الآلات الموسيقية

لم تكن الألات الموسيقية في نشأتها غير أدوات ينبعث منها دوي وضجيج، استخدمها الإنسان الفطري للوقاية من ظواهر تخيفه وترعبه، مثل الأرواح الشريرة والأمراض والموت، أولاً لاستجلاب العوامل الخيّرة، مثل هطول المطر بعد انحباسه، أو جلب البنين ووفرة المحصول وغيرها. وقد رافقت الآلات الموسيقية الإنسان المتأثر بتيارات الحضارات البشرية في مسيرته عبر التاريخ، فهي إذن جزء من الحضارات العامة ومرجع تاريخي في التدليل على ما قطعته الشعوب في مسيرتها الحضارية. كانت الآلات الموسيقية ترتقي وتتعدد، ويتعقد تركيبها تبعاً لارتقاء الفن الموسيقي، وبالتالي تعدد فنون ومتطلباته. إن فلسطين، تلك البقعة من الأرض التي تؤلف مع جيرانها العقدة الجغرافية التي تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، كانت منذ القدم ملتقى شعوب كثيرة اجتمعت فيها وكان لتفاعلها أثر في تكوين الحضارة . إن علم العاديات، وبالرغم من أنه لا يزال في بدء رحلته في هذه المنطقة، يقدم من اكتشافاته الأثرية التي تزداد يوماً بعد يوم صوراً لآلات موسيقية ومشاهد احتفالات ترجع إلى العصور التي شاهدت مولد التاريخ وبناء الحضارة وقد وجدت أقدم الآثار التي تتكلم عن الغناء والعزف على الآلات الموسيقية بين خرائب مدن سومر والجزيرة في سوريا والشاطىء الفينيقي على ساحل البحر المتوسط. كما أن المنقبين عن الآثار في هذه المنطقة اكتشفوا صوراً كثيرة وأوصافاً مسهبة لمختلف الآلات الموسيقية التي استعملت منذ 3500 ق.م.، في سومر وبابل وأشور* وكنعان* وآرام.وقد اكتشفت في فلسطين في بقايا صورة لامرأة تعزف على القيثارة. وتعود هذه الصورة إلى ما يقارب الألفي سنة قبل عصر داود عليه السلام (963-923 ق.م(. لم تقم الآلات الموسيقية بمهمة تأريخ المأثورات بتحديد عصر معين أو زمن بالذات، شأن التماثيل أو النقوش أو المسكوكات التي يمكن بها ترتيب أزمة التاريخ وتعاقب عصوره، إنما وقفت الآلات الموسيقية عند حد الإعلام بتنظيمها وترتيب حلقات فيما ظهر منها قبل التاريخ، إذ لم يبق منها إلا ما كان متصلاً بالأصوات التي تجسدها هذه الآلات . إن ندرة الرسوم والنقوش والمسكوكات التي وجدت في فلسطين، لا تساعد على كشف تاريخ وخصائص الآلات الموسيقية فيها، بعكس ما كشفته الرسوم في مصر مثلاً، ولعل الكتب الدينية من توراة* وإنجيل أقدم مرجع تاريخي بين الأيدي، فهي المصدر الوحيد المفصل الذي يقدم فكرة عامة عما كانت عليه الآلات الموسيقية في ذلك الزمن، عن شكلها، ومميزاتها، وضعها، وبالمناسبات التي كانت تستعمل فيها، ومعظمها ديني . كما تذكر أن فلسطين وطن الكنعانيين، وأن الدولة اليهودية استعارت جميع مظاهر الملك من الكنعانيين، من لغة، وعبادات وبعض الفنون. وقد جاء الملك داود بالمغنين الكنعانيين لكي يعلموا خدام الهيكل العزف والغناء. وقد ذكر أولبرايت في كتابه “علم الآثار والدين الإسرائيلي” أن الاحتفالات الموسيقية في الهيكل، المذكورة في التوراة، مشتقة من أصل كنعاني، وقد كان المغنون كنعانيين، كذلك كان عازفو الآلات. وفي أيام داود وسليمان أنشئت الفرق