألف الثاني، أربع غرف. وفي مزفا (تل النصبة) لا يلتقي طرفا السور ليشكلا دائرة مغلقة، بل ينحرف الطرف عن الآخر. ويتباعدان حيث أقيم المدخل بينهما. ولما جاء الاسكندر دخلت آثار الحضارة الهلنستية إلى فلسطين، وأضحت المدن تنقل أنماط بناء أسوارها عن الأنماط اليونانية. فبدلاً من الشكل الدائري أصبحت مربعة أو مخمسة. وقد عثر على هذا النمط في مدينة هلنستية أقيمت قرب بيت جبرين* في موقع يدعى “صند حنا”. فلسور المدينة المربع أبواب أربعة لأن المدينة تضم شارعين رئيسين يتقاطعان متعامدين في وسط المدينة، وقد أقيم باب عند كل طرف من أطراف هذه الشوارع. ولم يعثر على أي برج في هذا السور، سواء في الزوايا أو في الأطراف. على عكس سور مدينة سبسطية المزود بأبراج مستديرة. وقد سار الرومان في بناء تحصيناتهم على نمط الاسكندر فأقاموا الأسوار المربعة حول المدن التي أنشأوها في فلسطين واختطوا فيها شارعين رئيسيين. ووجدت آثار أسوارهم في عسقلان وغزة وقيصرية، وأبرزها سور القدس. وتتميز الأسوار الرومانية بضخامة حجارتها التي يصل طول بعضها إلى 14م. ولا تزال الآثار الرومانية في سور القدس تظهر تحت ما زاده عليها الصليبيون والعثمانيون. وكانت أبواب الأسوار الرومانية تعلوها الأقواس. لذلك كانت أعرض من الأبواب المعروفة في العصور السابقة. بعد الفتح العربي سار العرب بادىء الأمر على خطوات الرومان والبيزنطيين في بناء أسوار مدنهم. لكنهم أدخلوا فيما بعد، ولا سيما في القرون الوسطى، بعض التغييرات الطفيفة. ولما جاء الصليبيون أدخلوا في بناء الأسوار الطرق الهندسية السائدة في أوروبا. فاستعملوا الحجارة المدقوقة دقاً موروباًَ. وكثيراً ما نقشوا على الحجارة أسماء النحاتين. كما هي الحال في أقسام سور القدس التي ترجع إلى عهد الصليبيين، وفي أسوار عسقلان وعكا* وأرسوف* وغيرها من المدن التي حصنها الصليبيون. ولم يبدل المماليك* شكل الأسوار، لكنهم رمموها بحجارة منحوتة مزودة بهوامش على أطرافها الأربعة، كما يشاهد في سور مدينة القدس الذي تهدمت أقسامه العليا فأخذ بناءها السلطان العثماني سليمان بن سليم بحجارة جمعها من هنا وهناك وليس لها طابع خاص. وقد بنى ظاهر العمر*، فيما بعد، سوراً حول عكا لا تزال بعض أقسامه قائمة حتى الآن.   المراجع: –         Albright, W.F.: Tell Beit Mirsim I.ASOR XII. –         Flinders Petrie.: Gaza I – IV, London 1931 – 34. –         Flinders Petrie.: Beth Pelet, London 1930 and 1932. –         Grant, E.: Ain Shems I, II, III, 1931 – 1934. –         Kenyon, K.: Digging Up Jericho, London 1957. –         Kenyon, K.: Excavations of Jericho, London 1960. –         Lamon, S. and Shipton, G.M.: Megiddo I, 1939. –         Macalester, R.A.S.: Excavations of Gezer, London 1912. –         Marquet, Y.: Les Foulles de Ay, Beyrouth 1949. –         Rowe, A.: The Topograhphy and History of Beth – Shan U.S.A. 1930. –         Starkey, J.L.: Lachish I – IV, 1938 – 57. Sukenik, E.L.: Samaria Sebaste, I, London 1942. الأشبال(مؤسسة-): رَ: حركة التحرير الوطني الفلسطيني