الأرض (ملكية)

كان قانون الأراضي العثماني هو أساس قواعد حيازة الأرض في فلسطين حتى سنة 1947. ورغم كل ما أدخل على صورة “الخط الهمايوني” من تعديل وتبديل فإن التصنيف الحالي لأراضي الدولة إلى فئات معينة هو التصنيف نفسه الذي اصطلح عليه القانون المشار إليه عندما قسم الأراضي الكائنة في بلاد الدولة العلية خمسة أقسام تشمل – وإن استبدلت تسميات بأخرى في الوقت الحاضر- أراضي : الميري، والمتروكة، والموات، والملك و الأوقاف. وترجع ملكية الفئات الثلاث الأولى في الواقع – وتمثل حق الرقبة في النظام الإسلامي – إلى خزينة الدولة، كبديل لبيت المال. أ‌-   الميري: أهم هذه الفئات الثلاث من حيث الرقعة والإنتاج، وقد شملت في فلسطين والأردن مختلف المساحات الزراعية، فضلاً عن بعض أراضي المراعي والأحراج. وقد وضعت هذه المساحات منذ العهد العثماني تحت تصرف أهالي القرى والعشائر، مجتمعين أو فرادى، مقابل دفع ضريبة العشر. وعندما صدر قانون “الطابو” كان على المنتفعين بأراضي الميري استصدار سندات تسجيل مقابل مبلغ من المال دعي “بدل المثل”. لكن هذا التسجيل لم يكن لينقل ملكية الأرض- أي يعطي حق الرقبة – إلى المنتفع نقلاً كاملاً، بل ظلت الملكية الحقيقة للخزينة، بحيث يمكن للدولة استردادها في أي وقت شاءت، وليس للحائز سوى حق التصرف أو الانتفاع فقط، وبالتالي لم يكن له الحق في التنازل عنها لآخر، أو استبدل غيرها بها، أو إقامة مبان عليها، أو غرس أشجار فيها دون إذن مسبق من السلطات الحكومية المعنية. ولم يكن له أيضاً الحق في رهن الأرض أو وقفها. ويجري هذا كله خلافاً للمفاهيم السائدة في مصر والعراق حيث يقتصر لفظ “ميري” على الأراضي التي تملكها الدولة فعلاً وتظل في حوزتها.         لكن معظم هذه المحظورات ألغيت منذ سنة 1912، وأصبح حائز الميري شبه مالك لأرضه، وتلاشى حق الخزينة من الناحية العملية فلم يبق منه سوى شكليات معينة لعدم جواز تحويل الأرض إلى أوقاف، أو إدخالها ضمن وصية، لأن نظام توريث الميري منصوص عليه في القانون، وبموجبه يعطى الذكر من الأبناء مثل حظ الأنثى تماماً، وترث الزوجة ربع المساحة. فإن لم يوجد من هؤلاء أحد ورثت الأرض للأقارب بالترتيب حسب درجات القرابة. فإن لم يوجد أقارب، ولم يطالب أحد بالأرض، صارت محلولة بحكم القانون.         كان القصد من إقرار مبدأ الميري كمفهوم تشريعي قانوني إقناع الناس بأن حق الانتفاع بالأرض هو مِنَّة وهبة من قبل الدولة العلية، وفضل تمنحه من تشاء تكريما لجهوده، ما لم يخالف مبادىء التفويض. ومن ثم كان قانون “المحلولات” تشريعاً مكملاً لمفهوم الميري تستطيع الدولة بموجبه أن تستعيد المنحة من أيدي المهملين. ولكن هذا الحق (المحلولات) الذي قصد به تنشيط الاقتصاد الزراعي بإعطاء الأرض لمن يرعاها ويفلحها، وتوزيعها بشيء من العدالة فلا تتراكم لدى ناس دون آخرين، ظل معطلاً فلم يطبق في الواقع على المهملين، بقدر ما طبق في الحالات التي أرادت فيها الدولة امتلاك مساحات كبيرة من الأرض،على نحو ما فعلت بقرابة مليوني دونم في المناطق التي مر بها خط سكة حديد الحجاز عبر شرقي الأردن. كذلك فعلت السلطات بكثير من الأراضي الزراعية الخالية في الأردن وفلسطين، فأعلنتها محلولة، واستبقتها ريثما وطنت المهاجرين الشركس* في بعضها، وباعت أو أهدت بعضها الآخر. ب- المتروكة: وتسمى بالتعبير السائد اليوم “المنافع العامة”. والأراضي المتروكة قسمان: يشمل الأول منهما الأراضي المخصصة لاستعمال