الموسيقية العبرانية عن أصل كنعاني، ويظهر ذلك في أسماء المغنين المشهورين المذكورين في التوراة، فإنها تدل على أصول كنعانية، كما تدل على ذلك أيضاً أسماء اللآلات الموسيقية في التوراة . من الآلات الوترية التي كانت تستعمل في فلسطين قديماً : القيثارة: وقد اقتبسها العبرانيون* من الكنعانيين، وسموها “كنور” وأصل الكلمة “كنر” ويعني أحدث صوتاً كبيراً وصريراً كرنين الوتر عندما يضرب. ولعلها تشبه القيثارة المعروفة باللير Lyre . جاء ذكرها في المزامير، وكانت تستخدم لمرافقة الأصوات . النّبل Nevel : يظهر أن هذه الآلة صنعت باتقان أكثر من الكنور. قال ستينور: ” لذلك كان لها إمكانية أكبر بالنسبة إلى الصوت وإلى ارتفاع درجته”. أما يوسيفوس فيقول: “إن للنبل إثني عشر وتراً، وكانت تضرب (تنقر) بالأصابع وليس بالمضرب” ومن المحتمل أنه كان هناك أحجام وأنواع مختلفة من الآلة. السبكة: لها ثلاثة أو أربعة أوتار على وجه التقدير، وهي صغيرة الحجم تشبه القيثارة المصرية، وكانت تحدث أصواتاً عالية الدرجة. الجتيت: قد يدل اسمها على أنها استوردت من “جت”، وعلى أنها من فصيلة القيثارات. جاء ذكرها في المزامير . الفيترس: أحد أفراد عائلة القيثار، مع اختلاف في الشكل، وفي عدد الأوتار. ومنها ما يحمل ويعلق بالرقبة. ويمكن، بالرغم من عدم التثبت من شكل وحجم تلك الآلات، أن يستخلص أنها كانت تتألف من ثلاثة أجزاء رئيسة، هي الصندوق المصوت، والرقبة، والأوتار. وتختلف عن سائر الآلات الوترية في أن أوتارها تنزل عمودية على صندوقها المصوت، بينما تكون الأوتار في بقية الآلات الوترية الأخرى موازية للصندوق. وهناك فارق آخر بينها وبين باقي الآلات الوترية التي انحدرت منها، كالقانون والسنطور والهارب الحديث، وهو أنها ذات أوتار مطلقة، أي يخصص كل وتر فيها لدرجة صوتية واحدة من درجات السلم . ومن الآلات النافخة: 1.العوجاب: ربما كان من أقدم الآلات النافخة التي ذكرت في سفر التكوين، وقد ترجمت بكلمة “مزمار”. ولعلها مشتقة من كلمة “عجب” التي تهني: تنفس أو نفخ، ومن الممكن أنها كانت مزماراً مؤلفاً من قصبتين، أو من عدة قصبات . 2.الناي: عرفت بالجليل، وتعرف اليوم “بالشبابة”. ولا يزال استعمالها شائعاً في الأوساط الشعبية في فلسطين. جاء ذكرها في العهد الجديد أيضاً . 3.المشروقية (المجوز): وسيأتي حديث عنها عند ذكر الآلات المستعملة الآن . 4.القرن أو الشوقار: ولا تزال تستعمل في أثناء ممارسة شعائر أحد الأيام اليهودية المقدسة. وهي متخذة من قرن الكبش، وتصنع الآن من المعدن . 5.البوق: آلة موسيقية على هيئة القرن، كانوا ينفخون فيها في الأعياد وعند إعطاء علامة الحرب. وكانت أبواق الكهنة من الفضة، وتختلف شكلاً عن البوق المعروف اليوم، فهو مستقيم ذو فتحة أسطوانية، بعكس الشوقار الذي يتميز بالشكل الطبيعي للقرن. وعرف قديماً من آلات الإيقاع: الدف: من أقدم آلات النقر. الصنوج آلة عرفت بالمنعنع، ومعناها إحناء الرأس إلى الأمام، أو ميل الجسم من جهة إلى جهة، أو الهز. ولعلها من أنواع الجلاجل التي تحدث رنينا عند تحريكها. ويستعمل الشعب الفلسطيني في حياته اليومية الآلات الإيقاعية، والآلات النافخة، والآلات الوترية. أو بعضها لتصاحبه في احتفالاته الشعبية والدينية، ولترافقه في أثناء غنائه ورقصه. لكن يلاحظ ندرة استعمال هذه الآلات، أو عدمه في أثناء تأدية المراسيم الدينية، يظهر ذلك جلياً عند المسلمين والمسيحين أيضاً. وقد تستعمل أحياناً بعض الدفوف والنايات في احتفالات الأذكار والموالد عند المسلمين .