الأرثوذكسية

لفظة “أرثوذكس” لفظة يونانية تعني “المستقيم الرأي”. وأخذت تعني في المصطلحات الدينية المسيحية “أتباع الإيمان القويم”. بدأ استعمال هذه اللفظة في القرون الأولى لتمييز أتباع المذهب الأرثوذكسي من غيره من المذاهب المسيحية.         وبعد انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية في القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت الكنيسة الشرقية تعرف باسم “الكنيسة الأرثوذكسية” والكنيسة الغربية باسم “الكنيسة الكاثوليكية”. وهذه أيضاً لفظة يونانية تعني “الكنيسة الجامعة”.         كانت الكنيسة الشرقية قديماً تخضع لبطريركية القسطنطينية، ثم أخذت الكنائس تستقل شيئاً فشيئاً لأسباب دينية أو سياسية أو قومية.  والكنائس الأرثوذكسية اليوم هي: 1) الكنيسة البيزنطية: وتستعمل اللغة اليونانية. وصيغة الصلوات فيها تعود إلى تقاليد بيزنطية تكونت في بيزنطة، أي القسطنطينية. وتشمل هذه الكنيسة اليوم الكنيسة اليونانية في القسطنطينية وبلاد اليونان، وفي جزيرتي كريت وقبرص، وفي فلسطين وسورية ولبنان ومصر، والكنائس الشرقية في روسيا وفي سائر دول أوروبا الشرقية. وكل كنيسة من تلك الكنائس مستقلة عن الأخرى استقلالاً تاماً. 2) الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية: ولغتها الأرمنية، وجميع رعاياها من الأرمن. 3) الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، أو الكنيسة اليعقوبية: ولغتها السريانية، وصيغة صلواتها تعود إلى القرون الأولى، وقد تكونت في القدس وأنطاكية، وجميع رعاياها من العرب، ما عدا هنود الملابار الذين انضموا إلى كنيسة أنطاكية. 4)  الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر: ولغتها القبطية أو المصرية القديمة. وجميع رعاياها من المصريين. 5)  الكنيسة الحبشية الأرثوذكسية في اثيوبيا: وجميع رعاياها من الأحباش.         وجميع هذه الكنائس ممثلة الآن في فلسطين، ولا سيما في القدس، وفي كنيسة القيامة* نفسها، ولكل منها شأن خاص. وهذه الكنائس قليلة العدد، ما عدا الكنيسة اليونانية العربية الأرثوذكسية التي يعرف أتباعها في اللغة الدارجة باسم “الروم”، أو “الروم الأرثوذكس”. وقد دعوا بذلك لأنهم كانوا ينتسبون أصلاً إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وأول من أطلق عليهم هذا اللقب هم المؤرخون العرب. وفي اللغات الأوروبية يدعون باسم “اليونان الأرثوذكس”. وهم الأكثرية بين الفئات المسيحية المقيمة اليوم في فلسطين. والكلام في هذه المادة مقصور على هذه الفئة الأخيرة.         بدأ تعدد الطوائف المسيحية في المكان الواحد منذ القرن الخامس الميلادي أي القرن الذي ظهرت فيه الكنائس المونوفيزية*. كذلك بدأ في فلسطين وجود الكنيسة اليعقوبية*، أو كنيسة السريان الأرثوذكس، وإلى جانبها الكنيسة الملكية، أي التابعة لمذهب الإمبراطور أو الملك. وهذه الكنيسة الملكية هي التي أصبحت فيما بعد الكنيسة اليونانية العربية الأرثوذكسية. وعلى حين كان رعايا الكنيسة اليعقوبية كلهم من العرب السوريين أو الفلسطينيين، كان رعايا الكنيسة الملكية من اليونان، ومن العرب المتأثرين بالحضارة اليونانية.         لم تصبح الأرثوذكسية في فلسطين كنيسة مستقلة بطابع متميز من الكنيسة العامة إلا بعد القرن الحادي عشر الميلادي إثر الانقسام الكبير بين الشرق والغرب. ولم تتأثر الكنائس في الشرق بهذا الانقسام إلا بصورة تدريجية. فقد بقيت كنيسة القس مثلاً في القرون التالية على اتصال بكنيستي القسطنطينية وروما على السواء، لهذا فإن تاريخ الأرثوذكسية في فلسطين هو تاريخ المسيحية فيها بصورة عامة حتى القرن الحادي عشر حين تم الانفصال عن روما بدءاً من سنة 1054م.         واستقرت اللغة العربية في الكنيسة الأرثوذكسية بعد الفتح العربي، لأن عدداً من بطاركة القدس وأساقفة سائر الأبرشيات في فلسطين كانوا من السوريين أو الفلسطينيين، كانوا يتقنون اللغتين اليونانية والعربية. وقد أصبح بطريرك القدس في العهد الإسلامي رئيس ملة يتولى إدارة شؤون رعاياه من الناحية الدينية والمدنية.          في العهد الصليبي أقام الصليبيون على الكرسي البطريركي في القدس بطاركة من الفرنجة متحدين مع كنيسة روما. فحلت اللغة اللاتينية في هذا العهد محل اللغة اليونانية. وأصبح رعايا الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، من يونان وعرب، خاضعين لإدارة بطاركة القدس اللاتين (رَ: الفرنجة). عاد البطاركة اليونان الى القدس بعد انقضاء عهد الصليبيين. لكن الكنيسة اليونانية في فلسطين تعرضت لاضطهادات المماليك* مما دعا إلى تعيين بطاركة عرب على الكرسي البطريركي في القدس.         