الآبار

يرتبط الحديث عن الآبار في فلسطين بموضوعين هامين، هما المياه الجوفية والصخور* الحاملة للمياه من جهة، والمناخ* السائد في المنطقة من جهة ثانية. ففي جميع أنحاء فلسطين تقريباً تسود درجات حرارة سنوية عالية نسبياً، تسبب عجزاً في الرصيد المائي والموازنة المائية السطحية، نتيجة انخفاض كميات الأمطار السنوية، وارتفاع مقادير التبخر والنتح السنويين. إن الأجزاء المطيرة من القطر، وهي المرتفعات الجبلية في الجليل* خاصة، والكرمل* ومرتفعات نابلس* والقدس* والخليل* بصورة عامة، فقيرة بالمياه السطحية الجارية على مدار العام، بسبب انتشار الصخور الكلسية ومثيلاتها من الصخور المنفذة للمياه التي تغذي المياه الجوفية. ويعود قسم من هذه المياه فيظهر على شكل ينابيع وعيون متفرقة في الأقسام الوسطى والغربية من فلسطين، لكنها ينابيع وعيون قليلة الأهمية، عدا نبعي رأس العين* والكابري* وعيون أخرى أصغر (ر: عيون الماء). لذا اضطر الإنسان الفلسطيني منذ العصور التاريخية القديمة إلى البحث عن المياه بحفر الآبار (ر: العصور القديمة)، ومع تطور وسائل الحفر والوصول إلى المياه الجوفية إزداد عدد الآبار فأصبحت تعد بالآلاف في الوقت الحاضر، معظمها تؤخذ المياه منها بالمضخات الآلية. وقد دفع إزدياد طلب المياه إلى حفر آبار عميقة تصل إلى طبقات صخرية بعيدة حاملة للمياه. ويجري ذلك في الجزء المحتل منذ عام 1948، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً. يراوح عمق الآبار في فلسطين بين المتر الواحد، كما في آبار البساتين الساحلية في خان يونس*، المعروفة بالمواصي، وبين أكثر من 500م، كما في معظم آبار منطقة القدس، وهكذا يتزايد عمق الآبار في فلسطين مع الابتعاد عن السهل الساحلي* والاتجاه نحو الشرق الجبلي – الهضبي. ففي السهل الساحلي تراوح الأعماق خارج بساتين المواصي بين 20 و30م أو 30 و40م وتصل الأعماق إلى 60 – 70م في مناطق التلال* وحضيض جبال فلسطين الغربية. وتزيد حتى 100 – 250م في السفوح الغربية للجبال المذكورة. أما في الجبال نفسها فتراوح الأعماق بين 200 و500م أو أكثر. وليست هذه هي القاعدة العامة في الأعماق نظراً لاختلاف مظاهر السطح وفروق الارتفاع في تضاريس فلسطين، إذ توجد آبار قليلة العمق في المرتفعات والجبال، كما هي الحال في آبار منطقة الخليل، فعمق بئر بلدية الخليل 57م فقط. وبشكل عام فإن آبار الأودية أو السهول أقل عمقاً من آبار المرتفعات. توجد المياه الباطنية في فلسطين في طبقين، الأول هو طبقة الصخور البليوسينية – البلايستوسينية المنتشرة في السهل الساحلي الفلسطيني (ر: البنية والبناء الجيولوجي). ويتراوح ارتفاع مستوى مياه هذه الطبقة من الصفر على ساحل البحر، حتى 150 – 200م عند التلال وحضيض الجبال في الشرق، وتزيد على ذلك في الجبال .وتعتمد آبار فلسطين الواقعة غربي خط تقسيم المياه العام بين البحر المتوسط من جهة وغور الأردن ووادي عربة* من جهة أخرى، اعتماداً أساسياً على مياه هذه الطبقة لقلة أعماقها بالقياس إلى الطبقة الثانية، ولانخفاض نسبة الملوحة في مياهها، تلك الملوحة التي تتزايد بالاتجاه غرباً والاقتراب من ساحل البحر المتوسط ، فتصل في بعض مناطق الساحل إلى نسبة عالية تقدر بنحو 600 – 1000 ملغم في الليتر الواحد، كما هي الحال في منطقة مجمع يافا – تل أبيب السكاني وأطرافه. أما الطبقة الثانية فتقع أسفل الطبقة الأولى، ومياهها محمولة في صخور التوروني – السينوماني. ومياه هذه الطبقة قليلة الغزارة إذا ما قورنت بمياه الطبقة العلوية. لذا فإن الآبار التي تعتمد عليها قليلة الأهمية وعميقة، ومنها آبار المرتفعات الفلسطينية، وآبار الجناح الشرقي الواقع بين خط تقسيم المياه العام وأطراف غور الانهدام. يقل عدد الآبار المستغلة في فلسطين جنوبي منطقة الخليل وغزة، فلا يتجاوز عددها في جنوب البلاد والنقب 100 بئر، لأن المنطقة صحراوية قليلة الأمطار، فلا تغذية كافية