والآلات بجميع أشكالها وأنواعها محرم استعمالها في طقوس الطائفة الأرثوذكسية* التي تؤلف أكبر طائفة مسيحية في فلسطين. الآلات الإيقاعية: لعل أول آلة استعملها الإنسان للإيقاع كانت يديه حين أراد إحداث صوت ينم بإيقاعه على انفعاله، فيرتاح إلى جرسه المنتظم، ويطرب إلى وقعه. فإن التصفيق المنتظم الذي يصاحب إيقاع اللحن وتوابعه ظاهرة فنية في فلسطين، تتبعها النسوة والأحداث أثناء احتفالات الزفاف والرقص، ويتداولها الرجال في أثناء السحجة* والدبكة* والسامر*. 1. الفقاشات (أو الكاستانيت): أعطى المستشرق جورج فارمر تفسيرين لتسمية الكاستانيت: إما لكونها مصنوعة من خشب الكستة، وإما تحريف “كاستان” مثنى كاسة . كانت “الفقاشات” أو “الصناجات” تعرف بأخشاب الرقص، لأنها كانت تصنع من خشبتين، أو عظمتين مجوفتين تلبسان في الأصبع الثالثة والإبهام من كل يد. وتستعمل النساء الفقاشات بهذه الطريقة، ويلاحظ أن النسوة، غالباً محترفات الرقص، هن اللواتي يستعملن الفقاشات في الرقص . يعود تاريخ ظهورها الأول، إلى الدولة المصرية القديمة. أما بعد ذلك فقد أصبحت تصنع من حديد أو معدن، وكثر استعمالها في الكنيسة القبطية، ثم انتشرت في البلدان المجاورة، وقد نقلها الإسبان عن عرب الأندلس في القرن الحادي عشر الميلادي. 2. الطبل: عرفت المماليك القديمة في الشرق أنواعاً مختلفة من الطبول، وقد انتقلت إلى أوروبا في القرن الثالث عشر الميلادي عن طريق العرب في الحروب الصليبية. وكانت هذه الطبول تستخدم في الشرق في الحروب، وفي بلاط الملوك والحكام لأداء إشارات التعظيم في نوبات معينة. تصنع الطبول المستعملة في فلسطين من إطار خشبي يبلغ قطره خمسة وأربعين سنتمتراً، يشد على كلا جانبيه جلد مربوط بحبال، ويضرب بعصوين، وأحياناً بعصاً واحدة، فيهتز الجلد محركاً الهواء الذي يحيط به فينطلق إلى الآذان. ويستعمل أهل فلسطين الطبول عادة في المواسم والأعياد. فالمواكب الشعبية التي كانت تقام في أثناء أعياد ستنا مريم وسبت النور والنبي موسى والنبي صلح وغيرها تتصدرها الفرق الموسيقية التي يؤلف الطبل فيها عنصراً أساسياً. 3.الدف: وهو دائرة من الخشب، ملصق عليها رق غزال أو أرنب أو سمك أو ما يشبهه، وتحلى تلك الدائرة بالنقوش والصدف، وأما الصنوج فتصنع عادة من المعدن، يمسك الدف باليد اليسرى، ويضرب باليد اليمنى. وتكون الضربة الحقيقية على طرف الرق أو على الصنوج، وتعرف “بالتك”، أما الضربة القوية في وسط الدف فاسمها “الدم”. ومن البديهي أن الصوت المتأتي من الضرب على الدف يتلاشى بسرعة، وهو أسرع إلى التلاشي كلما صغر حجم الدف، فإذا أريد استمرار الصوت وجب الضرب على الدف ضرباً