جميع أهالي البلاد، كالمسطحات المائية من بحار وبحيرات وأنهار وعيون، ومجاري سيول الأودية، والطرق العامة وما شابهها. وليس لأي إنسان، ولا لأية جماعة، حقوق خاصة في هذه الأراضي. والقسم الثاني من الأراضي المتروكة هو ما خصص للانتفاع العام، وينحى جانباً لاستعمال أهالي قرية أو مدينة، أو مجموعة من القرى المتجاورة. من هذه الأراضي الروابي الطبيعية المستخدمة للرعي*، والأحراج التي يحتطب منها، وأراضي البيادر أو أجران الغلال، والمقابر (التي آلت فيما بعد إلى الأوقاف) وأماكن الصلاة والساحات والأسواق. وقد كانت أمثال هذه الأراضي في الأصل ضمن فئة الميري، وتحولت – عرفياً – إلى متروكة، خدمة لمراكز العمران المجاورة، دون استصدار فرمانات سلطانية قاضية بذلك رسمياً، على نحو ما كان متبعاً في كثير من أنحاء الإمبراطورية العثمانية. فهي من هذه الناحية ميري غير مشغولة يحرم استعمالها للزراعة أو للبناء من قبل الأهالي. كما أنه لا ينص فيها صراحة أو ضمناً على أية حصص معينة مخصصة للأفراد أو للجماعات، فكل من أراد انتجاع المرعى أو الاحتطاب فليس ثمة من يمنعه. ولكن هذا لا يعني حصول أحد على أي حق من حقوق الملكية في الأراضي المتروكة.         ولما كان الرعي هاماً في حياة سكان فلسطين فإن مساحات مترامية من الأراضي البور غير الصالحة للزراعة قد ضمت إلى المتروكة. وأهم هذه الأراضي سفوح التلال* الصخرية الوعرة، وأراضي الأحراج التي كانت في وقت ما ضمن فئة الموات، فضلاً عن بطون الأودية الحجرية المهملة، ومسطحات الغياض الساحلية في غرب فلسطين. وقد كان بالمستطاع استغلال رقاع لا بأس بها من هذه المناطق في الزراعة* بعد استصلاحها وإجراء التحسينات اللازمة عليها، وهي أمور لم تكن تستدعي عملاً مضنياً، خاصة أن الحكومة كانت بحاجة إلى امتلاك المزيد من الأراضي، لكن الأهالي عارضوا بشدة تلك الإجراءات، لأن المتروكات ملك جماعي ومنافع مشتركة لقراهم. وقد انضم إليهم البدو ممن كانوا يرتادون هذه المراعي.         وعندما بدأت عمليات تسوية الأراضي في فلسطين سنة 1928 سجلت مجاري الأنهار ومسارب الأودية في الأراضي المتروكة، واحتفظت الدولة بحق ملكيتها نيابة عن المجتمع كي تحول دون استئثار فئة بالانتفاع دون الآخرين. وقد بلغت مساحة الأراضي العمومية في فلسطين من طرق وأنهار وسكك حديدية وممتلكات دائرة الأحراج وغيرها من المرافق العامة قرابة نصف مليون دونم في نهاية عام 1945. ج- الموات: هي الفئة الثالثة من ممتلكات الدولة. وهي مساحات مترامية لم يعط أحد فيها أية حقوق بصفة رسمية. فهي بحكم القانون ليست في تصرف أحد من الأشخاص، ولا متروكة مخصصة للأهالي. والأراضي الموات هي المحلات البعيدة عن القرى والقصبات بدرجة لا تسمع بها من أقاصي العمران صيحة الشخص الجهير الصوت. أي هي الأراضي الخالية التي تبعد عن أقصى العمران مسافة ميل ونصف (2.4 كم) تخميناً، أو مشي نصف ساعة حسب ما نصت المادة السادسة من قانون الأراضي العثماني. كانت هذه الأراضي تعطى أول الأمر إلى كل من يفتحها للزراعة دون مقابل، على أن يكون قد حصل على إذن مسبق من السلطات العثمانية. فإذا تحول ما فتح من مساحات إلى أراض منتجة تلقائياً من “الميري”، ينطبق عليها “الطابو” بموجب دفع “بدل المثل”. ويلاحظ أن هذا التشريع العثماني الخاص بحقوق فاتحي الأرض الموات الذي يعود إلى أصول إسلامية يتلاءم مع طبيعة فلسطين التي يقع أكثر من نصفها ضمن نطاق الصحارى المجدبة. ففي القانون حفز على تعمير الأرض واستصلاحها وزراعتها. لذلك لم يكن عجيباً أن تسارع سلطات الانتداب البريطاني إلى إيقاف العمل بهذا التشريع منذ سنة 1921، بموجب ما سمي “قانون الأراضي الموات” الذي حرم كل من يتجزأ على حرمة الأرض الموات المطالبة بحق تسجيل الأرض التي عمرها، فضلاً عن معاقبته بتهمة التعدي على أملاك الدولة.         