الآراميون

يطلق لفظ الآراميون على مجموعة من القبائل التي تنطق بالآرامية*، إحدى اللهجات السامية الشمالية الغربية مثل الكنعانية والعربية. وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى أصلهم إلى جزيرة العرب، أو أنهم عاشوا فيها قبل مجيئهم إلى الشام، وانتشروا في بلاد الهلال الخصيب، بين بابل وحوض الخابور، والفرات، وشمال سوريا حتى فلسطين. ومصادر التاريخ الآرامي تعود إلى التوراة* والنقوش والسجلات الآشورية، وبعض الكتابات والآثار الآرامية. وتشير التوراة إلى إسم آرام بين أبناء سام بن نوح، ثم تشير إلى آرام النهرين، وفدان آرام، وآرام دمشق، وآرام صوبة، وتعرج على ذكر الحروب الآرامية اليهودية في أسفارها، منذ أيام داود عليه السلام 1004-963ق.م، وأيام سليمان بن داود عليه السلام 963-923ق.م. أما النقوش الآشورية فتذكر أخبار الحروب مع الآشوريين، أيام تغلات فلاسر الأول 1115-1077ق.م. فقد ذكرت أن تغلات فلاسر تمكن من التغلب على “الاخلامو والآراميين” وأجبرهم على التراجع إلى ما وراء الفرات، وتعقبهم حتى معاقلهم في جبال بشري، أي أضاف الآراميين إلى إسم الاخلامو، أي الرفاق أو الأحلاف. استقر الآراميون بالجزيرة الفراتية، وبلاد الشام، منذ القرن الحادي عشر ق.م، في الفترة من 1077-911 ق.م، مستفيدين من ضعف الآشوريين*، بعد موت تغلات فلاسر الأول عام 1077ق.م، وانهيار الإمبراطورية الحثية*، على يد شعوب البحر، ومنهم الفلسطينيون*، الذين استقروا في ساحل الشام الكنعاني، الذي أخذ أسمهم. وأقام الآراميون عدة ممالك سمأل (شمأل)، ثم بيت أغوشي، ومملكة حماة على نهر العاصي، ثم آرام صوبه في البقاع، والتي ربما ألفت مملكة واحدة مع بيت رحوب علي الليطاني، ومع بيت معكة، وجشور في شرق الجليل. وأخيراً أسس الآراميون مملكة آرام دمشق، أشهر الممالك الآرامية وأهمها، وهي التي تولت الزعامة مدة من الزمن.  ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الممالك لم تستطع أن تقيم دولة آرامية موحدة، ذات شأن في المنطقة. وكل ما سجلته المصادر من محاولات، في هذا الصدد، تعود إلى أيام حدد عزر ملك آرام صوبه، الذي حاول إيجاد تحالف آرامي مع العمونيين، والمؤابيين، والايدوميين* في كل من فلسطين وشرقي الأردن، للوقوف في وجه التوسع العبراني*، أيام داود عليه السلام  1004-963ق.م، والذي تمكن من التغلب عليهم. ولكن رصين الأول، ملك دمشق، استأنف القتال مع العبرانيين، وتمكن من هزيمتهم، أيام سليمان عليه السلام 963-923ق.م، وفرض سيطرته على أكثر الإمارات الآرامية من حماة حتى شرق الأردن. ثم قام ملك دمشق بن حدد الأول 879-843ق.م واستغل الإنقسام الحاصل في المملكة العبرانية، بعد موت سليمان، واتفق مع ملك يهودا، القسم الجنوبي من مملكة سليمان، لمهاجمة إسرائيل، القسم الشمالي من مملكة سليمان، وتمكن من هزيمة قواته، وانتزع منه جلعاد في شرقي الأردن وأجزاء من الجليل. واستطاع بن حدد الأول أن يجهز جيشاً كبيراً باشتراك 12 ملكاً لمواجهة التقدم الآشوري، في موقعة قرقر، شمال سوريا، عام 853 ق.