متلاحقاً. وهناك دف كبير يكبر الدف السابق ذكره بأربع أو خمس مرات، تعلق على دائرته الخشبية حلقات من حديد تهتز عند تحريكه، ويعرف هذا بالمزهر. ويستعمل المزهر في حفلات الأعراس، وفي حفلات الزار. وهناك مزهر تشد في داخله أوتار رفيعة تساعد على إطالة زمن التذبذب، وبالتالي إطالة زمن الصوت، ويعرف بالبندر. وجميع هذه الآلات أي الدف والمزهر والبندر ذات رق مشدود على جانب واحد منها فقط. 4. النقارة: مكونة من كاستين خشبيتين، أو من فخار، أو صلصال مجوف، وعليها جلدتان مشدودتان. توضع هذه الآلة على ركيزة سطحية الشكل أمام العازف الذي يضربها بعصوين (بعودين من خشب). ثم صارت الكاستان تصنعان من المعدن. كان العرب يضعونها على ظهور الجمال. وأول من أتى على ذكر هذه الآلة عند العرب هم إخوان الصفا، وذلك في القرن العاشر الميلادي . ظهرت هذه الآلة في أوروبا في القرن الرابع عشر، بعد الحروب الصليبية، وبقيت محتفظة باسمها الشرقي. تعرف عند الفرنسيين باسم نكير  Nacair، وعند الايطاليين باسم نكروني  Nachroniوعند الإنكليز باسم نيكرس Nakers. ومما تجدر الإشارة إليه حجم هاتين الآلتين، إذ تكبر إحداهما الأخرى نسبة معروفة، تعطي صوتاً إذا ما ضرب عليها يعلو صوت الأخرى بخمس درجات. 5.الدربكة: ولها شكل يخالف الطبل؛ فهي أنبوب ينتهي بما يشبه البوق، يشد عليها رق. تصنع الدربكة من طين (فخار) أو معدن نحاس، وينقر عليها باليدين وأحياناً بالإبهام والخنصر فقط، غير أن هنالك طرقاً أخرى يتقن العازف بتكوينها والإبداع بأدائها. يكثر أهل فلسطين من استعمال الدربكة، ولا يخلو حفل شعبي أو عائلي من الدربكة. ويظهر أن للدربكة عند نساء فلسطين منزلة محببة، ولعلها الآلة الوحيدة التي تتقنها القروية والمدنية على السواء. وتظهر الفلسطينية تجاوباً كبيراً مع الإيقاع، وهي تشجع أخواتها على ممارسة الضرب على الدربكة. وكثيراً ما يشاهدن متجاوبات بعزف إيقاعي منتظم ومطور على الدربكة. إن المرأة العربية العادية في فلسطين لا تزاول العزف على أي من الآلات الوترية أو النافخة، باستثناء عدد قليل من نساء المدن اللواتي يمارسن العزف على العود . 6.البازة: وهي نوع من أنواع النقارات تشبهها شكلاً، غير أنها تختلف عنها بصغر حجمها، وفي أن لها مقبضاً في مجامع بوقها يمسك به. إن صوتها غير موسيقي يفتقر إلى الرنة والجمال، يطرق عليها المسحرون بسوط من الجلد لإيقاظ النائمين ودعوتهم إلى السحور والصلاة كما يستخدمها رجال الطرق الصوفية في زواياهم. ب – الآلات الوترية: تخضع جميعها لمبدأ واحد، وإن كانت طريقة تركيب أجزاء بعضها تختلف عن الأخرى. الرباب: لعلها أكثر الآلات شعبية في فلسطين، بل لعلها أخلص ما يخدم الموسيقى الشعبية فيها. ويؤكد وجود هذه الآلة عند العرب كل من الفارابي وإخوان الصفا ومحمد بن أحمد البكنجي، ويجمعون على أنها عربية الأصل. وكان الفرس يكثرون من استعمالها ويدعونها “كمان” بمعنى قوس. وقد امتاز العرب عن جميع الأمم باستعمالهم الرباب، وحبهم إياها، وتوجد عندهم على أنواع كثيرة، منها ذات العنق الطويل والصندوق الجلدي المصوت المربع الشكل