ولهذا يقول المؤرخ قنسطنسيوس الأول بطريرك القسطنطينية (1830 – 1834): ” بعد بطاركة اللاتين كان جميع بطاركة القدس عرباً، وكانوا ينتخبون من بين أساقفة البطريركية، وكلهم من العرب ومن بين الإكليروس الوطني”. وقال دوستاوس بطريرك القدس (1669 – 1707) في تاريخه: “منذ كانت السلطة في أيدي سلاطين مصر لم يكن بطاركة القدس يونانيين، بل كانوا عرباً”.         وكان آخر البطاركة العرب في القدس البطريرك عطاالله، أو دوروتاوس الثاني(1505 – 1534). ويقال أن السلطان العثماني سليم الأول أصدر “فرماناً” يقضي بحرية العبادة للمسيحيين، ويمنحهم السلطة الكاملة على الأماكن المقدسة.         وكان أول بطريرك يوناني في كنيسة القدس البطريريك جرمانس (1534 – 1579). وقد عيّنه الباب العالي وأصبح تعيين البطاركة في القدس منوطاً بسلاطين القسطنطينية الذين حلوا محل الأباطرة اليونانيين. وعمد البطريرك جرمانس إلى تقوية جمعية القبر المقدس للمحافظة على المصالح اليونانية في بطريركية القدس، ولا سيما في الأماكن المقدسة. وانتهج هذا البطريرك سياسة قصد بها إقصاء العناصر العربية عن إدارة البطريركية، وعن المناصب الكنسية العليا.         بدأت العناصر العربية في الكنيسة الأرثوذكسية تطالب بحقوقها منذ القرن التاسع عشر. ومن الدوافع التي أدت إلى هذه اليقظة تعدد المدارس التي أسستها الكنيسة الكاثولوكية في فلسطين والكنيسة الروسية الأرثوذكسية (رَ: الإرساليات الروسية، مدارس). وقد نشطت الكنيسة الروسية بصورة خاصة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى عام 1914، وحاولت أن تحل محل الكنيسة اليونانية في حماية ورعاية الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين. ولهذا حاولت أن تقف إلى جانب العناصر العربية في الكنيسة. يضاف إلى ذلك نشاط الكنيسة الكاثولوكية والبروتستانتية المتزايد بين مسيحيي فلسطين. كل ذلك نبّه العناصر القيادية من العرب الأرثوذكس للمطالبة بحقوقهم.         وكانت العناصر اليونانية تعتمد على تأييد الباب العالي فرفضت جميع المطالب العربية. وأقر الباب العالمي عام 1875 أول نظام كنسي لكنيسة القدس يصدر عن سلطة مدنية غير أرثوذكسية. وقد حدد هذا النظام مهام المجمع المقدس، أو السينودس، وكيفية انتخاب البطريرك. ولم يراع في هذا النظام حقوق العرب، حتى كان عام 1908 فاضطر البطريرك دميانس إلى تقبّل المطالب العربية، فقدّم بعض التنازلات، وكون لجنة مختلطة من اليونان والعرب للإشراف على قسم من شؤون الكنيسة. ولم تكن هذه التنازلات كافية، إذ أنها لم تعط العرب أية سلطة تؤثر في انتخاب البطريرك.           ولما حل الانتداب البريطاني محل الباب العالي، وبدّل بنظام 1875 نظام آخر عام 1934، ظل عاجزاً هو أيضاً عن إنصاف العرب الأرثوذكس. ولهذا قاطع العرب، بعد وفاة البطريرك دميانس سنة 1931، الانتخابات التي أدت إلى تعيين البطريرك تيموثاوس عام 1936 (رَ: الكهنة الأرثوذكس العرب، مؤتمر). وما زال الصراع قائماً حتى اليوم بين اليونان والعرب على الرغم من أن الأكثرية الساحقة من أبناء الكنسية الأرثوذكسية في فلسطين هم من العرب، ولا تؤلف الجالية اليونانية سوى أقلية ضئيلة. تشمل الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين، بالإضافة إلى الكرسي البطريركي في القدس، ست مطرانيات في قيصرية وبيسان والبتراء وعكا وبيت لحم والناصرة، وستة مراكز رئيس أساقفة في اللد وغزة وسيناء ويافا ونابلس وسبسطية وجبل الطور.         وعدد أتباع الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين اليوم نحو 60 ألف نسمة. ويجب أن يكون البطريرك يوناني الأصل، حاملاً الجنسية الأردنية، وعضواً في جمعية القبر المقدس، يساعده في إدارة الكنيسة مطران في الناصرة، وآخر في عمان، بالإضافة إلى المجمع المقدس أو السينودس المكوّن من ثمانية عشر عضواً كلهم من رجال الدين برتبة أسقف أو أرشمندريت، والمجلس المختلط لمدة ثلاث سنوات. وفي دار البطريركية في القدس محكمة كنيسة تنظر في شؤون الرعايا الأرثوذكس بموجب قانون الأحوال الشخصية، ومدرسة لاهوت تأسست عام 1855، وجميع طلابها من اليونان. وفي دير القديسة هيلانة وقسطنطين مكتبة قديمة تحتوي على عدد من المخطوطات الثمينة. المراجع: –        Duchese, I.: Histoire ancienne de l’Eglise, Paris 1910. –         Fliche, A. et Martin, V.: Histoire de l’Eglise, Paris 1939. –         Le Principal Communita Cristiane Oggi n Terra Santa, Ms. –         Mosset, H: Histoires du Christianisme, specialement en Orient, Liban 1948.   الأرجنتين: رَ: أمريكا اللاتينية (دول-)