م، والتي انتهت بدون نتيجة حاسمة. بلغت مملكة آرام دمشق الأوج، أيام الملك حزائيل 842-796ق.م، الذي حارب الإسرائيليين وأرعبهم، من الأردن حتى وادي أرنون، وهدد مملكة يهودا، ولكن المملكة ضعفت أيام خلفائه، وتعرضت للهجمات الآشورية، أيام تغلات فلاسر الثالث، الذي تمكن من الاستيلاء على دمشق، عام 732ق.م. ولما حاول السكان الثورة، قدم الملك الآشوري صارغون الثاني، عام 720ق.م. وحطم المقاومة الآرامية في حماة، وقضى نهائياً على استقلال الآراميين. وعلى الرغم من أن الآراميين لم يتمكنوا من النجاح في الميدان السياسي والعسكري، لاختلافهم وانشقاقهم إلا أنهم احتلوا مكاناً بارزاً في الميدان الحضاري، فبعد أن ضعفت الدول المجاورة للآراميين، من بابليين، وأكاديين، وآشوريين، وحثيين استطاعوا أن ينتشروا في البلاد المجاورة من الهلال الخصيب، ويؤسسوا لهم فيها ممالك، واتصلوا بشعوب المنطقة، وأثروا فيهم. وكان الآراميون قد اشتهروا في الميدان التجاري، فكانت قوافلهم تسيطر على طرق التجارة والمواصلات بين مناطق الهلال الخصيب، حاملة الأرجوان من الشام (فنيقية)، والمنسوجات والمطرزات من دمشق، والكتان والنحاس والأبنوس والعاج من أفريقيا، فازدادت ثروتهم وتقدمت زراعتهم، وصناعتهم وتحسنت علاقتهم بشعوب المنطقة، وكل هذا عمل على انتشار اللغة الآرامية السهلة الكتابة، والتي أصبحت تسود مناطق فلسطين والشرق الأدنى بفضلهم (رَ: الآرامية). وأما ما يتعلق بالناحية الدينية، فقد تأثر الآراميون بما حولهم، فعبدوا آلهة سومرية وأكادية، وحثية، وكنعانية وفنيقية وغيرها. وكان أهم آلهتهم حدد أو “هدد” أو”رامون”. وقد مزجوا بينه وبين “تشوب” إله الزوابع، والرعد لدى الحوريين. وكان أكبر معبد له في مدينة هيرابوليس (منبج) في شمال سوريا، كما كان له معبد في دمشق. وكانت تعبد مع حدد زوجته “أتارغاتيس” التي اشتق اسمها من الآلهتين الفنيقيتين، “عشتاروت” و”عناة”، وهي آلهة الخصب والأمومة، وانتشرت عبادتها بين اليونان والرومان. وكذلك عبد الآراميون إله القمر البابلي”سين”، وإله الشمس الآشوري “شمس”، وإله العاصفة والحرب الفنيقي “رشف”، والآلهة الكنعانية “ايل وبعل شمين”. وفي ميدان الفنون الجميلة تأثر اللآراميون بشعوب منطقة “الهلال الخصب”، واستخدموا النحاتين والنقاشين الكنعانيين، واتبعوا أساليب الحوريين والبابليين، والحثيين في العمارة والنحت، والنقش والزخرفة، غير أنهم لم يبلغوا مستوى الأصالة في الإبداع الفني، لذلك اقتصرت أهميتهم التاريخية على التقريب بين الأمم والمزج بين الحضارات القديمة، وحفظ تراثها. المراجع: –         قاموس الكتاب المقدس، بيروت، 1971م. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1/ق1، بيروت، 1973م. –         Dupont- Sommer. A: les Aramens, paris 1949. –         Dussaud, R.la Penetration des Arabes en syrie avant L’Islam, paris, 1955. Encyclopedia Universalis.