ومن الناحية الرسمية كان ينبغي أن تقيد جميع الأراضي الموات لحساب الخزينة. ولكن هذا لم يحدث قط إلا عندما بدأت عمليات المسح “الكاداستر”، وتسوية حقوق الأراضي في فلسطين سنة 1928. فأينما وجدت أرض بين القرى بلا مالك سجلت على الفور ميري لحساب الدولة. وقبل ذلك لم يكن هناك ما يشير إلى التوزيع الجغرافي للأراضي الموات، ولا إلى مقدارها في البلاد، رغم أنها شملت مساحات هائلة من مناطق الكثبان والبطاح الساحلية والأراضي التلية التي كانت مسارح للرعاة في الربيع، مثل السفوح الشرقية لمرتفعات الخليل، ومناطق الأحراج في أعاليها. وعلى أي حال قدرت مساحة الأراضي لعام 1931 أن ما يزيد على 4.8 مليون دونم من مساحة فلسطين، باستثناء قضاء بئر السبع، كان غير مستغل. وهذا القدر يشكل حوالي 36% من إجمالي المساحة المذكورة. أما منطقة بئر السبع والنقب فهي بطبيعتها الصحراوية أراض موات. د- الملك: وهي ما كان من الأراضي في حوزة المالك تماما، له ما عليها وما تحتها، وبمستطاعه استعمالها في أي وجه، لأنه يملك منها حق الرقبة، على خلاف أراضي الميري التي يبقى للدولة فيها حق الرقبة، في حين يعطى الحائز حق الاستغلال لظاهر الأرض منها فحسب، ولغرض واحد فقط هو الزراعة. وقد  يحظر على حائز الملك، رغم ذلك، استعماله في أغراض تضر الجار، أو تؤدي الصالح العام للجمهور. ويمكن أن تنزع ملكيته في حالات كثيرة، من بينها لزوم استملاكه من قبل البلديات كي تستقيم أمور التنظيم وتخطيط المدن، أو عندما تحتاج إليه دوائر الآثار والتعدين أو الأحراج. وفي جميع تلك الحالات يعوض المالك مادياً عما انتزع منه.         وتنقسم أراضي الملك إلى أصناف، أهمها في فلسطين مواضع المباني في المدن وفي القرى، وما يحيط بها من أراض فضاء لا تزيد مساحتها حول كل مسكن عن نصف دونم في المناطق الواقعة على المشارف الخارجية لمراكز العمران. أي أن أراضي الملك هي مجموع مساحة المناطق المبنية في قرى القطر ومدنه.         ولا يقتصر الملك في القانون العثماني على المناطق المبنية داخل المدن. بل من أصنافه أيضاً فئات من الأراضي الزراعية التي أقطعها السلاطين والحكام للقادة والعسكريين في أعقاب مراحل الفتح والتوسع. كذلك تعد من فئة الملك جميع الأراضي الحرجية التي استبقيت بأيدي الذّميين من أصحاب الديانات الأخرى، والأراضي الموات التي فتحها الناس في الماضي وتحولت بإذن من السلطات إلى ملك لهؤلاء الناس. ولكن يلاحظ أنه لم يشع من هذه الفئات في فلسطين سوى الأراضي الحرجية.         ومن الطبيعي أن تزداد رقعة أراضي الملك على حساب غيرها من الفئات مع استمرار نمو مراكز العمران. وقد وضع القانون العثماني إلى هذه الظاهرة في الحسبان حين أجاز أن تحول مساحات من الميري إلى ملك عند الضرورة فتمنح الدولة حق الرقبة لقاء ثمن مضاعف يسدد للخزينة. لكن الشرع العثماني وضع في قانون سنة 1874 تحفظات كثيرة للحيلولة دون استغلال المبررات لسحب أراضي الميري من ميدان الإنتاج الزراعي، أو للمضاربة في أسعار الأراضي. هـ- الأوقاف: وهي صنفان، الأول أوقاف صحيحة والثاني أوقاف غير صحيحة. فأما