ويعرف برباب الشاعر، ويسمى أيضاً برباب أبي زيد الهلالي لأن رواة قصص أبي زيد كانوا يكثرون من ذكره. ومنها ذات العنق القصير والصندوق الخشبي المستدير، ويعرف بكمنجة العجوز، وجميعها ذات ثلاثة أوتار فقط: وتجر بقوس. وأما الرباب التركي، وهو النوع الثاني المذكور من قبل، فيسميه المصريون  “الأرنبة”. ويستعمل أهل فلسطين رباب الشاعر البسيط، ويصنعونها بأنفسهم. وهي مكونة من صندوق جلدي متساوي الجوانب، لها وتر واحد، وتجر بقوس مصنوع من ذنب الحصان. وترافق الرباب المغني في أغلب أغانيه الشعبية: العتابا، والميجانا، ودلعونة إلخ … كذلك في السير الشعبية والأقاصيص. وتستثنى غالباً من مصاحبة حلقات الدبكة*، ويفضل عليها المجوز والناي. ومما يدل على تأثير الرباب في طريقة أداء المغني، ما يلاحظ من قفلات غريبة يقوم بها المغني محاولاً تقليد جر القوس على الرباب، وهناك صعوبة كبيرة في “تنويط” مثل هذه القفلات. العود: هو عماد التخت الشرقي، وقد اختلف المؤرخون في المكان الذي ظهر فيه أول مرة؛ فمن قائل إنه في العراق منذ زمن بعيد، ومن قائل عند الأشوريين، وهذا يناقض قول من ذهب إلى أن المصريين مخترعوه. ويقال أن العود وجد في القرن الثالث للميلاد في أيام الملك شابو ملك الفرس. ويناقض هذا القول المؤرخ المعاصر كورت زاكس، إذ يدعي أن العود وجد في أوكسترا الصين بين عامي 256 ق.م. و270 ق.م. انتقل العود من المماليك القديمة إلى العرب في العصور الوسطى، واحتضنه المدنيات العربية في عصورها الزاهرة، وأدخل العرب عليه تحسينات في الأندلس، فكبروا صندوقه، وفتحوا فيه فتحة تدعى الشمسية تساعد في رنين الصوت، وزاد زرياب الموسيقي الكبير على العود وتراً خاماً، واستعمل في الضرب على أوتاره ريشة نسر. وانتقل العود من الأندلس إلى شمال إفريقيا، وإلى أوروبا، حيث أطلقوا عليه اسم لوت Lute ، وبقي هناك مدة لا تقل عن ثلاثة قرون. وله مركز مرموق بين الآلات الأوروبية، وهو أول آلة كتب لها الموسيقيون مقطوعات آلية منفردة بالمعنى الفني الصحيح. ويتكون العود المستعمل في الوقت الحاضر من صندوق مصوت من الخشب، مغطى بغطاء من الخشب فيه فتحات لإخراج الصوت منه، عنقه قصير مشدود عليه أوتار خمسة من حرير أو من مصران (ومؤخراً من نايلون) تكون مجامع ثنائية، كل منهما من نوع وتر واحد، ما عدا الوتر الأول. وبلغ من ولع العرب بالعود درجة تشخيص أجزائه، فسموها بالصدر، والضهر، والرقبة، والعيون، والآذان والأنف والمنابض . كان الفلسطينيون يستوردون الأعواد من مصر ومن سورية غير أن ذلك لم يحل دون صناعته المحلية. ولعل أسرة القرعة في القدس هي أشهر من احترف هذه الصناعة .