للمياه الجوفية، ولا تجديد لما استؤنف منها. يضاف إلى ذلك عمقها وارتفاع نسبة الأملاح في معظمها. وأكثر آبار الجنوب الفلسطيني قديمة حفرت على امتداد طرق القوافل، أو في بطون بعض الأودية، أهمها آبار بير السبع (24 بئراً)، وآبار العوجا* (5 آبار)، وعسلوج* (3 آبار). تعرضت آبار فلسطين ومازالت تتعرض لانخفاض في مستوى مياها، بل لجفاف قسم كبير منها، بسبب الاستنزاف الكبير للمياه الجوفية التي تغذيها (رَ: الجفاف)، إذ انتشرت زراعة الأشجار المثمرة والخضر المروية مع انتشار الاستيطان الاستعماري الصهيوني في شتى أنحاء فلسطين. إضافة إلى ازدياد الطلب على المياه العذبة للاستعمالات المنزلية والصناعات المختلفة، مما يهدد المخزون المائي الباطني لفلسطين. وبالرغم من تعويض الكيان الصهيوني النقص في المياه بجر مياه الينابيع والأنهار بأقنية موزعة، فان سياسته المائية لم تتغير في مجال استغلال ثروات فلسطين المائية الجوفية والسطحية، وهذا ما يدفع الكيان الصهيوني للبحث عن مصادر مياه تقع خارج حدود فلسطين، كما هي الحال بالنسبة إلى منابع الأردن في لبنان وسورية، مع ما يرافق ذلك من سياسات توسّعية عدوانية. ومما يؤكد اعتماد الكيان الصهيوني على المياة الجوفية، ارتفاع كمية مصادر المياه الجوفية إلى 1.000 مليون م3 عام 1980 من أصل مجموع مياه مصادر الكيان في العام نفسه، والبالغ 1.810 ملايين م3. علماً بأن هذا الرقم يشتمل على ما يكرر من مياه البحر، وعلى ما يعاد تكريره من مياه المجاري الخارجة من المدن. ولا تؤلف مصادر مياه نهر الأردن* وبقية الأنهار والينابيع سوى 700 مليون م3. وهذا يعني أن قرابة 60% من مياه فلسطين هي من مصدر باطني. كان استهلاك الكمية المائية المذكورة عام 1980 موزعاً على الشكل التالي: 1.260 مليون م3  للأغراض الزراعية 0.400 مليون م3  للاستهلاك المنزلي 0.150 مليون م3  للأغراض الصناعية 1.810 مليون م3      المجموع ويتزايد استهلاك الكيان الصهيوني من المياه، ويقدر له أن يصل عام 1985 إلى ما بين 2.000 و2.100 مليون م3. مما سيدفع هذا الكيان إلى البحث عن مصادر مائية أخرى خارج حدود فلسطين. وقد عمل الكيان على استغلال هذه المصادر استغلالاً تاماً، حتى في الضفة الغربية التي احتلتها عام 1967، إذ حفر فيها الآبار الكثيرة وأقام عليها مضخات عالية الطاقة، مما أضر بالزراعة العربية نتيجة الانخفاض السريع والمستمر لمنسوب المياه الباطنية، ولانخفاض تصريف الينابيع، فجفت 16 بئراً و11 ينبوعاً في منطقة بردلة وحدها، وأصيبت منطقة العوجا في وادي الأردن شمالي أريحا* بكارثة حقيقية، ورحل ثلاثة أرباع السكان عنها بسبب حفر المستوطنين الصهيونيين ثلاث آبار قرب نبع القرية (نبع العوجا وتصريفه السنوي حوالي 5.7 مليون م3) وأدى ذلك إلى انخفاض تصريفه أولا، ثم جفافه التام عام 1979. وكان من نتائج هذا النوع من الاحتلال الصهيوني للأرض وللماء جفاف 1.300 دونم من مزارع الموز* و150 دونماً من الحمضيات* وتقلص زراعة الخضر العربية بمقدار 2.000 دونم. وأخيراً هناك نوع من الآبار في فلسطين، يسمى آبار الجمع. وهي منتشرة في فلسطين وقراها العربية منذ أقدم العصور. وتجمع فيها مياه أمطار وتخزن لاستعمالها في شتى الأغراض خلال فصل الجفاف*. فهي آبار لا تعتمد على المياه الباطنية، بل على الأمطار والسيول السطحية. وبالرغم من أهمية هذا المصدر المائي فإن الإهمال وعدم العناية آخذان بالتسرب إلى هذه الآبار التي يقدر عددها بنحو 8000 بئر.   المراجع: –         الصندوق القومي الفلسطيني: تقرير الموارد والسياسات المائية في الضفة الغربية (دون تاريخ ومكان (. –         Blake, G.S. and Goldschmidt, M.J. Geology and Water Resources of Palestine, Jerusalem 1947. Government of Palestine, Department of Land Settlement and Water Comissioner: Chemical Analysis of Water from Rivers, Springs, Wadis and Wells, Jerusalem 1948.