الأوقاف الصحيحة فهي التي كانت من أراضي الملك وأوقفت وفقاً للشرع، فعندئذ تكون رقبتها وجميع حقوق التصرف بها عائدة إلى جانب الوقف، وتعامل بموجب شروط الواقف. ومهما كانت هذه الشروط فلا رجعة فيها. وقد اختلفت الأغراض التي أوقفت من أجلها العقارات والأموال غير المنقولة بشقيها: “المسقفات” أي المباني المسقوفة التي تدر دخلاً و”المستغلات” وهي الأطيان الزراعية المنتجة. فقد كان الواقف أحياناً يتوخى صالح أفراد عائلته والأجيال المتعاقبة من سلالته. فإذا لم يوجد وريث للمنفعة حول الوقف – بناء على الوصية – للأغراض الخيرية أو الدينية، فإن لم يوص بذلك صار العقار محلولاً. وكان الدافع إلى هذا النوع من الأوقاف خوف الملاك من ضياع ممتلكاتهم لسوء تصرف أبنائهم وورثتهم، أو لجور السلطات وإمكانية نزع الملكية.         وكان الغرض الثاني الذي أوقف بعض الناس من أجله العقار دينياً، كأوقاف المساجد والأضرحة أو المعاهد التعليمية ذات الصبغة الإسلامية والمكتبات. وقد قصد المتبرعون في جميع هذه الحالات أن يكون مردود إيجار العقارات الموقوتة – وتدعى تكايا – يكفي للقيام بمختلف نفقات إدارة هذه المؤسسات.         أما الغرض الثالث للوقف فكان خيرياً يخصص دخله لصالح الناس جميعاً بإنشاء المساجد أو الحمامات العامة والمغاسل ومنازل الضيافة والاستراحة لأبناء السبيل (أي الخانات)، والمخابز لتوزيع الخبز على المحتاجين، والمستشفيات ومصحات الأمراض العقلية وملاجىء العجزة والأيتام.         وطبقاً للقوانين المعمل بها في البلاد تصبح أية أرض وقفاً إن بني عليها مسجد وتمت فيه إقامة الصلاة. كذلك إن وهب شخص مساحة لبناء مقبرة وصرح بالدفن فيها وتم ذلك فعلاً. لهذا تحرم الدولة دفن الموتى في أراضي الميري حتى لا تتحول إلى أوقاف.         كانت لهذه الفئة من أراضي الأوقاف الأهلية آثار اقتصادية سيئة تراكمت بمرور الزمن. فمع تعاقب الأجيال تضاعفت أعداد الورثة والمنتفعين منها، فتوزعت العائدات، وتفتت المردود بشكل قلل كثيراً من قيمتها. ونشأت لذلك خلافات مزمنة، واحتدمت المنازعات القضائية بين المستحقين. وازدادت الأمور تعقيداً إذ كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التصرف في العقارات الموقوفة بالبيع أو الاستبدال في حال الوفاء بالديون.         وكانت أراضي الوقف في وقت ما تشغل مساحات كبيرة من فلسطين. لكن الحكومة العثمانية، ومن بعدها سلطات الانتداب البريطاني، لم تتوان في كل مناسبة عن مصادرة العقارات الموقوفة وحلها وإعادتها إلى خزينة الدولة مستغلة أية ثغرة شرعية يمكن أن تبطل حجج الأوقاف القائمة. ولهذا تقلصت مساحة الأوقاف الصحيحة في فلسطين أيام الانتداب إلى أقل من مائة ألف دونم.         الفئة الثانية من الأوقاف هي ما يدعى الأوقاف غير الصحيحة، أو أوقاف التخصيصات. وهي مساحات مفرزة من الأراضي الأميرية، أوقفها سلاطين آل عثمان وغيرهم بإذن سلطاني فظل حق الرقبة تابعاً لخزينة الدولة كأراضي الميري الصرف، في حين خصصت منافعها فقط، من أعشار ورسوم، لجهة ما. وتنقسم هذه الفئة من الأوقاف إلى ثلاثة أقسام: الأول عقارات تخص الدولة، ولكن ينتفع باستعمالها أو بعائداتها المزارعون الذين يقيمون عليها. وكان إيقاف هذا النوع من الأراضي بيد السلطان أو الدولة فقط، وكان يحق للمنتفعين به نقل حق الانتفاع إلى غيرهم بشرط موافقة الجهة الواقفة. وكان معظم أراضي الوقف في فلسطين من هذا النوع .         