وقد برع فنانون فلسطينيون بالعزف على هذه الآلة . القانون: وهو من الآلات الوترية التي استعملها العرب منذ القدم. ويختلف عن العود والطبور في عدم وجود عنق له، ويختلف عنه أيضاً في كثرة الأوتار المشدودة عليه ليحدث أصوات السلم التي تستطيع الأصابع إخراجها على الوتر الواحد في العود. اختلف المؤرخون في زمن ظهور القانون ومكانه، كما اختلفوا في كثير من الآلات الشرقية القديمة، فمن قائل إنه اخترع في آسيا الصغرى قبل الميلاد، ومن قائل إن اليونان هم مبتدعوه . ويرجح أن العرب استعملوا القانون قبل الإسلام بأمد بعيد، مع أن رواتهم لم يذكروه أو يصفوه باسم القانون. ولعل “المعزف” هو أقرب موصوف يشبه آلة القانون، وقد ذكره الليث بن نصر والفارابي الذي قال ما معناه أن العرب كانوا يستعملون آلة كثيرة الأوتار من التي ينفرد كل وتر منهما بإصدار صوت من أصوات السلم، بخلاف العود الذي تصدر منه الأصوات بوضع الأصابع على الأوتار لتقصيرها وإطاتها وإصدار أصوات مختلفة على وتر واحد، وجعل “المعزف” مثالاً لتلك الآلات. وهذا الوصف يطابق القانون. وينسب ابن خلكان إلى الفارابي ابتداع هذه الآلة، لكن الفارابي لم يذكر شيئاً عن هذا في كتابه الموسيقي. وذكرت هذه الآلة باسمها، أي القانون، في قصة علي بن بكر وشمس النهار وعمر بن نعمان وابنه في قصص ألف ليلة وليلة. ولما دخل العرب الأندلس أخذوا القانون معهم. ويخير الشقندي الكاتب الأندلسي أن القانون كان من أهم الآلات في الأندلس وكان يصنع في سوق صناعة الآلات الموسيقية هناك. تطور شكل هذه الآلة مع الزمن حتى وصل إلى هذا الشكل الذي يعزف اليوم، فهو مكون من صندوق مربع منحرف، مشدودة عليه أوتار عددها ستة وعشرون، أو ثمانية وسبعون وتراً، لأن كل ثلاثة أوتار تعطي نغمة واحدة. وتمر هذه الأوتار موازية للصندوق، وتربط في الجهة اليمنى على جلد سمك لزيادة رنين الصوت، يدعى الرق، وله مفاتيح من الجهة اليسرى. وترفع هذه الأوتار بخشبة تعرف بالفرس، وبجوار هذه المفاتيح قطع صغيرة من المعدن تفتح وتقفل كالمفصلات، وتسمى “العرب”، ومفردها عربة. ويضرب أو ينقر على أوتاره بأجزاء من قرون خروف أو ما يشابهها. ويكون العزف على القانون باصبعي السبابة، فتعزف النغمة الواحدة وجوابها مرة واحدة، وهذا ما يميزه من باقي الآلات، ويجعله أغناها . الكنارة أو السمسمية: آلة وترية مصنوعة من الخشب، أو قطعة من المعدن مغطاة برقم. وهي قطعة من الجلد الرقيق تلصق بوجه الآلة تحت موضع الضرب، مستوى أوتارها مواز للصندوق المصوت، ومثبتة أوتارها في إطار خشبي قد يكون أحياناً غير منتظم الأضلاع. وطريقة استعمالها أن تحمل معلقة أفقية أو رأسية أمام الصدر وتنبر اليد اليسرى عادة الأوتار من خلف الآلة، وتضرب عليها اليد اليمنى من جهة الأمام بغماز، وقد تجعل تلك الآلة رأسية أمام الصدر. وهي ذات خمسة أوتار وطابع خماسي. ج- آلات النفخ: من أقدم الآلات الموسيقية، عرفتها مصر قبل العصر الفرعوني، وهي: الناي: في اللغة الأكادية “نايو”، ومعناه الندب والحزن، ففي أسطورة “عشتار وتموز”  تندب آلهة الحب عشيقها القتيل قائلة: “لقد أصبح قلبي كالناي الحزين”. وفي التوراة يرثي ارميا خراب مآب قائلا: “إن قلبي يبكي على مآب كالقصب”. ولم يقتصر استعمال الناي فقط على النواح والبكاء، فقد جاء ذكره في وصف الاحتفالات المدنية المرحة، لمصاحبة الغناء والرقص وغير ذلك من الأعياد العامة . ويتكون الناي من أنبوب من القصب، فيه ثقوب على مسافة معينة تعطي سلماً موسيقياً معلوماً، لذلك فإن العازف إذا أراد أن ينتقل من مقام إلى آخر وجب