القسم الثاني من أوقاف التخصيصات هو ما كان يدفع للخزينة ضرائب الأعشار، ويؤجر كأحكار للفلاحين بعقود طويلة الأجل. وقد اقتصرت هذه الأحكار على بعض مناطق القدس والخليل ونابلس. أما القسم الأخير من هذه الأوقاف فكان كالسابق إلا أنه معفى تماماً من دفع الأعشار أو أية ضريبة أخرى للخزينة.         وينبغي أن يلاحظ أن الوقف لم يقتصر على مؤسسات المجتمع الإسلامي في البلاد فحسب، بل شمل أيضاً مؤسسات الأديان الأخرى من مسيحية ويهودية، ويسمى الوقف في هذه الحالات “المستثنى”، أي الذي لا تخضع إدارته للأوقاف الإسلامية. و- الحيازة في فلسطين: كان عدد القرى العربية في فلسطين حتى عام 1945 نحو 862 قرية راوحت معدلات الحيازة الزراعية لكل منها ما بين 9 الآف و12 ألف دونم، وكان المفتلح منها في حدود ستة أو سلعة آلاف دونم . وقد قدر معدل عدد سكان القرية الفلسطينية في ذلك الوقت بنحو سبعمائة أو ثمائمائة نسمة . ومن الطبيعي أن تتفاوت مساحات الحيازة الزراعية وأعداد السكان كثيراً من قرية إلى أخرى طبقاً لتنوع الظروف الجغرافية السائدة في أقاليم فلسطين المختلفة. ففي حين كان زمام قرية أم الفرج* بقضاء عكا في حدود 825 دونماً وسكانها نحو 800 نسمة، كانت قرية النويعمة بقضاء أريحا تنفسح على زمام يبلغ نحو 53 ألف دونم، ولا يقطنها سوى 200 نسمة فقط. وتعد قرية طوباس* في قضاء نابلس نموذجاً للقرى الفلسطينية الكبرى في العقد الرابع من هذا القرن، إذ امتدت رقعة ممتلكات أهاليها فوق ما يقرب من ثلث مليون دونم تقاسمها من السكان نحو 5.400 نسمة، فكانت بهذا أم القرى في فلسطين قاطبة.         كان الفلاحون حتى ذلك الوقت فئات ثلاثاً: الفئة الأولى كبار الملاك ممن يتولون زراعة إقطاعاتهم بأنفسهم. وهؤلاء قلة رغم عظم المساحة التي كانت بحوزتهم. ونقيض هؤلاء كانت الكثرة من الفلاحين الذين حرموا نعمة امتلاك الأرض فعملوا أجراء ومرابعين لدى كبار الملاكين المسيطرين على مساحات مترامية والقاطنين في المدن أو خارج البلاد .         أما الطبقة الثالثة فهي طبقة صغار الملاك الذين يعيشون على أرضهم. وقد قدرت الدراسات سنة 1931 نسبة عدد المالكين من الفلاحين بنحو 78% فقط. وبلغ نصيب الفرد والأسرة من الأراضي بعامة، ومن الأراضي المزروعة بخاصة في مناطق فلسطين ما يلي: المنظمة نصيب الفرد من الأرض عامة بالدونم نصيب الأسرة من الأرض عامة بالدونم نصيب الأسرة من المفتلح فعلاً بالدونم السهل الساحلي 12.8 64 46.5 المرتفعات الوسطى 19.6 98 53 الجليل 17.0 85 – مرج ابن عامر 21.7 108 –         وتبين من دراسة أجريت سنة 1936 على 322 قرية فلسطينية أن أكثر من تسعة أعشار عدد الحيازات تقل رقعة كل منها عن مائة دونم وتشغل في مجموعها أكثر قليلاً من ثلث المساحة الزراعية العامة للقرى المدروسة. في حين ضمت أراضي ثلاثة عشر مالكاً كبيراً فقط ما يزيد على نصف إجمالي مساحة الأرض التي كانت بحوزة ما يقرب من ستة وستين ألف مالك صغير. تركيب الحيازات الزراعية العربية عام 1936. الفئة  عدد القطع نسبة العدد % أقل من 100 دونم 65.933 91.8% من 100 إلى 1.000 دونم 5.706 8.0 أكثر من 1.000 دونم 150 قرابة 0.2 أكثر من 5.000 دونم 13 0.01         كانت ملكية جميع أراضي فلسطين تقريباً حتى أوائل الستينات من القرن الماضي مما يعرف بالمشاع. وقد فرضت دوافع اقتصادية واجتماعية وأمنية هذا النظام من الملكية الجماعية للقرية أو العشيرة أو الحمولة على معظم أرجاء البلاد. ولم تكن الملكية الفردية معروفة إلا في أحوال خاصة، وفي الجهات القريبة من كبريات المدن الساحلية وبعض المدن الداخلية حيث سيطرت على الأرض طبقة التجار المتنورين. كذلك كانت تسود الملكية الفردية أينما كانت طبعة الأرض تستدعي بذل مجهودات مضنية لإصلاحها وزراعتها والعناية بتربتها. إذ يتوقف نصيب كل فرد في هذه الحال على ما يبذل من عرق، وعلى مقدار طموحه الشخصي ورغبته في العمل والكد. لهذا السبب شاعت الملكية الفردية في منطقة المرتفعات الوسطى منذ أقدم العصور، في حين ظلت الأراضي الساحلية السهلية  الممهدة، على نقيض ذلك، مسرحاً للتنافس الجماعي لأنها تعطي الكثير الوافر بأقل مجهود، فكان أن وقعت مشاعاً بين طالبيها من الجماعات الزراعية على مر الزمان. واستمر الأمر كذلك حتى السنوات الأولى من القرن الحاضر. وكان باستطاعة أي فلاح أن يجد لنفسه حصة من الأرض في المنطقة الممتدة بين حيفا وغزة، باستثناء مشارف المدن والمناطق التي خضعت لملكية الأثرياء من سكانها.         أما من الناحية الاجتماعية فقد كان المشاع ضمانا لبقاء الأرض بأيدي أفراد الجماعة واستبعاد أي غريب لا ينتمي إليها. وفي هذا النظام شيء من العدالة والاشتراكية الفطرية أو التلقائية لأنه يضمن توزيع فرص الكسب من الأرض بين الجميع، ولا سيما أن استقرار المزارع في أية قطعة من أملاك المشاع لم يكن يستمر سوى فترة موقوتة تمتد من عام إلى تسعة أعوام ينتقل بعدها إلى استثمار قطعة أخرى حتى لا يسنأثر واحد دون غيره بأحسن الأطيان. وفي حال تجانس الأرض من حيث الخصوبة والقدرة كانت الجماعة في الغالب ترتضي نمطاً توزيعياً ثابتاً.         وكان المشاع، من ناحية الأمن، حافزاً لجميع أفراد القرية على الاستماتة في الدفاع عن أملاكهم المشتركة. وكان قيام الجماعة عن بكرة أبيها لملاقاة العدو وصدّه عن الأرض أدعى إلى تلاحم الصلات بين أفراد وتماسك البنيان الاجتماعي. أي أن المشاع كان مشاركة في وسيلة الانتاج ومعاشاً من جهة، وأسلوب حياة ومصيراً مشتركاً من جهة أخرى. ومن هنا كانت المنازعا الدموية على امتلاك الأرض تجر إلى المعترك عائلات وحمولات بكاملها، بل ينزلق إليها أحياناً كثيرة أهالي القرى المتجاورة المتحالفة.         وكما هي الحال بالنسبة إلى نظام الوقف، يضع بعض الباحثين اللوم على نظام المشاع ويجعله سبباً من أهم أسباب تردي الاقتصاد الزراعي في البلاد. ففي ظله ينتفي الحافز الشخصي على البذل والإبداع وتجشم مشاق إجراء التحسينات على الأرض بالتسميد، أو تحسين شبكات الري والصرف، أو زراعة الأشجار وإقامة المنشآت. بالإضافة إلى ذلك، يذكر هؤلاء أن المشاع كان سبباً في وقوع مشاحنات داخلية دائمة بين الملاك والمنتفعين من العقارات المشتركة. وعلى الرغم من هذا كله كان لنظامي الوقف والمشاع حسنات لا تنكر، فقد حالا زمناً دون تفتيت الحيازة الزراعية بشكل يعوق عمليات الإنتاج ويحول أحياناً دون فلاحة الملكيات الصغيرة بالوسائل الحديثة أو التقليدية على حد سواء. وأهم من هذا أن نظامي الوقف والمشاع عاقا عمليات بيع الأراضي وانتقال ملكيتها إلى اليهود ومنظماتهم. ومن هنا جاء الهجوم الشديد على هذين النظامكين من قبل كتاب مغرضين.         وقد كان من سوء الحظ قومياً أن حاولت السلطات العثمانية خلال الربع الأخير من القرن الماضي تصفية نظام المشاع عندما ألزمت الملاك بتسجيل أراضيهم، وعندما صدر قانون 14 محرم سنة 1332هـ/ 1913م الشهير الذي سمح بتقسيم (فرز) العقارات المشتركة غير المنقولة فوحّد أسس تقسيم الأراضي الملك والأميرية والموقوفة، وخوّل لأول مرة كل شريك حق في أن يطالب شركاءه بالقسمة اتباعاً لأصول التشريع الفرنسي القاضي بأنه “لا يمكن أن يجبر أحد على البقاء في حالة الشيوع”.         