عليه تبديل الأصابع من ثقب إلى آخر، لأن المسافات بين ثقوبة تعطيه المقام المرغوب فيه. وتوضع آلة الناي أثناء العزف على حافة الشفة بشكل عمودي. وللناي صوت شجي عذب، لم تستطع الاختراعات التي أتت فيما بعد تقليده، وإن سهلت طرق العزف عليه . ولا شك في أن عدم وجود صفارة في فم الناي تقيد كمية الهواء فيه يساعد في تكييف الصوت وإظهار عواطف العازف . والناي في فلسطين مؤنس الراعي في وحدته، يخفف عنه آلامه وهواجسه ومشقة عمله، وتطرب له المواشي وتستأنس. كما أن الناي خير مصاحب لحلقات الدبكة .ولكثير من الأغاني الشعبية ذات الإيقاعات المختلفة . اليارغول: آلة ذات لسان واحد، تكون إما يارغولاً منفرداً، أو يارغولاً مزدوجاً. ويتكون المفرد منه من قصبة ذات ثقوب يكون في الجزء الملامس للفم منها لسان ملصق طرفه الأعلى بالقصبة، فإذا نفخ فيه اهتز اللسان محركاً الهواء، ويتكون اليارغول أو الأرغول المزدوج من قصبتين من هذا النوع، غير أن القصبة الثانية غير مثقوبة، ولهذا من الطول ضعف الأولى تقريباً. وقد اشتق من هذه الآلة الكلارينيت  Clarinetteوالسكسية وما يماثلهما، والأولى مصنوعة من الخشب والثانية من المعدن. المزمار: يصدر الصوت منه باهتزاز لسانين في الجزء الملامس للفم فيه. والمزمار البلدي من هذا النوع، غير أن طرف بوقه يكون في تجويفه، بخلاف الكلارينيت إذ يكون طرف بوقها خارجاً بما يشبه الإطار. ووصل تحسين الصناعة في المزمار إلى آلتي الأوبوا والباسون بأنواعهما. 4. المجوز: هو الآلة النفخية الأكثر شيوعاً في فلسطين. وما هو إلا مزمار مثنى، غير أن فتحته مستديرة وليست مخروطية كالمزمار. ولا يخلو النفخ في هذه الآلة من صعوبة لما تتطلبه من مواصلة التنفس من الأنف فقط، ويكون الفم مخزناً للهواء، يمد الآلة بتيار هوائي متواصل. وبالنظر إلى صعوبة النفخ في هذه الآلة، يتعذر التلاعب في مرونة الصوت، التعبير من درجات شدته، فتصدر الأنغام على وتيرة واحدة من الشدة، غير أنها تلائم تماماً موسيقى الدبكة . ومما يسترعي النظر كثرة الأمثال العامية الفلسطينية التي ذكرت الآلات الموسيقية، يستشف منها، بالإافة إى معانيها الاجتماعية، وسخريتها للاذعة، وحكمها وتشابيهها التي تكون شاهداً مخلصاً على أحاسيس الفلسطيني وعلى مزاياه الخلفية ومفهومه لمجتمعه، يستشف تجاوب الموسيقي: مابتسلمش سر شاعر وبإيده ربابة . يموت الزمار وأصبعه بيلعب صوت الطبل بودي لبعيد يلحق عَ النقارتين . زاد في الطنبور نغم. وقت عرسك عيرني دفك. الناي في كمه والهوا في تمّه. المراجع: – محمود أحمد الحفني: علم الآلات الموسيقية. – حسني حداد: في الموسيقى السورية. – Curt Sachs: History of Musical Instruments New York 1940. – Curt Sachs: The Rise of Music in the Ancient World, East and West, New York 1943. – Clair Polin: Music of the Ancient Near East, New York 1954. – Farmer H.G.: A History of Arabian Music to the 13th century London, 1929. – Mckinnay and Anderson: Music in History 1954. – Paul Lang: Music in Western Civilization New York 1941.