وسار الإنكليز على النهج نفسه أثناء حكمهم البلاد. فقد أعطوا مأمور التسوية، بموجب قانون تسوية حقوق ملكية الأراضي الصادر عام 1928، السلطة المطلقة بأن يشرع فوراً بفرز (تقسيم) أية مساحة من الأرض المملوكة بأسلوب الاشتراك (أي المشاع) بعد تعيين حقوق المالكين، إذ وجد المأمور أن في الفرز منفعة عامة. واستمد مأمورو التسوية، وكان معظمهم من الصهيونيين الذين عملوا مع سلطات الانتداب في دائرة المساحة وتسوية الأراضي، استمدوا سلطاتهم هذه من أوامر المندوب السامي البريطاني مباشرة.         وأجيز لكل مأمور القيام بفرز حصة أي شخص مالك لنصيب ما في أرض مشاع متى طلب المالك ذلك منفرداً. كذلك أجيز له أن يقسم أراضي المشاع في أية قرية بناء على رغبة مالكي ثلثي الحصص المدرجة في جدول الحقوق العقارية الخاصة بتلك القرية.         ورغم كل هذه الإجراءات والتشريعات بقيت نسبة لا يستهان بها من الأراضي ملكاً مشاعاً حتى اغتصاب فلسطين 1948.         تغيرت نظم حيازة الأرض وأساليب ملكيتها بالانتفاع بها جذرياً بعد قيام الصهيونيين بالهجرة إلى فلسطين لاستيطانها. وقد بدأت عمليات الاستيلاء على الأرض مبكرة عندما أنشأ المليونير اليهودي روتشيلد عام 1883 رابطة الاستعمار اليهودي لفلسطين فاشترت منذ تأسيسها حتى أواخر عهد الانتداب سنة 1948 ما يقرب من 470 ألف دونم. كما أوكل مؤتمر بازل* سنة 1897 إلى الصندوق القومي اليهودي(رَ: الكيرين كايميت) وشركة تطوير أراضي فلسطين* شراء الأطيان وتوطين المهاجرين فيها مليون دونم. وكانت أملاك الدولة مصدراً آخر للأراضي التي آلت ملكيتها إلى الصهيونيين. فبموجب البند رقم 60 من معاهدة الصلح البريطانية التركية في لوزان سنة 1925 آلت جميع الأراضي التي كانت بحيازة الحكومة العثمانية إلى إدارة الانتداب على فلسطين دون أي مقابل. ووضعت سلطة التصرف فيها آنذاك بيد المندوب السامي البيطاني مؤقتاً، فكان من حقه وحده إجزال المنح منها، أو تأجيرها، أو السماح بالاستقرار فيها واستثمارها. وقد سارع اليهودي الإنجليزي هربرت صموئيل، أول مندوب سام، إلى تقديم 175 ألف دونم من أخصب أراضي الدولة على الساحل بين حيفا ويافا، قرب قيسارية* وعتليت هدية إلى أبناء مذهبه الصهيونيين أتبعها بعد ذلك بدفعة ثانية مقدارها 75 ألف دونم على البحر الميت* لإقامة مشروع شركة البوتاس الفلسطينية، فضلاً عن أراض شاسعة أخرى لم يكشف النقاب عن سعتها في منطقة النقب*. وتكررت هباته السخية من الأراضي الساحلية الخصبة حتى بلغ مجموع ما منح أو نقل إلى الصهيونيين من أراضي الدولة نحو مليون وربع من الدونمات، أي 58% من مجموع الأراضي التي كان يملكها الصهيونيون سنة 1948، فأربت المساحات التي تحولت إليهم حتى قيام كيانهم على 2.1 مليون دونم.         ورغم ذلك كانت غالبية الأراضي عام 1948 ما تزال بأيدي العرب، حتى قُدر ما كان بحوزتهم حينذاك بنحو 6.7 مليون دونم يضاف إليها 135 ألف دونم من بساتين الحمضيات* وأكثر من مليون دونم مغروسة أشجار زيتون* وفاكهة وموز*. ولا يدخل ضمن هذه المساحات أراضي الرعي. وقد شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد عام 1948 تستولي على ممتلكات العرب بشكل رسمي عندما وضعت البلاد تحت أحكام ما أسمته “قانون الاستيلاء على أرض ساعة الطوارئ*”، وهو القانون الذي خوّل الحاكم العسكري سلطة إعلان مساحات من البلاد “مناطق مغلقة”يحظر على العرب الدخول إليها أو الخروج منها. وفي ظل هذا القانون نقلت ملكية أراض عربية واسعة بحجة الأمن. كما سمحت مواد قانون أملاك الغائبين* لعام 1950 باستغلال أملاك الغائبين واستملاكها على أنها أراض مهجورة آلت ملكيتها إلى (الدولة) بتقادم العهد. وقد استباحت سلطات الاحتلال في السنوات الأولى من تطبيق هذا القانون زهاء مليون وربع مليون دونم من أملاك العرب.         ولم تسلم أملاك الأوقاف الإسلامية من الاعتداء فعندما تولت سلطات الانتداب البريطاني حكم البلاد أوكلت إدارة الأوقاف إلى الهيئة الإسلامية العليا التي كانت تجبي إيجارات العقارات وأعشارها من المستغلين وتوزعها على المنتفعين من أفراد وهيئات. وظل الأمر كذلك حتى قررت الحكومة عام 1935 دفع مبلغ سنوي ثابت مقداره 30 ألف جنيه فلسطيني مقابل أعشار الأوقاف كبدل اعتباطي فلا تتجشم الهيئة مشقة الجباية.         وكان من المتوقع أن تحافظ سلطة الاحتلال الصهيوني على هذا الوضع لأنه أمر يمس تعاليم دين أهل البلاد. وعلى الرغم من أن قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالتقسيم حفظت هذا الحق صراحة، ضربت وزارة الأديان الإسرائيلية بكل ذلك عرض الحائط فأدخلت عائدات أوقاف المسلمين في الميزانية العامة، بل حاولت اغتصاب المقابر وغيرها من أراضي الأوقاف.         وقد تابعت السلطات المحتلة سياستها المرسومة لنزع ملكية العرب المهجّرين والمقيمين في ظل احتلالها والاستيلاء على عقاراتهم وأراضيهم في عشرات المدن ومئات القرى متذرعة بشتى الوسائل، مستغلة قوانين غاشمة سابقة، أو فارضة تشريعات خاصة لهذا الغرض، كقانون استملاك الأراضي* في عام 1953، وتعديل قانون الأحراج والغابات* الموضوع من أيام الانتداب مرتين في عامي 1956 و1960. كل ذلك جرى في أكبر عملية نهب جماعية عرفها التاريخ، على حد تعبير المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي وقد ضربت سلطات الاحتلال طوقاً من السرية والتكتم على ممتلكات اللاجئين العرب فلم تسمح حتى للجنة التوفيق الدولية* المكلفة من قبل الأمم المتحدة بحماية ممتلكات اللاجئين بمعرفة شيء عنها. وظلت البيانات والمعلومات المتعلقة بحجم ممتلكات العرب المهجورة، وتوزيعها الجغرافي، وأساليب استثمارها، وسياسة السلطات الإسرائيلية تجاهها، أموراً مبهمة ومكتومة، فلم يكشف النقاب قط عن سجلات ممتلكات الغائبين، كما كانت جلسات الكنيست* التي نوقشت فيها هذه الأمور جلسات مغلقة دائماً. ولم تستطع الأمم المتحدة الحصول بصفة رسمية على أية بيانات بخصوص إدارة ممتلكات العرب والوسائل المتبعة في الحفاظ عليها، والإبقاء على هويتها، وإعادتها إلى أصحابها. “لقد أدمجت جميع ممتلكات الغائبين – ومعظمها من الأطيان الزراعية – في الكيان الاقتصادي للدولة الإسرائيلية” هذا ما قاله مندوب (إسرائيل) لدى الأمم المتحدة ذات مرة في جلسة للمنظمة الدولية.   المراجع: -Cattan, H: Palestine, The Arabs and Israel, London 1968. Godabry, F.P. and Dukhan, M.J.: The Land Law of Palestine, Tel Aviv 1933. Grancott, A.: The Land System in Palestine History and Structure, London 1952. Hadawi, S.: Bitter Harvest, Palestine between (1914–1967), New York 1967. Weinstock, N : Le Siomisme Contre Israel,  Paris 1969.